رواية لإجلها الفصل السادس وخمسون56 الجزء الثاني بقلم أمل نصر حصريه في مدونة قصر الروايات
رواية لإجلها الفصل السادس وخمسون56 الجزء الثاني بقلم أمل نصر حصريه في مدونة قصر الروايات
الفصل السادس والخمسون
توقفت السيارة المزينة بالورود بعد رحلة طويلة إلى حد ما، عقب خروجها من البلدة والمحافظة بأكملها، لترسو هنا أمام بوابة حديدية كلاسيكية تطل على النيل، بما يخالف توقعاتها التي ذهبت إلى أشياء أخرى يفاجئها بها.
فالتفتت إليه باستفسار امتزج بدهشتها، وكان الرد ابتسامة ساحرة منه، وهو يطفئ محرك السيارة بهدوء شديد قائلاً:
ـ وصلنا يا جميل.. انزلي ياللا...
ردت بمزيد من الاستغراب:
ـ وصلنا فين؟ إحنا لسه في وسط الطريق! وبعدين إيه المرسى ده؟ أنت واخدني فين بالظبط؟
فتح باب السيارة من ناحيتها، وبحركة مسرحية لوح بذراعه يدعوها:
ـ ممكن بس اعتماد هانم تشرفني بنزولها وهي تعرف من نفسها دلوك كل حاجة.
اضطرت أن تستجيب رغم ترددها، لتضع يدها داخل كفه الممدودة لها، كي يساعدها على الترجل بفستانها الأبيض الذي اختارته بعناية شديدة خالياً من التطريز الكثيف، معتمداً فقط على نقاء اللون الأبيض وتناغم طبقات "التول"، مما جعله خيارها الأمثل لليلة عمرها، وقد حرصت أن تجعلها مميزة وكأنها أول تجربة زواج لها، وفي نفس الوقت لا تبالغ.
أما عنه، فقد تناول يدها ليلفها حول ذراعه ويسحبها لتسير معه بغموضه وهو يقول:
ـ بمناسبة إني بحب النيل، أكتر واحد كان صاحبي اللي ياما سمع شكوتي في أيام تعبي، وأنه دايماً كان الملجأ اللي بهرب إليه من الدنيا، دا غير إنه حمل أحلى ذكرى جمعت ما بينا وكانت البداية الحقيقية لقصة عشقي ليكي، بصراحة مكنش ينفع كمان إني أفرح من غيره، لأن من غيره أساساً هحس إن في حاجة ناقصاني.
ما زالت تنظر إليه بترقب، تستوعب الكلمات ورأسها يدور نحو مقصده، حتى إذا اقترب بها من حافة النهر، بانت الرؤية عبر تلك الإضاءة الخافتة على طول الممشى، لتظهر أمامها باخرة عملاقة تتلألأ أضواؤها المنعكسة على صفحة النيل.
فتسمرت قدماها بوجل، وأنفاسها توقفت بانبهار:
ـ خليفة! إحنا داخلين هنا؟
قبلة حانية من شفتيه حطت على ظهر يدها، قبل أن يجيبها:
ـ داخلين هنا يا قلب خليفة نبتدي بيها أول أيام حياتنا سوا، والعسل كله نقضيه وإحنا ماشيين في قلب النيل، بعيد عن الزحمة والدوشة.. مفيش غيري أنا وأنتي والنيل وبس، وبعض البشر اللي ملناش دعوة بيهم ولا نعرفهم.
كادت أن تبكي من السعادة، فما تراه أكبر من تخيلها وفاق كل توقعاتها، لترد بابتسامة واسعة وعينين تلمعان:
ـ بجد يا خليفة؟ أنا مش مصدقة.. دي أجمل مفاجأة كان ممكن أتخيلها، أنت عملتها إزاي؟ وجاتلك الفكرة كيف؟
رنت ضحكته الجميلة حتى مالت رأسه للخلف، ثم رد ويده تسحبها مرة أخرى للسير:
ـ دا سؤال برضو؟ ما قولتلك إني بحب النيل، واللي يحب يلاقي الطريقة أكيد، بس للأمانة يعني، اللي ساعدني في الحجز بالسرعة دي حمزة أخويا بعلاقاته، أنا قولتله عن رغبتي وهو مكدبش خبر...
توقف ساحباً نفساً قوياً، ثم تابع وعيناه تعانقان خاصتيها:
ـ تستاهلي الدنيا كلها تحت رجليكي يا اعتماد، مش بس جناح ملكي في باخرة على النيل، والله لو أملك كنت أجرتها كاملة بفرقة موسيقى تعزف لنا رومانسي طول ما إحنا ماشيين في المية.
ضحكت بمرح لتزيد من ضم ذراعيها حول ساعده، تعبر عن دهشتها:
ـ وه يا خليفة، ناقص كمان تفرشلي السجادة الحمرا والورود ع الجانبين! والله أنت ما طلعت هين أبداً، إلا قولي صحيح، هي هتبحر بينا لفين؟
قبل أعلى رأسها مستمتعاً بدفئها، وقد حان موعد صعودهم باقترابهم من الباخرة:
ـ الرحلة هتكون من الأقصر لأسوان، عشان ناخد متعتنا كاملة في أحلى حتة من النيل
.......................
لحظة الحقيقة، تلك التي لا تدركها الا متأخراً وبعد فوات الأوان، يأتي طعمها مراً كالعلقم في الحلق؛ لا أنت بقادر على العودة إلى الوراء وإصلاح الخطأ، ولا متقبل للواقع الذي غرزت به أقدامك.
ذلك ما يدور بخلدها الآن ويمنع عنها حتى النوم، وهي على الفراش الذي جمعها وطفلتيها في غرفة نومها، وقد حدث ما كانت تهرب منه دائماً؛ تزوج خليفة وألقى الماضي خلف ظهره.. لم يكن حب العمر، ولكنها كانت معه ملكة وسيدة البيت.
أما هنا، وبداخل منزل والديها فهي منبوذة، داخل غرفتها التي حبست نفسها بها بإرادتها، خشية النظرة القاتلة التي سوف تقابلها من الجميع؛ نظرة الشفقة بأن من يخصها فضل عليها غيرها. ربما كانت مبالغة في عقدتها وذلك الأمر يحدث مع الكثير من النساء، ولكن من تتقبل أو تتخطى؟ تلك هي الشجاعة بذاتها، وهي أبداً لم تكن من تلك الفصيلة.
ولكن هذه المرة الأقسى بكثير، والخسائر تأخذ من كرامتها وكبريائها و... طفلتيها؛ زهرتيها اللتين تحتضنهما الآن، لا تعلم ماذا سيكون مصيرهما معها غداً، بعدما خطت بيديها ورقة الأسر لذلك المجنون مقابل حرية زائفة، دفعت ثمناً باهظاً مقابلها.
وكأنه دخل عقلها في تلك اللحظة وأبى أن يتركها دون أن يقلق راحتها، ليجفلها من شرودها صوت الهاتف الذي صدح بنغمة اتصاله بها، إلا أن حالتها لم تكن تسمح لتحمل التحكمات أو أي كلمة قاسية تزيد من جروحها، لتجد نفسها وبدون أن تشعر تضع يدها على شاشة الهاتف تنهي الاتصال بالرفض، ثم أغلقته نهائياً، لتضع رأسها بعد ذلك على الوسادة وتزيد من ضم صغيرتيها إليها؛ لعلها تجد الأمان بقربهما وتستطيع النوم.
.......................
خلف الشرفة الزجاجية الكبيرة، وقفت اعتماد تراقب بانبهار بعد أن تحركت الباخرة ببطء من مرسى الأقصر؛ فبدت أضواء "معبد الأقصر" على البر الشرقي كأنها جواهر ذهبية منثورة على حافة النهر، والمياه خلف الباخرة تتكسر إلى أمواج فضية صغيرة تعكس ضوء القمر المكتمل.
كم كان المشهد جميلاً يسر العين ويخطف القلب! ومن خلفها، أغلق خليفة الباب بعدما أعطى عامل الباخرة عدداً من الأوراق المالية جزاء حمله الحقائب ووضعها في الجناح.
خلت الأجواء له الآن، فوقف يراقب باستمتاع تعابير وجهها أمام ما تراه من سحر، لتبدو وكأنها طفلة دخلت "عالم العجائب" الذي خطفها داخله، حتى رددت بما يجول في خاطرها:
ـ بص كدة يا خليفة، المدينة بتبعد والهدوء بيسحبك.. أنا عمري ما شوفت النيل بالجمال ده، كأنه لوحة مرسومة.
اقترب يلتصق بها، ليهمس لها ويشاركها اللحظة كأنه دخل نفس عالمها:
ـ إحنا دلوك في رحلة عبر الزمن.. من هنا لحد أسوان، كل شبر بنعدي عليه وراه قصة. النيل على طول مصر كلها هو خط الحياة والجمال، ويزيد بقى في الصعيد أن له هيبة تانية خالص، هتحسي إن الوقت وقف بينا فعلاً. شوفي كدة وركزي والباخرة وهي بتبعد بينا عن البر وبيختفي إزعاج العربيات والناس، مفيش غير صوت السفينة وهي بتشق المياه، ونسمة الهواء الباردة تنعش روحك بريحة طمي النيل وزرع القصب على الضفتين.
وتابع بحنو:
ـ بكرة الصبح كمان لما الشمس تطلع، هتلاقي الخضرة والمزارع حوالينا من كل ناحية، والصيادين بيمسوا علينا بمركبهم الصغيرة.. الليل هنا سماه صافية لدرجة يجيلك إحساس إنك تقدري تلمسي النجوم بإيدك.
فاضت روحها تأثراً لتلتفت إليه قائلة:
ـ أنا حاسة إننا في عالم تاني من الخيال، مفيش أجمل من كدة بداية لرحلتنا سوا، بجد والله مش عارفة أشكرك إزاي؟ أنت رسمت في عقلي لوحة حلوة جوي لأول ليلة في جوازنا، مهما عدى علينا من عمر لا يمكن اللوحة الجميلة دي تنمحي.
ـ اممم...
تبسم يسحبها من أمام النافذة قائلاً بعبث:
ـ بس اللوحة لسه مكملتش، لأن ليلتنا لسه مابتدتش يا اعتماد.. جمال النيل وسحره حاجة، وسحرك أنتي اللي مكمل المشهد في عيني حاجة تانية خالص.
ابتلعت ريقها تطرق رأسها بخجل تأثراً بغزله المباشر، إلا أنه أبى أن يعطيها راحتها، فرفع ذقنها إليه بطرف إبهامه ليصبح وجهها مقابلاً لوجهه وهو يتابع:
ـ تعرفي إنك حلوة جوي وأنتي بتتكسفي؟ بس النهاردة مفيش بينا كسوف، أنتي خلاص بقيتي في حضن خليفة اللي كان منتظرك بعد سنين طويلة من الصبر.
وقبل أن تستوعب مغزى جملته، باغتها بأول قبلة تجمع بينهما؛ كانت قبلة ناعمة في بدايتها، بادلته إياها على استحياء، لكن سرعان ما تحول كل شيء وصار الشغف بينهما هو سيد الموقف، يخطفها في عالمه الخاص، ويسقيها من فيض عشقه المختزن بقلبه في انتظار من تفوز به. وهي لم تكن أقل منه كرماً، فقد جاء أخيراً من يستحق أن تسلم له حصونها، وتفتح له ينابيع الحب التي أغلقت عليها منذ مولدها دون قيد أو حساب، فهو الوحيد الذي يستحق، لتصير بالفعل ليلتهما الأولى لوحة جميلة خالدة في الذاكرة إلى آخر العمر.
والباخرة تواصل شق طريقها وسط الظلام الدامس الذي لا يقطعه إلا كشافاتها القوية كي تكشف مسار النهر، بينما يختفي العالم الخارجي ولا يبقى سوى هدوء النيل
.................. ...
في صباح اليوم التالي
كان حمزة في ذلك الوقت يتحدث عبر الهاتف من داخل شرفة غرفة نومه، والابتسامة على وجهه لا تفارقه، يضحك بصوت عالٍ وهو يستمع للطرف الآخر:
ـ يا أخي والله فتحت نفسي، هاين عليا أسحب الولية على كدة وأروح أحجز في أقرب باخرة طالعة وأحصلكم على أسوان... يا عم بتشكر ليه بس؟ هو أنا عملت إيه يعني غير إني رفعت تلفون ورنة، إنما أنت... ما شاء الله عليك يعني، عقلك واعي وجاب الفكرة في الوقت القصير ده!... يا حبيبي ربنا يسعدك ويهنيك، هي دي الرحلات اللي تفتح النفس.. خلي بالك منها ومن نفسك، اعتماد بقت أختي دلوك وأنا هقف لك لو زعلتها.
خطت مزيونة إلى داخل الشرفة وهي تحمل صينية طعام تفوح منها رائحة شهية، لتقف للحظة تستمع لنبرة صوته المليئة بالبهجة، فارتسمت على وجهها ابتسامة حانية وهي تسمع آخر الحديث قبل أن ينهي المكالمة.
ثم اقتربت تضع الصينية على الطاولة التي تتوسط الشرفة، وجلست على كرسيها تخاطبه:
ـ وشك منور والفرحة مش سيعاك، دا خليفة اللي كنت بتكلمه صح؟
اقترب حمزة ليضمها إليه من كتفيها بخفة، قبل أن يتخذ مقعده على الكرسي المقابل لها، يتحدث بانتشاء:
ـ هو بعينه خليفة أخوي، صوته فيه راحة بال مسمعتهاش منه من زمان، اللي يسمعه وهو بيتحدت ميصدقش أبداً إنه هو، ولا كأنه عيل صغير وهو بيحكي لي عن جمال الرحلة وانبساطهم... أول مرة أحس إنه طاير من الفرحة، ربنا يكمله على خير يارب مع اعتماد.
التمعت عينا مزيونة باهتمام:
ـ يارب اللهم آمين، هما الاتنين ولا كأنهم لقيوا بعض بعد توهة... سبحان من جمع القلوب.
رد حمزة ويده تمتد نحو الطعام الشهي:
ـ تمام زي حكايتي أنا وأنتي يا أم الغايب، يعني كنت أعرفك منين قبل كدة؟ على العموم إحنا كمان محتاجين سفرية زيهم، نجدد العشق وليالينا الأولى.
قال الأخيرة وهو يغمز بطرف عينه، فما زال ينجح في إخجالها. همت أن تعارضه بعندٍ فيه كالعادة، ولكن في نفس اللحظة اندفع "ريان" إلى الغرفة، يمسك بحقيبته المدرسية الصغيرة ويهتف بحماس طفولي:
ـ أبوي، أمي مزيونة، أنتوا فين؟
ـ إحنا هنا يا واض!
هتف حمزة وهو يضع بفمه لقيمة مغموسة بالعسل، حتى تفاجأ بالآخر قادماً إليه بهيئة متأنقة، فقال ريان:
ـ صباح الخير، أنا دخلت لما لقيت الباب مفتوح.
تجاهل حمزة تبريره وقد لفت نظره شيء آخر:
ـ آه يا باشا وأنت لابس كدة على الصبح ورايح فين؟
تدخلت مزيونة قائلة:
ـ مش وقت أسئلة دلوك يا حمزة، سيبه ياكل الأول وبعدها اتحدتوا براحتكم، تعالي كل يا حبيبي، افطر الأول، ليكون معاك درس؟
اقترب ريان متناولاً شطيرة مربى يقطم منها دون أن يجلس، ويجيبها على عجالة:
ـ لا أنا معنديش درس، بس عندي مسابقة بعد كام يوم في المدرسة، ميس تولين كلمتني واتس إمبارح أنا وزمايلي من مجموعتها اللي هتنافس بيها.
ـ يعني هي تولين اللي كلمتك؟
هتفت مزيونة بحدة لا تخفيها نحو ريان، الذي رد ببساطة وإسهاب غير مدرك لشحونة الأجواء بمجرد ذكر اسمها:
ـ أيوه أمال إيه؟ وقالتلي يا ريان تعالى بدري عشان نلحق نجهز الألوان والحاجات اللي هنشتغل بيها.. بتحبني قوي قوي.
رددت خلفه وعيناها ذهبت نحو حمزة الذي كان يدعي في تلك اللحظة انشغاله بتناول الطعام:
ـ قوي قوي! وعلى كدة يا حبيبي، الميس دي هتبعت أتوبيس المدرسة ياخدك من على الجسر ورانا زي كل مرة ولا عاايزة يوصلك واحد مننا؟
أجاب ريان:
ـ لا طبعاً هي قالتلي خلي بابا يجيبك بعربيته.
ـ آه يا ابن الكلب...
غمغم حمزة بسبته، وعيناه ارتفعت نحو ذلك "الأبله" وهو يتابع بحماسه الأحمق أمام مزيونة التي تحولت إلى كتلة من اللهب:
ـ أتوبيس المدرسة ده بيشتغل أيام الدراسة بس، وإحنا لسه في الإجازة، يبقى والدي هو اللي يوديني بنفسه وبعدها يجي يروح بيا.
ـ يا حبيبي!
تمتمت بها مزيونة وأبصارها اتجهت نحو حمزة:
ـ إيه رأيك يا أبو ريان؟ بيقولك لازم توصله لميس تولين في المدرسة وبعدها برضك ترجع تروح بيه.
توقف حمزة عن مضغ الطعام باضطراب نتيجة "السؤال الثعباني" كما صنفه برأسه في تلك اللحظة، إلا أنه سرعان ما وجد الحل:
ـ والله إن كان عليا أنا نفسي مشغول، بس دا بيقولك مسابقة ورسم... مش عارف بصراحة، طب بلاها منها المسابقة دي يا ولدي و...
صاح ريان مقاطعاً باعتراض لا يقبل الجدال:
ـ بلاها كيف يا بوي؟ وأنت عارف إني بحب الرسم مع ميس تولين اللي حاطة أملها كله فيا عشان نفوز.
ـ امممم...
زم حمزة شفتيه نحو زوجته يرمي الكرة في ملعبها دون أن ينطق ببنت شفة، فتضاعف الغيظ بداخلها، لكنها حسمت حيرتها بعد لحظات:
ـ أكيد يا حبيبي مادام حاطة أملها فيك، مينفعش تخذلها، بابا دلوك هيلبس وياخدك بعربيته... وأنا معاه!
ـ أنتي معاه فين؟!
تساءل حمزة بعدم فهم، لتجيبه بتأكيد وتشديد:
ـ أنا وأنت هنوصله للميس بنفسينا، عشان بالمرة أعرف المدرسة، وأعضاء هيئة التدريس هناك يعرفوني وأتابع معاهم مستوى ريان وحالته، ما هو زيه زي بنت ليلى برضك، ولا إيه يا أبو ريان؟
...........................
:
بحماس شديد ضغطت نورا على حقيبة السفر بقوة حتى تتمكن من غلقها، بعدما ملأتها بملابسها ومتعلقاتها، بينما هتف عطوة بملامحه العابسة بضيق وتبرم:
ـ خلاص يا نورا، مش بالعافية هي! الشنطة زايدة عن حمولتها أصلاً، خففي منها يمكن تقفل.
ضحكت نورا لتزيد من غيظه وضاعفت من جهدها حتى أغلقتها، ليصدح عطوة بصوت عالٍ وغيظ مكتوم:
ـ مش هنخلص إحنا النهاردة! العربية ركنت تحت بقالها ربع ساعة، والسواق عمال يبرطم برا.. القطر مش هيستنانا يا ست هانم!
كانت قد تمكنت أخيراً من إحكام الغلق عليها، لتنهض من فوقها وتقابله بابتسامة يميزها الدلال:
ـ طب براحة طب شوية من غير نرفزة ولا عصبية، بلاش تنكد على نفسك يا عطوة.
ارتبك قليلاً من طريقتها التي دائماً ما يظهر تأثيرها عليه، ليزفر قائلاً بخشونة:
ـ مش عصبي ولا دياولو! أنا باصص بس على التأخير وأنتي ناقص تاخدي عفش البيت في الشنطة! دول كلهم كام يوم نكتب الكتاب ونرجع هنا تاني.. والله كله بس عشان خاطر متزعليش.
تبسمت بعذوبة ومالت لتضع يدها على كتفه بنعومة:
ـ مش محتاج تقول ولا تتعب نفسك، أنا عارفة إنك جاي على نفسك لأجل بس ما تنفذ شرطي، ودا اللي خلاني أوافق وأتأكد إنك رايدني بجد. أنا طول عمري متشحططة يا عطوة ومليش غير ناسي، يعني لما تتقدم تطلبني منهم، وبعدها تحط يدك في يد أبويا ولا عمي، مش كتير على واحدة زيي يا عطوة. وإن كان ع الشنط، فدي شوية هدايا أفرح بيهم العيال.. فك أنت بس وكله هيمشي زي السكينة في الحلاوة.
ابتلع ريقه بتوتر، فاقترابها منه بتلك الصورة يفقده كل ذرة من تحكمه، ولكنه مجبر على الصبر، فعقب بصوت متحشرج رداً عليها:
ـ وأنا حيلتي إيه غير إني أتبعك؟ ما أنا وقعت واللي كان كان.. يعني أتحمل وأصبر وأعمل اللي يرضيكي، بس ابعدي عني شوية كدة الله يرضى عنك، لأتهور وساعتها أنتي اللي هتكرهيني!
برقت عيناها فجأة وقد وصل إليها مقصده، لتبتعد عنه عدة خطوات للخلف وتردد ضاحكة بغنج:
ـ لا وعلى إيه يا سيدي؟ خلينا محترمين ومؤدبين أحسن، دي كلها بس مسافة السكة وكله يبقى في الحلال، يبقى لزومه إيه الاستعجال؟ ارفع ياللا يا عطوة الشنطة الباقية من ورا أوضة النوم.
قالتها وتحركت ذاهبة نحو وجهتها، لتعيد عليه بدلالها:
ـ شيل يا عطوة.. شيل يا نور عيني!
تسمر المذكور يطالع أثرها بغيظ وقلة حيلة مغمغماً:
ـ ماشي يا ست البرنسيسة، حكم القوي على الضعيف.. بس خلصينا عاد!
..............................
:
توقفت السيارة أمام مبنى المدرسة الضخم في تلك المنطقة الراقية الهادئة بالمحافظة، فخرج ريان برأسه من نافذة السيارة ليردد بلهفة وحماس:
ـ مدرستي حبيبتي وحشتني، كأني بقالي سنين طويلة بعد عنها!
ـ يا حبيبي.. اللي يشوفك يقول شاطر وبيطلع من الأوائل!
تمتم بها حمزة ساخراً، لتعلق مزيونة التي تستعد للترجل:
ـ معلش ما هي المدرسة مش حجارة وبس، لا دي ناس وبشر، على العموم كلها أيام قليلة وتبدأ الدراسة، بس أنت شد حيلك.
ضحكت ليلى التي أتت اليوم معهما لتنهي استعدادات الكلية هي أيضاً:
ـ أيوه يشد حيله عشان يبقى فنان عظيم.
ـ أنتي بتقولي فيها؟ والنعمة ليحصل صح، ميس تولين على طول بتقولي كدة.
تفوه بها ريان رداً عليها بتحدٍ قبل أن يترجل يسبق والده الذي رمقه بغيظ شديد، ازداد أكثر مع تعليق زوجته:
ـ بتحبك يا حبيبي وواثقة فيك.. انزل يا أبو ريان خلينا نشوفها، أكيد الست مستنيانا على نار
..........................
!
توقف ذلك السائق يصفّ سيارة نقل الخضروات الضخمة الخاصة به على الجانب من الساحة الترابية الشاسعة، ليترجل منها كي يأخذ جلسته عند صاحب عربة الفول، ليخفف جوع بطنه بتناول وجبة الإفطار في موعد الظهيرة.
سحب كرسياً خشبياً وهو يصفق بكفيه مخاطباً الرجل:
ـ طبق فول بالزيت الحار يا عمنا مع فحلين بصل الله يرضى عنك.
ـ من عيوني يا أسطى اتفضل وحالاً يجيلك طلبك.
تفوه بها صاحب العربة وهو يشير إليه كي يستريح خلف الطاولة القريبة حتى يجهز له مطلبه.
ـ تسلم عيونك.
ردد السائق بامتنان بعد أن استراح بجلسته في استعداده للانتظار، وعيناه تراقب الطريق والأجواء من حوله، حتى إذا أتى إليه بطبق الفول الشهي، فرك كفيه بحماس وشهية مفتوحة على آخرها:
ـ تسلم إيدك يا عمنا.. الفول بتاعك شكله يفتح النفس وريحته تهبل!
تبسم المعلم صاحب العربة، يرد عليه وهو يقلب الفول داخل القدرة:
ـ بألف هنا يا أسطى، نورت البلد الغريبة، قليل لما حد سواق نقل يوقف عندنا، الناس دايماً بتجري.
ـ لا ما أنا كنت هجري برضك بس الجوع هو اللي وقفني.
تمتم بها السائق بدعابة قبل أن يحشر فمه بلقيمة كبيرة، ليهم بمضغها والتلذذ بالطعم الجميل، حتى وقعت أبصاره على سيارة الأجرة التي مرت أمامه، وبالتحديد نحو الرجل الذي عرفه بسهولة، لكن ما لفت انتباهه هو المرأة التي تجلس بجواره، تضحك وتميل عليه بدلال محبب.
وقبل أن تختفي جيداً من أمامه، التفت نحو صاحب عربة الفول متسائلاً:
ـ عم الحاج، معلش يعني في ده السؤال، الراجل والست اللي في العربية دول تعرفهم؟ أصلي بشبه عليه.
بنظرة خاطفة نحو السيارة أجابه الرجل ببساطة:
ـ آه، راجل زين جوي بييجي هنا ياكل من عندي لما يكون جاي ولا ماشي من البلد، هو مش من أهلها، بس بييجي هنا عند مرته حسب ما بسمع، راجل محترم ويده فرطة...
ـ استنى يا عم مرته مين؟ سامحني يعني أصل الراجل اللي أعرفه أنا مش متجوز!
تبسم الرجل يجادله:
ـ خلاص يكون اتجوز، ولا يمكن واحد غيره.. الحاج عطوة راجل ابن أصول ومرته اللي لمحتها دلوك جنبه، هو مش هيلصق في واحدة غريبة كدة يعني.
ـ هو كمان بقى حاج!
تمتم بها السائق ساخراً ليواصل بحديث نفسه بدهشة وذهول:
ـ والله وطلعت مش هين يا عطوة، متجوز وعايش حياتك.. ومن مين؟ من نورا اللي هربت من عرفان! آآآه.. يا ويلك منه لما يعرف!
......................
:
تعمدت أن تتأخر بخطواتها خلفهم، عيناها تجوبان المكان كأنها في مهمة تفتيشية، تتابع لهفة ريان وهو يسحب والده إلى داخل المرسم؛ المكان المحبب إليه، مع "الميس" تولين.
ـ هو دا المرسم اللي هيتعمل فيه المسابقة بقى؟ أمال فين الـ...
قطع حمزة سؤاله حين وقعت عيناه عليها، تلك المدعوة تولين وقد أطلت من خلف لوحة كبيرة، بقميصها الأبيض الأنيق وابتسامتها الهادئة التي تشبه لوحات "الموناليزا"، لتتقدم نحوهما بنعومة لافتة:
ـ واو مستر حمزة، وريان تلميذي العبقري ونجم المدرسة للسنوات القادمة دون منازع!
وما إن سمع ريان مبالغتها في الإطراء عليه، حتى تهلل وجهه ليركض إليها بلهفة الغائب منذ سنوات:
ـ ميس تولييييين!
ـ يا حبيبييي.
تمتم بها حمزة وهو يتابع مشهد طفله الذي ركض حتى وصل إلى تولين، ليتلقى قبلة على جبينه منها وكأنه نال مكافأة عزيزة.
ـ واضح إنه بيحبك قوي يا ميس تولين؟
صدح الصوت من مزيونة لتذكره بحضورها، وقد أتت لتصبح بجانبه تماماً، كتفاً بكتف، تتابع بنبرة حادة تحاول تلطيفها:
ـ أول بس ما ذكر إن وراها مسابقة، على الفور لبسنا أنا وأبوه نجيبه يحضر.. أيوة أمال إيه؟ دا إحنا عينينا الاتنين فدا نجم المدرسة للسنوات القادمة!
ببرود منقطع النظير، قابلت تولين الكلمات بابتسامة سمجة، ثم تجاهلتها تماماً لتوجه حديثها إلى حمزة:
ـ ريان عنده إحساس عالي جداً بالخطوط، والنهاردة أنا طلبته عشان نختار الرسمة اللي هيدخل بيها المسابقة الكبرى، و...
توقفت برهة ثم شملته بنظرة فاحصة نحو الملابس العصرية التي يرتديها، لتعلق بمرح:
ـ بس واضح إن الموضوع وراثة، ذوقك أنت كمان يا مسيو حمزة باين من اختيارك لألوان لبسك المتناسقة الجميلة.
تفاجأ حمزة بإطرائها، ليلتفت على الفور بقلق نحو زوجته التي اشتعلت عيناها وتحفزت للانقضاض على تولين كأنها لبوة شرسة، ليسارع هو بمنع وقوع جريمة، ويهتف وهو يسحب زوجته من يدها:
ـ أنا بقول اتأخرنا، نمشي أحسن.. ياللا بينا يا مزيونة.
عارضته الأخيرة بجنون وهي تحدج تولين بشرار عينيها:
ـ وليه نمشي والبرنسيسة ابتدت بلبسك؟ مش لما نشوف هتوصل لحد فين؟ والله شكلها البت دي قاصدة تغيظني!
تبسم حمزة وقد تمكن من إخراجها من غرفة المرسم:
ـ معلش سيبك منها، هي كأنها بالفعل عجبتها اللعبة "مضروبة الدم" وقاصدة تشوف رد فعلك.
ـ ليه؟ هو أنا أراجوز قدامها؟!
قابل حمزة انفعالها بلطف وهو ينصحها وقد فهم اللعبة:
ـ لا مش أراجوز، بس دي أجنبية زي ما قولتلك، وأمور الغيرة دي يعتبر منعدمة عنديهم، في الرجال قبل الحريم.. كبري مخك وسيبك منها.
رغم أن حديثه به شيء من المنطق إلا أنها أبت إلا أن تحذره:
ـ قاصدة ولا مقصداش.. والنعمة لو ما احترمت نفسها لأقرقشها بسناني
.........................
كان موعدها اليوم داخل عيادة طبيب العظام كي يتابع الجبيرة في ذراعها التي أصيبت أثناء الحجز بسبب تلك المدعوة نوسة. وشقيقتها في الخارج نتيجة اتصال ورد إليها وهي داخل غرفة الفحص.
بينما هي تجلس على مقعدها أمام الطبيب الذي يمسك بصورة الأشعة ويفحص ذراعها، انفتح باب الغرفة فجأة، ليدلف منه ذلك المغرور بهيبته المريبة، ثم أغلقه خلفه دون استئذان، مكتفياً بإلقاء التحية:
ـ مساء الخير.
تجمدت هالة وعصف بها الذهول، لا تصدق جرأته في اقتحام عيادة طبيب شهير، والذي بدوره لم يكن مرحباً:
ـ مين حضرتك؟ وإزاي تدخل من غير استئذان؟ والولد اللي برا إزاي سمحلك أصلاً؟ يا عبد الرحمن...
ـ عبد الرحمن ما يملكش إنه يمنعني أصلاً، بلاش تنده عليه لأني منبه عليه ما يسيبش مكانه.
تحدث بنبرة هادئة تقارب البرود وهو يسحب كرسياً حتى أصبح مجاوراً لتلك المصدومة، واستطرد بما ألجم الطبيب:
ـ معاك الرائد كمال، والمريضة تخصني.. وأنا اللي جايبها هنا عشان أطمن عليها، ممكن بقى تكلمني عن الحالة؟
هكذا وبسهولة شديدة فرض سطوته، حتى الطبيب لم يملك إلا الانصياع والتعامل معه رغم اعتراضه على الطريقة التي دخل بها، فلم يكن غبياً حتى يتحدى رجلاً بمكانته.
ذلك ما شعر به الطبيب، فما بالها هي بما قد يفعله بها؟ وقد تحدته وأغلقت الهاتف في وجهه بالأمس، ليأتي الآن ويذكرها مَن يكون! ترى ماذا سوف يفعل بها؟
.........................
في العاصمة
داخل مقر الشركة التي يعمل بها معاذ باجتهاد شديد كي يعوض أيام الغياب، مستغلاً كل ساعة، فلا يتبقى له سوى موعد الاستراحة الذي يتناول فيه وجبته أو يرتشف فنجان قهوته، كما يفعل الآن داخل "كافتيريا" الشركة، وقد اتخذ مقعداً في ركن هادئ ليتبادل الرسائل مع زوجته العزيزة عبر الهاتف.
حتى أنه في بعض الأوقات ينسى نفسه في الاندماج معها ويبتسم، غير آبه بنظرات من حوله، يستغل كل فرصة كي يشعرها دائماً أنه معها. حتى إذا انتهى وضع الهاتف بجانب فنجان القهوة، ليأخذ نفساً عميقاً كأنه يغسل تعب اليوم.
أجفل هذه المرة بأحد الأشخاص يسحب الكرسي المقابل له ويجلس عليه، فرفع معاذ عينيه ليتفاجأ بتلك الفتاة المتعجرفة التي قابلها في أول يوم بعد عودته.
ـ أفندم؟
صدرت منه كسؤال، فقابلته بابتسامة جذابة وهي تضع حقيبتها على الطاولة، لتقول بسخرية:
ـ جاية أشم هوا في منطقتكم، عشان الدنيا عندنا حر، قال أفندم قال! هو دا استقبال الصعايدة عندكم؟ بقلة ذوق!
زفر يشيح بعينيه عنها، ليعود سريعاً بنبرة معتذرة:
ـ أنا آسف.
تبسمت مقدرة اعتذاره قائلة:
ـ يا سيدي مقبول اعتذارك، ومقبول أي حاجة منك مادمت طلعت شطور ومجتهد في عملك.. أنا متابعاك كويس، وبصراحة مبهورة من سرعتك في إنجاز المطلوب منك.
مط شفتيه بثقة دون أن يعقب، ثم تناول فنجان قهوته يرتشف منه قليلاً، الأمر الذي جعلها تنتبه ولأول مرة للمحبس الذي يزين إصبعه، لتباغته بسؤالها وهي تشير بإصبعها نحو يده اليمنى:
ـ الدبلة اللي في إيدك دي خطوبة ولا جواز ولا "عياقة"؟ أعتقد الأخيرة صح؟
نظر معاذ إلى ما أشارت إليه يوضح لها بكل فخر واعتزاز:
ـ لا مش صح.. الدبلة الحلوة دي مش عياقة ولا حاجة، لأن أنا فعلاً متجوز.
ـ متجوز؟!
تساءلت باستهجان، ثم تابعت:
ـ إزاي يعني؟ اللي أعرفه إنك متخرج جديد، لو فعلاً صادق يبقى دي خطوة عجولة، وبدري قوي على واحد طموح زيك وفي بداية طريقه.
لم يعجبه تدخلها ولكنه تغاضى كي يوضح باقتناع تام:
ـ الجواز مش بيعطل الطموح، بالعكس، دي أكتر حاجة بتديني باور او دافع عشان أكبر وأنجح.
ـ اممم...
تمتمت تعبث بشعرها وتنظر له بنظرة فاحصة، تكتم صدمتها حتى تتعامل برد فعل طبيعي:
ـ يا سيدي يا بختها صاحبة النصيب.. على العموم هيبان اللي عندك مجرد حماس ولا كلام حقيقي، الفترة الجاية عندنا مشاريع كبيرة محتاجة تفرغ تام، وربنا يقدرك بقى وتبقى قدها.
ـ قدها وقدود كمان.
قالها معاذ بتحدٍ جعلها تتأمله لحظات بصمت، في نظرات لم ترحه، حتى فاجأته بسؤالها:
ـ وعلى كدة بقى هي قريبتك ولا حبيبتك؟
ـ هي مين؟
ـ الزوجة المحظوظة، اتجوزتها عن حب ولا هي بنت عمك اللي مكتوبة على اسمك حسب العادات؟
جرأتها المستفزة دفعته لأن يفحمها:
ـ تقدري تعتبريها قريبتي وحبيبتي وكل شيء في حياتي يا آنسة مريم، يمكن كمان أقرب من النفس اللي بتنفسه.
ـ يا راجل.. للدرجادي؟
صدرت منها بنبرة ساخرة قبل أن تقوم من مكانها ببطء وتتناول حقيبتها:
ـ ربنا يهني سعيد بسعيدة، إحنا المهم عندنا بس الشغل.. عموماً قهوتك بردت، ابقى اطلب غيرها بقى.
غادرت من أمامه تتمايل خطواتها بثقة، بينما ينظر هو في أثرها ويأخذ نفساً طويلاً كأنه أدرك أن القادم في العمل لن يكون سهلاً
...........................
داخل السيارة
التي أُجبرت على استقلالها معه رغم عدم رغبتها، إلا أنها لم تملك الاعتراض أمام سطوته، وقد ثبت لها بالدليل أنه قادر على فعل أي شيء.
جالسة على الكرسي المجاور له في الأمام، ملتصقة بالباب بخوف لم تعرفه إلا على يديه، وهذا الصمت المطبق يجثم على أنفاسها، حتى قطعته بعدم تحمل:
ـ وبعدين يعني؟ من ساعة ما ركبت وأنت ساكت، مش كفاية إني طلعت معاك ومستنتش أختي اللي زمانها قلقانة عليّ؟
ـ أختك لا هي قلقانة ولا زفت، دي بالعكس بتضحك وتهزر مع أصحابها دلوقتي في الكافيه!
هتف مقاطعاً لها بحدة، فتطلعت إليه بذهول:
ـ هو أنت بتراقب أختي كمان؟!
ـ وأعدّ النفس اللي بتتنفسيه!
قالها ناظراً إلى عينيها بتحدٍ ووعيد، ليتابع بفرض سطوته:
ـ قولتها لك قبل كدة يا هالة بس أنتي مستوعبتيش الكلام، ولا مستوعبة لحد الآن سلطتي عليكي.. أينعم الورقة اللي ما بينا مش جواز حقيقي لكنها الرباط اللي بيربطك بيا لحد ما تخلصي عدتك ويبقى حقيقي، ومع ذلك عليها كل الواجبات اللي غصب عنك تنفذيها.
بماذا ترد وهي وكأنها أعطته صك حريتها بالفعل حين مضت على تلك الورقة البائسة؟ بأنفاس متسارعة صارت تنظر إليه، وشعورها امتزج بين الخوف والترقب.
تابع هو بصوت منخفض، حاد كالشفرة:
ـ جتلك الجرأة تقفلي السكة في وشي والتليفون كمان يا هالة؟
حسناً، ها قد حان وقت الحساب. ارتبكت تبحث عن حجة لتجيبه سريعاً:
ـ ااا.. انا كنت نايمة والبنت بنتي هي اللي كانت بتلعب وقفلت بالغلط.
ـ حجة هبلة.. دوري على غيرها!
صرخ بها رداً على تبريرها، فارتجفت من قوة الصوت الذي زلزل كيانها.
ـ أنا مكدبتش...
قاطعها بصرامة وهو يضغط على مقود السيارة بقوة:
ـ لا أنتي كدابة في أصل وشك، وأنا حافظك أكتر من نفسك، يعني امشي عدل وبطلي خيابة بقى!
إلى هنا ولم تعد بها طاقة للجدال، تبخرت قوتها الواهية لتسقط الدموع العزيزة على وجنتيها، فتأثر هو ليرقق قليلاً من لهجته:
ـ نبهت عليكي من الأول يا هالة، ياريت تسمعي وتطيعي عشان متجبرنيش أتعصب عليكي تاني.. قولتك خليكي لطيفة عشان أبقى لطيف معاكي، أنا مش وحش.
نظرت إليه لحظة تستجمع شجاعتها، رافضة هذا الدور الذي وضعها فيه، كادت أن تثور لكرامتها ولكن أوقفها شيء آخر حين لمحت بعينيها السيارة التي تعرفها جيداً تقترب محاذية لسيارتهما.. انتبه هو الآخر وتطلع إلى النافذة المجاورة، فظهر وجه حمزة، الذي يبدو وكأنه يتابعهما منذ فترة، بجمود ارتسم على ملامحه بوضوح.
.....يتبع
تكملة الرواية بعد قليل
لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كامله من هناااااااااا
مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا

تعليقات
إرسال تعليق
فضلا اترك تعليق من هنا