القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية غرام الذئاب الفصل الحادي والثلاثون31 بقلم ولاء رفعت (حصريه وجديده في مدونة قصر الروايات )

 رواية غرام الذئاب الفصل الحادي والثلاثون31 بقلم ولاء رفعت (حصريه وجديده في مدونة قصر الروايات )



رواية غرام الذئاب الفصل الحادي والثلاثون31 بقلم ولاء رفعت (حصريه وجديده في مدونة قصر الروايات )


#الفصل_الحادي_والثلاثون

#غرام_الذئاب

#الجزء_الرابع_من_سلسلة_صراع_الذئاب

#ولاء_رفعت_علي


رجال تُمزقهم الذكريات، ونساء يدفعن ثمن اختيارات لم تُمنح لهن يومًا.

حب يقاتل ليبقى، وخطيئة تتوسل النسيان، وقلوب ظنت أن الهروب نجاة فاكتشفت أنه بداية السقوط.

.............. 


ترجل من سيارته ووجهه لا يبشر بخير، دلف إلى الداخل، وصعد الدرج، وبدون استئذان دفع باب غرفة والدته بعنف، وكاد يصيح بغضب جم، فإذا بلسانه يتوقف فجأة، واتسعت عيناه من المشهد الذي رآه أمامه!


"روح؟!" 

لم تكن دهشة فحسب، بل صدمة خالصة؛ صدمة من يرى ماضيه حيًّا يقف أمامه، ماضيه الذي ظنه دُفن منذ سنوات. 

 هي ذاتها… ملامحها، حضورها، ذلك الطيف الذي أحبه يومًا، وتمنى أن تكون زوجته، قبل أن تقف والدته سدً منيعًا في وجه حلمه، رافضة رفض قاطع لا يقبل النقاش. 

 بعدها ابتعد وسافر، وانقطع عن الجميع لسنوات ثم عاد إليه الخبر كطعنة غادرة، شقيقه حازم تزوجها.

انتشله من دوامة أفكاره صوت والدته، التي كانت قد فوجئت بوجوده، فقالت بنبرة حاولت أن تُخفي توترها

"حمد الله على السلامة" 

لم يُجب، لم يلتفت، تركيزه مشدود بالكامل إلى تلك التي تقف أمامه، تُشبهها حد التطابق، كأنها انعكاسها في المرآة.

 نظرت تلك النسخة إليه بثبات غريب، ثم سألته بصوت هادئ يخفي نبرة ساخرة

"أنت بقى أحمد الشريف، صح؟" 


عقد ما بين حاجبيه في حيرة ظاهرة، فالتقطت رده بابتسامة ساخرة، لم تخل من لذعة متعمدة، التفتت بنظرة سريعة إلى شيري، التي رمقتها بنظرة تحذير صريحة، لكنها لم تُبالِ، وعادت ببصرها إلى أحمد واقتربت منه خطوة، قدمت نفسها بنبرة واضحة قاطعة

"أنا رهف… أخت روح الله يرحمها، أختها التوأم" 


قبل أن يستوعب وقع الكلمات، تدخلت والدته على عجل، محاولة إنهاء الموقف

"اتفضلي انتي يا رهف، وأنا هبقى أكلمك" 


نظرت إليها رهف نظرة ثابتة وقالت ببرود 

"قدام حضرتك يومين مالهمش تالت، عن إذنك" 


ثم التفتت إلى أحمد، وقالت بأسلوب ساخر وهي تهم بالمغادرة

"فرصة سعيدة يا أحمد بيه" 


ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها، ثم استدارت وغادرت. 

 ظل الأخر يقف في مكانه، يلاحق أثرها بعينيه مأخوذًا وعاجز الفكر، حتى اخترق سمعه صوت والدته وهي تسأله بنبرة متفحصة

"يا ترى… مجيتك اللي على غفلة دي سببها إيه؟" 


رمقها بنظرة حادة، وفي اللحظة ذاتها انقدح في ذاكرته سبب مجيئه إلى هذا المكان، كأن الغشاوة انزاحت فجأة عن بصيرته، فعاد الغضب يتوهج في صدره، وتقدم خطوة للأمام وهو يقول بلهجة منفلتة من عقال الصبر

"إنتي مش هتبطلي شغل المؤامرات الوسخ اللي عمالة تعمليه علشان تفرقينا أنا وعلا؟!" 


اتسعت عيناها اتساع الصدمة، وبرعت في ارتداء قناع التعجب والإنكار، فرفعت حاجبيها وقالت بتعالي مصطنع

"لو عايزني أتكلم معاك، احترم نفسك الأول واتكلم معايا بأدب، وبعدين أنا مالي بيك إنت واللي كانت خدامة أخوك، مش أعلنتوا خلاص جوازكم، وخدتها وعيشتوا لوحدكم، جاي عايز مني إيه؟" 


انفرجت شفتاه عن ابتسامة ساخرة، ابتسامة من يعرف الحقيقة ويستمتع بفضح الزيف، هز رأسه استهزاء قائلاً

"لا بجد… انتي رهيبة، لولا إنك أمي وعارفِك كويس وحافظ ألاعيبك، كنت صدقتك، بس أنا جاي علشان أحذرك وأقولك ابعدي عن طريقنا أحسن لك، والحركة القذرة اللي حصلت النهارده في النادي أنا مش هعديها لك، ولآخر مرة بقولها لك يا شيريهان، أقسم بالله لو قربتي من مراتي تاني، انسِي إنك أمي خالص، وهتلاقي مني رد فعل يخليكي تتشلي بجد، مش تمثيل رخيص اللي إنتي والدكتور الحمار بتاعك متفقين عليه مع بعض!" 


حدقت فيه بنظرة يشوبها تحذير ووعيد، قائلة بصوت منخفض لكنه مشحون بالتهديد

"ألزم حدك يا أحمد، وإياك تقف قصادي أنا بالذات، لأنك هتخسرني وقتها" 


اقترب ودنا منها حتى صار صوته يهبط بثقل فوق سمعها، بينما كانت تجلس على مقعدها في وضع متعال، كأنها سلطانة تعتقد أن العرش لا يهتز، فقال بثقة صلبة لا تعرف التراجع

"مش هتفرق… لأنك خسرتِني من يوم ما فرقتي ما بيني وبين روح، ودلوقتي جاية تعيدي نفس الحوار، بس بسيناريو تاني فاشل، لكن المرة دي غير أي مرة يا شيريهان هانم… فاتقي شري" 


ظل يحدق في عينيها بنظرة مثقلة بالتحذير والتهديد، نظرة من لا يمزح ولا يلوح، فقابلته بابتسامة ساخرة باردة، لا تزال تراهن على نفوذها.


وحين غادر المنزل، وما زالت نار الغضب تتقد في صدره، اقترب منه أحد رجاله بخطوات سريعة بعدما أشار له بأن يقترب، اخبره أحمد بلهجة آمرة لا تحتمل التأجيل

"البنت اللي كانت هنا… عايزك تعرفلي كل حاجة عنها، وتبلغني على طول" 


أومأ الأخر باحترام وقال علي الفور

"أمرك يا أحمد باشا، اعتبره حصل" 


                        ❈-❈-❈

في مدافن عائلة والد رودينا، وقف رجال العائلة في صف متراص، وخلفهم النساء، يلفهم السواد ويظللهم وجوم ثقيل. 


 صوت الشيخ يتردد رخيمًا، يتلو آيات من الذكر الحكيم، لا يداوي فاجعة ولا يرمم قلب قد انكسر، لكنها تفرض على الجميع خشوع قسري، يُلجم الدموع ويكبح الصرخات.


تقف السيدة شاهيناز بثبات ظاهري، تخفي عينيها خلف نظارة سوداء كثيفة، تحجب ما وراءها من انكسار أو قسوة. إلى جوارها شقيقتها رجاء صامتة، بينما رودينا تجلس أمام قبر والدها، قريبة منه حد الالتصاق، كأنها تحاول أن تعود إلى رحم الأمان الذي انشق عنها إلى الأبد.


 دموعها تنحدر ساخنة من عينيها، تختلط بندم مرير وقهر لا يُحتمل، وشفتيها تتحركان بكلماتٍ مبعثرة، هذيان خافت لا يكاد يُسمع، لكنه كان كافيًا ليشهد على قلب يتفتت.


ولدي بوابة مقابر العائلة، توقفت سيارة رحيم، ترجل منها بخطوات مثقلة، وقبل أن ينضم إلى صف الرجال، لمحته والدته. خرجت إليه على عجل أوقفته، وتشبثت به بنبرة يختلط فيها العتاب بالهلع

"رحيم حبيبي، إنت كنت فين؟، أنا جيتلك على شقة أبوك اللي إنت مخبيها عليا، والبواب قالي إنك مش موجود، كنت فين يا حبيبي وسايب أمك لوحدها ليه؟»


لم يكن يحتمل عتاب، ولا طاقة له على أي حديث، نظر إليها بامتعاض واضح وزفر بضيق مكبوت، قائلاً بحسم

" لو سمحتي يا أمي، مش وقته ولا مكانه نتكلم في أي حاجة"


تركها دون انتظار رد واتجه إلى خالته، ما إن وقعت عيناها عليه حتى ارتمت في حضنه. 

 احتواها بذراعيه، ربت على ظهرها بمواساة صامتة، ثم انحنى قليلًا وقبّل رأسها في احترام حزين.


لفت انتباهه فجأة مشهد اخترق السكون،  ابنة خالته أمام أعين الجميع صاحت بصوت مبحوح، مذهول كأنها تحاول عبثًا أن تستوعب حقيقة الموت

"بابا، اصحى يا بابا، أنا مليش غيرك، ما تسيبنيش يا بابا، سامحني يا حبيبي" 


تحرك سريعًا نحوها، اقترب منها وأمسك بذراعها محاولًا جعلها تنهض، وقال لها بصوت خافت، يحمل حرج واضح أمام الحضور

"ما ينفعش اللي انتي بتعمليه ده، قومي" 


رفعت وجهها إليه، التقت عيناها بعينيه فعرفته، قامت ببطء ونظرت إليه من بين دموع غزيرة، وقالت بصوت يرتجف بالقهر

"بابا مات يا رحيم، بابا سابني ومات وهو زعلان مني" 

 انهارت وارتمت في حضنه، وانفجرت في بكاء عنيف، تفرغ ما تبقى من روحها.  ربت عليها محاولًا تهدئتها، وسحبها قليلًا إلى جانب بعيد عن الأنظار، يواسيها رغم نفوره الدفين منها

"اهدي يا رودينا… وادعيله بالرحمة" 


وهناك والدته تتابع المشهد من بعيد، والغليان يعتمل في صدرها، تمقت ابنة شقيقتها، ولولا حرمة الموت وقدسيّ اللحظة لكانت لقنتها درسًا لا يُمحى على ما فعلته بابنها وبهم جميعًا.


انتبه رحيم فجأة إلى أن بكاء رودينا خفت ثم انقطع، وشعر بجسدها يترنح ويهبط بين يديه. 

 رفع وجهها بقلق، فوجد ملامحها شاحبة، وعينيها نصف مغمضتين، علي وشك أن. تفقد الوعي.

  لم يتردد، فحملها بسرعة واتجه بها إلى سيارته، حاول أن يُفيقها، التقط زجاجة ماء، نثر منها قطرات على وجهها وهو يناديها بقلق

"رودينا، سامعاني؟" 


فتحت شفتيها بالكاد، ورددت، كأنها عالقة في دائرة واحدة لا فكاك منها

"بابا مات… بابا زعلان مني" 


كررت الجملة مرارًا بصوت واهن، زفر  بعمق وقد أدرك أن بقاءها هنا لن يزيد الأمر إلا سوءً. 

 قرر أن يأخذها بعيدًا إلى شقة خالته، حيث يكون الوضع أهدأ.

  استدار إلى مقعد القيادة، أدار المحرك وانطلق بالسيارة تاركًا خلفه المدافن. 


                           ❈-❈-❈

جالت الردهة ذهابًا وإيابًا، أفكارها تتشابك وتتعقد بلا رحمة؛ تستعيد ما حدث في النادي وتستحضر كلمات ذلك الشاب الوقح، حين نطق بها أمام زوجها بلهجة خبيثة، زرع بها بذرة شك جارحة، تطعن سمعتها قبل أن تمس قلبها. 

 كيف انتهى بهما المطاف في قسم الشرطة وأين ذهب زوجها بعد كل ذلك؟، ولماذا تأخر هكذا؟، أسئلة تتناوب على عقلها، تطرق رأسها بإلحاح موجع.


وما إن سمعت صوت المفتاح يدور في قفل باب المنزل، حتى توقفت عن الحركة فجأة، كأن الزمن جُمد في عروقها. اعتدلت في وقفتها، وانتظرت دخوله بترقّبٍ مشوبٍ بالخوف.


دخل وأغلق الباب خلفه، فالتقت عيناه بعينيها على الفور، نظرت إليه بقلق لم تستطع إخفاءه، اقتربت خطوة ثم أخرى، وسألته بصوت خافت متهدج

"كنت فين؟" 


لم يُجب وظل يحدق فيها بصمت، كأن الكلمات خانته. 

 أغمض عينيه للحظة فداهمته ذكرى خاطفة؛ لحظة دخوله غرفة والدته، ورؤيته لتوأم روح. 

 لا يعرف ما الذي أصابه منذ رآها، اضطراب يجتاحه، توتر مبهم، وإحساس غريب بأن الماضي يطرق بابه دون استئذان. 

 فتح عينيه أخيرًا وانتبه إلى صوت زوجته وهي تعيد السؤال، وقد اختلط بالمرارة

"إنت ما بتردش عليا ليه؟، معقول صدقت كلام الحيوان صاحب أخوك؟" 


ظل الصمت مسيطر، كأنه جدار منيع، نظرت إليه بحزن عميق، وقالت بنبر منكسرة

"خلاص… وصلتلي الإجابة، عن إذنك" 


وكادت تبتعد من أمامه، لولا أنه جذبها فجأة من يدها بقوة نحو صدره، ارتطمت به وارتمت بين أحضانه، انفجر بكاؤها دفعة واحدة، كأنها كانت تنتظر هذا السقوط.

  عانقها بقوة، وتخلى أخيرًا عن صمته، قائلاً بصوت خشن تغلفه الغيرة

"ما تجيبيش سيرة الحيوان ده تاني، بدل ما أروح أقتله، وماتعيطيش" 


رفع وجهها بين يديه، وأخذ يمسح دموعها بإبهاميه في رفق يناقض حدة كلماته، وقال برجاء صادق

"ما تعيطيش عشان خاطري، أنا عمري ما شكيت فيكي لحظة" 


سألته من بين شهقاتها، وعيناها معلقتان بملامحه

"يعني إنت مش زعلان؟" 


ابتسم لها ابتسامة دافئة وقال ببساطة مطمئنة

"هزعل ليه، وانتي معايا؟" 


عانقته بقوة، كأنها تتشبث بالأمان ذاته وهمست

"بعشقك يا أحمد" 


ضحك بخفوت و أجاب، يضمها أكثر بين ذراعيه

"ده أنا اللي بعشقك وبموت فيكي يا روح وقلب أحمد" 


نظرت إليه وابتسمت، تخبره بدلال صريح

"بس أنا بعشقك أكتر" 


ارتسمت على شفتيه ابتسامة ماكرة، واخبرها بنبرة لعوب

"بما إن لسه بدري على ميعاد خروج حمزة، ما تيجي نثبت لبعض مين فينا بيعشق التاني أكتر؟" 


انطلقت ضحكتها، ضحكة مغمورة بالدلال والطمأنينة، فهتف بسعادة صادقة

"أموت أنا" 


حملها علي ذراعيه، ومضى بها نحو غرفتهما، حيث أغلق الباب ليدخل بها داخل عالمه الخاص، حيث يتحدث فيه العشق لغة الهمسات، وتفصح فيه النظرات عما تعجز الكلمات عن قوله، وتُختم اللحظة بدفء آسر، يؤكد لكل منهما أن الحب حين يكون صادقًا، كفيل بأن يطفئ كل شك، ويهزم أي عاصفة تندلع من طيات الماضي. 


                        ❈-❈-❈

دخلت لتوها غرفة الفحص الخاصة بها، بعد أن ارتدت زيها الطبي بعناية معتادة، استعدادًا لإجراء ولادة لإحدى السيدات الحوامل المتابعات لديها. 

 المكان يغمره ضوء أبيض هادئ، تفوح فيه رائحة المعقمات، وتخيم عليه هيبة المهنة ومسؤوليتها.

  تحركت بخطوات واثقة، لكنها تحمل في أعماقها إرهاق نفسي لا يراه أحد، إرهاق امرأة أثقلها ما هو أبعد من تعب المناوبات الطويلة.


تابعت طرقات خفيفة على الباب، فرفعت يدها تعدل خصلات شعرها، وتجمعها بإحكامٍ في مشبك الشعر، ثم قالت بصوت هادئ

"اتفضل" 


انفتح الباب وظهرت خديجة، تطل بوجهها المشرق، وسألتها بمزاح خفيف

"أدخل ولا مشغولة يا دكتور؟" 


ارتسمت على شفتي الأخرى ابتسامة صادقة، تشبه انفراجة ضوء في قلب غيمة، وقالت بترحاب واضح

"أهلًا أهلًا، إيه المفاجأة الحلوة دي؟" 


اقتربت منها وعانقتها بحفاوة، عناق دافئ يحمل شوق مكتوم فبادلتها خديجة العناق وهي تقول بنبرة عتاب محب

"حبيبتي يا لولو، وحشاني ياللي ما صدقتي سيبتيني، ولا كأننا عشرة سنين عايشين مع بعض في بيت واحد" 


جلست على المقعد القريب، فجلست علياء على المقعد المقابل لها، وأسندت ظهرها قليلًا، وقالت بصوت تختلط فيه المرارة بمحاولة التماسك

"أبدًا يا ديجا والله، بالعكس ربنا يعلم بحالتي النفسية، وإنتم شهدتوا وسمعتوا بودانكم اللي حصلي من البني آدم اللي استحملت منه حاجات كتير، وفي الآخر يتهمني بالتهمة البشعة دي، ولا كأن ما بينا حب سنين وجواز" 


رمقتها الأخرى بنظرة مثقلة بالحزن والأسف، وقالت بنبرة صادقة

"مش بلومك يا حبيبتي، معاكي كل الحق، للأسف الشيطان دخل ما بينكم من سكة صعبة، والله بدعيلكم على طول ربنا يصلح ما بينكم، على الأقل عشان خاطر الأولاد، سواء لوجي اللي انتي ربيتيها زي بنتك وأكتر، أو عز الدين أكيد هيتأثر بالخلافات اللي بينك وبين باباه" 


انسابت نظرات علياء نحو الفراغ، كأنها تهرب من الحقيقة، تكبت دموعها بصعوبة كلما تذكرت اتهامات زوجها الباطلة، وموقفه القاسي معها أمام عائلته، حيث انكسرت كرامتها على مرأى ومسمع  الجميع. 

 حاولت أن تبدد الحزن الذي خيم على الأجواء، فارتسمت على شفتيها ابتسامة واهنة، وقالت بنبرة تحاول أن تكون خفيفة

"إحنا هنقضيها نكد ولا إيه؟، قوليلي تحبي تشربي إيه؟، ولا أقولك إحنا نفطر الأول مع بعض" 


لوحت الأخرى بيدها برفض لطيف

"يا بنتي ما تتعبيش نفسك، أنا جيت أطمن عليكي عشان وحشاني، وكمان كنت عايزاكي في موضوع محدش هيفيدني فيه غيرك، لأني محرجة أروح للدكتور اللي بيتابع معاه آدم، ومش هيرضى يقولي أي حاجة" 


وأخرجت هاتفها من حقيبة يدها بيد مترددة، فتحته على الصور التي التقطتها خلسة للتقارير الطبية التي كان زوجها يُخفيها في خزنته الخاصة بعيدًا عن أعينها، وبعيدًا عن صدق كان ينبغي ألا يُحجب.


تناولت علياء الهاتف من بين أصابعها،  وشرعت تُكبر الصور واحدة تلو الأخرى، تقرأ تقرير إثر الأخر بعين الطبيبة الخبيرة، وبعد لحظات من الصمت المتأمل، رفعت رأسها وقالت بهدوء 

"دي تحاليل خصوبة، وواضح إن آدم بيعاني من مشكلة بتخلي فرصة حملك تبقى ضعيفة" 


هزت الأخرى رأسها بتفهم وقالت باستسلام

"أنا برضه حسيت بكده، واضح إن مشكلة زمان رجعتله تاني، بس ليه يخبي عليا؟، إحنا مش لسه عارفين بعض جديد!" 


اعتدلت علياء في جلستها، تخبرها بصوت عملي هادئ، يحمل طمأنينة

"بصي يا خديجة، الموضوع الحمد لله مش مستحيل، ليه علاج بس هياخد وقت، لأن اللي فهمته إنه كان عنده مشكلة قديمة واتعالج منها، والمفروض كان يستمر على العلاج، بس واضح إنه وقفه وما سألش، فالمشكلة رجعت وبقت أصعب شوية" 


تنفست الأخرى بعمق، قائلة برضا وحزن معاً

"وأنا مش زعلانة، وراضية الحمد لله لو ربنا ما أرادش لينا نخلف تاني، أنا كل اللي مزعلني… ليه يخبي عليا؟!" 


تنهدت علياء و تُفكر بصوت مسموع

"هو وارد جدًا واحتمال كبير إنه مش عايزك تزعلي لو كنتي نفسك تخلفوا تاني، لحد ما تتعالج عنده المشكلة ويمكن كمان، وده احتمال أكيد إن الموضوع بالنسبة له حساس جدًا، وأنا برجح الاحتمال التاني" 


نظرت الأخرى بحيرة ظاهرة، وكأن ذكرى مباغتة ضربت وعيها فجأة، فقالت بلهجة يغلب عليها اللوم الذاتي

"وأنا غبية، طول الفترة اللي فاتت وأنا عمالة أضغط عليه وأقوله عايزين نجيب أخ أو أخت ليوسف، وهو كان يتضايق وأوقات يتخانق معايا" 


أجابتها  بنبرة حاسمة مشفقة

"الحل يا ديجا إنك تاخدي جوزك وتطلعوا على أي مكان حلو، تقضوا فيه يومين حلوين، وتخرجوا بره جو الضغوط النفسية، حوار السفر والترفيه بيبقى دعم نفسي إيجابي جدًا، سواء ليه أو ليكي" 


ارتسمت ملامح التفكير علي وجهها  وتستعيد حديث سابق

"هو فعلًا قالي إنه عايزنا نسافر ونغير جو، خصوصًا بعد الفترة الأخيرة" 


ابتسمت الأخرى ابتسامة مشجعة

"ومستنيين إيه؟!، روحوا غيروا جو، آدم راجل محترم جدًا وبيحبك أوي، أوعي تسمحي لأي حاجة تعكر صفو علاقتكم" 


نهضت من مقعدها، وبشبه ابتسامة ممتنة قالت لها

"شكرًا جدًا يا لولو، وبعتذر إني جيتلك من غير ميعاد، هسيبك بقى، كفاية عطلتك عن الناس اللي مستنياكي بره" 


بادلتها الأخرى ابتسامة صادقة، وقالت بنبرة عتاب محبب

"لأ كده هازعل منك بجد، إنتي تيجي في أي وقت" 


كادت أن تتحدث غير أن صوت رجولي صاخب اندفع من الخارج، صوت مشحون بالغضب، يجلجل في الردهة 

"انتي اتجننتي؟!، هو إيه اللي ممنوع؟!، أنا أدخلها في أي وقت أنا عايزه" 


وفي اللحظة التالية، اندفع الباب بقوة عنيفة، فتفاجأت الاثنتان بدخول يوسف. وقف عند العتبة، جسده مشدود، وعيناه ترمقان علياء بتحدي صارخ، لا تخطئه عين. 

 كان حضوره فجًا مستفزًا، فاشتعل الغضب في صدرها، ولم تتردد في توبيخه بحدة قاطعة، وأمام زوجة أخيه

"إنت مين اللي قالك تدخل هنا؟!، اتفضل… اطلع بره" 


شعرت خديجة بحرج خانق، لا منه بل من الموقف برمته، غير أن يوسف لم يتراجع، بل تقدم خطوة إلى الأمام وقال بنبرة وقحة متحدية

"أنا أدخل أي مكان زي ما أنا عايز، ولا نسيتي أنا جوزك يا دكتورة؟!" 


رفعت علياء ذقنها، ونطقت ببرود لاذع 

"كنت… كنت جوزي، وبقيت طليقي" 


ضحك ضحكة قصيرة بسخرية، قائلاً بازدراء

"واضح إنك محتاجة تروحي تكشفي على السمع عندك، لأني سبق وقولتلك أنا رديتك" 


خطت الأخرى نحوه بخطوات هجومية، وصاحت بوجهه

"إنت اللي أصم عشان قولتلك وقتها أنا مش قابلة الرجوع" 


تدخلت خديجة على عجل، محاولة إخماد النار قبل أن تأتي على ما تبقى من حكمة، وقالت بصوت متوسل

"استهدوا بالله يا جماعة، واستغفروا ربنا، واقعدوا حلوا أموركم بحكمة وعقل، عمر ما الخناق والزعيق حل أمور، بالعكس بيعقدها، وقبل ما تفكروا في نفسكم، فكروا في ولادكم اللي هيدفعوا التمن، أنا همشي وأسيبكم على راحتكم، وإن شاء الله خير" 


همت بالمغادرة، لكن علياء أمسكت بيدها بسرعة، وقالت بانفعال

"استني يا خديجة، إحنا لسه قاعدين مع بعض، والكائن ده هو اللي المفروض يمشي" 


جز يوسف على أسنانه بحنق مكتوم، واقترب نصف خطوة، محذرًا بنبرة منخفضة لكنها حادة

"اتكلمي بأسلوب أحسن من كده أحسنلك" 


صاحت الأخرى وقد التفتت نحو خديجة

"سامعة يا خديجة؟!، ده كمان بيهددني" 


نظرت خديجة إليهما بحزن عميق، وقالت محاولة أن تكون صوت العقل الأخير

"بالتأكيد ما يقصدش، والدكتور جايلك لحد عندك، يعني غرضه خير، اسمعيله وهو يسمعلك، وبالتأكيد هتوصلوا لحل، يلا عن إذنكم" 


ثم غادرت سريعًا، وأغلقت الباب خلفها، تاركة المكان يغرق في صمت ثقيل، هدوء ما قبل العاصفة، حيث وقفت علياء ويوسف يتبادلان نظرات حادة، كأنها خارجة من قاع الجحيم، نظرات لا تحمل سوى تاريخ محترق، وغضب لم يجد بعد طريقه إلى الخلاص.


                        ❈-❈-❈


تخلت عن صمتها أخيرًا، وقد ضاق صدرها بما اختزن من نار وأسئلة، وسألته بنبرة جافة، كأنها تُسقط آخر أوراق المجاملة

"جاي ليه؟" 


اقترب منها خطوة واحدة، فارتدت إلى الخلف خطوة مماثلة، ورفعت سبابتها في وجهه، تشهرها بتحذير صارم، قائلة بحدة

"خليك مكانك، وانجز  قول اللي.... 


لم تُمهلها اللحظة أن تُكمل، جذبها من خصرها فجأة، وانقض على شفتيها بقبلة مباغتة بهجوم دون إنذار، قاومته بكل ما أوتيت من قوة، دفعت صدره، حاولت الإفلات، لكنه لم يترك خصرها، بل أمسك يديها، وضمهما خلف ظهرها، مستمرًا في تقبيلها بإصرار محموم، حتى ترك شفتيها أخيرًا ليلتقط أنفاسه، وهمس بصوت يفيض شوق جارف

" ارجعي بقى… وكفاية بُعاد"


رمقته بغضب مشتعل، وتمكنت من تحرير رسغيها من قبضته، ثم دفعته بقوة في صدره، وابتعدت عنه كأنها تفر من حريق

"عشم إبليس في الجنة، مش راجعة يا يوسف، وهقولك لو خيروني ما بين جهنم ولا الجنة معاك، هختار جهنم ولا يجمعني مكان معاك تاني، شوفت بقى إنت وصلتني لإيه؟!" 


لم يتراجع، بل جذبها من ذراعها وقال بتحدي سافر

"كدابة، عيونك بتقول عكس كلامك، إحنا حصل ما بينا زمان أسوأ من كده، ومع ذلك فضلتي تحبيني سنين، وما عرفتيش تبقي لغيري، لحد ما جمعنا القدر من تاني" 


صرخت في وجهه بندم لاذع، كأنها تحاكم ذاتها قبل أن تحاكمه

"كنت غبية ومتخلفة، عيشت في وهم وصدقته، طلعِت عمية، ومع الوقت عرفت الحقيقة، وهي إن أكبر غلطة في حياتي يوم ما وافقت على جوازنا، بس ملحوقة والواحد ما بيتعلمش ببلاش" 


أمسك بكلا معصميها، وضم يديها إلى صدره، واقترب بشفتيه من أذنها، وقال بإصرار فولاذي، لا يعرف التراجع

"ولا صدقت أي كلمة من اللي قولتيهم، لأنك لسه بتحبيني، ومش عارفة ولا قادرة تكرهيني، كفاية سامع نبض قلبك، اللي ما دقش ولا هيدق لغيري أنا" 


نظر في عينيها بابتسامة انتصار، واثقًا أنه يملك مفاتيحها كلها، لكنها فاجأته بابتسامة عارمة باردة، وألقت على مسامعه قنبلة لم يتوقعها

"أنا رفعت عليك قضية طلاق يا دكتور" 


اجفلته الصدمة، كأن الكلمات صفعت روحه، ترك معصميها وتراجع إلى الخلف، غير مصدق، فأردفت بثبات قاس

"وقبل ما أرفعها، المحامي أكدلي إنها ما بتاخدش وقت، وما تقلقش ابنك هتشوفه في أي وقت" 


ابتعدت من أمامه، وجلست خلف مكتبها، وما زالت الابتسامة تعلو محياها، ثم أشارت بيدها نحو الباب في إيماءة رسمية جارحة

"شرفت يا دكتور" 


حدق بها بنظرة نارية قاتلة، ثم استدار وغادر قبل أن يُطلق شيطان غضبه، وما إن أغلق الباب خلفه، حتى انهارت الابتسامة، وتحولت ملامحها إلى وجومٍ ثقيل، تجمعت الدموع في عينيها، وانفلتت دمعة واحدة على خدها، فمسحتها سريعًا بقوة لا تمحو الألم، بل تُخفيه، وتُبقيه حي في الأعماق.


                          ❈-❈-❈


دخل من باب الشقة مسندًا إياها بيد ثابتة، يقود خطواتها المتعثرة حتى غرفتها، ساعدها لتستلقي على سريرها، عدل الوسادة تحت رأسها بحركة مقتضبة، ثم همّ بالانسحاب وهو يقول بصوت خافت يخلو من العاطفة

"نامي وريحي، هتصحي تبقي أحسن" 


امتدت يدها في اللحظة الأخيرة، تشبثت بكفه كأنها تتعلق بطوق نجاة أخير، وسألته بنظرة مثقلة بالحزن والانكسار

"إنت رايح فين؟" 


أجابها دون تردد

"مضطر أمشي، ولازم أرجع المدافن أقف مع خالتي ونحضر للعزا" 


رفعت عينيها إليه برجاء صريح، وتوسل موجوع

"ما تسيبنيش لوحدي عشان خاطري، أنا ما بقاش ليا حد" 


سحب يده من بين أصابعها ببطء متعمد، ومن غير أن ينظر إليها قال ببرود قاس

"ربنا يخلي لك خالتي" 


ابتلعت غصتها، وقالت بصوت مبحوح

"ماما مش بتكلمني، دي بتعتبرني عدوتها، وقالتلي عمرها ما هتسامحني" 


تنفس بعمق، وكأن صدره يضيق بما لا يُقال، ثم قال بحدة دفينة

"أنا مش عايز أفتح في مواضيع ولا أتكلم، لأن لو اتكلمت، كلامي هيوجعك أوي وهيكسر قلبك، فخليني ساكت أحسن" 


نهضت بوهن شديد، جسدها يخذلها وروحها تتقدم وحدها، مدت يدها محاولة الإمساك به، وهمست

"رحيم أنا.... 


رفع يده قبل أن تلمسه، ونظر إليها بحزم قاطع، لا يحمل أي مجال للتراجع، يخبرها بصوت حاسم

" خلاص يا رودينا، خلص الكلام، كل اللي ما بينا انتهى من زمان، رغم إني ما كنتش عايز أفتح في كلام، بس عايزك تعرفي حاجة واحدة، لما روحتي واتجوزتي ياسين البحيري، احترمت رغبتك، وكان ليكي مكانتك باعتبارك بنت خالتي، لكن اللي عملتيه فيا وفي الكل قطع كل الخيوط اللي كانت بتربطني بيكي"


توقف لحظة، ثم أردف ببرود جارح

"ومش زعلان منك… بالعكس أنا مشفق عليكي، لأن اللي زيك هيفضل عايش منبوذ من الكل، زي ما الناس بتعتزل الأذى والشر بالظبط" 


حدقت فيه بصدمة كأن الكلمات سُكبت نارً في عروقها، ابتسم بسخرية باردة وألقى كلماته الأخيرة كحكم نهائي

"نصيحة مني… راجعي نفسك، وياريت تغيري منها، ده علشانك انتي" 


تنفس بعمق، وقال وهو يستدير نحو الباب

"البقاء لله" 


و غادر تاركًا إياها وحيدة، غارقة في صدمة عاتية وانهيار نفسي كامل، بينما الغرفة تضيق عليها، والسرير الذي آواها قبل دقائق يتحول إلى شاهد صامت على سقوط لا قاع له.


                          ❈-❈-❈

كان الغضب يتدفق في عروقه كالحمم، حتى لم يعد صدره يتسع لزفراته المتلاحقة.

  ألقى ملف ورقي فوق مكتبه إلقاء من لفظ صبره، فارتطم الخشب بالورق ارتطام قرار حاسم، زفر بقسوة وقال بصوت أجش تتكسر عند حوافه الحروف

"إزاي حصل كل ده، وما بلغتنيش في التليفون ليه؟!" 


رفع الآخر رأسه، وقد بدت على ملامحه مسحة إنهاك ممزوجة بحدة، فرد بانفعال لا يخلو من سخرية جارحة

"أنت هاتستهبل يا ياسين؟!، إنت بقالك تقريبًا أسبوع لا بتعتب الشركة، ولا حتى بترد على تليفون مننا، حاولت على قد ما أقدر أِلِم الليلة من غير ما أزعج سيادتك، كلنا عارفين المشاكل اللي إنت فيها، واللي بسببها اتلغت عقود كتير من كذا عميل، بس المشكلة مش فيهم، المشكلة في اتفاقياتنا مع شركات المعمار اللي مضينا معاهم عقود استلام الوحدات، دول نعمل معاهم إيه؟" 


زفر الأخر مرة أخرى، وكأن الهواء نفسه صار عدو يخاصمه، وقال وهو يلوح بيده في ضيق فاض عن احتماله

"ومال العملاء ومالهم بمشاكلي الشخصية؟!، هم هيناسبوني وأنا مش عارف؟!" 


اقترب زميله خطوة، محاولاً أن يسكب المنطق في كأس مثقوب، وقال بنبرة تشرح أكثر مما تُعاتب

"جرى إيه يا ياسين؟!، أومال لو ما كنتش مدير تسويق وعارف إن سمعة أصحاب الشركات رأس مالهم و أهم من الشغل نفسه؟!، حبيبي إنت ليك فيديوهات تريند وإنت ماسك مراتك بتديها علقة، غير مدام حضرتك اللي طلعت عايشة وبتتجوز…" 

ابتلع كلماته فجأة، حين رمقه ياسين بنظرة قاتلة، نظرة لو كانت سكين لأسالت دمائه، وقال بحدة لا تقبل جدال

"عماد!، كلمة كمان وهاتخسرني، غير إني هزعلك" 


خفض الأخر بصره، وبدت نبرة صوته أكثر انكسار وهو يقول معتذرًا

"آسف، مش قصدي بس ده مش كلامي، ده كلام داير على الفيس بوك، وريلزات مصر والوطن العربي، والعالم كله شافها، عايز بقى العملاء يثقوا في شركتك إزاي؟ ويحطوا إيديهم في إيدك إزاي؟!" 


جز  على شفته بغيظ مُر، واستدعى ذاكرته ما حاول نسيانه، فتمتم بصوت خافت مشحون باللعنات

"كله بسببك يا رودينا يا بنت الـ…" 


ثم استدار فجأة، وكأن فكرة برقت في رأسه، وقال بنبرة حاسمة لا تعرف التردد

"أنا هاخليهم يتراجعوا عن إلغاء العقود، ويمضوا عقود جديدة… وهدي لهم فوقها خصومات كمان" 


اتسعت عينا زميله دهشة، وسأله غير مصدق

"وهاتعملها إزاي دي؟!" 


ابتسم  ابتسامة غامضة، وقال وهو يشير بيده نحو الباب

"هاتعرف دلوقتي، بس كل اللي عايزه منك، ستاند وتطلع تقعد بره المكتب، ما تخليش حد لا يخبط ولا يدخل عليا لحد ما أخلص" 


وبعد قليل…

ألقى نظرة سريعة على مظهره المهندم، عدل ياقة قميصه، وسوى خصلات شعره.

 ضغط زر تشغيل البث المباشر على حسابه الشخصي، فبدأت إشعارات البث تتقاطر على هواتف متابعيه وأصدقائه. 


أطل بوجه ثابت، وصوت متماسك رغم ما يغلي خلفه 

"مساء الخير، أزيكم، اللي ما يعرفنيش، أنا ياسين البحيري، اللي طلع في تريند فرح الدكتور، واللي كل البيدچات والصحافة الصفرا نشرت مقاطع عنه، وحطت فوقها عناوين ما تطلعش غير من شوية عالم زبالة، واعذروني من أسلوبي، بس أي واحد فيكم لو اتكتب في أهل بيته حرف من اللي اتكتب في حق أهل بيتي، كان هيقول كلام زي الزفت أكتر مني، عشان كده كان لازم أطلع أحكي الحكاية الصح، وطالع كمان أحذر أي صفحة من صفحات صحافة بير السلم، لو حد نشر كلمة تانية عني، أو عن أي حد من عيلة البحيري، ما يزعلش على اللي هايحصل معاه، وكله بالقانون" 

                         ❈-❈-❈


وعلى الجهة الأخرى، في قصر العائلة، تجلس ياسمين إلى جوار ابنتها الصغيرة. كانت الطفلة منهمكة في الرسم والتلوين، تنثر الألوان على الورق ببراءة تشبه ضحكتها، فيما كانت الأم شاردة الذهن، غارقة في بحر من الذكريات القريبة، تستعيد المواقف التي جمعتها بزوجها مؤخرًا، وكيف كان حبه يلتف حولها كعباءة أمان دافئة.


لاحظت الصغيرة شرود والدتها، فتوقفت عن التلوين، وضعت القلم جانبًا، ورفعت عينيها إليها قائلة بلهجة تجمع بين العتاب والدلال

"يعني أنا عمالة أكلمك يا مامي من بدري، وإنتي سرحانة وعمالة تضحكي للهوا، ولا بتفكري في بابي؟!" 


رمقتها والدتها بنظرة امتزج فيها الامتعاض بمحاولة إخفاء التوتر، وقالت بنبرة متصنعة الجدية

"بنت!، إنتي مالك؟، سرحانة ولا بفكر في بابي خليكي في اللي بتعمليه" 


لم تتراجع الصغيرة، بل تقدمت خطوة في حديثها، وقد بدا في عينيها وعي يفوق عمرها، وقالت بثقة طفولية صادقة

"مامي، أنا ما بقتش صغيرة وبفهم كل حاجة بتحصل حواليا، بابي بيحبك أوي، وأنا وهو نفسنا نرجع نعيش إحنا التلاتة في بيت واحد زي زمان، نتجمع على السفرة وإنتي تعملي لنا الأكل اللي بنحبه، وبابي في يوم إجازته كان بيشغلنا فيلم كارتون على الكمبيوتر، وانتي تعملي لنا عصير وفشار وبيتزا ونقعد نسهر، بجد يا مامي، نفسي نرجع نعيش سوا في بيتنا بليز" 


انسابت الكلمات إلى قلب ياسمين كسهام مغطاة بالحنين، شعرت بغصة حادة، لكنها خبأت حزنها خلف ابتسامة واهنة، وهزت رأسها موافقة وهي تقول

"حاضر يا حبيبتي، هانرجع زي الأول، بس ما تقوليش لحد دلوقتي، عايزة أعملها مفاجأة لبابي" 


تلألأت الفرحة في عيني الصغيرة كنجمتين في سماء صافية، وصاحت بلهفة لا تخطئها الأذن

"بجد يا مامي؟!" 


أومأت لها والدتها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة تخفي خلفها توتر عميق، كلما فكرت في القادم، وفي كيفية عودتها إليه زوجة له شرعًا، كما عادت إليه بالقانون؛ فهي لا تزال بحاجة إلى بعض الوقت لترتيب ما تبقى من الفوضى داخلها. 


اندفعت الطفلة إلى حضنها، عانقتها بقوة، وقالت بصوت مفعم بالحب

"بحبك أوي يا مامي" 


"وأنا بموت فيكي يا قلب مامي" 


وفجأة اندفع الباب على مصراعيه، ودلفت ملك وهي تمسك بهاتفها المحمول، وقد ارتسمت على ملامحها دهشة 

"ياسمين، ألحقي… ياسين طالع لايڤ" 


ومدت الهاتف إليها، فما إن وقع بصر الطفلة على الشاشة حتى هتفت بفرح تلقائي

"بابي!" 


وبالعودة إلى ياسين، كان لا يزال مسترسلًا في الحديث، صوته يحمل صدق الألم وحرارة الاعتراف، يحكي لكل من يشاهدون البث ما مر به منذ اللحظة التي علم فيها بموت زوجته، وعن العامين اللذين مرا عليه كدهر مثقل بالقسوة، أيام الفقد والاشتياق، حتى اتخذ قرار زواجه من امرأةٍ أخرى، وذكرها قولاً كالآتي، 

—شخصية لا داعي لذكر اسمها؛ لأني بعتبرها غلطة، وندمان عليها–


وسرد كيف كان ضحية خداعها، وكيف اكتشف الحقيقة بنفسه عند حضوره زفاف الطبيب، حين علم هناك أن زوجته ما زالت حية تُرزق، لكنها فاقدة للذاكرة، وتعيش بهوية شخصية أخرى، وأن ما تروجه الصفحات الكاذبة عن كونها تجمع بين زوجين ليس سوى كذب وافتراء، وفي النهاية الأمور قد عادت إلى نصابها الصحيح.


ثم قال بصوت متهدج، لكنه ثابت

"يعني أنا مريت بأحداث مش أي حد يستحملها أو يستوعبها، لو أي حد ضعيف النفس كان انهار، وممكن كان انتحر، لكن حبي لزوجتي أم بنتي، كان مصدر قوتي، كان جوايا إيمان عجيب إن القدر هايجمعني بيها تاني، سواء في الدنيا أو الآخرة، عمرها ما فارقتني لحظة، ويوم ما اكتشفت إنها لسه عايشة، كأني اتولدت من جديد، مش مصدق نفسي، و من وقتها ما بفارقهاش، لدرجة إني عايز أقفل اللايف وآخد بعضي، وأروح أطمن عليها" 


استمعت ياسمين، وشاهدت كلماته تتدفق على الملأ، وقلبها يخفق بقوة كطائر حر أطلق فجأة من قفصه.

ألهذه الدرجة يعشقها؟!

إلى هذا الحد يقول حبه صراحة، بلا خوف و لا خجل، أمام العالم كله؟!


                         ❈-❈-❈

في مكان آخر، داخل غرفة مظلمة خف ضوءها النافذ عبر زجاج الشرفة الملطخ بالغبار، جلست رودينا على حافة الكرسي، تتابع البث المباشر بعينين تندلع من النيران، ويدين ترتجف. 

 امسكت كتاب ضخم كمجلد عتيق، فتحت صفحاته بتردد،  داخله محفور بعناية، ويحوي علي كيس صغير يلمع بمسحوق أبيض. 

 مدت يدها إليه، وعيناها تتأرجحان بين اليأس والخوف، تتردد في رأسها كلمات رحيم وصداه المزلزل لما سمعته على لسان ياسين في البث، فقدان والدها، ووقوع العواقب الوخيمة، التي تتساقط فوقها كحمم بركان غاضب، لا تملك لها من حيلة سوى الفرار أو الاستسلام إلي الموت البطئ. 


همست لنفسها بصوت مبحوح

"أنا بقيت غلطة، والكل ندمان عليها؟!" 


أخذت القليل من المسحوق، وضعته على ظهر يدها، ورفعت أنفها إليه، مستنشقة جرعة من عالم زائف، يطردها من واقعها إلى سراب وهمي هربت إليه، لكنها لم تدر أن الحقيقة ستلاحقها رغمًا عنها.

وفجأة، صدح رنين جرس المنزل، مخترقًا صمت الغرفة الملبّد بالهلع والوهم، فنهضت الخادمة متثاقلة الخطى وذهبت لفتح الباب. 

 خارج المنزل، وقف رجل يحمل دفتر وقلم، ينظر بجدية، ويسأل

"ده بيت مدام رودينا مهاب؟" 


أومأت الخادمة بتوتر

"أيوه… أقولها مين؟" 


رد الرجل بصوت متزن

"أنا جاي من المحكمة ومعايا ورقة لازم تستلمها بنفسها وتمضي إنها استلمتها" 


عاودت الخادمة السير بخطى متثاقلة إلى الغرفة، وطرقت الباب، انتفضت رودينا بعد أن مدت جسدها على الكرسي، لا تدري إن الواقع يصر على سحبها من عالمها الوهمي.


"يا ست رودي… فيه واحد عايز حضرتك بره، بيقول إنه جاي من المحكمة" 

رفعت رأسها ببطء، ونطقت بصوت متثاقل

"قوليله جاية" 

وفي الخارج، ذهبت إلي الرجل، و كل خطوة منها كأنها صدى لنقطة تسقط في قلبها، تتابعها الخادمة بحزن وعيون تفيض بالقلق.


"أنا رودينا مهاب… مين حضرتك؟" 


"أنا جاي أسلم لحضرتك الورقة دي… اتفضلي امضي هنا" 

مدت يدها لتأخذ الوثيقة، وعيناها تنضح بالتوتر وهي تحاول فهم محتواها، وما إن التقت أنظارها بخطوط العنوان الرئيسي للورقة، حتى تجمد الدم في عروقها حين اكتشفت محتوى الورقة، لقد استسلمت وثيقة طلاقها!


يتبع.... 



جاري كتابة الفصل الجديد للروايه حصريا لقصر الروايات اترك تعليق ليصلك كل جديد أو عاود زيارتنا الليله

لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كامله من هناااااااااا

مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا

مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا


تعليقات

التنقل السريع