القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية لإجلها الفصل السابع وخمسون57 الجزء الثاني بقلم أمل نصر حصريه في مدونة قصر الروايات

رواية لإجلها الفصل  السابع وخمسون57 الجزء الثاني بقلم أمل نصر حصريه في مدونة قصر الروايات




رواية لإجلها الفصل  السابع وخمسون57 الجزء الثاني بقلم أمل نصر حصريه في مدونة قصر الروايات


الفصل السابع والخمسون 


حالة من الصمت المطبق تسيطر على الأجواء، لا يقطعها سوى صوت الإطارات التي تلتهم الطريق الإسفلتي بسرعة وثبات. كان يضع يده على المقود بخفة، ونظراته مثبتة على الأفق ببرود مخيف، وكأن السيارة لا تسير بل تطير به نحو هدف رسمه بدقة.

في المقابل، كانت هي جسداً من الأعصاب المحترقة. يداها ترتجفان وهي تمسك بحزام الأمان، وعيناها تتنقلان بذعر بين وجهه وبين معالم الطريق التي تشير باقتراب "مدخل البلدة"، لتخرج عن صمتها أخيراً بصوت مختنق بما يجتاحها في تلك اللحظات من مشاعر تجمع بين الخوف والترقب والتشتت؛ فما حدث قد حدث، وابن عمها "حمزة" رآها بوضوح في تلك السيارة مع أكثر شخص كان عدواً لها سابقاً وصديقه في نفس الوقت. ترى ما الذي ينتظرها بعدما غادر وتركهما دون حتى أن يوقفهما ويستفسر؟

ـ كفاية إحنا داخلين على البلد، وقف هنا خليني أوقف عربية توصلني بيتنا ولا آخدها كعابي حتى، مش ناقصين فضايح.

لم يتحرك له جفن حتى، بل رد بثبات وكأن لا شيء يعنيه:

ـ أوقف عشان تركبي عربية غريبة أو تاخديها كعابي كمان! ليه يعني؟

ثارت في تلك اللحظة تصرخ به بهستيرية، وكأنها وعت أخيراً للمصيبة التي وقعت بها:

ـ أنت كمان بتسأل؟ بقولك داخلين على البلد، مش كفاية ولد عمي اللي شافني معاك في العربية وما اتكلمش؟ ولا أنت عايزهم يطيروا رقبتي، وهو ده غرضك من البداية؟

التفت إليها برأسه يقابل ثورتها وغباء قولها بهدوء شديد:

ـ ويطيروا رقبتك ليه بقى؟ على أساس إنك راكبة مع واحد هفق ولا عادي حتى؟ ولا أنتِ هامك حمزة اللي شافنا وحط عينه في عيني من غير حتى ما يسأل ولا يستفسر ليه؟

ـ وميهمنيش ليه؟ مش ابن عمي؟! الله أعلم بيدبر لإيه ولا هيقول عليا إيه دلوق؟ ده أنا شكلي هدوق المر بسببك.

للمرة الثانية لم يأبه بانهيارها ولا بحالة الرعب التي تتلبسها، والتي استفزت رجولته، إلا أنه استطاع الاستمرار على التزامه:

ـ أولاً حمزة لو مش واثق فيا وفي أخلاقي مكنش مشي ولا سابك معايا من أساسه، أقل حاجة كان وقف العربية وسحبك من إيدك وخرجك، بس إحنا مش عيال صغيرين ولا تافهين، هو عارف أنا مين كويس، ده غير إنه عارف إن إجابة السؤال هتوصله مني من غير تعب ولا انفعال. اهدي بقى عشان إحنا داخلين مدخل البلد، مينفعش الغفير يشوفك وأنتِ منهارة، لازم تبقي طبيعية.

ـ يا نهار أسود عليا وعلى سنيني، أبقى طبيعية وإحنا داخلين على البلد! يا عم ما توقف وبكفاية فضايح.

وكأنه لم يسمع شيئاً، ناظرها بطرف عينيه واهتز كتفاه بعدم اهتمام:

ـ أنتِ حرة، تندبي ولا تولولي حتى، أنا عارف بعمل إيه كويس.

ـ تاني هيقولي عارف! الله يرضى عنك وقف وريحيني، طب فهمني يا كـ...

قطعت عبارتها حين انتبهت لمرور السيارة داخل البوابة الكبيرة للبلدة والغفير الذي ثبت أبصاره نحوهما، وقد وقعت الفأس في الرأس كما يقولون. وبقلب يرتجف فزعاً صارت تتابعه وهو يقطع الطرق من جهة إلى جهة حتى انعطف بالسيارة ببراعة وثقة نحو الشارع الرئيسي المؤدي لمنزل والديها، وأصبحت على بعد أمتار منه. وكلما اقترب، كلما زاد التوتر بداخلها حتى شعرت بقلبها على وشك التوقف؛ لا تعلم ما الذي يدور برأسه ولكنها تعرف جيداً أنه لن يعجبها.

بعد لحظات قليلة وحين وصلت السيارة لتصطف أمام بوابة المنزل الداخلية، وجدت والدها واقفاً على عتبة الدرج الأخيرة في انتظارها. بجسد مرتعش ترجلت آلياً منها، تضع قدميها على الأرض وهي لا تشعر بها من الأساس، أما عنه فقد خرج بثقة يتقدم إلى والدها يتحدث معه بمرح يثير الدهشة، حتى أجبر الرجل ليرحب به ويدخله إلى "المندرة" أو صالة استقبال الزوار.

*************

أما عند "حمزة" فكان في حالة لا يجد لها وصفاً؛ غضبٌ امتزج بحيرته، وأفكار أخرى تقوده لنتائج كان يشك فيها من الأساس.

منذ أن رآها داخل سيارة صديقه في الكرسي المجاور له، ولغة الحديث التي لم يسمعها تُظهر سيطرة وسطوة أمام استسلام وأدب غير طبيعي من "هالة"، ابنة عمه التي يعرفها تمام المعرفة. ليست تلك علاقة طبيعية لضابط بسجينة سابقة معه، حتى لو كان على معرفة سابقة بعائلتها! ذلك الشيء الذي أدخل بقلبه الحيرة، هو ما منعه من أن يتصرف بصورة حاسمة مع ذلك الموقف الغريب الذي يمر به لأول مرة.

ـ حمزة.. أنت لسه سرحان في اللي حصل؟

ذلك ما تفوهت به "مزيونة" التي حضرت معه الموقف في طريقهما للعودة إلى البلدة، بعد إيصال "ريان" لمدرسته و"ليلى" التي التقت بمجموعة من صديقاتها؛ فكانت هي الوحيدة التي حضرت ورأت رد فعله الذي ما زالت تستغربه حتى الآن، وما يضاعف قلقها هو شروده المستمر:

ـ حمزة....

ـ أيوه يا مزيونة سمعتك.

ـ أمال فيه إيه طيب؟

ـ مفيش حاجة يا بوي اطمني.

فاض بها وقد ملت من مراوغته، لتصارحه بوضوح هذه المرة:

ـ ما هو مش موضوع اطمن ولا اتزفت، الحكاية بصراحة أنا مش فاهمة زعلك ولا سكوتك. شاغلك قوي موضوع هالة اللي شوفتها في العربية مع كمال صاحبك؟ كنت وقفت يا سيدي على أي جانب تشوف وتستفسر، يمكن الراجل شافها صدفة وعرض يوصلها..

كانت تتحدث بسجيتها ولا تعرف ما يدور برأسه، ولا ما لا يستطيع الإفصاح عنه، ليرد باقتضاب:

ـ ومين قالك إني بفكر في الموضوع ده من أصله؟ هو كمال ولا بت عمي حد فيهم محل شك؟ أنا دماغي في حتة تانية، متشغليش بالك أنتِ.. عن إذنك بقى أدخل آخد شاور.

ختم جملته الأخيرة ونهض ذاهباً إلى وجهته، يتركها تطالع أثره، مستنكرة موقفه غير المفهوم.

***************

وعند "هالة" التي تحصنت داخل غرفتها تترقب القادم بقلق شديد، منذ عودتها من الخارج بصحبة ذلك المزعج الذي أجبر والدها على الترحيب به واستقباله وكأنه ضيف عزيز، وهي لا تعرف حتى بماذا يخبره وعمَّ يتحدث معه كل هذا الوقت.

استفاقت من شرودها مع اندفاع باب الغرفة ودلوف شقيقتها "إسراء" التي تركتها في المحافظة:

ـ هالة.. أنتِ جيتي لوحدك وسبقتيني؟

سمعت منها هالة واحتدت وهي تجيبها:

ـ أنتِ اللي بتسألي يا إسراء؟ بعد ما سبتيني ورحتي هجيتي مع أصحابك البنات على الكافيه اللي جنب العيادة! طب افتكري إن ليكي أخت، دراعها لسه متجبّر.

تقدمت نحوها "إسراء" بلهجة يغمرها الأسف:

ـ أنا آسفة يا حبيبتي، بس أنتِ كمان كنتِ رنيتي ولا بعتي رسالة، دي كلها دقايق بس اللي سيبتك فيها، أرجع ألاقيكي طلعتي وجيتي على البلد بالسرعة دي! لا وكمان لقيتي اللي يوصلك.. يا ريتني كنت معاكي عشان أركب العربيات الحلوة دي!

قالت الأخيرة بلمحة شقية مع ابتسامة استفزت "هالة" لتنهرها:

ـ بقولك يا إسراء احترمي نفسك وبلاش تلميحاتك دي، سيادة الظابط شافني صدفة وأنا طالعة وعرض عليا يوصلني لما حس إني تعبانة، يعني بلاش مخك التخين ده يروح لبعيد.

أومأت "إسراء" تحرك رأسها بصمت وتلاعبٍ أدخل في قلب هالة شكاً، حُسم في نفس الوقت مع دلوف والدهما إليهما، بعدما طرق باب الغرفة المفتوح بخفة:

ـ مساء الخير.

اعتدلت "هالة" ترد التحية حتى كادت أن تقف، ولكن منعها بإشارة من يده:

ـ مساء النور يا بوي، اتفضل.

أما "إسراء" فبادرته بسؤالها:

ـ سيادة الظابط مشي ولا لسه قاعد يا بوي؟

بملامح مرتخية ونظرة ثبتها على "هالة" التي يقتلها الترقب، رد الرجل:

ـ مشي رغم إني دقيت عليه يتغدى، بس هو اعتذر عشان يلحق شغله. على العموم ليه عزومة كبيرة إن شاء الله قريب عندي!

"عزومة كبيرة".. ترددت العبارة بمسامعها لتزيد من دهشتها واستغرابها الذي لم يدم طويلاً مع إفصاح أبيها عما حدث:

ـ أنتِ تعرفي إن الراجل كلمني عنك؟

ـ كلمك عني كيف يعني؟ قال حاجة عن القضية؟

جاء الرد منه بسؤال، ليفاجئها بابتسامة غير مفهومة تسبق إجابته:

ـ لا، القضية يعتبر اتحسمت خلاص يعني مفيش منها قلق، أنا بتكلم على حاجة تانية خالص..

ـ حاجة إيه يا بوي؟

سبقتها شقيقتها "إسراء" بالاستفسار، فلم يلتفت إليها الرجل، بل ظل على وضعه في النظر إلى "هالة" التي جف حلقها وارتخت أقدامها الملتصقة في "التخت" من التوتر ولم تعد تقوى على حملها، حتى قال:

ـ والله ما أنا عارف ده حظ ولا نصيب زي ما بيقولوا، بس الراجل وضح نيته زين ومخباش؛ إنه عايز يتقدملك بعد ما تخلص عدتك يا هالة، ويتجوزك على طول لو أنا معنديش مانع.

شهقة عالية خرجت من حلق "إسراء" المستمعة للحديث، لتردد بتساؤل وفرح شديد أمام صدمة "هالة" التي كانت تنقصها لمسة واحدة لتقع:

ـ معقولة بتتكلم جد يا بوي؟ سيادة الرائد كمال ذات نفسه عايز يتجوز هالة؟ الراااائد كمال!

ـ وإحنا قليلين يا بت؟!

تمتم بها الرجل، ليردف بتفاخر وتعالٍ أظهر فرحه الشديد بهذا الخبر:

ـ رغم إنه فاجأني بطلبه، بس أنا عاجبني فيه إنه مراعي الأصول ومرديش يتقدم رسمي غير بعد ما تخلص العدة، لكنه أظهر نيته عشان لو هنفكر أو هنرفض من دلوك.. والله وكان الحظ هيتبسملك من تاني يا هالة، قال وأنا اللي كنت شايل همك!

هكذا أظهر والدها ترحيبه وانبهاره بعرض الرجل الذي كان قد رفضه سابقاً، دون أن يسألها، متوقعاً موافقتها على تلك الفرصة العظيمة. وهي بالفعل لا تملك حق الاعتراض على ذلك الرجل الذي لا يضيع وقتاً، وكيف ترفض وقد سلمت أمرها إليه مسبقاً؟ فكان ردها صمتًا مطبقًا بينما شقيقتها تهلل بفرح غامر:

ـ يا ألف ألف مبروك يا خيتي، ربنا بيعوضك عن نصيبك اللي فات بنصيب أحسن منه.. مش أحسن وبس، لا ده نصيب عسل بشهده كمان!

*****************

عودة إلى "حمزة" الذي خرج من المرحاض يجفف شعر رأسه بمنشفة ثم ألقاها، ليتناول الفرشاة ويصففه بتباطؤ غريب أمام تلك المتمعنة في النظر إليه من داخل شرفتها، ولم ينتبه لوجودها حتى الآن بفضل الشرود الغارق فيه.

كادت أن تسأله وتلح عليه حتى تعرف ما برأسه، ولكن صوتاً من الأسفل جعلها تنزل بعينيها إلى خارج منزلهم، لترى سيارة أتت تتوقف أسفل شجرة التين، وترجل منها ذلك الضابط صديق حمزة.

تأكدت أن كل الإجابات سوف تأتي وحدها، وقد حضر صاحب الأمر، فخرج صوتها إليه لتخبره بوجودها أيضاً، وينتبه إليها عبر انعكاس وجهها في المرآة:

ـ صاحبك اللي مستنيه وصل يا حمزة، انزل بقى عشان تفتحله.

****************

كان يعلم أنه سوف يأتي إليه بنفسه، والآخر عرف بذلك الأمر دون تفكير؛ هذه ميزة الصداقة حين تتعمق وتكبر مع مرور الزمن حتى النضج، ولكن يتبقى التوضيح والصدق في إيصال المعلومة، وذلك ما عزم عليه "كمال"، حتى وهو يتلقى استقبال صديقه بجمود وفتور:

ـ أهلاً بالباشا، منور ومشرف.

بادله الأخير المصافحة بحرارة مقابل الصقيع:

ـ أهلاً بيك أنت، أنا جيلك بنفسي وداخل بيتك، يعني واجب استقبالك ليا يكون أحسن من كدة.

تحمحم حمزة بخشونة يدعوه للجلوس:

ـ طب اتفضل الأول، نقعد وبعدها نتفاهم.

استجاب لدعوته ليجلس بثقة وأريحية قائلاً:

ـ نقعد يا سيدي ومش هكلفك حتى حق الشاي، أنا شربته خلاص في بيت عمك، وكان طعمه جميييل!

علق حمزة:

ـ رحت بيت عمي؟!

ـ آه رحت ووصلت هالة لحد عندهم، وعمك كان راجل كريم جداً معايا، لدرجة إنه كان عايز يغديني.

ـ كماااال!

قاطعه بقوة مردفاً:

ـ جيب من الآخر، إيه اللي بينك وبين هالة؟

سمع منه ليستخف ساخراً:

ـ كدة على طول خلتها حاجة ما بينا عشان مجرد بس شوفتها راكبة معايا العربية؟ خلاص حكمت إن فيها حكاية؟ طب افرض قابلتها صدفة يا أخي، وكلفت نفسي أوصلها لبيتهم.

مال حمزة بوجهه نحوه يحدثه بمكاشفة:

ـ عشان عارفك وعارفها.. عارف طبيعة كمال اللي مش هيحط نفسه في موضع شبهة حتى لو من باب الشهامة، وهي نفس الأمر عمرها ما هتقبل تركب مع راجل لوحدها حتى لو كانت تعبانة، ده غير حساسية الوضع ما بينكم ولا أنت نسيت؟

ـ اممم..

زمَّ كمال فمه المغلق يدعي التذكر، ليعارضه بعد ذلك:

ـ لا بصراحة منسيتش، لكن تقدر تقول سامحت وده اللي خلاني أزيح الماضي ورا ضهري وأتقدم لها من تاني..

برقت عينا حمزة في الأخيرة، فاستطرد هو موضحاً:

ـ قصدي يعني أعبر عن رغبتي في الجواز منها بعد ما تخلص عدتها، أنا برضه راجل بفهم في الأصول، وفاتحت والدها في كدة، والراجل رحب..

ـ عمي أنا رحب؟!

ـ ده مكنش مصدق كمان.. قصدي كان باين عليه قوي الفرحة وقالي بعد ما تخلص عدتها كل خير إن شاء الله.

سرعان ما استوعب حمزة ليواجهه بقوة:

ـ ليه؟

ـ ليه إيه؟

ـ ليه تتقدم لها ولا تفكر فيها من أصله؟ خلاص صفصفت الدنيا من الحريم؟

ـ أنت مضايق يا حمزة عشان اتقدمت لبنت عمك، ولا عشان كانت مرات أخوك سابقاً؟

جاء رد حمزة على سؤاله المباشر بصراحة كاملة:

ـ أيوه مضايق ومش عاجبني الموضوع، وحاسس إن فيه حاجة مش مظبوطة.. خروجها المفاجئ من القضية زي الشعرة من العجين، وطريقة الكلام النهاردة في العربية بينك وما بينها أكدت ظني.

لم يجد كمال مخرجاً أمام محاصرة صديقه سوى أن يبادله الصراحة:

ـ اتفقت معاها إنها تقبل بجوازي منها، مقابل إني أخرجها من القضية.

شعر حمزة بالخبر كالصاعقة التي حطت فوق رأسه وهو ما زال لا يستوعب، ليثور به غير مصدق لجرأة فعله:

ـ أنت بتقول إيه؟ يعني لفقت القضية وظبطتها من مخك؟ جالك قلب تعملها إزاي؟

ـ وأنا ظلمت مين فيهم عشان تلومني؟

قاطعه بحدة ثم أردف بثبات:

ـ ابن أختها ده معروف إنه غارز في القضية غارز، وأنا بالعكس خففت عنه، أما اللي اسمه محمود جوز أختها فمشترك أصلاً مع الولد وقابض فلوس منه عشان يساعده، ده غير إنه شرع في قتلها مع سبق الإصرار والترصد قبل سابق، ومتنكرش إن بفعلي ده أنقذت مستقبل بناتها اللي كنتوا شايلين همهم وسمعة عيلتكم بالكامل.

ـ يعني جميلك علينا كلنا.. كتر خيرك.

قالها حمزة رداً عليه بنبرة استهجان، ثم تابع بإصرار:

ـ ومع ذلك برضه هرجع وأسألك نفس السؤال.. ليه؟ ليه وأنت تقدر تجيب أحسن وأجمل منها؟

خرج رد كمال بمرارة:

ـ ما أنا جيبت غيرها وأحلى منها مش مرة، لا كذا مرة، ومنفعتش مع أي واحدة فيهم بسببها.. أنت حط نفسك مكاني، لما تلاقي الفرصة تجيلك لحد عندك مع الست الوحيدة اللي حبيتها وكرهتها في نفس الوقت بسبب اللي عملته معاك زمان، هتقدر تقاوم؟ لو أنت عندك القدرة تقاوم، أنا بقولك عن نفسي أهو مقدرتش.

شعر حمزة بالانهزام أمام ذلك المنطق الغريب من صديقه؛ حين يصل المرء بعشقه إلى منطقة "اللا عودة"، حتى إن تزوج بأخرى أو مر بسنوات العمر إلى النهاية، لا ينسى أبداً عشقه الأول، فما بالك لو تحول ذلك الإحساس لشيء يخص الكرامة أو الاعتزاز بالنفس؟ ليأتي السؤال المهم الآن والذي لم يحبسه بقلبه، فعبر عنه بكلمات مقتضبة:

ـ حب ولا انتقام؟

أخرج كمال تنهيدة مثقلة يجيبه بعد فترة من الصمت مرت كالدهر:

ـ هي اللي هتحدد بأفعالها!

******************

فوق سطح الباخرة السياحية، وأثناء تناول وجبة الغداء التي كانا يتناولانها في ذلك الوقت، كانت المائدة أمامهما مرصوصة بكافة أنواع الأطعمة الشهية.

لا يوجد ضجيج محركات صاخب، فقط صوت شق المركب لمياه النيل، والأرضية الخشبية الدافئة تحت أقدامهما، والمقاعد المريحة المكسوة بالأقمشة القطنية المصرية عالية الجودة. أجواء خيالية تعيشها معه منذ الأمس، وحتى الآن لا تستوعب، كأنها في حلم جميل؛ هذا هو زوجها الأول والأخير. نعم، هي لم تتزوج قبل ذلك.

"خليفة" عطية الله إليها بعد صبر وفقدان الأمل في التغيير. كيف لامرأة كانت لا ترى نفسها جميلة من الأساس، تتحول فجأة على يدي رجل إلى كتلة من الأنوثة الطاغية ـ على حد قوله ـ وعلى حسب ما ترى نفسها أمام المرآة وفي عينيه؟

ـ الجميل سرحان في إيه؟

توجه بالسؤال إليها ليلفت انتباهها إليه، وكأن الغيرة أصابته ولا يريدها أن تفكر إلا به، لتلتفت إليه بابتسامتها الجميلة:

ـ أنا مش بفكر يا خليفة، أنا بس عايشة الحلم.. ربنا يخليك ليا إنك عيشتني اللحظات الجميلة دي.

ترك الطعام من يده قائلاً بدهشة:

ـ أنتِ اللي بتشكريني يا اعتماد! يا شيخة مين اللي يشكر مين؟ قومي.. قومي.

أشار لها بيده لتنهض معه، ثم سحبها حتى وقف بها خلف السياج الحديدي، حيث المناظر الطبيعية التي تمر أمامهما؛ اللوحات تتغير مع اختلاف المسافات. نسائم الهواء محملة بروائح الطمي والنباتات العطرية من الضفاف تملأ الرئتين وتزيدها انتعاشاً. يضمها هو بذراعيه، وتنهيدة طويلة خرجت من صدره يخبرها:

ـ عارفة يا اعتماد.. أحياناً كتير بتبقي محتاجة حد يشاركك اهتماماتك ويحب اللي تحبيه عشان تعيشوا الشغف سوا، بالظبط زي الناس اللي بتحب السفر ولا تسلق الجبال، أو الطيران بالمظلات. أغلبها بتبقى حاجات مجنونة بس بتعيش الإنسان اللي بيهواها الفرح والجنون. أنا بقى كانت أحلامي يدوب حاجات بسيطة؛ فسحة في مركب على النيل مع الإنسانة اللي بحبها، عشا رومانسي، نمشي تحت المطر وأدفيها بالجاكت بتاعي.. لكن للأسف كنت بعملها كلها لوحدي عشان مكنتش لاقي الإنسانة اللي تقبل، أو على الأقل متتريّقش زي ما كانت بتعمل هالة...

لاحت الصدمة على وجه "اعتماد"، ولكن سرعان ما استوعبت أن هذا شيء عادي لطبيعة "هالة" النارية المختلفة تمام الاختلاف عن طبيعة زوجها الحالم، والذي تبسم حين انتبه لرد فعلها ليردف بمرح:

ـ عشان تعرفي بس إن أنا لازم أشكرك، وأشكر ربنا إنه رزقني بيكي، مع إن اللي كان يشوفك الأول والله ما يصدق!

لكزته بخفة تنهاه:

ـ باه يا خليفة.. ضيعت اللحظة!

قالتها وانطلقت ضحكة صاخبة منه يذكرها:

ـ معلش يا أبلة اعتماد، ده غصب عني.. يعني حتة البسبوسة اللي دايبة في يدي دي، هي نفسها اللي كنت أخاف أكلمها! والله معذور يا ناس.

*******************

داخل أروقة الشركة الهندسية الكبرى، حيث تتداخل أصوات الطابعات بصرير الأقلام، كان "معاذ" يسير بخطوات هادئة في اتجاه مكتبه؛ جسده هنا وروحه هناك في البلدة، مع المرأة الوحيدة التي امتلكت روحه. تقص عليه عبر الهاتف الذي يضعه فوق أذنه تفاصيل يومها كالعادة في البعد عنه، وصوتها ينساب عبر الأثير ليضع على شفتيه الابتسامة دون أن يدري، وصوته في الرد عليها لا يخرج إلا همساً:

ـ الواد عمال يرفص يا معاذ، قليل الأدب مش مراعي إني قاعدة برا ووسط أصحابي...

ـ هو برضه اللي قليل أدب ولا أنتِ اللي ملقلقزة؟ ده دمه حامي زي أبوه، بيقولك لميها وروحي خلاص، صحابك مش هينفعوكي.

ـ اسم الله.. هيتحكم فيا من وهو في بطني؟ أمال لما ينزل على الدنيا هيعمل إيه؟

ـ هيعمل سي السيد في غيابي، وأنتِ تطيعي بأدب واحترام.

ـ يا حبيبي ده أبوه معملهاش.. هيعملها هو؟

ـ آه شوفتي بقى؟ حبيب أبوه اللي هياخد تاري منك ومن كل العمايل اللي عملتيها فيا.

ـ وه يا معاذ.. طب لو هونت عليه هو، أهون عليك أنت؟

ـ يا بت... بلاش منه الدلع في التليفون، مية مرة أنبه عليكي...

كان في الأخيرة قد عض على شفته السفلى متأثراً بدلالها، غارقاً في متعة الحديث اللذيذ معها، غير مدرك لتلك العيون التي كانت تراقبه منذ أن ظهر أمامها بالصدفة.

تقف هي على جانب من الممر بشموخ وتعالٍ نابعين من طبيعتها، ترتدي زيها العملي الراقي وعطرها يملأ المكان. تنتظر تلك اللحظة التي يتقاطع فيها مسارها مع مساره، تتوقع نظرة نحوها، أو تعثراً في الخطوات، أو حتى سلاماً عابراً يمنحها الشعور بالسيطرة، وقد عرّفت له عن نفسها سابقاً وجلست وتحدثت معه، لكن "معاذ" مرَّ من جانبها كطيف؛ لم يرمش له جفن، ولم يقطع حبل أفكاره مع حبيبته.

انقبضت ملامح "مريم" بغيظ مكتوم، حتى اقتربت منها مساعدتها وصديقتها "سارة"، التي كانت قد حدثتها عنه سابقاً وتصادف وجودها في ذلك الوقت ورأت المشهد، لتخاطبها بابتسامة ساخرة:

ـ يا بن اللذينة! البشمهندس عدّى ولا كأنه شايفنا من أساسه، جامد قوي بصراحة.

ردت "مريم" بانفعال وهي تكمل طريقها معها:

ـ جامد ولا غبي؟ بيعدي من غير حتى ما يرمي على الأقل سلام! أنا مريم اللي أي فرد في الشركة هنا، من أصغر عامل لأكبر واحد فيها، يتمنى بس ابتسامة ولا حتى نظرة.. يعدي عليا البني آدم ده ولا كأنه شايفني قدامه، ولا حتى عيني تيجي في عينه صدفة؟

شعرت صديقتها "سارة" بشحنة الأجواء فحاولت التخفيف عنها:

ـ عشان الصدفة دي مش في حساباته أصلاً.. كبري مخك يا مريم، معاذ ده مبيشوفش غير شغله على حسب ما عرفت، والمكالمة اللي في إيده دي أكيد من مراته اللي كلمك عنها، واللي واضح كدة إنه بيحبها ومبيشوفش غيرها.

ـ مبيشوفش غيرها!

قالتها مريم بسخرية وتابعت:

ـ ده على أساس إنها أحلى مني مثلاً؟ جرالك إيه يا سارة؟ واحدة زي دي هيبقى آخرها إيه يعني عشان تاخد الأفضلية عنده؟ غير إنها تحت رجله مثلاً.

توقفت "سارة" في منتصف الطريق لتجبرها على التوقف، ناظرة إليها بدهشة:

ـ مريم.. أنتِ حطيتيه في دماغك بجد ولا إيه؟

رمقتها بطرف عينيها قبل أن تبصق عبارتها الأخيرة بعناد وتحدٍّ، ثم تابعت طريقها:

ـ هو اللي حط نفسه في طريقي مش أنا!

****************"

الغضب..

هو كلمة هينة جداً أمام ما يشعر به الآن ويكتسحه من الداخل، منذ أن عرف من ذلك السائق برؤية "عطوة" وتلك الملعونة التي هربت منه في سيارة تقلهما معاً، والأدهى هو زواجها منه! هربت منه هو لتتزوج بذلك الصعلوك، فضلت ذلك الإمعة بين الرجال عليه.

نيران تسري بأوردته، لن تهدأ أو تستكين سوى برؤية الدماء؛ دماء ذلك الفاسد الذي استغفله وأذله أمام البلدة كلها بالاشتراك مع تلك الفاجرة التي اتفقت معه.

بخطواتٍ يسبقها الشرر، وصدرٍ يغلي كمرجلٍ من نار، اقتحم "عرفان" الزقاق الصغير الذي يضم منزل "عطوة"، حتى إذا وصل إليه، لم يكلف نفسه حتى عناء الطرق على الباب الخشبي، فدفعه بقدمه، فارتطم بحائط المنزل من الداخل يصدر صرخةٍ خشبية مدوية.

دلف بجنونه يبحث بعينيه داخل البيت الهادئ الساكن، الذي بدا كالمهجور بغياب صاحبه عنه، ولكن "عرفان" لم يكن بحالة تجعله يستوعب إلا العثور عليه والفتك به ثم بتلك الفاجرة. مرّ بكل ركن بالمنزل ولم يجد شيئاً، ليزمجر كالوحش؛ لابد أن يصب غضبه بشيء ما.

بدأ يطيح بكل ما يقابله؛ الكراسي طارت في الهواء، المائدة انقلبت لتتحطم أوانيها، والستائر مُزقت وكأنها جلد عدوه. صار يخرب كل ما تقع عليه عيناه؛ يفتح خزانة الملابس، يبعثر كل ما بها، حتى صرخ بصوتٍ جهوري يهز أركان المكان:

ـ آه يا كلب يا واطي، لو أطولك دلوك لأقسمك نصين، يا خاين العيش والملح والله ما هسيب فيك حتة سليمة..

زمجر مرة أخرى وكأنه أسد حبيس، فكل الفوضى والتدمير الذي أحدثه بالمنزل لم يهدأ من نيرانه شيئاً. يجول بعينيه على شيء لم تطله يده حتى يكمل عليه، فوقعت أبصاره فجأة على صورة أسفل قدميه، ليست بغريبة عنه.

انحنى، والغل يأكل أحشاءه، ليمسكها ويرى من تخص؟ ولكنه تجمد مكانه حين وقعت عينه على الوجه الذي بداخلها... إنه وجه امرأته الأولى! وجه "مزيونة" يوم زفافها عليه، وصورته هو خلفها بوجه مشوه، ليتلقى صدمته الأصعب.

حتى زوجته الأولى كان يضعها برأسه؟ وهو كالأبله يسير معه ويدخله إلى منزله وكأنه من أهله! ماذا يفعل؟ حتى القتل لم يعد كافياً له.

صرخة قوية خرجت من حلق "عرفان"، صرخة من عمق صدره ووجعه:

ـ الله يلعنك يا ملعون، الله يلعنك يا نجس، يا مين يعتّرني عليك دلوك؟ يا مين يرميك في طريقي عشان أخلص عليك وأقطع من جتتك نساير!

*****************

في قرية صغيرة في قلب الفيوم، أصوات المزمار البلدي تشعل الأجواء في هذا الوقت من المساء، وقد امتلأت الساحة الواسعة والمزينة بالأنوار الملونة والزينة بأعداد هائلة من أفراد الغجر من عائلة "نورا" وأبناء عمومتها الذين حضروا اليوم من أجلها، احتفالاً بعقد قرانها على "عطوة" الذي كان منبهراً بما يراه من حوله.

كان يعيش أجواء الفرح المختلفة وسط عزوة وبشر يرحبون به بينهم، على عكس ما يحدث معه في حياته الطبيعية.

النار مشتعلة في جوانب الساحة، ورائحة البخور تختلط برائحة الشواء، والفتيات الغجريات يرقصن ببراعة بخلاخيلهن التي ترن مع كل خطوة، والرجال يحيطون بـ "عطوة" ويرفعونه على الأعناق ترحيباً بـ "النسيب الجديد". حتى إذا تعب وجلس، رحب به كبيرهم، واضعاً يده على كتف عطوة:

ـ أنت من اليوم بقيت واحد مننا، نورا دي زينة الصبايا، وباختيارك ليها يبقى اشتريت السعد والهنا؛ شكل أمك دعيالك، لأن بتنا مبترضاش بأي حد.

ضحك الرجال وضحك هو يشاركهم الفرح والبهجة والرقصات المختلفة. تعالت الزغاريد حين ظهرت أمامه، تطل بوجهها المضيء كالقمر، وكأنها مهرة جامحة بزيها الغجري الملون والمطرز بالودع. عيناها تلمعان بشقاوة وجرأة غجرية أصيلة، تقترب منه بخطوات راقصة، تتمايل أمامه بدلال وهي تلوح بوشاحها الحريري، حتى اقترب يشاركها الرقص، والنساء والفتيات والرجال التفوا حولهم كدائرة يشاركونهم الاحتفال.

وبعد فترة ليست بقليلة، وحين هدأت الأجواء قليلاً، دار حديث ودي بين العروسين، يختطفان الوقت الخاص لهما من وسط الزحام، فهمست له "نورا":

ـ إيه رأيك بقى؟ جوازنا هنا وسط أهلي وناسي واللمة اللي ترد الروح، ولا في البلد "سكتم بكتم" وندور على حد يقولنا مبروك؟

ضحك مؤيداً وبشدة يردد:

ـ لا طبعاً هنا وبالتلت كمان، على الأقل أنتِ ليكي أهل فرحوني وفرحوكي، لكن أنا هناك مليش غير أهل أبويا ودول لا أطيقهم ولا يطيقوني، وأهل أمي معرفهمش؛ عاشت في البلد غريبة وماتت غريبة، وأنا كنت هبقى زيها.. لكن دلوك وأنا معاكي هنا، بقى ليا أهل وعيلة. مكدبش كبيركم لما قال إن ربنا كاتب لي الهنا والسعادة بجوازي منك، ولا أكن أمي دعت لي صح يا لهطة القشطة أنتِ!

ضحكت بشقاوة تبتعد برأسها عنه قليلاً، ثم اقتربت مرة أخرى تحدثه بجدية:

ـ طب مادام عجبك الجو هنا، يبقى نقعد سبوعين تلاتة ولا نقضي شهر عسلنا هنا، وأفرجك على الفيوم كلها واخليك تشوف اللي عمرك ما شوفته فيها.

صفن يفكر قليلاً، وسرعان ما حسم قراره متحمساً لعرضها المغري:

ـ شهرين تلاتة حتى، وإحنا ورانا إيه يعني؟ مادام فيها فسح، أنا من يدك دي ليدك دي!

تهلل وجه "نورا" بسعادة غامرة، حتى اقتربت إحدى الفتيات تلتقط لهما صورة بالهاتف ثم غادرت سريعاً. تذكر "عطوة" ذلك الأمر الهام، فأخرج حافظة نقوده من جيب جلبابه يفتحها أمامها، فتغيرت ملامح نورا مع تذكرها لتلك الصورة، لكن سرعان ما عادت ابتسامتها برؤيتها لذلك الاختلاف المقصود الذي رأته امامها؛ فقد وضع صورتها هي تحل محل الأخرى، فقال موضحاً:

ـ أنا شلت الصورة التانية ورميت الماضي، عشان ميبقاش في القلب غيرك أنتِ وبس يا نورا.

سمعت منه وازداد حماسها حتى كادت أن تطير من السعادة، فسحبته من يده إلى وسط الحلقة ليرقص معها على أنغام الربابة وسط تشجيع وصيحات أهلها من الغجر.

***************

منذ متى تناجي النوم؟ لا تعرف.. وكيف يأتيها من الأساس وهذا المستلقي بجوارها لا يكف عن التململ والتقلب، بتفكير واضح لا يتركه؟ وهي تصبّر نفسها حتى يكف، ولكن لم يحدث، بل فاجأها بنهوضه تاركاً الفراش وذاهباً إلى الشرفة...

زفرت هي خلفه بقنوط، تقلب عينيها بسأم وضيق، وقد طار منها النوم هي أيضاً ولن تستريح إلا بالاطمئنان عليه. فنهضت تتبعه بعدما لفت نفسها بمئزر محتشم، لتذهب إليه وتسأله:

ـ وبعدين يا حمزة؟ ليه التفكير وشيل الهم يا ولد الناس؟ الراجل بلغك إنه كلم أبوها، وأبوها راضي.. ومالك أنت ومالنا يا قاضي؟

رد حمزة وقد استفزه المثل القديم:

ـ مزيونة، أنا مش شاغلني موضوع أبوها ولا أخوها، الموضوع كله مش راكب في دماغي. أنا أكتر واحد عارف هالة وعارف جنانها، وعارف كمال اللي على قد طيبته، لكنه "أعفش" منها..

ضربت مزيونة بكفها على ظهر كفها الآخر:

ـ اممم، طب وإحنا مالنا يا ولد الناس؟ كل واحد يعرف مصلحته يا حمزة، ربنا يهني سعيد بسعيدة.

ـ وووه!

زمجر بتذمر يعقب على قولها:

ـ وأنا أكره إنها تتجوز ولا هو يتجوزها؟ أنا بقولك بس إن فيه حاجة مش مريحاني.

فاض بها من إصراره حتى اشتعلت وتراقصت برأسها الظنون السيئة:

ـ تاني هيقول مش مريحاني! ما تقول إنك أنت اللي رافض يا حمزة وربحني وريح نفسك.

وصل إليه مقصدها، ليلقي السيجارة من يده، ويرد عليها بعصبية:

ـ لا، أنا هقول إن أنتِ اللي مخك ضرب وراح بعيد أحسن!

تحرك ذاهباً من أمامها ليرتدي الحذاء والجلباب الصوفي، يواصل مغمغماً بحنقه:

ـ صحيح الحريم محدش يقولهم حاجة واصل.. أهي دي جزاء اللي يفتح قلبه لمرة (امرأة).

صاحت به مزيونة بتساؤلها:

ـ وبتلبس جلبيتك ليه؟ ناوي تطلع دلوك في الليالي؟

أشار لها بالساعة التي انحنى يتناولها من فوق "الكومود" ليلفها حول يده:

ـ الساعة مجاتش حداشر، أنا هخطف رجلي وراجع بدري.. لو عايزة تنامي نامي.

صرخت من خلفه بعناد وعن ثقة تنامت داخلها وهي تراه يغادر الغرفة:

ـ مش هنام يا حمزة، وأنت مش هتتأخر، عشان هترجع برضه وتحكي لي كل حاجة!

*****************

بعد دقائق قليلة، كان "حمزة" داخل منزل عمه، بعدما فاجأهم بحضوره وطلبه اللقاء بابنة عمه "هالة" ليتحدث معها في أمر ضروري. أجبرها على لقائه، وبملامح عابسة خرجت إليه:

ـ خير يا حمزة؟ جاي طالبني دلوق في الليالي.. لتكون حصلت مصيبة لا قدر الله؟

ـ تفي من خشمك وبلاش الفال الزفت، أنا جايلك في خير.

صاح بها يوبخها، ثم أضاف بجدية يدخل فيما يريده مباشرة:

ـ سؤال وعايز أعرف بس إجابته.. أنتِ فعلاً موافقة على كمال ولا مجبرة عشان أمر القضية؟

ـ وأنت مالك؟

ـ هاااالة!

زمجر يجبرها على الصمت، ليخفف من لهجته الحازمة بعدها:

ـ بعيداً عن أي خلاف قديم، وعن إنك طليقة أخوي، أنتِ بت عمي اللي مربيكي على يدي وأختي.. برضاكي أو غصب عنك، يعني من واجبي حمايتك وإني أقف معاكي كمان وأساندك.

هل تفرح أم تحقد عليه لتشديده على وصف "الشقيقة"؟ لكنها لا تنكر أن بداخلها راحة تسللت خلف كلماته.

ـ أنت عايز إيه يا حمزة دلوق؟

خرج سؤالها بأدب يخالف طبيعتها، مما جعله مصراً على ما برأسه:

ـ أنا بسألك يا هالة عن رأيك بصراحة، إن كان هو صاحبي، فأنتِ بت عمي.. يعني قبله.

شعرت برغبة أن تصارحه بما تشعر بعدما طمأنها بكلماته، لكن وقبل أن تفعل، تبدل رأيها على الفور بعدما تابع:

ـ موافقة عليه يا هالة ولا مجبورة عشان الاتفاق اللي أنتِ عارفاه؟ كمال قالي على كل حاجة.

إلى هنا وثارت روح العناد بها لتصعقه بردها:

ـ محدش يقدر يجبرني على حاجة، وكمال أنا موافقة عليه!

...يتبع



 تكملة الرواية بعد قليل 

لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كامله من هناااااااااا

مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا

مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا


تعليقات

التنقل السريع