رواية صندوق اسرار( الجزء الثالث) الفصل السادس 6بقلم ميادة يوسف الذغندى حصريه في مدونة قصر الروايات
رواية صندوق أسرار
الجزء الثالث
البارت السادس
بقلم الكاتبة ميادة يوسف الذغندى
---
أسرار...
إيه؟!
أتجوزك؟!
يعني إيه يا شوقي؟! إنت ما صدقت!
ارتبك شوقي قليلًا، ثم رفع كفيه وهو يهز رأسه.
شوقي...
أبدًا والله... متفهمنيش غلط.
أنا كل اللي بفكر فيه إني أساعدك، وأعملك أي خدمة.
وأكيد شغلك في المدرسة أحسن مليون مرة من سواقة الميكروباص، وده حلمك من أول يوم عرفتك فيه.
ظلت تنظر إليه في صمت، بينما أكمل هو بهدوء.
شوقي...
اسمعيني للآخر...
أنا قصدي جواز على الورق، لحد ما تسافري وتستلمي شغلك، وبعدها لو حبيتي ننفصل بهدوء، أنا مش هقف في طريقك.
ولا هطلب منك أي حاجة.
تنهدت أسرار وهي تنظر إلى الأرض.
أسرار...
عارف يا شوقي...
شغل الميكروباص ده عمره ما كان حلمي.
أنا كنت متخيلة نفسي مدرسة، واقفة قدام الطلبة، بشرح لهم، وبحقق اللي تعبت عشانه.
وعايزة أبقى حاجة تانية... ومعايا فلوس.
أنا تعبت كتير... ونفسي أرتاح بقى.
صحيح الدنيا مفيهاش راحة... بس السفر أرقى، وهيفتحلي باب جديد.
ابتسم شوقي ابتسامة هادئة.
شوقي...
وعشان كده بقولك متضيعيش الفرصة.
إنتِ تستحقيها.
هزت رأسها بتردد.
أسرار...
بس الجواز مش لعبة يا شوقي.
دي مسئولية... وميثاق.
إزاي أوافق على حاجة بالشكل ده؟
سكت شوقي لحظة، ثم قال بصوت منخفض.
شوقي...
أنا عارف...
وعارف إن طلبي صعب.
لكن والله ما فكرت في مصلحتي.
كل اللي شاغلني إنك متخسريش حلمك بعد السنين دي كلها.
نظرت إليه مطولًا، ثم قالت.
أسرار...
لازم أفكر...
ومينفعش آخد قرار زي ده لوحدي.
شوقي...
خدي وقتك... وأنا مستني ردك، مهما كان.
نهضت من مكانها، وما زالت ملامح الحيرة تسيطر عليها.
---
في مساء ذلك اليوم...
دخلت أسرار منزلها بخطوات بطيئة.
استقبلتها والدتها منيرة بابتسامة.
منيرة...
مالك يا بنتي؟ شكلك مهموم.
جلست أسرار بجوارها، ثم قصت عليها كل ما حدث منذ ذهابها إلى مكتب التوظيف، وحتى عرض شوقي المفاجئ.
ظلت منيرة صامتة لثوانٍ، ثم قالت وهي تفكر.
منيرة...
والولد ده... شكله محترم؟
أسرار...
والله عمره ما غلط في حقي، ولا قصر معايا في حاجة.
تنهدت الأم وقالت.
منيرة...
بس الجواز مش قرار سهل.
لازم نفكر كويس... ونستخير ربنا.
أومأت أسرار برأسها.
لكنها حين دخلت غرفتها...
جلست على سريرها، وهي تنظر إلى أوراق التعيين الموضوعة أمامها.
بين حلمٍ انتظرته سنوات...
وبين قرار قد يغيّر حياتها كلها...
وقفت عاجزة عن الاختيار.
بعد أربعة أيام...
كان شوقي يجلس داخل الميكروباص، شارد الذهن، ينظر إلى هاتفه بين الحين والآخر، وكأنه ينتظر مكالمة يعلم أنها قد لا تأتي.
وفجأة...
اهتز الهاتف بين يديه.
نظر إلى الشاشة، فاتسعت عيناه.
"أسرار تتصل..."
رد بسرعة، وكأنه كان يخشى أن تغلق الخط قبل أن يسمع صوتها.
شوقي...
ألو... أسرار؟
ساد صمت لثوانٍ، ثم جاء صوتها هادئًا لكنه متردد.
أسرار...
إزيك يا شوقي؟
ارتسمت ابتسامة على وجهه.
شوقي...
الحمد لله... إنتِ عاملة إيه؟
تنهدت ببطء.
أسرار...
أنا فكرت... كتير.
وسألت نفسي ألف مرة.
وبستخير ربنا من يوم ما اتكلمنا.
ابتلع شوقي ريقه، وهو ينتظر كلمتها.
شوقي...
ووصلتي لإيه؟
أغمضت عينيها للحظة، ثم قالت بحسم.
أسرار...
موافقة.
ساد الصمت...
أما شوقي فشعر وكأن قلبه توقف لثانية.
ثم قال بفرحة لم يستطع إخفاءها.
شوقي...
بجد يا أسرار؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة، لكنها سرعان ما اختفت.
أسرار...
بس...
موافقتي ليها شرط.
اعتدل في جلسته.
شوقي...
أي شرط... أنا موافق عليه قبل حتى ما أسمعه.
قالت بصوت جاد.
أسرار...
الجواز ده هيكون علشان إجراءات السفر وبس.
وأول ما أخلص كل الإجراءات، وأستلم الشغل، وأسافر...
هنطلق.
فضل شوقي صامتًا للحظات.
كانت الكلمات ثقيلة على قلبه.
لكنه كان يعلم منذ البداية أن هذا ما كانت تريده.
ابتسم رغم الألم الذي شعر به.
شوقي...
لو ده اللي هيحقق حلمك...
أنا موافق.
ولو طلاقنا بعد كده هو اللي هيريحك...
برضه موافق.
المهم متندميش إن حلمك ضاع.
شعرت أسرار بوخزة في قلبها.
لم تكن تتوقع أن يوافق بهذه السهولة.
أسرار...
أنا مش عايزة أظلمك يا شوقي.
ولا أوهمك بحاجة مش موجودة.
أنا من الأول بقولك الحقيقة.
قال بهدوء شديد.
شوقي...
وأنا مقدر صراحتك.
ومش هطلب منك غير حاجة واحدة...
احترميني، حتى لو عمرِك ما حبيتيني.
أغمضت عينيها وهي تشعر بثقل كلماته.
أسرار...
وعد.
قال بابتسامة حزينة.
شوقي...
يبقى من بكرة نبدأ الإجراءات.
وربنا يكتب اللي فيه الخير.
أنهت أسرار المكالمة وهي ما زالت تشعر أن قلبها منقسم بين حلمٍ انتظرته طويلًا...
وبين رجلٍ يمد لها يده دون أن يطلب مقابلًا.
أما شوقي...
فأنزل الهاتف ببطء، ورفع بصره إلى السماء.
وهمس لنفسه:
شوقي...
يمكن تكون وافقت علشان السفر...
لكن أنا هفضل أدعي ربنا...
إن ييجي يوم وتوافق عليّا أنا.بقلم ميادة يوسف الذغندى
بعد أسبوع...
كانت الأيام تمر بسرعة...
بين إنهاء إجراءات السفر، واستخراج الأوراق المطلوبة، وإنهاء إجراءات عقد الزواج.
كل شيء كان يسير كما خُطط له...
لكن قلب أسرار كان يزداد ثقلًا مع كل ورقة توقعها.
وفي صباح يوم عقد القران...
استيقظت أسرار على أصوات حركة غير معتادة داخل المنزل.
فتحت باب غرفتها، لتجد والدتها منيرة ترتب الأثاث، وتمسح الطاولة، وتضع بعض الورود الطبيعية في مزهرية صغيرة، ثم علقت شريطًا بسيطًا من الزينة على الحائط.
ابتسمت وهي تلتفت إليها.
منيرة...
صباح الخير يا عروسة.
عقدت أسرار حاجبيها وهي تنظر إلى ما تفعله.
أسرار...
بتعملي إيه بس يا ماما؟
ضحكت منيرة وهي تكمل ترتيب المكان.
منيرة...
بعمل إيه؟ هو النهارده مش يوم فرحك ولا إيه؟ انتي نسيتي؟
تنهدت أسرار وجلست على الأريكة وهي تهز رأسها.
أسرار...
أنسى؟... ودي حاجة تتنسى؟
بس بلاش يا ماما تصدقي إنه جواز يعني.
ده مجرد ورق صوري... علشان أقدر أكمل إجراءات السفر.
وأول ما أخلص كل الإجراءات وأسافر...
هطلق من شوقي.
توقفت منيرة عن الحركة، ثم التفتت إليها بنظرة امتزج فيها الحنان بالخوف.
اقتربت منها وجلست بجوارها.
منيرة...
يا بنتي... حتى لو إنتِ متفقين على كده، فهو عند ربنا جواز.
الكلمة دي مش سهلة، والميثاق ده مش لعبة.
خفضت أسرار رأسها وهي تعبث بأصابعها.
أسرار...
أنا عارفة يا ماما...
بس ده الحل الوحيد قدامي.
لو الفرصة دي راحت...
يمكن عمري كله يضيع.
ربتت منيرة على يدها بحنان.
منيرة...
أنا مش ضد حلمك...
ولا ضد سفرك.
أنا بس خايفة إن الأيام تعمل حسابات غير اللي إنتِ عاملاها.
ابتسمت أسرار ابتسامة باهتة.
أسرار...
متقلقيش...
أنا وشوقي فاهمين كل حاجة، ومتفقين من الأول.
هو عارف إن الجواز ده مؤقت.
تنهدت منيرة وقالت بصوت خافت:
منيرة...
بس القلوب يا أسرار...
عمرها ما بتمشي بالعقل ولا بالاتفاقات.
سكتت أسرار، ولم تجد ردًا.
واكتفت بالنظر إلى الزينة البسيطة المنتشرة في أرجاء البيت...
وكأنها تشاهد تجهيزات فرح لا تشعر أنها عروسه.
وفي تلك اللحظة...
رن جرس الباب.
ابتسمت منيرة وهي تنهض سريعًا.
منيرة...
أكيد شوقي وأهله وصلوا.
أما أسرار...
فوضعت يدها على قلبها الذي بدأ يخفق بعنف، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم همست لنفسها:
أسرار...
يا رب... عدّي اليوم ده على خير.
منيرة...
فتحت الباب، لتجد مجموعة من العمال يحملون الورود، والطاولات، وأعمدة الزينة، وخلفهم شاحنة صغيرة مكتوب عليها اسم شركة لتنظيم الحفلات.
نظرت إليهم باستغراب.
منيرة...
أيوه يا جماعة... خير؟
ابتسم المسؤول بأدب وهو أخرج ورقة من الملف الذي يحمله.
المسؤول...
صباح الخير يا فندم.
إحنا من شركة ليالي الشرق لتنظيم وتجهيز الأفراح.
العريس الأستاذ شوقي الغلاب هو اللي حاجز عندنا، وباعثنا نجهز المكان.
اتسعت عينا منيرة من الدهشة.
وفي تلك اللحظة...
خرجت أسرار من غرفتها بعدما سمعت الحديث.
توقفت مكانها وهي تنظر إلى العمال الذين بدأوا ينزلون الديكورات.
أسرار...
إيه؟!
تجهيزات... وديكورات؟!
هو إحنا مش اتفقنا على كده أصلًا!
ده مجرد عقد... مش فرح!
أخرجت هاتفها بسرعة، واتصلت بشوقي.
---
أما عند شوقي...
كان المنزل يعج بالحركة.
أصدقاؤه يضحكون، وإخوته يساعدونه في ارتداء بدلته.
وكانت الأغاني الشعبية تملأ المكان.
أما شوقي...
فكان يرقص وسطهم بعفوية، والابتسامة لا تفارق وجهه.
شوقي...
معقول...
هتجوز أسرار!
والله العظيم لحد دلوقتي مش مصدق.
ربنا يتممها على خير.
ضحك أحد أصدقائه وهو يربت على كتفه.
أحد أصدقائه...
إهدى يا عريس... لسه اليوم طويل.
وفي تلك اللحظة...
رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة...
فتوقفت ابتسامته قليلًا عندما قرأ الاسم.
"أسرار"
ابتعد عن الجميع بسرعة، وخفض صوت الأغاني بإغلاق باب الغرفة خلفه.
ثم رد بابتسامة.
شوقي...
ألو... صباح الخير يا أسرار.
لكن...
جاءه صوتها غاضبًا على غير عادتها.
أسرار...
إيه اللي إنت عملته ده يا شوقي؟
إيه حكاية شركة الأفراح والديكورات اللي عند البيت؟
إحنا اتفقنا إن ده مجرد جواز صوري!
مش فرح بكل المناظر دي!
ظل شوقي صامتًا لثوانٍ...
ثم أخذ نفسًا عميقًا وقال بهدوء:
شوقي...
أنا عارف إننا متفقين.
وعارف إنه بالنسبة لك مجرد ورق.
بس بالنسبة لي...
النهارده أول يوم في حياتي أحس إني حققت أكبر حلم كنت بتمناه.
وسواء كان الجواز هيكمل...
أو هينتهي بعد السفر...
أنا مش قادر أعدّي اليوم ده كأنه يوم عادي.
علشان كده حبيت أفرح بيه...
حتى لو ليوم واحد.
ساد الصمت...
بينما وقفت أسرار لا تعرف بماذا ترد، فقد شعرت لأول مرة بحجم الفرحة التي يعيشها شوقي... والفرق الكبير بين ما يمثله هذا اليوم لكلٍ منهما.
يتبع...

تعليقات
إرسال تعليق
فضلا اترك تعليق من هنا