رواية صندوق اسرار( الجزء الثالث) الفصل السابع 7بقلم ميادة يوسف الذغندى حصريه في مدونة قصر الروايات
رواية صندوق اسرار( الجزء الثالث) الفصل السابع 7بقلم ميادة يوسف الذغندى حصريه في مدونة قصر الروايات
رواية صندوق أسرار
الجزء الثالث
البارت السابع
بقلم الكاتبة ميادة يوسف الذغندى
---
في المساء...
امتلأ منزل أسرار بالأقارب والجيران.
لم يكن حفلًا صاخبًا، لكنه كان دافئًا، تملؤه الدعوات والابتسامات.
الزينة التي أصر شوقي على إحضارها أضفت على المكان بهجة لم تستطع أسرار أن تشعر بها كما شعر بها الجميع.
كانت تجلس في ركن هادئة، ترتدي فستانًا أبيض بسيطًا، بينما والدتها منيرة تنظر إليها بين الحين والآخر، وكأنها تحاول أن تقرأ ما يدور داخل قلبها.
أما شوقي...
فكان يستقبل الجميع بابتسامته المعتادة، يرحب بهذا، ويصافح ذاك، وعيناه لا تغادران أسرار إلا للحظات.
وبعد قليل...
وصل المأذون.
جلس الجميع في أماكنهم، وساد الهدوء.
بدأ المأذون في تلاوة آيات من القرآن الكريم، ثم تحدث عن قدسية الزواج، وأنه ميثاق غليظ، يقوم على الرحمة والمودة.
كانت كل كلمة يسمعها تزيد من اضطراب أسرار.
أما شوقي...
فكان يستمع وعيناه تلمعان بسعادة صادقة.
ثم جاء وقت الإيجاب والقبول.
أجاب شوقي بصوت ثابت:
شوقي...
قبلت الزواج.
ثم التفتت الأنظار إلى أسرار.
حبست أنفاسها للحظة...
ثم قالت بصوت خافت:
أسرار...
قبلت.
ابتسم المأذون، وأكمل إجراءات العقد.
وبعد دقائق...
أغلق الدفتر، ثم قال بابتسامة.
المأذون...
بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير.
تعالت الزغاريد داخل المنزل.
صافح الجميع شوقي، وبدأت التهاني تتوالى.
أما أسرار...
فاكتفت بابتسامة خفيفة، وكأنها تؤدي دورًا لا تشعر به.
وبعد انصراف المأذون، وانشغال الضيوف بالحديث والطعام...
اقترب شوقي منها بهدوء.
وقف أمامها للحظات، ثم ابتسم ابتسامة امتزجت فيها الفرحة بالألم.
شوقي...
مبروك يا أسرار.
ردت بصوت منخفض.
أسرار...
الله يبارك فيك.
نظر إليها طويلًا، ثم قال:
شوقي...
عارفة...
يمكن كل اللي حوالينا فاكرين إن النهارده بداية حياة جديدة.
ويمكن الحقيقة غير كده.
بس...
حتى لو كان اللي إحنا عايشينه كدب...
أنا راضي بيه.
ولو الفرحة دي مؤقتة...
برضه راضي.
يكفيني إن ربنا كتب إنك تبقي مراتي... حتى لو لفترة.
شعرت أسرار بانقباض في قلبها، لكنها تماسكت وقالت بهدوء.
أسرار...
ده اتفاق يا شوقي...
وإحنا من البداية حاطين كل حاجة واضحة.
أنا مش عايزة حد فينا يتعلق بحاجة إحنا عارفين إنها هتنتهي.
ابتسم شوقي ابتسامة هادئة.
شوقي...
أنا عارف.
ومش هضغط عليكِ.
ولا هغيّر كلمة اتفقنا عليها.
بس سيبيني أفرح...
حتى لو النهارده بس.
خفضت أسرار عينيها إلى الأرض.
ولم تجد ما تقوله.
في تلك اللحظة...
تعالت ضحكات الأطفال في أرجاء المنزل، وارتفعت أصوات التهاني مرة أخرى.
أما شوقي...
فنظر إليها نظرة طويلة، وكأنه يحفظ ملامحها داخل قلبه.
بينما كانت أسرار تنظر إلى خاتم الزواج في يدها...
وتسأل نفسها في صمت...
هل ستكون هذه النهاية كما خططت لها...
أم أن القدر...
يُخفي لهما بداية لم يتوقعها أحد؟
بعد شهر...
كانت أسرار تعد الأيام انتظارًا لموعد سفرها.
كل أوراقها أصبحت جاهزة، ولم يتبقَّ سوى استلام التأشيرة من شركة السفريات.
خرجت من منزلها مبكرًا، وقلبها يخفق من شدة الحماس.
كانت تتخيل نفسها بعد أيام قليلة في بلدٍ جديد، تبدأ حياة طالما حلمت بها.
وصلت إلى العمارة التي يقع فيها مقر الشركة.
لكن...
توقفت فجأة.
اتسعت عيناها في صدمة.
باب الشركة مغلق...
وعليه أختام بالشمع الأحمر.
وشريط أصفر يمنع الدخول.
ظلت تحدق في المكان غير مصدقة.
همست لنفسها:
أسرار...
لأ... مستحيل...
أكيد فيه حاجة غلط.
اندفعت نحو السلم، ونزلت درجاته جريًا حتى وصلت إلى بواب العمارة.
كانت أنفاسها متلاحقة، وصوتها يرتجف.
أسرار...
لو سمحت... هو فين شركة السفريات؟
إيه اللي حصل؟
نظر إليها البواب بحزن، ثم هز رأسه بأسف.
البواب...
إنتِ جاية علشان الشركة؟
ابتلعت ريقها بسرعة.
أسرار...
أيوه... أنا مقدمة عندهم، وكل أوراقي عندهم.
قال الرجل وهو يزفر بقلة حيلة:
البواب...
الله يكون في عونك يا بنتي.
الشركة طلعت نصابة...
والشرطة جت من كام يوم، وقفلت المكان بالشمع الأحمر.
وأصحابها اتقبض عليهم.
شعرت أسرار وكأن الأرض تميد بها.
حدقت فيه غير مستوعبة.
أسرار...
إيه؟!
يعني... يعني إيه نصابين؟
أوراقي...
وفلوسي...
قال البواب بأسف شديد:
البواب...
الناس كلها كانت واقفة هنا بتعيط.
فيه اللي باع دهبه...
وفيه اللي استلف.
وفيه اللي دفع تحويشة عمره.
لو إنتِ كمان دافعة فلوس...
يبقى ربنا يعوض عليكِ.
سقط الملف من يد أسرار على الأرض.
وتناثرت الأوراق حولها.
أما هي...
فظلت واقفة مكانها، شاحبة الوجه، عاجزة حتى عن البكاء.
كل ما بنته خلال السنوات الماضية...
وكل الأحلام التي ضحت من أجلها...
بدت وكأنها تنهار أمام عينيها في لحظة واحدة.
همست بصوت مكسور:
أسرار...
يعني...
السفر راح؟
وضاع كل شيء؟
ولم تجد من يجيبها...
إلا الصمت.بقلم ميادة يوسف الذغندى
خرجت أسرار من أمام العمارة وهي لا تكاد ترى الطريق من شدة الصدمة.
لم تشعر بنفسها إلا وهي تستقل أول سيارة أجرة، وأعطت السائق عنوان موقف الميكروباص الذي يعمل فيه شوقي.
كانت طوال الطريق تمسك هاتفها بيد مرتجفة.
مرة تريد أن تتصل به...
ومرة تتراجع.
حتى وصلت.
ترجلت من السيارة، وأخذت تبحث بعينيها بين السيارات.
وفجأة...
وقع بصرها عليه.
كان شوقي يقف بجوار الميكروباص، يتحدث مع أحد السائقين.
وما إن لمح أسرار قادمة نحوه...
حتى اختفت الابتسامة من وجهه.
وأدرك فورًا...
أنها عرفت كل شيء.
ترك من كان يتحدث معه، واتجه إليها بخطوات مترددة.
شوقي...
أسرار...
لكنها قاطعته بصوت مرتجف.
أسرار...
شوقي...
إنت كنت عارف موضوع الشركة؟
خفض شوقي عينيه إلى الأرض.
وحك ذقنه في توتر.
ولم ينطق.
اقتربت منه أسرار أكثر، وأمسكت كتفه تهزه بعنف.
أسرار...
رد عليّا!
قول...
إنت كنت عارف؟
تنهد شوقي طويلًا، ثم قال بصوت خافت.
شوقي...
أيوه...
عرفت.
رفعت يدها بعيدًا عنه وكأنها صُدمت من اعترافه.
أسرار...
كنت عارف؟!
وسكت؟!
ليه يا شوقي؟
ليه خبيت عني؟
قال وهو لا يزال مطأطئ الرأس:
شوقي...
لما عرفت...
روحت بنفسي أتأكد.
وقلت يمكن تكون إشاعة.
ولما اتأكدت...
خوفت أقولك.
كنت شايف قد إيه مستنية السفر.
وخفت أشوف كسرة عينك.
وخفت تنهاري.
دمعت عينا أسرار، لكنها لم تبكِ.
كانت الصدمة أكبر من الدموع.
أسرار...
يعني كنت كل يوم بتشوفني بعدّ الأيام...
وبتكلم عن السفر...
وسايبني أعيش في وهم؟
رفع شوقي رأسه أخيرًا، وكانت الحسرة واضحة في عينيه.
شوقي...
والله ما كنت قادر.
كل مرة كنت بقول النهارده هقولها...
ولما أشوف فرحتك...
لساني كان بيتشل.
أنا غلطت...
وأستحق إنك تزعلي مني.
لكن والله ما كان قصدي أوجعك.
أغمضت أسرار عينيها للحظة، ثم انفجرت أخيرًا بالبكاء.
أسرار...
ضاع حلمي يا شوقي...
كل حاجة ضاعت.
فلوسي...
وشغلي...
ومستقبلي.
أنا عملت كل ده...
واتجوزتك...
علشان الحلم ده.
وفي الآخر...
طلع سراب.
وقف شوقي عاجزًا أمام دموعها.
مد يده ليواسيها...
لكنه تراجع في آخر لحظة.
فلم يجد ما يقوله...
سوى همسة خرجت من قلبه:
شوقي...
حقك عليّا يا أسرار...
لو أقدر أرجعلك حلمك بعمري كله...
ما كنتش هتأخر لحظة.
كانت دموع أسرار تنهمر بلا توقف، بينما وقف شوقي ينظر إليها بعينين امتلأتا بالألم.
مسحت دموعها بطرف كفها، ثم قالت بصوت مكسور، لكنه حاسم.
أسرار... شوقي...
طلقني.
تجمدت ملامحه.
نظر إليها وكأنه لم يسمع ما قالت.
شوقي... إيه؟
طلاق؟
طلاق إيه؟
استحالة...
إنتِ مراتي...
وأنا بحبك.
هزت رأسها وهي تحاول السيطرة على دموعها.
أسرار... وده كان الاتفاق يا شوقي.
اتفقنا إن أول ما السبب اللي اتجوزنا عشانه ينتهي...
كل واحد يروح لحاله.
أنا من أول يوم كنت واضحة معاك.
أجابها بصوت اختلط فيه الغضب بالوجع.
شوقي... بس أنا ما كنتش واضح؟
أنا من أول يوم قولتلك إني بحبك.
وقبلت بكل شروطك.
واستنيت يمكن قلبك يتغير.
ليه بتعاقبيني على إني حبيتك؟
أغمضت أسرار عينيها وهي تبكي.
أسرار... أنا مش بعاقبك...
أنا بنفذ اتفاقنا.
كانت أسرار تقف أمام مكتب أسعد، وعيناها ممتلئتان بالدموع، بينما أنهت حديثها عن كل ما حدث منذ اكتشافها أن شركة السفريات كانت شركة وهمية، وحتى رفض شوقي تطليقها.
ساد الصمت لثوانٍ.
ظل أسعد ينظر إليها باهتمام، ثم مال بجسده إلى الخلف وهو يزفر بهدوء.
أسعد...
يعني...
شوقي دخل الحكاية كلها علشان يساعدك.
وبعدين...
قلب الموضوع لصالحه.
أكيد فيه حل...
وأنا هحلها.
رفعت أسرار عينيها إليه بسرعة.
كانت نظراتها متعلقة بعينيه وكأنها تبحث عن أي أمل.
أسرار...
إزاي يا أستاذ أسعد؟
ابتسم أسعد ابتسامة هادئة، ثم نهض من خلف مكتبه.
اقترب منها بخطوات واثقة، وفتح ذراعيه لها بتلقائية.
ترددت أسرار لحظة...
لكنها كانت منهارة تمامًا.
فاندفعت تبكي بين ذراعيه.
ربت أسعد على كتفها بحنان، وقال بصوت مطمئن:
أسعد...
اهدي...
طول ما أنا موجود، مش هسيب حقك يضيع.
اللي حصلك مش ذنبك.
ولو شوقي نسي الاتفاق...
أنا هفكره بيه.
ولو رفض...
يبقى لكل حادث حديث.
ابتعدت أسرار عنه ببطء، ومسحت دموعها.
أسرار...
أنا تعبت أوي...
حاسّة إن كل حاجة بتضيع مني.
نظر إليها أسعد بثبات وقال:
أسعد...
لأ...
دي بداية الحكاية مش نهايتها.
وأوعدك...
إني هقف جنبك لحد ما الأزمة دي تنتهي......يتبع
تكملة الرواية من هناااااااا

تعليقات
إرسال تعليق
فضلا اترك تعليق من هنا