القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية غرام الذئاب الفصل السادس وعشرون إلى الفصل الثاني والثلاثون من الجزء الرابع بقلم ولاء رفعت (حصريه وجديده في مدونة قصر الروايات )

 


رواية غرام الذئاب الفصل السادس وعشرون إلى الفصل الثاني والثلاثون من الجزء الرابع بقلم ولاء رفعت (حصريه وجديده في مدونة قصر الروايات )





#الفصل_السادس_والعشرون إلى الفصل الثاني والثلاثون 


#غرام_الذئاب

#الجزء_الرابع_من_سلسلة_صراع_الذئاب

#ولاء_رفعت_علي


كنتُ أظن أن الحب يثبت بالتمسك، فتمسكت حتى خنقته. 


كنت أطارده بحجة الشوق، وأنا في الحقيقة أطارده بهواجسي، بخوفي، بضعفي الذي ظننته غيرة مشروعة.


كم صرخت لألفت انتباهه، وكم بكيت لأستدر حنانه، حتى أرهقته دموعي وصراخي معًا.


لم أنتبه أن الرجل حين يُرهق، لا يرحل بخطوات صاخبة، بل بصمت مهيب يشبه الموت.


ترك لي وراءه كرسي بارد، وأبوابً مغلقة، وصدى صراخي العالق بين الجدران.


أجلس الآن بين أنقاض كبريائي، أتساءل


هل كنتُ زوجته، أم كنت وجعه؟


لم يعد في يدي سوى الندم، والندم نار تأكل القلب ببطء لا يُميت ولا يُبقي.


أخاف أن أستيقظ غدًا فلا أجد في عينيه مكانًا لي، وأخاف أكثر أن أكون أنا من دفعه إلى ذلك المكان البعيد، حيث لا يعود الحب مهما ناديته.


دنيا العمري


غفا على الأريكة داخل مكتبه الفخم، وقد أرهقته الأيام الماضية حتى بات يهرب من منزله هروب الملهوف من الضجيج والضغوط النفسية.


 فمنذ أيام لم يذق طعم الراحة مع زوجته ذات المزاج المتقلب، تصرخ في وجهه تارة، وتبكي بغير سبب تارة أخرى، توقظه من سباته مذعورًا، فيحسب أن مصيبة قد حلت، ليكتشف في النهاية أنها فقط تشعر بالملل، فأيقظته كي لا تبقى وحيدة.


وكانت هرمونات الحمل تلعب بأنوثتها لعب الريح بالنار، تُثيرها عاطفيًا وجسديًا في أغلب الأيام، حتى أثقلته، وشتتت ذهنه، وبات يتلمس السكينة في أي موضع بعيد عنها، ولو كان على أريكة مكتبه الباردة.


وفي صباح باكر مفعم بالريبة، تركت صغارها مع المربية، وانطلقت إلى مقر عمل زوجها، وقد امتلأ صدرها بالظنون. كانت تظن أن تغيبه يومين أو ثلاثة لا يخلو من خيانة أو سر خفي، وربما امرأة أخرى اقتطعت نصيبها من قلبه.


وما إن وطئت قدمها مكتب المساعد الخاص بزوجها، حتى اكتشفت أنه استبدله بفتاة يافعة فاتنة، رشيقة القسمات، ذات صوت ناعم ينساب في الأذن كنسمة دافئة.


رفعت الفتاة رأسها تقول بأدب مصطنع


"أهلاً وسهلاً يا فندم؟"


رمقتها دنيا بعين حادة تموج بالغيظ، وارتسم في داخلها حوار صامت ينضح بالوعيد


«بقى هي دي يا سي كنان اللي بقيت تسيبني بالأيام عشانها!، ماشي والله لأوريك»


انتبهت إلى صوت الفتاة المساعدة تسألها بنبرةٍ/ مترددة


"هل حضرتك أخدتي ميعاد قبل ما تيجي؟"


فصاحت دنيا، ترمقها بنظرات حادة كالسهم


"ميعاد مين يا بت أنتي؟!، أنا أجي وقت ما أنا عايزه، أنا مرات ولي نعمتك كنان بيه العمري"


ابتلعت الفتاة ريقها بتوتر واضح، وحمحمت بحرج قائلة


"آسفة يا فندم اعذريني، أنا أول مرة أشوف حضرتك، عن إذنك هدخل أبلغ كنان بيه بزيارتك، عشان هو من ساعة ما قاللي إنه هينام ومش عايز حد يزعجه"


اقتربت دنيا منها بخطوات متوعدة، ثم دفعتها بخفة من كتفها لتجلسها على الكرسي خلف المكتب قائلة بحدة ساخرة


"اقعدي يا حلوة يا كتكوتة مكانك كده، وأنا اللي داخلة أصحيه، مش محتاجة إذن عشان أدخل لجوزي"


رمقتها الفتاة بامتعاض مكتوم، فتركتها دنيا ودلفت إلى مكتب زوجها.


كان الكرسي خاليًا، فبحثت بعينيها المتقدتين حتى وجدته ممددًا على الأريكة الجلدية، يغفو بطمأنينة غريبة، وأزرار قميصه مفتوحة.


اقتربت منه وهمست بصوت خفيض تختلط فيه الغيرة بالعتب


"بتهرب مني عشان تيجي تنام هنا؟!، لا وكمان جايبلي حتة بت عيلة عشان تدلعك"


اتجهت نحو البراد الصغير، تناولت منه زجاجة مياه مثلجة، ثم عادت إلى ذاك النائم في أمان، فتحت الزجاجة وسكبتها على وجهه دفعة واحدة.


هب من نومه مذعورًا، وصاح بفزع 


"إيه فيه إيه؟!"


مسح الماء عن وجهه وصدره، وما إن استوعب ما حدث حتى فوجئ بزوجته أمامه، فحاول أن يتمالك غضبه، لكنها سارعت لتبرير فعلتها، قائلة بابتسامة متصنعة


"معلش يا حبيبي، أصل لما دخلت عليك لاقيتك بتصوت، شكلك كنت شايف كابوس وحش، فقولت أدلق على وشك ميه عشان تصحى"


رمقها بامتعاض، وأطلق زفرة طويلة كمن يستدعي الصبر، ثم قال ببرود حانق


"إنتِ إيه اللي جابك هنا؟"


اتسعت عيناها دهشة وقالت بلهجة متصنعة للعتاب


"أخص عليك يا كينو، هو ده استقبالك ليا برضه؟!، أنا جيت أطمن عليك، بقالك يومين ما بتجيش، قولت لنفسي بت يا دنيا، روحي شقري على جوزك، ليكون تعبان ولا حاجة"


ضحك ساخرًا وهو يردد كلمتها


"تشقري؟!"


ثم رفع زاوية فمه باستهزاء وسألها


"أنتِ والولاد كويسين؟"


أجابته وهي تضم ذراعيها على صدرها


"إحنا بخير، مش ناقصنا حاجة غير وجودك، ليه بتتهرب منا وتيجي تنام هنا؟، ومين البت اللي بره وشبه البرص دي كمام؟!"


ضحك على غير إرادته وقال بصراحة ممزوجة بالسخرية


"آه أنا هربان منك ومن عمايلك معايا، ما بقتش عارف أنام ولا أقعد في هدوء في البيت، يا دوشة الولاد، يا إما كل ما تلاقيني نايم تصحيني مفزوع، وفي الآخر قال إيه هرموناتك طالبة معاكي دموع ونكد، يا طالبة معاكي حاجات تانية، والحاجات دي عايزة راحة نفسية وجسدية أنا بقيت محروم منهم من قلة النوم والراحة"


عقدت حاجبيها ثم أجهشت بالبكاء، فزفر هو بتأفف واضح قائلاً


"يوه، أهو ابتدينا وصلة النكد، أنا بتكلم معاكي بصراحة عشان دماغك ما تفسرش هروبي منك لحوار خيانة، أصل أنا فاهم دماغك"


أخرجت من حقيبتها محرمة ورقية، تمسح بها دموعها قائلة بنبرة متقطعة


"أنت خلاص ما بقيتش طايقني ومش عايزني، خلاص، أنا هريحك مني، طلقني"


مسحت سيل أنفها، وأصدرت صوتًا أثار اشمئزازه، كما أثار طلبها الأخير غضبه الكامن، فنهض صارخًا


"إنتِ فيه إيه مالك؟!، كل شوية طلقني، طلقني، بقت على لسانك على طول وكأن جوازنا لعبة في إيدك، ولما يجيلك الشوق تقولي حقك عليا يا كنان، أصلي نفسيتي زي الزفت، ما أنا نفسيتي بتبقى أزفت منك وما بتكلمش، وبستحمل مزاجك عشان مقدر إنك حامل، لكن أنا في النهاية بني آدم، وليا طاقة تحمل، وكلمة طلقني دي لو طلعت من بوقك تاني، هاطفش من الشقة والشركة، ولو دورتي عليا في الكوكب كله مش هتعرفيلي طريق نهائي"


تلعثمت بين دموعها، واقتربت منه بخطوات مرتجفة لتعانقه وهي تقول


"حقك عليا"


أبعدها برفق ووجهه ما زال متجهم، وقال بغلظة متعبة


"ممكن تسيبيني في حالي دلوقتي؟، عشان مش طايق نفسي"


ابتعدت بحرج وخجل من إعراضه عنها، ورمقته بعين دامعة متهدجة الصوت


"يعني أنا لو كنت سيلينا، كنت هتعمل معايا كده؟"


أجابها بفتور وهو يلتقط سترته


"أنتي مصرة تخرجي أسوأ ما فيا و تخليني اسمعك كلام هخليكي تكرهي نفسك و تكرهيني... بس أنا مش هعمل كده ، هاقولك على حاجة أحسن أنا  ماشي في ستين داهية تاخدني، عشان ترتاحي مني علي طول"


ثم اتجه نحو مكتبه، التقط متعلقاته، أغلق أزرار قميصه بعشوائية، وما هي إلا لحظات حتى صفق الباب خلفه بقوة اهتز لها قلبها قبل الجدران.


ارتجفت من الصدمة، وسقطت على الأريكة تبكي بصدق هذه المرة، وقد غمرها يقين موجع بأنه لم يعد يحتملها بسبب تذكيره ولومه علي الماضي، وربما بدأ ينفر منها حقًا.


                      ❈-❈-❈


تفتح عينيها في غياهب العتمة، والظلام يُطبق عليها ، لا يبدده سوى خيط ضئيل من ضوء خافت يتسلل من أعلى، فيسقط في منتصف المكان كوميض شمعة تحتضر. 


  حاولت أن تتحرك، فإذا بها تجد يديها وقدميها مكبلتين بأصفاد باردة ، حاولت الصراخ بعدما أدركت أن فمها مكمم، وكل ما يخرج منها ليس سوى أنين مكتوم. 


وما لبثت أن سمعت صرير الباب يُفتح ببطء ليظهر في عتبة المكان رجل طالما خُيل إليها أن الشيطان استعان بملامحه يوم صاغها، وجهه المغلف بابتسامة تنضح بالشر والغرور، تلك الابتسامة التي طالما كرهتها بعمق يوازي خوفها منه.


تقدم بخطوات واثقة، وخلع قميصه ببطء متعمد، بينما نظراته تلتهمها كما تلتهم النار الهشيم


"وأخيراً يا حبيبتي، بقيتي ليا... شوفتي بقى، كان عندي حق لما قولتلك إنك بتاعتي، ومحدش في الدنيا دي يقدر يبعدك عني"


ارتعدت أوصالها، وصرخت من خلف كمامها، لكن صراخها ارتد إليها كطعنة في صدرها، تتوسل الهواء أن يحمل أنينها للخارج، دون جدوى. 


أخذ يقترب منها أكثر، وملامحه تزداد وحشية كلما تقلصت المسافة بينهما، فيما جسدها ينتفض من الهلع والعجز.


و فجأة انمحى المشهد، فتحت عينيها على شهقة مبحوحة، لتدرك أن ما عاشته لم يكن سوى كابوس مرعب، وأن الجدران من حولها آمنة، التقطت أنفاسها بصعوبة، تحسست وجهها المرتجف، ووضعت يدها على صدرها تستجدي نبضها أن يهدأ.


لكنها لم تكد تلتقط أنفاسها حتى دوّى جرس الباب كصفعة من الواقع، فانتفضت واقفة والذعر ما زال يسكن عينيها.


"ماما؟... ماما؟" 


نادت بصوت مرتجف، و سرعان ما أن تذكرت أن والدتها ليست في المنزل.


تقدمت نحو الباب بخطوات مترددة، وفتحته دون أن تُلقي نظرة من خلال الفتحة الزجاجية، فإذا بوجه تعرفه جيداً يقف أمامها، وجه خرج للتو من كابوسها، كأن الحلم قرر أن يتجسد لها في الحقيقة.


شهقت مرددة


"باسم!"


وحاولت أن تغلق الباب سريعاً، لكنه وضع قدمه في الفتحة ومنعها قائلاً بابتسامة ماكرة 


"هي دي حمد الله على السلامة اللي المفروض تقوليها لخطيبك؟"


نظرت إليه بتوتر، تتحامي خلف الباب كأنه درعها 


"عايز إيه؟، مش أنا اتنازلتلك عن القضية وانت خرجت خلاص؟"


ضحك بخفة مقيتة قائلاً 


"وبالنسبة لموافقتك على جوازي منك... نسيتيها؟"


ابتلعت ريقها بصعوبة، وأدركت حجم ما تورطت فيه، لكنها حاولت أن تبدو ثابتة أمامه.


"آه وافقت... بس لسه ليا شروط، هقولك عليها"


"وناوية تقوليها لي على الباب؟"


"ماما مش هنا"


فاجأها بابتسامة ماكرة 


"عارف إنها مش هنا... عشان كده جيتلك نتكلم على راحتنا"


اتسعت عيناها من جرأته، وهزت رأسها رفضاً وهي تقول بحزم مرتجف


"وأنا مش هاينفع أدخلك وهي مش موجودة"


ابتسم من جانب فمه ابتسامةً باردة 


"يبقى روحي غيري هدومك وتعالي معايا نقعد في أي مكان"


"لاء، مش هاينفع"


مد يده محاولاً دفع الباب  


"يبقى نتكلم جوه"


ارتعشت أطرافها، وصور الكابوس تعاودها كوميض مؤلم يلسع ذاكرتها، فصاحت بصوت مرتجف


"خلاص، خلاص، انزل إنت استناني تحت... وأنا هاروح أغير هدومي وأنزلك"


أغلقت الباب في وجهه بإحكام، وأوصدته بالقفل، أسندت رأسها إلى الخشب، تحاول أن تستعيد أنفاسها التي تسارعت كمن يهرب من موت محتوم، ثم هرولت إلى غرفتها.


وبعد قليل من الوقت...


كان ينتظرها في سيارته الفاخرة أمام المبنى، يعبث بهاتفه في انتظارها، حتى رآها تخرج من فناء العمارة بخطوات متوترة، ترتدي ثوب أحمر قاتم، وتخفي ملامحها بنظارة داكنة. 


فتحت باب السيارة وجلست جواره، تنظر للأمام بصمت حذر.


أدار رأسه نحوها يتأمل ملامحها بشغف لم يُخفه، فيما هي تشعر بوخز نظراته في عنقها، فابتلعت ريقها وقالت بحدة جافة


"يلا نمشي من هنا وانجز بسرعة، عشان عايزة أرجع قبل ما ماما تيجي متلاقينيش في البيت"


ضحك بصوت خافت، وقال بلهجة مليئة بالغرور


"إنتي خارجة مع خطيبك يا فجر، مش مع حد غريب... وكلها أيام وهاتبقي مراتي"


رمقته بنظرة مقتضبة وقالت دون أن تخفي ضيقها


"طيب، ممكن تتحرك من هنا لو سمحت؟"


"حاضر"


ثم أدار المحرك وانطلقت بسيارته


                      ❈-❈-❈


في قسم الشرطة، جلس كل من چيهان وزوجها، ومعهما قصي ومصعب، فيما وقف يونس وآدم وطه إلى جانب الجدار، يتبادلون النظرات الصامتة، بينما يوسف كان غائباً منذ يومين، كأن الأرض انشقت وابتلعته.


بينما في داخل غرفة الضابط، فكان ياسين يجلس وإلى جواره محاميه، في الجهة المقابلة يجلس رحيم متأففاً، ينظر في ساعة يده كل حين، يراقب عقاربها كمن يترقب ساعة الخلاص، منتظراً قدوم ياسمين التي أُخذت صباح اليوم لإجراء الفحوصات والكشوف والأشعة اللازمة لتأكيد حالتها الصحية.


قال المحامي بصوت رسمي رزين، وقد شبك يديه أمامه فوق المكتب


"أظن يا فندم، بعد ما أنكرت مدام رودينا إدعاء الدكتور رحيم اللي ذكره في المحضر، يبقى كده موكلي براءة"


أجابه الضابط باقتضابٍ وهو يقلب في الأوراق أمامه


"آه"


عندها التفت ياسين إلى رحيم، وحدق فيه بابتسامة استفزازية تفيض سخرية، ثم أخرج طرف لسانه في حركة طفولية مستهزئة أثارت حنق خصمه.


زفر رحيم بضيق، وهز رأسه يسأل بسأم ظاهر


"وبالنسبة لوضع أميرة؟"


رمقه ياسين بنظرة نارية وقال بغيظ مكتوم


"اسمها ياسمين، وياريت ما تنطقهاش على لسانك... لأحسن أزعلك"


رفع الضابط رأسه نحو ياسين بصرامة وقال بحدة تقطع الهواء


"شكلك مصمم تشرفنا هنا علي طول"


تدخل المحامي سريعاً بابتسامة متوترة ليهدئ الموقف قائلاً


"موكلي ما يقصدش حضرتك، هو أكيد بيهزر"


ثم مال نحو موكله هامساً بصوت خافت


"اهدى يا ياسين بيه، خلينا نخرج من هنا على خير"


وفي تلك اللحظة، دوى طرق خفيف على الباب، فقال الضابط وهو يرفع رأسه


"اتفضل"


فُتح الباب ببطء، لتطل ياسمين من خلفه، شاحبة الملامح، تتبعها الملازم أول المشرفة على الإجراءات الطبية التي أُجريت لها اليوم، تحمل بين يديها ملف ورقي أنيق.


تقدمت بخطوات واثقة وقالت باحترام مهني


"تمام يا فندم، خلصنا كل الإجراءات من فحص وكشف وأشعة، ودي التقارير الطبية عن حالة مدام ياسمين، اللي كلها بتفيد إنها فعلاً فاقدة للذاكرة"


ناولته الملف، فأخذه الضابط وبدأ يُقلب صفحاته بعناية، حتى استقر على الصفحة الأخيرة، ثم رفع رأسه وقال لكاتب المحضر بنبرة رسمية واضحة


"اكتب يا بني عندك...


بالفحص والاطلاع على التقارير الطبية الخاصة بالمذكورة/ ياسمين إسماعيل البنهاوي، تبين أنها تعاني من فقدان بالذاكرة طبقاً لما ورد بالتقرير الصادر عن الجهة الطبية المختصّة.


وبناء عليه، وعملاً بأحكام القانون، فإن الحالة المرضية للمذكورة تُعفيها من المسؤولية الجنائية في واقعة تعدد الأزواج محل البلاغ، لانتفاء القصد الجنائي لديها وقت الواقعة.


وبذلك تُعد المذكورة غير مسؤولة قانوناً عن الفعل المنسوب إليها، ويُوصى باعتبارها بريئة مما نُسب إليها، مع جواز عودتها إلى زوجها الأول السيد/ ياسين عزيز حكيم البحيري وفقاً للثابت بالأوراق"


ساد الصمت للحظات كأن الهواء نفسه امتنع عن الحركة.


تقف ياسمين وتستمع إلى ما يُقال عنها، وعيناها متسعتان بين الدهشة والذهول، تتنقلان بين الضابط ورحيم الذي كان يرمقها بنظرة مثقلة بالوجع، كأن الكلمات سكاكين تمزق صدره.


تلاقت نظراتهما للحظة خاطفة، لكنها كانت كافية لتغمر المكان كله بصمت دام؛


نظراتها اعتذار مبعثر لا يقال، ودموعها التي انحدرت رغماً عنها كانت أقوى من أي تبرير.


وهناك ياسين الذي يراقب كليهما ولم يغفل عن دموعها، ابتلع ما يراه في صمت لاسيما بعد أن استمع إلي قول الضابط عن إخلاء سبيله هو أيضاً.


"اتفضلوا، كل واحد فيكم يمضي هنا"


وما إن انتهيا من التوقيع، حتى التفت ياسين نحو الضابط وقال بنبرة ماكرة


"ممكن بعد إذن حضرتك آخد صورة مع المدام بالمناسبة السعيدة دي؟"


رمقته ياسمين بدهشة لا تخلو من الامتعاض، بينما أجابه الضابط بابتسامة روتينية


"اتفضل، وألف مبروك عليك رجوع المدام"


قال ياسين بابتسامة مصطنعة


"الله يبارك في حضرتك يا فندم"


ثم استدار نحو ياسمين وجذبها من يدها برفق متعمد، وأخرج هاتفه وفتح الكاميرا الأمامية على وضع التصوير، رفعه قليلاً وهو يلتفت بنصف وجهه نحو رحيم بنظرة جانبية تحمل كل ما في الدنيا من تحد واستفزاز، ثم احتضنها بذراعه وقال بنغمة لاهية، والدهاء يقطر من كلماته:


"يلا يا ياسمينتي، ناخد واحدة سيلفي بوز الأخص"


و نظر إلي رحيم المقصود بالكلمة الأخيرة ثم عاد ينظر إلي شاشة الهاتف و ألتقط الصورة الثنائية. 


                          ❈-❈-❈


تجلس على ضفاف النيل، وهو يلتزم الصمت، يمعن النظر فيها كما يمعن العاشق في صورة لنجم تاه عن سمائه، يُرغم نفسه على حفظ تفاصيل وجهها. 


تهز قدمها تحت المنضدة ، فإذا بقدميه تستديران، لتحاصران قدمها، فتقشعر أوصالها وترتجف. 


"إيه اللي إنت بتعمله ده يا باسم؟!، ابعد رجليك عني" 


نادت بصوت منخفض، تكتمه خشية أن ينتبه لها أحد من حولهما . 


ضحك هو بوقاحة وقال لها


"إنتي يا فيجو من ساعة ما قعدنا ما نطقتيش كلمة، وقاعدة تهزي رجلك كده ليه؟، مش قولتي موافقة على جوازي منك لكن بشروط؟، قبل ما أسمع الشروط، قوليلي إيه اللي غير رأيك بعد ما كنتِ رافضاني وبعدتي عني... غير اللي عملته فيكي لما حاولت أقتلك؟، ليه وافقتِ على عرض بابا؟"


رمقته بامتعاض، وفي صدرها سبب عميق لا تقدر أن تبوح به، فأجابت بحدة تخفي خلفها توترها


"مش أنت كنت عايز كده؟، بتسأل ليه؟"


ابتسم بسخرية واخبرها


"لأني عارفك وحافظك كويس... ولما بتعملي حاجة عكس رغبتك يبقى فيه سبب تاني دفعك لكده"


اقترب بجذعه وحدق صوب عينيها يسألها


"مش ممكن تكوني وافقتي تتجوزيني علشان تنتقمي مني؟"


تجمدت لوهلة كمن تلامس جمر سؤال مفخخ، عقبت الكلمات من فمها كصفعة باردة


"وهانتقم منك ليه؟، إزاي عايزة أؤذيك وأنا اللي داخلة النار برجليا؟!، لو كنت عايزة أانتقم منك كنت سيبتك تتعفن في السجن"


شقت ثغره ابتسامة بالغة فقال بنبرة غارقة في الدلال


"طول عمرك قلبك حنين يا فيجو يا حبيبتي، غير أني واثق أنك بتحبيني زي ما أنا بحبك و بموت فيكي"


زفرت بضجر يختلط فيه التعب بالخوف،  قالت بلهجة قاطعة 


"ممكن تخليني أقولك الكلمتين اللي عايزة أقولهم لك عشان ألحق أرجع قبل ما ماما تيجي وماتلاقينيش؟"


رد دون تردد وهو يمد أذنه 


"اتفضلي قولي، سامعك"


ترددت ثم نطقت بهدوء فيه وقار من توازن وحسم


"شرطي الأول هاكمل دراستي لحد ما أتخرج وأشتغل"


ارتسم التعجب علي ملامح وجهه،  فقال مُداعباً


"موافق... ما أنا معاك في نفس الدفعة، يعني هنذاكر مع بعض، والشغل في شركات بابا موجود... اقترحي بس على أي فرع وهاخليهم يعينوك مديرة المكان، وأنا طبعاً معاكي"


غمز بعينه، في حين تجاهلت هي رعونته واكتفت بالبُعد عن التباهي


"لاء، هاشتغل في مكان بعيد عن شركات والدك، أنا بحب أعتمد على نفسي"


تغيرت تعابير وجهه؛ تنهد وقال


"ربنا يسهل، سيبيها لوقتها، ها وإيه تاني؟"


"جوازنا يبقي علي ورق، يعني كل اللي هايبقي بيني و بينك كل ود واحترام" 


ألقت كلماتها وانتظرت رد فعله، لا سيما بعد أن ظل ينظر إليها في صمت و لا تدرك ما الذي يفكر فيه، تتوقع أن يرفض أو يثور، لكن رد فعله كان مفاجئاً، اعتدل في جلسته واستند بذراعيه علي الطاولة ليخبرها 


"موافق" 


رمقته بتعجب، فامسك بيدها وقام بتقبيل ظهر كفها واردف


"كفاية إنك هاتكوني مراتي، هاننام و نصحي علي وش بعض، وهاكون معاكي زي ضلك، وبابنا مقفول علينا" 


واختتم حديثه بابتسامة جعلت قلبها يرتجف، فهي تخشي مضمون كلماته. 


                         ❈-❈-❈


وقف الجميع أمام قسم الشرطة، 


اقتربت السيدة چيهان من ياسمين بخطوات يغلفها الحنان، واحتضنتها بحرارة أم طال فراق ابنتها، وقالت بصوت يقطر مودة


"حمد الله على سلامتك يا حبيبتي، وأهلاً برجوعك للعيلة من جديد"


ابتسمت ياسمين بخجل خفيف، وردت بصوت متردد


"تسلمي حضرتك"


ضحكت الأخرى وقالت وهي تمسح على ذراعها برفق


"إيه حضرتي دي؟!، ناديني زي زمان، يا ماما چيچي... أو حتى چيچي بس"


هزت ياسمين رأسها موافقة 


"حاضر"


لكن عينيها لم تلبثا أن انزلقتا ناحية رحيم، الذي وقف على مقربة منها، يُلقي نحوها نظرة طويلة، تفيض بوداع مؤلم، كأنها ختام فصل لن يُعاد. 


  أحست بتلك النظرة تخترق سكونها، فابتلعت غصتها وتوجهت نحو ياسين الذي كان يدير حديثاً جاد مع أشقائه، وظهره مواجه لها.


قالت بصوت متردد


"ياسين... لحظة من فضلك"


استدار نحوها سريعاً، وامتدت يده تلقائياً نحو يدها، ممسك بها بحنو ممزوج بغيرة حادة


"إيه يا روحي؟، مالك؟"


تلعثمت الكلمات على شفتيها، ثم تمتمت بهدوء حذر


"بعد إذنك... ممكن أروح أتكلم مع رحيم؟، والله هاتكون آخر مرة"


حدق فيها بتمعن ثم حول بصره إلى رحيم الذي كان يتحدث في هاتفه، وعاد إليها بنظرة مشتعلة


"لاء... وكلمة كمان هاروح أسويلك وشه بالأسفلت"


نظرت إليه برجاء واضح، وصوتها يتهدج برجفة خافتة


"عشان خاطري... دي أول مرة أطلب منك طلب"


كانت والدته تقف قريباً منهمت تتابع المشهد بعين الأم الحكيمة، فتنفست بعمق وتدخلت بهدوء وحزم


"ياسين، سيبها تروح تكلمه، إحنا واقفين قدام القسم وكلنا هنا، يعني مش هياكلها"


جز على أسنانه وهو يشيح بوجهه غاضباً 


"إيه تروح تكلمه دي!؟، شايفاني رافع قرون ولا لابس حلق؟!"


رفعت السيدة چيهان حاجبها بنظرة صارمة وقالت بنبرة لا تُخالف


"ولد، أنا أمك، واللي أؤمرك بيه تنفذوا علي طول، اعملها اللي هي عايزاه"


تنهد ياسين بضجر شديد وأطلق زفرة طويلة، ثم نظر إلى ياسمين بنفور مكتوم 


"غوري يلا، دقيقتين بس، دقيقتين وثانية هتلاقيني جرك قدامه زي المعزة"


صرخت فيه والدته 


"لم لسانك يا ياسين أحسنلك، بدل ما آخدها منك وأخليها تعيش عندي هي والبنت"


صمت المكان لحظة، كأن الزمن انحنى احتراماً لتلك الأم التي ما زالت تملك سلطة الكلمة.


بينما تقدمت ياسمين بخطوات خجولة نحو رحيم الذي أنهى مكالمته فور أن لمحها تقترب. 


وقفت أمامه وقد انعكست على وجهها ملامح التردد والحزن، بينما في الخلف كان ياسين يستند على السيارة، ذراعاه معقودتان أمام صدره، يرمق المشهد بحدة صقر يراقب فريسته.


قالت ياسمين بصوت متهدج تغلفه المروءة


"أنا حبيت أشكرك على كل حاجة قدمتهالي... وعلى وقفتك جنبي... عمري ما هنسى مشاعرك ولا الأيام اللي جمعتنا، بس اللي بنتمناه حاجة... والواقع حاجة تانية للأسف"


خفض رحيم رأسه، كأنما الكلمات طعنة يعرف أنها قادمة، ثم رفع عينيه نحوها وقال


"وأنا عمري ما هنسى أي لحظة عيشتها معاكي... هتفضلي جوا قلبي أميرة... البنت الجميلة اللي القدر جابهالي وخدها مني... هحاول أتقبل اللي حصل... بس هتفضلي في نظري أميرة اللي عرفتها... خدي بالك من نفسك"


نظرت إليه بأسف، رفعت يدها ببطء، وخلعت الخاتم والسوار والقلادة، وقد انزلقت الحُلي من أصابعها كدمعة ثقيلة ، مدت إليه يدها وقالت بهدوء 


"اتفضل شبكتك... أظن خلاص ما بقتش من حقي"


مد يده إليها، لكنه لم يأخذها، بل وضع كفه على يدها وربت عليها بحنان مؤلم وقال مبتسما بمرارة


"دي هدية مني ليكي... والهدية لا تُرد، ولا إيه؟"


وما إن أنهى كلماته حتى ظهر ياسين فجأة كالعاصفة التي تقتلع ما أمامها. جذب يد زوجته بعنف وهو يقول بصوت جافٍ يقطر غيرة وغضب


"ابعد إيدك عنها لتوحشك،  و خد حاجتك، مش عايزين من وشك حاجة يا روح خالتك، مراتي الدهب والماس كله تحت رجلها... بس من فلوس جوزها اللي هو أنا!"


ثم ألقى بالحُلي أسفل قدمي رحيم، وتابع بسخرية لاذعة


"خدهم واديهم للعروسة اللي أمك تختارهالك... ونصيحة مني متختارش بنفسك تاني... أصل اختياراتك كلها مدمرة حياتك"


التفت نحو زوجته التي وقفت مذهولة، كأنها فقدت النطق، وقال لها بصرامة يدفعها أمامه بحنق


"يلا قدامي على العربية"


                         ❈-❈-❈


انطلقت السيارات في طريق القصر، وفي داخل سيارة ياسين، يغني ويدندن بسعادة، وهي تجلس بجانبه تبكي في صمت .


رمقها بطرف عينه قائلاً لها بسخرية حادة 


"أنا شايف الفرحة مش سايعاكي، أخيراً رجعتي لحضن جوزك حبيبك"


مد ذراعه حول ظهرها محاولة للاحتواء والسيطرة معاً؛ فدفعته بعيدًا بيد مرتجفة، قبل أن تتفوه كلمة كان من شأنها أن تثير فتيل المواجهة.


و إذا بسيارة رحيم تسير خلفهما، فأطلق ياسين سبة بذيئة، فشهقت ياسمين ورمقته بازدراء.


فقال بوعيد


"هو الواد ده مش ناوي يجيبها لبر، ولا هو مهزأ وعايز يتعمل معاه الصح؟!"


ثم مال على التابلوه وفتح درج السيارة؛ ظهر السلاح الناري ، صاحت ياسمين وتمسكت بيده برجاء ملؤه الخوف


"ارجوك بلاش، إحنا خلاص مروحين، وهو في حاله و إحنا في حالنا"


رفع حاجبيه بتعجب ساخط وسألها بنبرة خشنة


"للدرجدي خايفة عليه؟!، اتعدلي يا بت بدل ما أعدلك، أنا ساكتلك من الصبح وبعديلك بمزاجي"


"أنا مش خايفة على حد، بس مش هسمحلك تأذي حد أو تأذي نفسك"


تلعثم للحظة ثم تظاهر بالهدوء وهو يبرر فعلته


"لا والله، وأنا المفروض أصدقك كده بقي؟!، أنا أصلاً مكنتش هاخد المسدس، أنا حاطط فلاشه كنت هاخدها"


أمسك قرص صلب ووضعه في المسجل، ثم ضغط على زر في لوحة التحكم؛ فانخفض سقف السيارة وأصبحت مكشوفة.


  خفض السرعة حتى صار على مستوى سيارة رحيم بالتوازي، فصدحت الموسيقى في الفضاء، وبدأ ياسين بالغناء بصوت مدو لإغاظة غريمه، وهو يهتف بكبرياء


"اللي أنت نفسك تعمله ياض .. أنا عملته وبطلته... واللي أنت لسه في أوله ياض .. أنا خلصته وقفلته... والحلم اللي أنت بتحلمه ياض .. قبل ما أحلمه حققته... 


أنا مين أنا بابا... على مين مش على بابا


أنا مين ياض .. أنا بابا... على مين مش علي بابا"


نظر بين حين وآخر إلى رحيم ثم إلى ياسمين؛ كانت ترمقه بامتعاض من جنانه، فيكون رده عناق وقُبلة على خدها، فتدفعه عنها ليفعلها معها من جديد. 


واصل المشهد حتى وصلوا أمام بوابة القصر، قبل أن يعبر سيارته إلى الداخل، ألقت ياسمين نظرة أخيرة من النافذة على رحيم، الذي وقف يرمقها بنظرة وداع ؛ فإذا بزجاج السيارة يعلو وحجب الرؤية، و انتبهت إلي صوت ياسين، يأمرها بحدة


"بصي قدامك لأزعلك"


فتحت باب السيارة دون تردد ونزلت، وتركت خلفها صدى من خطوات سريع تندفع نحو القصر. 


هب ياسين من مكانه وأمر أحد الحراس أن يأخذ السيارة ويقودها إلى المرآب؛ وهو يحاول أن يتحكم بغضبه المتوهج.


بينما ياسمين خطواتها أسرع، تتهرب منه فإذا به قد لحق بها، يمسك يدها ويجذبها إلى الوراء قائلاً بحدة وغضب كامن


"ابقي كرري اللي عملتيه ده تاني، وشوفي هاعمل معاكي إيه"


سألته بسخرية


"هاتعمل إيه؟، هاتضربني؟!"


ضحك بتهكم لاذع كأنها رغبة في إذلال لا يعرف الحدود


"فيه حاجات تانية غير الضرب أحسن بكتير، هاتعرفيها بنفسك، فياريت تبقي هادية وعاقلة واللي أقولك عليه تنفذيه من غير أوف وهوف، وبلاش بوز البومة اللي انتي ضربهولي من وقت ما كنا في القسم، ابتسمي، العيلة مستنينا جوه"


                          ❈-❈-❈


كان الجميع ينتظر قدومهما بشغف ممزوج بالترحاب؛ فحين عبرا العتبة، استقبلتهما القلوب قبل الأعين، وتعانقت العبارات . غمرت القصر موجة من الحفاوة والتهنئة، تماوجت فيها الأصوات وضحكات الأقاء وزوجاتهم، وامتزجت فيها رائحة العطور بالدفء العائلي.


كانت ياسمين تشعر بتوتر خفيف يتسلل إلى أوصالها، فمدت يدها دون وعي نحو ياسين، تُمسك بيده كمن يبحث عن الأمان، أحس بلمستها فارتسمت على شفتيه ابتسامة خبأها في طيات ملامحه حتى لا تنتبه، فتسحب يدها من خاصته وتعيد المسافة بينهما.


اقتربت السيدة چيهان بخطوات رشيقة ووجه يفيض بالسرور، وقالت بصوت مفعم بالحيوية


"تعالي بقى لما اعرفك على العيلة واحد واحد"


وأشارت بيدها نحو رجل وقور يجلس إلى مقعد فخم في صدر المكان


"ده عابد جوزي، وبابا صبا مرات قصي، أخو ياسين الكبير"


ابتسمت ياسمين بأدب ظاهر وقالت بنغمة مهذبة


"أهلاً وسهلاً بحضرتك"


ثم التفتت إلى صبا وقصي اللذين تقدما نحوها بابتسامات ودودة، فقال قصي بنبرة عميقة يغلب عليها الود


"حمد الله على السلامة يا ياسمين"


بادلتهم التحية بابتسامة، لا تزال تحتفظ بظل الحذر، لكن دفء الموقف لم يمهلها وقتًا للتفكير، إذا شعرت فجأة بشيء خفيف يجذب طرف ثوبها من الأسفل.


نظرت إلى الأرض، فوجدت طفلة صغيرة ذات ملامح ملائكية وعيون واسعة كنجوم الشتاء تقول ببراءة محببة


"وأنا زينب، بنت بابي قصي ومامي صبا، وأخويا مالك اللي قاعد جمب جدو عابد"


ابتسمت ياسمين بصفاء عفوي ودنت من الصغيرة تمسح على شعرها الحريري قائلة بلطف أمومي 


"إنتي قمر أوي يا زينب، ما شاء الله عليكي"


وفي تلك اللحظة تقدمت شيماء بخفة ومرح تعرف به، وقالت بصوت مرح تُغلفه العفوية


"وأنا شيماء، مرات طه ابن عم جوزك، طبعاً انتي يا عيني ناسية كل حاجة، بس هاتفتكريني... ده إحنا ياما عملنا مع بعض أحلى أكل، وحلل المحاشي تشهد علينا"


تعلو الضحكات أرجاء القاعة، وابتسمت ياسمين بخجل لطيف وقالت وهي تضحك بدورها


"أهلاً بيكي يا شيماء"


وتتابع الحضور بعد ذلك في التعريف بأنفسهم والترحيب بها، وفي خضم هذا الازدحام من الوجوه والأحاديث، مالت السيدة چيهان نحو ابنها ياسين وهمست له بصوت خفيض لا يسمعه سواهما


"اطلع جيبلها البنت بنفسك، واعملها للبنت مفاجأة... خليها تسامحك وتتحسن علاقتكم"


                        ❈-❈-❈


نفذ  أمر والدته بصدر رحب، وقد بدت عليه ملامح الامتثال الممزوج بالرهبة والرجاء.


  صعد إلى الطابق الأعلى بخطى متئدة،  هناك لمح سميرة تفتح الباب وتخرج من الغرفة حاملة كوب عصير يبدو أن الصغيرة قد رفضت أن تتذوقه، وقد ارتسمت على وجهها أمارات الحرج. 


تناول الكوب منها في هدوء وأشار لها أن لا تُصدر صوتاً، ثم ولج الغرفة وأغلق الباب خلفه، فوقع بصره على صغيرته الغارقة في عالمها الصغير، ترسم وتلون، وكأنها تُفرغ وجعها على الورق.


حمحم بخفوت ووضع كأس العصير على المنضدة


"ممكن أقعد معاكي؟"


من دون أن تلتفت إليه، جاء صوتها الصغير حاداً كخنجر من براءة مجروحة


"لأ، مش عايزة أكلمك."


اقترب منها بخطوات بطيئة وجلس جوارها، محاولاً أن يخترق أسوار الصمت التي شيدتها بينهما


"أنا عارف إنك زعلانة مني، وعندِك حق، عشان كده جاي أقولك... حقك عليا يا قلب بابي...  وهاعملك اللي نفسك فيه دايماً"


لم ترفع عينيها، وما زالت تُمسك القلم وتلوّن


"مش عايزة أي حاجة، غير إن نفسي مامي ترجع، وأعيش معاها هي وبس... لكن إنت لاء، ورودينا لاء... مش بحبكم"


كانت كلماتها سهام نافذة إلى صدره، طعنت فؤاده فارتج لها كيانه. 


لعن رودينا في سره ألف مرة، لما جلبته من آلام لابنته البريئة، ثم ابتلع غصته وسألها بنبرة حانية مغلفة بالرجاء


"ولو جيبتلك مامي... هتسامحيني؟"


رفعت رأسها نحوه، في نظرة امتزج فيها الامتعاض بالحيرة


"هتجيبها إزاي وهي راحت عند ربنا!، واللي بيروح عند ربنا مش بيرجع تاني"


ابتسم بوجع مكتوم، ونهض يمد يده إليها قائلاً


"هاتي إيدك وتعالي معايا، عاملك مفاجأة"


ترددت، تطالع كفه كأنها تقرأ فيه صدق نيته، فتلطف صوته وأردف


"عشان خاطري... مش أنا بابي حبيبك، وإنتِ ياسمينا حبيبتي وروحي؟"


عقدت حاجبيها الطفوليين وقالت في وجوم أعمق من عمرها


"إنت بتحب رودينا بس، ومكنتش بتسأل فيا، وبتسيبني لوحدي كتير... عشان ما بقتش بتحبني"


كادت دموعه تفضحه، لكنه تماسك، جلس على ركبتيه أمامها، احتواها بين ذراعيه بحنو يائس، وقبل رأسها، ثم ربت على ظهرها يخبرها


"أنا عمري ما حبيت حد غير مامتك وإنتِ، أنتم حياتي كلها، ومقدرش أعيش من غيركم، أي كلام رودينا قالته غلط، دي واحدة شريرة ووحشة، كانت بتأذّيني وبتأذيكي"


أبعدت جسدها الصغير عن صدره، وحدقت فيه بعينين متسائلتين تومضان بذكاء فطري قاطع


"ولما هي شريرة ووحشة... اتجوزتها ليه؟"


رغم حزنه، ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة تنزف الكثير من الآلام


"كانت غلطة... والحمد لله صلحتها بسرعة... مفيش رودينا تاني... أنا طلقتها"


تهلل وجه الصغيرة بفرحة خافتة، وسألته مجدداً


"يعني هنعيش مع بعض تاني أنا وإنت بس؟"


أجابها، وهو يمرر يده على شعرها بلطف حنان غادق 


"أنا وإنتِ... وفيه حد تالت رجع مكانه"


رفعت حاجبيها بدهشة ولهفة وقلق في آن واحد ، سألته


"مين؟"


ابتسامة غامضة انبلجت علي  شفتيه


"ما أنا قولتلك عاملك مفاجأة... بس قبل ما ننزل عايز حضن كبير... وبوسة على خدي اللي كنتِ بتصحيني بيها كل يوم إنتِ ومامي"


أطبقت ذراعيها حول عنقه، قبلته على خده الأيمن ثم الأيسر قائلةً بعفوية بريئة


"دي بتاعتي... ودي بتاعت مامي، هديهالك بدالها"


ضحك بعينين دامعتين، وهمس كمن يبوح بوعد دفين


"أنا كده كده هاخدها منها هي... وحاجات كتير كمان"


نظرت إليه باستفهام غاف على براءتها، فربت على شعرها قائلاً


"ما تاخديش في بالك يا حبيبتي... تعالي عشان سايب المفاجأة تحت مع طنط شيماء... زمانها كلت دماغها من الرغي"


ضحكت الصغيرة، وأمسكت بيده في ثقة ودفء، وهي تقول بحماس طفولي صادق


"يلا بينا"


فتشابكت أيديهما في صمت عذب، كأن القدر أراد أن يمنحهما لحظة من النقاء، قبل أن يشرعا معاً في نزول الدرج  الذي يحمل في نهايته مفاجأة قد تُعيد إلى قلب الصغيرة الحياة من جديد بعد أن فقدتها منذ رحيل والدتها. 


                     ❈-❈-❈


كانت ياسمين تجلس في صمت بين ملك وشيماء، تلك التي لم تفارقها رغبة الفضول، تهمس إليها بنغمة تنضح بالمكر اللطيف


"ألا قوليلي يا حبيبتي... الدكتور المز اللي جه هنا ده عرفتيه منين؟، وإزاي وهو ما يعرفش عنك حاجة اتجوزك بسرعة كده؟"


رفعت ملك بصرها إليها بحدة خافتة، وبتحذير قالت لها


"شيماء... اهدي عليها شوية، من ساعة ما قعدت جنبك وإنتِ هارياها أسئلة"


ضحكت شيماء وقالت وهي تلوح بيدها بإهمال محبب


"يا بنتي أنا بدردش معاها بس... عشان تاخد علينا، يمكن ذاكرتها تتحرك وترجع تاني"


هزت ملك رأسها في ضجر واضح، بينما ياسمين بقيت غارقة في صمت حائر، تحدق في الفراغ بعينين تائهتين، كأنها تبحث عن نفسها في وجه لا تعرفه. 


لم تكن تكترث بما يُقال من حولها، فكل ما أرادته هو أن تهرب... تهرب من تلك العيون التي تحدق فيها بفضول لا يرحم. 


هيهات وانتبهت إلي صوت مألوف اخترق شرودها، صوت ياسين وضحكاتُ صغيرته التي تهبط معه على الدرج بمرح .


التفتت الأنظار نحوهما، بينما كان هو ينزل بخطوات مفعمة بالحنان، يمسك بكف طفلته التي تتعلق به كأنها تخشى أن تضيعه مرة أخرى.


توقف أسفل الدرج، ثم انحنى نحو الصغيرة مبتسماً، وأشار بيده إلى الجهة التي تجلس فيها ياسمين، قائلاً بنبرة مفعمة بالإثارة والدفء


"المفاجأة قاعدة أهي ما بين عمتو ملك وخالتو شيماء"


اتبعت الصغيرة إشارة والدها بعينيها اللامعتين، وما إن وقع بصرها على وجه ياسمين حتى اتسعت حدقتاها بدهشة بريئة، فها هو حلمها يتحقق و يتجسّد أمامها فجأة.


صرخت بفرحة غامرة، اخترقت سكون القصر


"مامااا!"


دوت الكلمة في المكان كالجرس ارتجت له القلوب قبل الجدران. 


تجمدت ياسمين في موضعها، كأن الزمن قد توقف عند تلك اللحظة، بينما دمعة مرتعشة انسابت على خدها بلا إرادة.


كانت تلك الصرخة الصغيرة كأنها مفاتيح الذاكرة، ذاكرة قلبها تطرق أبواب النسيان بعنف لتوقظ مشاعر الأمومة لديها من بين الركام.... 


يتبع... 


لا تنسوا التفاعل و مروركم الطيب بتعليقاتكم الرائعة و دمتم في أمان و خير


تحياتي🌹🌹


#الفصل_السابع_والعشرون

#غرام_الذئاب

#الجزء_الرابع_من_سلسلة_صراع_الذئاب

#ولاء_رفعت_علي


أُريد أن نحيا من جديد يا حبيبتي،

لا أن نعود كما كنا، بل أن نبدأ من أول لحظة صدق جمعت بين أرواحنا قبل أن تتكلم الشفاه.

أريد للأيام أن تمضي بيننا على مهل،

نمر في الطرقات ذاتها، ولكن بقلوب جديدة، لا تحمل خذلان، ولا تذكر وجع.


أريد أن نصنع ذكريات أخرى،

ضحكات لم تلوثها الدموع، وصور تحفظ دفء قلوبنا حين يبرد كل شيء.

أريد أن نحكي لبعضنا عن الجراح القديمة، لا لننبشها، بل لنتخفف منها...

أن نتحدث كي نرتاح، لا كي نؤلم من جديد.


وحين تلمح عيني وجهك، أريد للزمن أن يتوقف قليلًا، كي أستشعر أن الأمان لم يغب، وأن حضنك ما زال الوطن الذي يأوي إليه قلبي من ضجيج الدنيا.


لا أريد من الحياة كثيرًا،

كل ما أرجوه أن نحيا بسلام بلا خوف، بلا وعد مكسور أو كلمة جارحة.


ليتنا نحياها كأنها البداية الأولى، لكن بعقلين تعلما، وقلبين أدركا أن الحب ليس وجعًا، بل ستر ودفء وسكون حين يضج العالم من حولنا.


ولو كُتب لي عمر آخر...

لجعلت بدايته من عينيكِ. 


ياسين البحيري


لم تكن تكترث بما يُقال من حولها، فكل ما أرادته هو أن تهرب... تهرب من تلك العيون التي تحدق فيها بفضول لا يرحم. 


هيهات وانتبهت إلي صوت مألوف اخترق شرودها، صوت ياسين وضحكاتُ صغيرته التي تهبط معه على الدرج بمرح .


التفتت الأنظار نحوهما، بينما كان هو ينزل بخطوات مفعمة بالحنان، يمسك بكف طفلته التي تتعلق به كأنها تخشى أن تضيعه مرة أخرى.


توقف أسفل الدرج، ثم انحنى نحو الصغيرة مبتسماً، وأشار بيده إلى الجهة التي تجلس فيها ياسمين، قائلاً بنبرة مفعمة بالإثارة والدفء

"المفاجأة قاعدة أهي ما بين عمتو ملك وخالتو شيماء"


اتبعت الصغيرة إشارة والدها بعينيها اللامعتين، وما إن وقع بصرها على وجه ياسمين حتى اتسعت حدقتاها بدهشة بريئة، فها هو حلمها يتحقق و يتجسد أمامها فجأة.


صرخت بفرحة غامرة، اخترقت سكون القصر

"مامااا!"


دوت الكلمة في المكان كالجرس ارتجت له القلوب قبل الجدران. 

تجمدت ياسمين في موضعها، كأن الزمن قد توقف عند تلك اللحظة، بينما دمعة مرتعشة انسابت على خدها بلا إرادة.


كانت تلك الصرخة الصغيرة كأنها مفاتيح الذاكرة، ذاكرة قلبها تطرق أبواب النسيان بعنف لتوقظ مشاعر الأمومة لديها من بين الركام.


تلك الكلمة ـ مام ـ اخترقت صدرها كالسهم، لكنها في الوقت نفسه شعرت بالتوتر، اضطربت روحها بينما فؤادها يهديها إلي حقيقتها و مشاعرها التي تكنها لصغيرتها. 


تراجعت خطوة إلى الوراء، نظراتها تتشتت بين الصغيرة المندفعة نحوها والوجوه المحيطة بها، كأنها تبحث عن منقذ يفسر لها هذا الإحساس الغامر الذي يغزوها دون إذن.


اقتربت ياسمينا الصغيرة بخطوات سريعة ودموعها تلمع كحبات المطر، حتى وقفت أمامها، ترفع وجهها الصغير وتنظر إليها بعينين تتوسلان حضنها أكثر مما تتوسلان ردً.


قالت بصوت متهدج بين بكاء وابتسامة طفولية

"ماما؟!، كان قلبي حاسس إنك عايشة، و بحلم بيكي كل يوم، كنت بدعي لربنا قبل ما أنام إني أشوفك تاني"


جفلت ياسمين، حاولت أن تتحدث أو أن تقول شيئًا، لكن الكلمات خانتها، فمدت يدها دون وعي تمسح دمعة على خد الصغيرة، فاهتز كيانها كله من تلك اللمسة. هناك دفء مألوف في بشرتها، عطـر صغيرتها التي لم تخطأه ذاكرة الشم لديها، و الذي تعرفه روحها وإن أنكره عقلها.


همست بصوت واهن

"انتي ياسمينا، بنتي"


شهقت الصغيرة بسعادة ثم قالت بصوت خافت 

"أنا ياسمينا... بابي كان دايماً يقولي إنه هو سماني علي نفس اسمك لأنه بيحبك أوي"


تجمدت الدموع في عيني ياسمين،  ما اخبرته به الصغيرة للتو كان له صدى علي مسامعها و تردد في أعماقها فحرك شيئ دفين، يخفق له فؤادها العاشق.


أمسكت رأسها بين يديها، تنفست بعمق مؤلم، بينما صور مشوشة بدأت تلوح في ذهنها؛ ضحكة صغيرة، يديها وهي تُصفف شعر ابنتها عندما كانت صغيرة، وعندما كانت تداعبها وهي رضيعة، توالت ذكريات طفيفة كالوميض ثم ساد الظلام.


ابتسمت إلي صغيرتها 

"و أنا برغم مش فاكرة أي حاجة، بس قلبي فاكرك وعارفك وقالي إنك أغلي حاجة في حياتي"

و فتحت ذراعيها لترتمي الصغيرة بينهما، بين احضان والدتها التي اجهشت في البكاء، و كذلك ابنتها أخذت تبكي. 


فالمشهد لا يوصف، كم من المشاعر التي جعلت قلوب من يروا و يسمعوا هذا اللقاء يبكون، ليس بكاء سببه حزن، بل بكاء من فرط الفرح والسعادة بعد أن ألتقت ابنة شقيقهم بأمها بعد عذاب فراق لأيام و ليال مضت. 


انسحبت ياسمينا من حضن أمها، ووضعت كفيها الصغيرتين على وجه الأخرى، وقالت برجاء يقطع القلب

"أوعي تسيبيني تاني يا مامي، عشان خاطري ماتبعديش عني تاني، أنا مش عايزه أي حاجة خالص غيرك أنتي وبس"


انفجرت الدموع من عيني ياسمين كالسيل، ثم جذبت الصغيرة إليها بعنف واحتضنتها بقوة تكاد تؤلم، وهي تهمس بين شهقاتها

"مش هاسيبك تاني يا حبيبتي، عمري ما هابعد عنك أبداً يا روحي"


تعلقت الطفلة بعنقها أكثر، وقالت بصوت مبحوح من البكاء

"أنا بحب ربنا أوي، و بقوله شكراً يارب عشان رجعك ليا"


أغمضت ياسمين عينيها، غارقة في ذلك الدفء الذي بدأ يذيب الجليد في أعماقها. لم تكن تتذكر الماضي، لكنها كانت تشعر به ينبض بين ذراعيها.

رفعت وجهها نحو ياسين الذي كان يقف صامتًا عند أسفل الدرج، يتأمل المشهد وملامحه ترتجف ما بين الفرح والوجع، ثم نظرت مجددًا إلى الصغيرة وهمست بصوت حنون

"و أنا كمان بحمد ربنا وبشكره إنه جمعنا من جديد، و مش هتفارقي حضني أبداً يا نور عيني"


أمسكت الصغيرة يدها، وضحكت وسط دموعها 

"أنا عايزه أوريكي رسومات كتير، كنت برسمهالك "


ابتسمت ياسمين وهي تمسح على شعرها الصغير وتخبرها

"و أنا كمان هاقعد معاكي نتكلم و نحكي لبعض وهاشوف رسوماتك الجميلة"


وانحنت تُقبلها، هنا أيقن الجميع من حولهما بأن لا تمحوها الذاكرة مهما جارت عليها الأيام. 


اقترب ياسين بخطوات بطيئة، كأن كل خطوة منه تُثقله بالذكريات، فالمشهد أمامه كالحلم الذي تاق إليه لسنوات. 

توقف على بُعد خطوتين منهما، نظر إلى ياسمين وهي تحتضن ابنتهما كأنها تحتضن الحياة نفسها، فارتسمت على وجهه ابتسامة واهنة، تتنازعها الراحة والرهبة.

عقب بهمس و بقلب لم يشعر بالسعادة سوى الآن

"الحمد لله، كنت فاكر اللحظة دي مش هتيجي أبداً"


رفعت ياسمين عينيها نحوه، لا تعرف كيف تنظر إليه، ولا ماذا تقول. 

شعرت مرة أخرى بشيء دافئ يربطها به.، شعور بالطمأنينة، ممزوج بشيء غامض لا تدري أهو خوف أم حنين أو بالأحرى حب كالجمر الخامد ينتظر رياح العشق ليشتعل من جديد. 


ابتسم ياسين ابتسامة مبللة بالدموع، وقال بنبرة وادعةٍ تخفي وجع عميق

"شوفتي أنتي إيه بالنسبة لينا، أنا كمان مش هسيبك، ولو ذاكرتك مارجعتش، هانكون  ذكريات من جديد لحد أخر العمر"


تبادلا نظرة طويلة، حملت ما لا تقدر عليه الكلمات؛ مزيج من الشوق، والحنين، والخوف من الفقد ثانية.

بينهما كانت ابنتهما، امسكت يد كل منهما، وضمت يديهما معاً وتقول بضحكتها البريئة

"يبقى خلاص هنبدأ من أول وجديد، و بابي عمره ما هيزعلك تاني، صح يا بابي؟"


نظر ياسين إلي صغيرته وهز رأسه

"عمري ما هزعلها تاني" 


نظرت زوجته إليه في تلك اللحظة ورأت صدق مشاعره، فكلمات الصغيرة اعطت وعد جديد بينهما، عهد يُكتب بالدموع والابتسامة في آن واحد.


باغتهما من حولهم بصقفة حارة و صفير اطلقه شقيقه يونس

"ياسو يا جامد" 

فتلقيا التهاني من جديد، وبعدها صدح صوت جيهان تخبرهم بعد أن همست لها سميرة بشئ ما

"يلا يا شباب، السفرة جاهزة، و أخيراً كلنا اتجمعنا أخيراً، و المرة دي ياسمين منورانا و منوره القصر كله" 


          

                      ❈-❈-❈


تعانقت الأحاديث والضحكات فوق مائدة عامرة بالحب قبل الطعام. 

اجتمعت الأسرة حول المائدة الكبيرة، تجلس جيهان و إلى جوارها جلس زوجها عابد، تتأمل ابنائها الذين كبروا أمام عينيها حتى صاروا اليوم رجال متزوجون، و ابنه أصبحت زوجة. 


جلس ياسين إلى جوار زوجته ياسمين وجوارها ابنتها، بينما توزع بقية الإخوة في أماكنهمر قصي وزوجته صبا، آدم وزوجته خديجة، يونس وزوجته كارين، وملك وزوجها مصعب، وابن عمهم طه مع زوجته شيماء. 

كانت المائدة عامرة بكل صنوف الطعام. 


وبينما كانت جيهان توزع نظراتها بين أبنائها بحنو الأم التي تتفقد النعمة بعين الرضا، لمحت المقاعد الخالية وقالت متسائلة بنبرة قلق خافتة

"أومال فين يوسف وعلياء؟، حتى لوجي وعز الدين مش موجودين من إمبارح"


تجمد آدم لوهلة، وعاد الشرود  في عينيه، تردد قبل أن يجيبها بصوت حاول أن يجعله مطمئناً

"يوسف بقاله يومين في المستشفى عنده عمليات، وكل ما أكلمه ما بيردش، بس خديجة كلمت علياء الصبح وقالت إنها عند مامتها عشان تعبانة، وخدت معاها لوجي و عز عشان بتراجع وبتابع معاهم دروسهم ، ولما عرفت إن ياسمين رجعت قالت إنها جاية"


أومأت جيهان برأسها محاولة أن تطرد القلق الذي أرخى ظلاله على وجهها، بينما كانت ياسمين في الجهة الأخرى من المائدة تُطعم ابنتها الصغيرة بلهفة الأم التي استعادت حضنها بعد غياب. 

كانت الطفلة تضحك ملء قلبها، وياسمين تغمرها بعينيها شوق وحنان. 


اقترب منها ياسين وهمس في أذنها بصوت خافت لا يسمعه سواها

"عمالة تأكلي ياسمينا في بوقها، وأنا ماليش نفس تأكليني من ايديكي؟"


رمقته بعينين ضيقتين، همست له بدورها وهي تحاول كبح ابتسامة على شفتيها "اتلم، إحنا مش لوحدنا، وبعدين لو كنا لوحدنا برضه مش هأكلك، أنت صدقت الحوار اللي حصل من شوية، أنا بس مرضتش أحرج البنت، وجيت على نفسي ومسكت إيدك عشان خاطرها، غير كده ما تحلمش"


ابتسم ياسين بملامح ماكرة وقال وهو ينظر لها نظرة جعلتها تبتلع ريقها متوترة

"اتقلي عليا براحتك، بس مصيرك يا ملوخية تيجي تحت المخرطة"


لم تتمالك نفسها من كتم الضحك، بينما جاءت ضحكة شيماء المجلجلة من الجهة المقابلة وهي تراقب ياسين و ياسمين

"الله على الحب وناسه، ولا أجدعها مسلسل تركي يا جدعان، دول غلبوا السلطان ومراته هويام خانوم"


ألتفت إليها ياسين، وضحك وهو يمرر ذراعه حول كتف ياسمين قائلاً بفخر لا يخلو من الدعابة

"مجاش ولا هايجي حد زيي أنا وياسمينتي في قصة حبنار السلطان ده كان بتاع حريم، إنما أنا مفيش في قلبي غير ياسمينتي وبس"


قهقهت شيماء وهي تنظر لطه قائلة بنبرة لاذعة تمزج المزاح بجدية خفية

"ربنا يخليكم لبعض يا أبو ياسمينا ويباركلكم، أصل الرجالة المخلصة اليومين دول بقوا عملة نادرة، قربوا ينقرضوا، إنما اللي قلبهم يسيع من الحبايب ألف، ما شاء الله ماليين الدنيا، ومهما الست تعمل لهم مابيطمرش"


تبدلت ملامح طه إلي الغضب، وهمس لها من بين أسنانه دون أن يسمعه أحد

"اتلمي يا شيماء وبطلي شغل الحواري والمصاطب بتاعك ده، قبل ما آخدك من إيدك دلوقتي ونمشي، ومش هخليكي تدخلي هنا تاني"


رفعت حاجبها في تحد وتوبخه

"وليك عين كمان وبتهددني؟، أنت تسكت خالص، بدل ما أخلي تلقيح الحواري يبقى كلام علني وأشهد ولاد عمك على عملتك السودة"


حدق إليها والغضب يشتعل في عينيه كجمرة مشتعلة، ثم نهض فجأة وقال بصوت متماسك مصطنع الهدوء

"الحمد لله"


نظرت إليه جيهان بتعجب فقالت له

"انت لحقت تاكل؟، اقعد كمل أكلك يا طه"


ابتسم ابتسامة مقتضبة وأجاب

"آه الحمد لله، سفرة دايمة، ويا رب دايماً متجمعين على الخير"


في الجهة الأخرى، كان قصي يربت على ظهر زوجته، حين لاحظ شحوب خفيف على وجهها، فسألها بلطف

"انتي كويسة يا حبيبتي؟"


ابتسمت سريعاً وقالت

"أنا بخير، ما تقلقش شوية دوخة كده مش أكتر"


اخبرها وهو يتأملها بقلق ظاهر

"طب تعالي نستأذنهم ونروح ترتاحي شوية"


أجابته بخفوت حنون

"مش للدرجدي يا حبيبي، دي بس دوخة خفيفة بتيجي من وقت للتاني، وبعدين ما ينفعش نمشي ونسيبهم، جيجي وبابي واخواتك هايِزعلوا"


وفجأة جاء صوت شيماء يقاطع حديثهما

"ألا قوليلي يا أم مالك، شكلك مرهق حبتين، هفتانة كده يعني، خدي بالك من صحتك يا حبيبتي، لا رجالة ولا عيال بينفعوا لما الصحة بتروح"


كتم طه غيظه وهو يعض على شفته، فابتسم قصي في محاولة لتلطيف الجو قائلاً

"ما إحنا كنا مستنين الوقت المناسب عشان نقولكم إننا مستنيين ضيف جديد جاي في السكة إن شاء الله"


شهقت كارين بدهشة وسعادة ورددت بعينين لامعتين

"انتي حامل يا صبا؟!"


أومأت صبا مبتسمة

"أيوه… مستنين قيصو صغير"


تعالت الأصوات بالتهنئة، فابتسم آدم قائلاً

"تقومى بالسلامة ويتربى في عزكم يا رب"


وأضاف يونس ضاحكاً

"ولو هيطلع ولد، ياريت تسموه على اسم عمو يونس حبيبه"


قالت ملك وهي تضحك

"ولو بنوتة، أكيد هاتسموها على اسمي، إحنا سيبنالكم الحرية في أسامي لوكا وزوزو"


عقب ياسين مازحاً وهو يشد ياسمين نحوه

"ولا انتي ولا عم يونس، إن شاء الله هيطلع ولد وتسموه ياسين على اسم عمه، ويا ريت كمان يطلع نسخة مني، يبقى خليفتي في الملاعب"


ضحكت صبا وقالت

"خلاص ادعولي بس أقوم بالسلامة، وهاعمل قرعة بالأسماء، واللي يطلع اسمه هو اللي هايكسب"


ابتسمت چيهان وقالت بنبرة مفعمة بالدعاء

"ربنا يحفظكم كلكم ويبارك في ولادكم، واللي نفسه في تاني ربنا يرزقه، ويرزق كل مشتاق يارب"


فاحتضن ياسين زوجته أكثر وقال 

"آه يا ماما، الله على دعواتك الحلوة، أنا فعلاً نفسي ربنا يرزقني من ياسمينتي بأربعة خمسة ستة كده ولاد وبنات"


اتسعت عينا ياسمين بدهشة، ثم وضعت يديها على جانبي رأسها بألم مفاجئ، كأن الصداع اخترقها كلدغة عقرب. 

لاحظ ياسين توترها، فسألها بقلق واضح

"مالك يا حبيبتي؟، حاسة بإيه؟"


سألته وهي تحاول الوقوف

"هو فين الحمام؟"


تقدمت منها سميرة مسرعة وقالت بلطف

"تعالي يا حبيبتي معايا"


لكن ياسين نهض فوراً وقال وهو يمد يده ليسندها

"عنك إنت يا داده أنا هوصلها بنفسي"


                       ❈-❈-❈


أمسك يدها وسار بها نحو الرواق المتفرع من غرفة المائدة، و حينما أصبحا بمفردهما، تركت يده و زجرته

"مش هاتبطل حركاتك و لا كلامك اللي كله تلميحات سخيفة؟" 


اقترب منها حتي جعلها استندت علي الحائط بظهرها، حاوطها بين ذراعيه وقال لها ببرود مصطنع

"هو أنا عملتلك حاجة؟!، و تلميحات إيه بس إنتي اللي نيتك مش صافية" 

غمز بعينه، فرمقته بامتعاض، تخفي ما انتابها للتو من شعور يسيطر علي جسدها و هي تقع بين ذراعيه و علي قرب شديد منه حتي شعرت بأنفاسه.


"اه عملت، و نيتي الحمدلله صافية، بس فاهمة كلامك كويس" 

ابتسم بمكر، ومسح علي شفته السفلي بلسانه، سألها بخبث 

"طيب فهمتي إيه؟" 


ابتلعت ريقها واجابت بصوت خرج بصعوبة

"اللي قولته دلوقتي بره علي السفرة"


مازال يسألها بمراوغة

"و أنا قولت إيه؟" 


أجابت ببراءة

"قولت هانجيب خمسة ستة ولاد و بنات، علي أساس إن أنا أصلاً هخليك تقرب مني و لا تلمس شعره مني؟!" 


اعتدل في وقفته وضحك، مد يده إلي بعض الشعيرات الهاربة من أسفل وشاحها قائلاً

"أهو، اديني لمست كذا شعراية منك، و لو شوفتهم تاني خارجين من طرحتك هقصهملك، وريني بقي هاتعمليلي إيه!" 


رمقته بغيظ و حنق

"أنت مستفز و بارد علي فكرة" 


دنا منها بقرب مهلك لها وقال بصوت عذب أذاب قلبها

"و أنتي زي المانجاية الساقعة اللي لسه خارجة من التلاجة في عز الصيف، وعايزها ترطب علي قلبي المسكين" 


ضحكت رغماً عنها 

"واضح إنك لسه جعان، روح كمل أكلك و أنا داخله الحمام، ممكن بقي تعديني؟" 


تفحص ملامحها بقلق، فسألها

"أنتي حاسه بإيه؟" 


وضعت كفها علي جبهتها واخبرته

"من إمبارح و حاسه بصداع جامد وهاموت و أنام، و مش عارفه أنام في نفس الوقت" 


اهتز قلبه بقلق وخوف عليها، فامسك يدها، وقال لها

"تعالي معايا" 


سحبها إلي داخل الحمام، فتوقفت لتدفعه نحو الخارج 

"إيه ده؟!، أنت داخل معايا الحمام ليه!، أنا عايزه أبقي لوحدي" 


"ده حمام كله أحواض ميه بس، لو عايزه التويليت تعالي أوديكي" 


أوقفته و تركت يده

"أنا عايزة الحوض أغسل وشي و إيدي و هاقعد مع نفسي شويه" 


ألتفت خلفه وسار نحو الباب، فأوصده بالقفل ثم عاد إليها، فانتابها شعور بالقلق والريبة نحوه

"أنت بتقفل ليه الباب من جوه؟"


حدق بها وتظاهر بالجدية

"بقفله عشان هقلعك الطرحة" 


امسكت بوشاحها خوفاً من أن يخلعه لها بنفسه

"نعم!" 


"قصدي يعني هاقلعك الطرحة، عشان اعملك مساج في فروة راسك أضيعلك الصداع، الحركة دي كنت بعملهالك علي طول و بتضيعلك الصداع من غير ما تلجأي للمسكن" 


اخبرته برفض

"وأنا مش هاينفع أقلع الطرحة" 


"ماتخافيش أنا قفلت الباب من جوه" 


فاوضحت له بحدة

"أنا مش بقول كده عشان اللي قاعدين بره، أنا قصدي عليك أنت، أنا لسه متعودتش عليك لدرجة أقلع حجابي قدامك" 


رفع حاجبيه بسخرية

"مكسوفة تقلعيه قدام جوزك، لكن في فرحك علي اللي ما يتسمي، خلعتيه و لابسالي فستان كاشف جسمك، و نعم الأدب و الأخلاق!" 


شعرت بالحرج من حديثه اللاذع

"شكراً علي ذوقك في الكلام، عن إذنك أنا رايحة لبنتي" 


وقف أمامها وحدقها بندم

"حقك عليا ما أقصدش خالص أحرجك، بس أنا برضه لما شوفتك بشعرك و فستان الفرح غلي الدم في عروقي غصب عني، أنا ما بستحملش عليكي أي حاجة و لا حتي نظرة من أي حد، أعمل إيه بحبك و بغير عليكي، و مش غيرة عادية، غيرة لدرجة نفسي أخدك في حضني و أخبيكي عن العالم كله و محدش يشوفك غيري أنا وبس" 


غرت شفاها، فكلماته و نظرات عينيه كالحرب الجامحة علي حصونها التي بدأت تنهار أمامه، عقلها توقف عن التفكير بينما قلبها و جسدها كانا لهما رأي آخر.


ابتلعت ريقها وشعرت ببرودة في أطرافها و هي تراه يمد يده إلي طرف وشاحها "إهدي بس و سيبيلي نفسك، هاضيعلك الصداع خالص، و لما أخلصلك مساچ هخلي داده سميرة تعملك حاجة دافيه تشربيها و تطلعي تنامي، أنتي مانمتيش بقالك يومين، و غلط علي صحتك" 


كان يتحدث بنبرة هادئة للغاية وبحنان غادق أيضًا، فوقعت تحت تأثير كلماته ونظرات عينيه، تركته يخلع لها وشاحها الذي علقه علي مشجب المنشفة، ظل يتأملها بشوق ووله، فقد ازدادت جمالاً أكثر من قبل، وخصلاتها الذهبية التي يعشقها مازالت ذات ملمس حريري.

رفعها من خصرها ليجعلها تجلس علي طاولة الحوض الرخامية المصقولة. 

مد أنامله و تخلل خصلاتها، أمرها بهمس

"غمضي عينيكي وماتفكريش في أي حاجة تعملك صداع" 


فعلت ما أمرها به دون تردد، حيث شعرت بالاسترخاء من لمسات أنامله لفروة رأسها، يدلكها بحركات دائرية.

يفعل ذلك و عينيه لا تبرح وجهها الملائكي الذي يعشق كل إنش به.

يبتلع ريقه، فهيئتها أمامه اضرمت نيران الحب و الرغبة به، لكنه يعي جيداً إنه مازال هناك وقت حتي تتقبله، فهو لا يريدها أن تنفر منه، بل يريد كسب ودها و قلبها، وأن تبادله نفس مشاعره بإرادتها ورغبة منها.


همس لها بأنفاسه التي شعرت بها علي بشرتها

"حاسه بإيه دلوقتي يا ياسمينتي؟" 


همهمت باسترخاء ثم أجابت بصوت يشعر بالراحة

" حاسة الصداع بدأ يخف"


هبط بأنامله إلي أسفل أذنيها يفعل حركات التدليك الدائرية وسألها

"و حاسة بإيه تاني؟" 


أجابت بصوت ناعم ورقيق للغاية سلب عقله و لم يعد يتحمل

"حاسه باسترخاء و...


صمتت عندما داهم ذاكرتها لقطات مطابقة لما يحدث بينهما الآن، في مكان أخر، داخل غرفة، تتمدد علي مقعد الاسترخاء، يجلس عند رأسها، يدلك فروة رأسها و يقبل كل إنش في وجهها كل حين و الآخر.

يتحدث معها بنفس النبرة التي يتحدث بها معها الآن.

نفس دفء أنفاسه علي وجهها، كل شئ و كأن الموقف يعاد مرة أخرى.


" سكتي ليه يا حبيبتي؟" 

انتبهت لسؤاله، فاجابت و هي تحت تأثير ما يحدث معاها دون وعي كامل

"أنا عماله أفتكر حاجات" 


"حاجات إيه؟"

سألها و قلبه يخفق من الفرح، كم أسعده إنها تذكرت حدث من بعض اللحظات الرائعة التي جمعتهما سوياً، تحفزت مسامعه للمزيد فسألها مرة أخرى

"افتكرتي إيه؟"


أجابت و كأنها تحت وقع تأثير النوم المغناطيسي

"شايفة أوضة، شيزلونج أنا نايمة عليه، و أنت بتعملي نفس اللي بتعمله دلوقتي" 


"و إيه كمان؟" 


"بتقرب مني و...." 

صمتت وابتلعت ريقها، فعلم ماذا أرادت أن تقول لكن خجلها يمنعها عن التحدث بجرأة.

عافاها عن الإجابة فسألها

"كنت بقرب منك و بعملك كده" 


اقترب بشفتيه نحو جبهتها وقام بتقبيلها، شعر برجفة جسدها أثر ما فعله، لكن لم ترفضه أو تدفعه عنها كما فعلت من قبل، ابتسم و رأي إنها فرصة لا تعوض.


فأردف

"و بعمل كده"

وقام بتقبيل خدها، ثم خدها الأخر، عينيها المغلقة، و مازال يقوم بتدليك أسفل أذنيها لتظل تحت تأثيره.


"و عارفة كنت بعملك إيه كمان؟"

لم يتلق إجابة منها، فألقي نظرة علي شفتيها وكأنها نبع العسل، فأراد أن يرتوي منها.

ألتقط شفاها بين خاصته في قبلة ناعمة، و تحولت لمسات أنامله من أذنها إلي مؤخرة رأسها، ليبدأ في تعميق القبلة.


شعر لوهلة و كأنها المرة الأولى له معها، يستمتع بمذاق فمها، بينما هي كانت في عالم أخر، عالم هو به الحاكم والمسيطر،  تشعر بشفتيه ولسانه وكأنه يعزف بهما علي خاصتها، و بدون وعي بادلته القبلة، و عندما شعر باستجابتها، ابتعد لثوان يلتقط أنفاسه و تأمل وجهها، مازالت تغلق عينيها و تنتظر المزيد من الارتواء، فعاد يقبلها بنهم ويعانقها بحرارة.


انتقلت قبلاته من شفتيها إلي عنقها، و كانت بين يديه كقطعة الهلام التي تذوب بفعل الحرارة، تأن من أثر قبلاته علي جيدها.

لم تسلم يديها أيضاً من شفتيه، حيث قبّل باطن كفها في كل يد علي حده، وعاد إلي موطن كلماتها لينهال عليهما من جديد.


تحركت يده نحو بداية فتحة الصدر لثوبها، وقام بفك أزرار المقدمة و جذب الثوب عن كتفيها ليتثني له تقبيلهما، رائحة جسدها مازالت كما هي، تلك الرائحة التي يعشقها ولم ينساها، ملمس جلدها المياس، دفء بشرتها، كل هذا يشعر به.

هيهات وبدأت تنتقل قبلاته إلي مقدمة الكنزة القطنية الداخلية، لم يستطع السيطرة علي نفسه، فطمع في المزيد. 


أوقفه فجأة صوت ضجيج و صياح في الخارج دوى صداه بين جدران القصر، اجفله و اجفلها، فتحت عينيها وكأنها استيقظت وعادت إلي الواقع.


ألقت نظرة علي انعكاس صورتها في المرآه، رأت مظهرها وحالتها، شهقت بخجل شديد، لم يمهلها وقت للسؤال عن ما كان يحدث بينهما، فأمرها

"اعدلي هدومك و ألبسي طرحتك بسرعة، وأنا خارج هاشوف إيه اللي بيحصل بره وابقي حصليني" 

وقبل أن يذهب، مسح علي شعره و اعدل  من مظهره، تريث قليلاً قبل أن يخرج، فخديه تغلبهما الحُمرة، يتنفس و يزفر الهواء عدة مرات، حتي تراخي جسده وهدأ قليلاً.


                     ❈-❈-❈


منذ قليل، كانت علياء تقود سيارتها بهدوء ورزانة ، نظارتها الشمسية تعلو وجهها . جوارها جلست لوجي، تجلس بتوتر، ساقها تهتز، وتقضم أظافرها بقلق. 


نظرت إليها علياء، وصوتها يفيض حنان يشوبه الحزم

"لوچي حبيبتي اهدي، من وقت ما نزلنا من البيت وشايفاكي متوترة، ما تقلقيش محدش من العيلة يعرف حاجة خالص، والحمدلله الموضوع عدى على خير، المهم تكوني اتعلمتي من اللي فات وتعرفي محدش بيحبك ولا هايخاف عليكي غيري أنا وباباكي"


أجابت الفتاه، تختزل في حديثها مرارة ساخرة وحزن باطن

"ما هو أنا مش خايفة غير من بابي، تخيلي إنه مكلمنيش ولا اهتم بيا ولا حتى زعقلي على اللي حصل؟!، أنا مش في دماغه خالص وأوقات كتير بحس إنه ما بيحبنيش أصلاً"


خفضت علياء سرعة السيارة، حتى توقفت أمام بوابة القصر، وألتفت إليها قبل أن تعبر للداخل

"حبيبتي ما تقوليش كده، بابي بالتأكيد بيحبك؛ هو بس شكوكه وأفكاره الغريبة خلته مشغول عنك، اديني ريحته مني خالص عشان يفوق لنفسه"


ردت الأخرى بصعوبة من فرط حزنها

"أنا عارفه اللي بابي عمله معاكي ما ينفعش تسامحيه خالص، بس بليز ما تسيبينيش وتبعدي، أنا دلوقتي ما بقاش ليا غيرك"


احتضنتها علياء بحنان، ألقت كلماتها كأنها عهد ووعد

"حبيبتي أنا عمري ما هابعد عنك، وزي ما قولتلك قبل كده، أنتي وعز الدين واحد في قلبي، وبيت أهلي هو بيتك، بس معلشي سامحيني، مش هقدر أسامح باباكي على اللي عمله معايا، ده أهان كرامتي واتهمني في شرفي وكأنه ما يعرفنيش من سنين"


تنهدت بحزن ثم اردفت 

"في حاجات يا لوچي مش هاتفهميها غير لما تكبري"


"أنا ما بقيتش صغيرة يا علياء، وفاهمة كل اللي بيحصل حواليا"


ربتت الأخرى على ظهرها بلطف، و استدارت لتُخبرها 

"عارفة، بس أنا عايزاكي تركزي مع نفسك، وتديها اهتمام، وبعدين عايزين نستعد للامتحانات الفينال اللي خلاص بقت على الأبواب"


هزت لوجي رأسها بشبه ابتسامة

"تمام"


اعتدلت علياء على مقعدها، وكانت على وشك الانطلاق بالسيارة، حين انبثق صوتُ محرك مندفع فجأة، سيارة يقودها يوسف انطلقت نحوهما؛ صرخت لوجي من الخوف وتشبثت بذراع علياء التي اتسعت عيناها بخوف، ظنت أنه سيصدمهم، فتوقف فجأة.

رمقته علياء من خلف زجاج نظارتها السوداء بغضب محدق، وقالت لابنة زوجها

"خليكي هنا وما تتحركيش"


نزلت من سيارتها، فوضع يوسف قدميه على الأرض مبتسمًا بابتسامة مليئة بالتهكم.

اقتربت منه وهي توبخه

"إيه الغباء اللي عملته ده؟، عايز تموتنا؟!"


أجابها ببرود استفزازي 

"أبداً يا حبيبتي، أنا بس من فرحتي لرجوعك لبيتك نسيت أهدي السرعة، بس لحقت نفسي على آخر لحظة"


أشعلت كلماته نار حنقها، فاختارت أن تلفظ شعلة بكلمات تحرق أعصابه

"أنا جاية زيارة وأبارك لياسمين على رجوعها بالسلامة، مش زي ما خيالك مصورلك خالص"


عقد ما بين حاجبيه، وسألها بحدة واضعًا يقينه وراء سؤال يريد تأكيد علمه 

"هو إنتي عرفتي بحوار ياسمين منين، حد كلمك ولا من على الفيس بوك؟"


خلعت نظارتها الشمسية وأجابته بصراحة  "خديجة كلمتني، وقبل ما تكلمني عرفت من السوشيال ميديا، الناس على الفيس بوك والصحافة مالهمش سيرة أصلاً غير عيلة البحيري، وأنا هنا عشان أقف جنبهم مش عشانك، لأنك خلاص بقيت مجرد ذكرى سودة بالنسبة لي، وبدعي كل يوم وبطلب من ربنا إني أنساك خالص"


جز علي أسنانه عند ذكر ضجيج أخبار العائلة المنتشرة على تطبيقات التواصل الاجتماعي؛ تظاهر بالصمت ثم تفجر ضحك ساخر على شفتيه، وقال بتحد  "هابقى ذكرى!، ده على أساس إن أنا طلقتك؟!، أنا رديتك بس سايبك تهديلك يومين، وبعدها هاترجعي القصر سواء بمزاجك أو بالغصب"


صاحت بقوة 

"نجوم السما أقرب لك يا يوسف، ولو على الطلاق سهل جدًا أتطلق منك أو أخلعك، ومش بس كده، ياسلام بقى في يوم النطق بحكم الخلع يتسرب الخبر للصحافة وهم مش هايتوصوا، دول ما هايصدقوا يطلعوك تريند يا دكتور"


طرقت بكلماتها عليه بقوة، حيث تعلم أن ما يكرهه أكثر من كل شيء هي الفضائح. أطلق جموح غضبه، فقبض على ذراعها بقسوة، وأطلق سهام كلماته من بين أسنانه، حادة كالطعنات

"أبقي جربي بس واعمليها، وأنا هخلي حياتك جحيم؛ هدمرلك حياتك وشغلك ومش هايبقى ليكي في الآخر حد غيري أنا"


نزلت ابنته من السيارة مهرولة وقلقة على علياء؛ فانتبه والدها إليها وحدق بها بنظرة من الجحيم، وبخها بحدة لاذعة لا ترحم

"أهلاً بالهانم الصايعة الفاشلة، اللي دايرالي على حل شعرها في الكباريه مع حتة عيل نصاب، ويا عالم كنتِ بتروحي معاه فين تاني، ما أنا مش هااستغرب عمايلك المهببة، ما طالعة منحلة زي أمك"


شهقت علياء من قسوة كلماته التي وقعت على قلب ابنته  كصفعة عاتية ، فانفجرت  في البكاء، وركضت عبر البوابة إلى داخل القصر، بينما علياء صاحت في وجهه بغضب يتأجج

"إيه القرف اللي قولته لبنتك ده يا بني آدم؟!، بدل ما تاخدها في حضنك وتحتويها، تقوم تهينها وتعايرها بذنب مامتها؟!، قلبك ده إيه؟!، أنا بجد مشفقة عليك وعلى الحالة اللي أنت وصلت ليها، أنت مريض نفسي بجد ومحتاج تتعالج"


رفع يده كأنه ينوء بالضرب، فقبضت على رسغه قبل أن يسقط كفه على خدها، ونظرت إليه بتحذير صارم

"إياك، ولو فكرت تعملها تاني هاقطعها لك"


نفضت يده بعنف، ورمقته بازدراء كأنه شئ مقزز أمامها، فتركته وذهبت لتركب سيارتها وعبرت البوابة. 


                        ❈-❈-❈


عودة إلى الوقت الحاضر...


خرج ياسين على صوت صياح شقيقه، الذي لم يدع قولًا أحمق إلا ولفظ به، بصوت يقطر سخرية وحقد دفين

"أهلاً بياسين بيه، اللي فضل معيشنا في سنتين نكد، وطلعت في الآخر مراته هربانة منه وراحت تتجوز واحد تاني وهي على ذمته، وبسببها سمعة العيلة بقت على كل لسان"


رمقه ياسين بنظرة نارية، ثم صاح بغضب وبصوت يهدر كالرعد

"أبو الناس، وأبو أم سمعة العيلة اللي قرفت بيها ميتين أبونا يا أخي"


شهق الجميع، وتجمدت الأجواء، فصاحت جيهان منادية باسمه بنبرة حادة تحذيرية:

"ياسين!"


التفت إليها، وعروق عنقه نافره من الغضب

"بتزعقيلي أنا ليه؟!، مش سامعة كلام ابنك؟!"

ثم أدار وجهه نحو شقيقه الثائر، وصاح مهددًا إياه

"أقسم بالله، لولا إنك أخويا وأكبر مني، كان زماني جايبك تحت رجلي وما كنتش خليت فيك حتة سليمة"


ضحك يوسف ببرود وقال بحدة لا تخلو من اللؤم

"يعني أنا قولت إيه غلط؟، الدنيا كلها على السوشيال ميديا مالهاش سيرة غير عملة مراتك، ولو أنت سمعة العيلة ماتهمكش لأنك بجح ومش فارقة معاك، أنا بقى يهمني اسمي واسم عيلة البحيري"


أشارت جيهان إلى المربية سميرة، تأمرها

"خدي الولاد وطلعيهم يلعبوا في الجاردن"


"أمرك يا مدام چيهان"

قالتها سميرة بصوت خافت وهي تجمع الأحفاد، ثم خرجت بهم مسرعة إلى الحديقة، تخفيهم عن مشهد يتوشح بالعار والغضب.


وفي تلك اللحظة، ولجت ياسمين إلى غرفة المائدة، وقد التقطت أذنها آخر ما تفوه به يوسف، لتتجمد في مكانها. 

كلماته الجارحة كانت كصفعات تتوالى على وجهها.


لمحها يوسف، فابتسم بسخرية جارحة وقال

"حمد الله على السلامة يا مرات أخويا، ولا أقولك يا مرات دكتور رحيم!"


كانت تلك القشة التي قصمت ظهر صبر ياسين، فبلغ غضبه ذروته، وصاح بصوت  هادر

"ما هو مش عشان أنت أخويا وأكبر مني، هاسيبك تتعدى حدودك وتغلط فيها وأسكتلك"


اندفع نحوه كالعاصفة، وسدد إليه لكمة قوية جعلته يسقط أرضًا، شهق الجميع وصرخت جيهان محاولة إيقافهما، لكن يوسف نهض ثائرًا، وبدأ في الاشتباك مع شقيقه. 

تدخل آدم ومصعب، كل منهما يحاول الإمساك بواحد منهما، بينما علا صوت قصي بغضب هادر  

"جرى إيه إنت وهو؟!، لا محترمين وجودنا ولا وجود والدتكم؟!"


رمقهم يونس شقيقيه باستياء واضح، ثم قال بلهجة صارمة 

"يوسف غلطان، والمفروض يعتذر لأخوه ومراته"


قهقه يوسف ضاحكًا بسخرية متغطرسة قائلاً

"طبعًا لازم تنحاز لياسين، ما هي مراتك أنت كمان خلت اللي يسوى واللي ما يسواش يجيب سيرتنا"


رفع قصي يده إشارة ليونس حتى لا يرد أو يفعل شئ، ثم خطا نحو يوسف بثبات مرعب، وصوته هادئ كحد السيف

"أنت من أول ما دخلت، ومالكش غير الغلط والكلام اللي ما يطلعش غير من واحد مش عايز أقول وصفه احترامًا للستات اللي قاعدة، لكن إنك تغلط في أختي، ده اللي استحالة أعديه لك، واللي عمله فيك ياسين دلوقتي يعتبر لعب عيال، شكلك عايز حاجة تفوقك بجد"


وما إن أنهى كلماته، حتى باغته قصي بلكمة قاصمة، جعلته يسقط أرضًا بعنف، ووقع معه آدم الذي كان يقيد ذراعيه إلى الوراء، وقد نزف الدم من أنف يوسف وغطى وجهه في لحظة واحدة.


وفي تلك اللحظة، دخلت علياء برفقة لوجي التي خبأت وجهها بين كفيها، ترتعد بخوف من رؤية أبيها على تلك الحال.


نفض قصي يده ببرود قاتل، بينما عمّ الصمت المهيب أرجاء القصر، والوجوه بين الخوف والذهول والحزن.


انتبه ياسين إلى ياسمين، فرأى وجهها شاحب كأن الدم انسحب منه دفعة واحدة، وعينيها تسبحان في غيبوبة من الهلع، فأسرع إليها قبل أن تهوي، وصرخ باسمها

"ياسمين!"


ركضت علياء نحوها، وأسندت رأسها على صدرها، وأمرت الخدم بصوت قلق حازم

"هاتوا كوباية عصير بسرعة"


دقائق معدودة وفتحت ياسمين عينيها على ضوء قوي ينبعث من الثريا، لتجد نفسها ممددة على الأريكة، وبجوارها ياسين جاثياً على ركبتيه، يمسك بيدها ويتأمل وجهها بقلق وخوف عليها. 


وقفت علياء تبتسم لها وقالت بمزاح لتخفف من الأجواء

"حمد الله على سلامتك، كده تخضينا عليكي"


ثم جلست إلى جوارها، وأمسكت بيدها الأخرى تُربت عليها بلطف واخبرتها عندما تذكرت إنها فاقدة للذاكرة

"أنا علياء، طليقة يوسف أخو ياسين"


التفت إليها ياسين بدهشة، واتسعت عينا جيهان، والجميع من حولها تبادل النظرات المندهشة كمن تلقوا صدمة أخرى.


مالت جيهان على ابنتها ملك، وهمست لها بأمر صارم

"خدي ياسمين واطلعوا فوق"


فما كان من ياسين إلا أن نهض ثم حمل ياسمين علي ذراعيه برفق،  وصعد بها الدرج متجه إلى غرفته، ولحقت به ملك وكارين أيضاً من خلفه، تتبعهما أنفاس مثقلة بالضيق والاختناق، بعد أن غلف الجو أثر كلمات يوسف القاسية وفضائح غضبه. 


                  

بينما كانت علياء على وشك أن تلفظ حرفًا، التقطت عيناها نظرات تحذيرية من يوسف الذي يضع كيس ثلج على أنفه، فتهاونت في الانصراف عن غضب كان على وشك الانفجار. 

لم تبالِ بنظراته القاطعة، وقالت بدون تردد

"بتبصلي كده ليه يا دكتور؟!، أنا كنت بركن العربية وتقريبًا سمعت كلامك عن الفضايح وسمعة العيلة، والمفروض أنت آخر واحد يتكلم عن سمعة العيلة" 


التفتتْ بعد ذلك لتنظر إلى إخوته وحماتها، فاردفت بنبرة مملوءة بالحقائق المرة، لا ترفق بها ولا تهادن

"أنا كنت جاية عشان أهني وأبارك لياسين وياسمين، بس دكتور يوسف مصمم يخلي كل واحد فينا يخرج عن شعوره، وبدأها بيا و ببنته علي البوابة ودخل كملها مع أخواته، البيه مدّعي المثل العليا والمبادئ اتهمني بالخيانة، لأ وكمان بيتهمني إني بخونه مع أقرب صديق ليه واللي هو جوز بنت خالتي واللي في مقام أخويا، دكتور آسر، بسبب سوء تفاهم منه ومن غير ما يسمع ولا يفهم حكم عليّ بالتهمة البشعة دي وطلقني؛ يعني حكم ونفذ الحكم وبعد ما عرف الحقيقة، عايزني أرجعله بعد ما أهان كرامتي وسمّعني كلام، والله لو لآخر نفس في عمري مش هسامحه أبداً" 


نظرت جيهان إلى ابنها، فكانت تساؤلاتها تحمل حاجة إلى تأكيد وسؤال أخلاقي

"اللي بتقوله علياء صح؟" 


ترك يوسف كيس الثلج ووقف بحرج أمام الجميع، فأجاب بخفوت وقلق

"صح، بس يا ريت محدش يتدخل، الحوار يخصني أنا وهي" 


فقالت علياء بتحد لا يخلو من حزم وصرامة

"وأنا بقولهم يتدخلوا، عشان يبقوا عارفين حقيقة أخوهم، ومدى غباؤه اللي خسره أقرب الناس ليه حتى بنته مسلمتش منه" 


صاح يوسف بغيظ واحتدام

"ما هو كل اللي حصل بسببها بنت الـ...." 


وما أن كاد لفظه أن ينقضي إلى سب، رمقته علياء بتحذير صارم، واقترب آدم من أذنه وهمس إليه بغضب مكتوم

"أنت مجنون؟!، بطلع غلطك على بنتك ليه؟" 


قالت علياء بحزم واضح

"عشان تخليكم شاهدين على أسلوبه وكلامه، وليا حق أتطلق منه، وهاخد لوجي وعز الدين يعيشوا معايا في جو سوي" 


اقترب يوسف منها مهددًا إياها

"شوفي مين اللي هايطلقك، ولو ده حصل، أخرك إنك تاخدي ابنك بس، لكن لوجي مش بنتك" 


صاحت ابنته بعد صمت موجع 

"وأنا مش هاسيب ماما علياء حتى لو هي اتطلقت منك" 


صاح بسخرية جارحة علي ابنته

"عشان يخلى لك الجو وتعرفي تصيعي براحتك" 


فافجعت لوجي بالبكاء، وكادت تغادر المكان من كثر الضيق، فاوقفتها جدتها 

"استني عندك يا لوجي" 


ثم التفت إلى علياء وقالت لها

"خديها واطلعوا على أوضتها" 


فأخذت علياء لوجي وصعد كليهما إلي الأعلي،  لتعود جيهان فتقترب من ابنها يوسف بنظرة قاسية، ولأول مرة تفعل ما لم تفعل من قبل، هوت بكفها على خده، وصاحت به بوجوم متأجج

"اطلع بره، ورجلك ما تعتبش القصر هنا تاني؛ طالما ما بتحترمش أي حد، وعلياء هتنفذ لها اللي عايزاه؛ هاتطلقها وهي اللي هتربي بنتك وابنك" 


لم يتحمل الأخر الإهانة التي وجهتها له والدته، فاندفع نحو الخارج، غادر القصر دون كلمة واحدة، تاركًا خلفه نظرات دهشة و تعجب. 


                       ❈-❈-❈


جلس أدهم في قاعة الاجتماعات محاطا بلوح إلكتروني متوهج، وأوراق مرتبة على مائدة لامعة، وجوه الموظفين تتابعه بابتسامات متباينة بين اهتمام وملل، لكن ذهنه كان بعيدًا عن هذه الجدران، عالقًا في فوضى صورة واحدة لا تهدأ.

صورة تلك التي سلبت عقله في مخيلته كظل يلاحقه، كلما لم تجب علي إتصاله أو رسائله أو أغلقت هاتفها، تضخم في صدره بحر من الأسئلة.


كانت إحدى الموظفات تشرح خطة العمل بصوت واضح ومرتب، تُعرض الأفكار تباعًا، بينما عينيه لا تبرح شاشة هاتفه.


وحين ظهر اسم الرجل الذي أرسله لمراقبة منزل عائلة منار على شاشة المتصلين، انتفض  فجأة حتى خلت الغرفة من صخبها، وارتجف في صدره نبض كالسيف الحاد. 

  أشار إلى الموظفة أن تنتظر ريثما ينتهي من أمر خاص، ونهض بخطوات سريعة إلى ركن بعيد من القاعة، ثم أجاب علي الإتصال

"شوفتها؟"

سأل بصوت مكبوت.


"أه يا أدهم باشا، لسه نازلة من التاكسي ومعاها شنطة سفر"


"معاها حد؟"


"لاء، لوحدها"


"تمام، خليك عندك لحد ما أجي"


أنهى المكالمة على عجل، وعاد إلى الحضور وقال بصوت متماسك

"معلش يا جماعة، مضطر أنهي الميتينج ونكمّله بكره أو بعده"


ألقى كلماته بتلقائية رجل اضطره قدره إلى الرحيل، ثم غادر الشركة مسرعًا. 

خرج والهواء في صدره يلهث، جلس خلف مقود سيارته يقود بسرعة كأنه يطارد الهواء وخياله معًا، وقال في نفسه بوعيد 

"وأخيرًا ظهرتي يا منار هانم، لما نشوف بتهربي مني ليه؟!"


و في منزلها، فتحت منار حقيبة السفر، أخرجت ملابسها واحدة تلو الأخرى ورتبتها في الخزانة بعينين غارقتين في تعب، وفي داخلها قلب مثقل بالندم والقلق. 

  لم تكد تضع آخر قطعة حتى اهتز هاتفها فوق طاولة الزينة، فهرعت نحوه بعصبية، فإذا بالمتصل "راغب". 

  أجابت بصوت مرتجف

"ألو يا راغب؟"


رد الأخر بلهجة ماكرة فيها مزاح مصطنع

"إخص عليكي يا موني!، بقي كده؟، أغيب عنك كام يوم ما تسأليش عليا؟، ده أنا كنت بموت في السرير ومحدش عبرني، مكنتش قادر حتى أمسك الموبايل، أقولك تعاليلي اعمليلي شوربة خضار من إيديكي الحلويين"


أبعدت الهاتف عن أذنها وهمست في غضب خافت

"ياريتك كنت موت أحسن"


ثم أعادت الهاتف وقالت ببرود متعمد

"معلش بقى، مكنتش فاضية"


رد بنبرة عتاب خبيثة

"هي دي ألف سلامة عليك يا جوزي يا حبيبي؟!"


اشتد الغضب في نبرتها قائلة بتحذير

"عارف لو كررت كلمة جوزي دي تاني، هعملك بلوك، ولو اتعرضتلي تاني هصوت وألم الناس عليك"


قهقه واخبرها بدهاء ساخر

"تصدقي ضحكتيني، وأنا  ماليش نفس أضحك، بس الظاهر أسلوبي الناعم مش على هواكي، ما أنتي كيفك التهزيئ، بس ملحوقة، الجايات كتير، اخلصي أنا مستنيكي على ناصية شارعكم، هاخدك ونروح مطعم أو كافيه نتكلم شوية"


قالت بحدة 

"مش هاينفع"


"وإيه اللي مانفعهوش يا قطتي؟، مش هتعرفي تقولي للحجة ماما أي حوار كده زي زمان لما كنتي بتزوغي وتجيلي؟!"


جلست على طرف الفراش، تلعن اللحظة التي جمعتها به، ثم التقطت أنفاسها وقالت بحيلة لتفادي اللقاء

"مش هاينفع أنزل، ناس قرايبنا جايين على وصول"


سكت لحظة ثم قال بريبة

"قرايبكم ولا يكون عريس جايلك يا موني؟، ده أنا كده هزعل وأجيب ناس تزعل، أوعي تكوني مخبية عليا حاجة"


أجابت بغضب دفين

"عريس إيه بس؟، بقولك ناس قرايبنا، ممكن تأجل المشوار لبعدين؟، أنا هابقي أكلمك وأحدد معاك الميعاد والمكان"


رد بابتسامة خبيثة تسمعها هي من نبرته

"ماشي يا قطتي، خليها علينا المرة دي، بس ما تتعوديش على كده، وهاستنى منك مكالمة بالليل قبل ما تنامي، أصل عندي أرق ومحتاج صوت حنين ينيمني"


أبعدت الهاتف، رفعت يدها نحو السماء وقالت بضيق

"يا رب تنام ما تقوم يا بعيد"


ثم قالت له بصوت مصطنع الهدوء

"حاضر، عن إذنك، مضطرة أقفل، الضيوف وصلوا، سلام"


أنهت المكالمة دون أن تمنحه فرصة للرد، تنفست الصعداء، وألقت الهاتف على الفراش وهي تزفر بقوة

"الله يحرق دمك يا رامي الكلب"


نهضت وأمسكت معطفها القطني ومنشفة صغيرة ثم ذهبت إلى الحمام، دون أن تنتبه لاتصال آخر وارد.

فكان المتصل هذه المرة أدهم. 


وبالقرب من المنزل، كان رامي يقترب بسيارته، فرأى سيارة فاخرة تصف بجوار الرصيف المقابل للعمارة التي تسكنها منار. توقف والتقط بسرعة صورة لأدهم دون أن ينتبه الأخير إليه، أرسلها إلى أحد أصدقائه مع رسالة صوتية

"بقولك يا صاحبي، هابعتلك صورة واحد بشبه عليه، وقولي هو ده الواد اللي قولت لي كنت بتشوفه مع البت منار كذا مرة ولا لاء؟"


أرسل الرسالة، وبعد دقائق تلقى رد صوتي قصير

"أه، هو يا زميلي"


تجمدت ملامح رامي، واتسعت نظراته وقال لنفسه

"يعني بتكدبي عليا وتقوليلي إنتي وأهلك مستنين ضيوف!، وانتي لسه راجعة من السفر وقاعدة لوحدك وبتتهربي مني!، أتاريكي مستنية حبيب القلب اللي زمانه مقضيها معاكي فوق يا..."


نظر إلى شاشة هاتفه، وصعد بالدردشة لأعلى، توقف أمام رابط وضغط عليه فظهرت الصفحة الشخصية لأدهم، ثم كتب رسالة مقتضبة أرفقها بمقطع فيديو وابتسامة شماتة تملأ وجهه، قائلاً مع نفسه

"وعشان مش أنا اللي آخد على قفايا وفاكراني بهددك وخلاص، هقرصلك ودنك قرصة كده على الماشي، وأحلى بلوك عشان ما يصدعناش، بالشفا يا قطتي"

ثم أغلق الهاتف وهو يبتسم ابتسامة نصر زائف . 


يتبع...


#الفصل_الثامن_والعشرون

#غرام_الذئاب

#الجزء_الرابع_من_سلسلة_صراع_الذئاب

#ولاء_رفعت_علي


كانت الغرفة تعبق برائحة الدفء الأنثوي، 

وأصوات السلائف تتداخل بين همسات وضحكات. 

جلست ياسمين على السرير الأبيض المزخرف بأغطية ناعمة، تتكئ على وسادة حريرية، وبدا على وجهها أثر الإرهاق، لكنه لم يخفِ بهاء ملامحها ولا رقة حضورها. 

دخلت علياء بخطوات رفيقة، وقالت بابتسامة ودودة وهي تقترب من ياسمين

"ها يا ياسمين، عاملة إيه دلوقتي؟، بقيتي أحسن؟"


هزت ياسمين رأسها بخفوت، وأجابت باقتضاب لا يخلو من الود

"الحمد لله، بقيت أحسن"


تقدمت ملك وهي تحمل كوب عصير، وقالت بنغمة مرحة

"وهاتبقي أحسن لما ترتاحي وتصحي وتفوقي وتقعدي معانا نرغي ونستعيد الذكريات"


قاطعتها شيماء بخفة ظلها المعتادة، وقالت بعفوية مازحة

"بصي من الآخر يا ياسمين، إحنا هنرجعلك ذاكرتك بإذن الله، بلا دكاترة بلا أدوية، هم الدكاترة دول بيفهموا حاجة!"


ضحكت علياء وقالت بنبرة مداعبة

"مقبولة منك يا شوشو"


شهقت شيماء وهي تضع يدها على صدرها مصطنعة الدهشة

"يوه!، يقطعني والله ما أقصدك خالص يا لولو، أنا قصدي على دكاترة المخ والأعصاب"


ضحكت الفتيات، بينما ألقت ملك نظرة سريعة نحو الباب لتتأكد أنه مغلق، ثم اقتربت من ياسمين وهمست بخبث محبب

"قوليلنا بقى يا ياسمين، وما تقلقيش، وهايبقي سر ما بينا... إزاي اتعرفتي على الدكتور رحيم وخليتيه يقع في غرامك كده بسرعة ويتجوزك من غير ما يدور وراكي؟"


ضحكت شيماء وهي تلوح بيديها بتفاعل مبالغ فيه

"لاء وكمان قمر، قمر يابا الحاج، وده واضح شكله واقع على بوزو خالص، كل ما أفتكر وهو واقف قدام ياسين ورافعين المسدسات على بعض، أقول للدرجة دي لسه فيه راجل في الزمن ده يحب ويعشق وما يهموش يموت عشان اللي بيحبها!"


في تلك اللحظة، انفتح الباب فجأة فانتفضت جميعهن، لتظهر خديجة عند العتبة، ووجهها يحمل مزيجاً من الدهشة والعتاب

"صوتك يا شوشو هانم واصل لحد السلم، لو طه سمعك وإنتي بتتغزلي في راجل غريب هايكون إيه موقفك؟!"


أشاحت شيماء بيدها دون اكتراث وقالت ببرود ساخر

"يعمل اللي يعمله"


تدخلت كارين بنبرة فضولية 

"أنا من امبارح ملاحظة نظراتكم إنتي وطه لبعض... هو حصل إيه يخليكي مش طايقاه كده؟"


تأملت ملك الموقف وقالت بحكمة ممزوجة بالمزاح

"مش محتاجة تجاوب، هتلاقي منكد عليها، أصل صنف الرجالة ده بعيد عنكم يعشقوا إنهم ينكدوا علينا، وقال إيه، يقولوا إحنا اللي بنموت في النكد!"


التفتت خديجة نحو شيماء وسألتها باهتمام صادق

"هي نفس خناقاتكم القديمة؟، زي آخر مرة؟"


خفضت شيماء عينيها للحظة، وقالت بصوت مبحوح ملئ بالشجن

"ياريت كانت جت على شوية خلافات عادية... الموضوع أكبر من كده"


لكنها سرعان ما ادركت ما ستبوح به، فابتسمت ابتسامة مصطنعة وقالت وهي تصفق بيديها بخفة لتغير مجرى الحديث

"يا جماعة سيبكم مني أنا دلوقتي، استنوا نسمع لياسمين ونعرف منها قصة الحب السريعة دي حصلت فين وإزاي؟، يلا قبل ما يطلع جوزك ويسمعنا وتبقى ليلتنا سودا فحمولي"


انفجرن جميعاً بالضحك، حتى كادت علياء أن تدمع من كثرة الضحك قائلة

"إنتي فظيعة يا شوشو"


ابتسمت ياسمين بخجل واضح وقالت بتردد ناعم

"الموضوع كله حصل صدفة، هو بس...


لكن طرقاً على الباب قطع حديثها، فقالت خديجة وهي تلتفت

"اتفضل"


انفتح الباب ودخلت إحدى الخادمات تمسك بيد الصغيرة ياسمينا التي كانت تبكي بحرقة ظاهرة. 

نهضت ياسمين من مكانها فزعاً وسألت بقلق

"مالها؟، بتعيط ليه؟"


ركضت الصغيرة نحو والدتها وارتمت في أحضانها تبكي بلا توقف.

أجابت الخادمة تخبرها

"كانت قاعدة لوحدها في الجنينة وبتعيط وبتقول عايزة حضرتك"


ضمتها ياسمين إلى صدرها بحنان غامر وقالت بصوت مرتجف من التأثر

"متخافيش يا حبيبتي... أنا أهو، مش هاسيبك أبداً"


ربتت ملك على كتف الطفلة وقالت بابتسامة دافئة

"حبيبتي ماما كانت تعبانة وطلعناها هنا عشان ترتاح"


أخذت علياء حقيبتها وهمّت بالمغادرة 

"طيب يا جماعة، أنا معلش مضطرة أستأذنكم، عندي تلات عمليات قيصرية النهاردة، ولسه هاخد لوچي وأوصلها عند ماما الأول"


اقتربت منها خديجة وقالت بنبرة حذرة

"هو إنتي فعلاً خلاص، يعني إنتي ويوسف اتطلقتوا؟"


أجابت علياء بثبات لم يشوبه تردد

"أه، كده أحسن ليا وللولاد، واديكي سمعتي وشوفتي بنفسك أسلوبه وكلامه، هو ده راجل ممكن أكمل معاه؟"


رمقتها خديجة بأسى وقالت بصوت مفعم بالصدق

"ابقي كدابة لو قولتلك أقدر، بس بينكم طفل صغير، ولوچي في سن حرج"


رفعت الأخرى رأسها بعزيمة قوية واخبرتها

"بعون الله هقدر أربيهم، وربنا يقويني ومخليهمش محتاجين لأي حاجة، لكن رجوع للبني آدم ده مستحيل، حتى لو قلبي سامحه وحن ليه، هدوس عليه ومش راجعة له"


قالت ملك وهي تنهض

"يلا يا بنات، نسيب ياسمين ترتاح، ونبقي نتجمع تاني إن شاء الله"


وقفت كل واحدة تلو الأخرى، وتبادلن العناق والقبلات. 

اقتربت كارين من ياسمين وقالت وهي تحتضنها برقة

"حمد الله على سلامتك مرة تانية، يا قمر"


ثم جاءت شيماء بخطوات مرحة، تميل بجسدها نحوها وتقول بنبرة مازحة

"لينا قعدة تانية، ومش هاسيبك غير لما تجاوبيني على سؤالي... حتى لو هاخطفك من ياسين"


ضحكت ياسمين وقالت وهي ترد عناقها

"حاضر يا شوشو، هاحكيلك كل حاجة"


ابتسمت شيماء بود، ثم تبعتها خديجة، وكارين، وعلياء، كل منهن تركت على وجه ياسمين لمسة دفء وطمأنينة خالدة.

وبعد أن غادرن، بقيت ياسمين تنظر إلى صغيرتها بين ذراعيها، تربت عليها و تقبل رأسها. 


❈-❈-❈


خرجت من الحمام وقطرات الماء لا تزال تتساقط من خصلات شعرها المبتل، تمسحها بالمنشفة في تراخ متعب حين دوى جرس الباب فجأة، قاطعًا سكون اللحظة. 

زفرت بتأفف وهي تتجه نحو الباب، تنعكس في عينيها ملامح ضجر عميق، وكأنها تلعن الفضول الذي أجبرها على النهوض.


ألقت نظرة عبر الفتحة الزجاجية التي تتوسط الباب، فلم تجد أحد.

عقدت حاجبيها بدهشة، وتهيأت للعودة إلى غرفتها، غير أن الجرس دوى مجددًا، بإلحاح مستفز. 

أعادت النظر فلم تر شيئًا أيضًا، فقالت بغيظ 

"هايكون من غيرهم ولاد الست اللي فوقينا، بيقعدوا يلعبوا في الجرس، وهايشتغلوني بقى"


فتحت الباب فتحة صغيرة وصاحت بانفعال

"الحيوان اللي بيلعب في الجرس لو مسكته ها...

لكنها لم تكمل، إذ خرج لها من خلف الجدار فجأة، يقف أمامها بابتسامة ماكرة وصوت هادئ

"هاتعملي فيه إيه؟"


شهقت مفزوعة، تراجعت خطوة للوراء وهي تلهث

"أدهم!"


نظر إليها بثبات حاد، بينما راحت تلتقط أنفاسها المتقطعة، يدق قلبها بجنون كأنما يريد الهروب من صدرها. 

وبعد أن استجمعت شتات نفسها، قال لها بصوت عاتب مبحوح

"بقالك مدة لا بتردي على تليفوناتي ولا رسايلي، وجيتلك هنا مرتين، فضلت أخبط وأرن الجرس محدش بيرد، لحد ما سألت حد من الجيران قالولي إنكم مسافرين"


أخفضت رأسها، تتجنب عينيه، وقالت بصوت متوتر

"آه، كنا مسافرين، وأنا اللي رجعت لوحدي... عشان الشغل"


سألها بنبرة غضب هادئ يقطر استنكار

"طيب ممكن أفهم ليه مكنتيش بتردي عليا؟"


ازدادت توتر، فابتلعت ريقها وقالت

"مفيش... قصدي يعني، كان عندي شوية ظروف ومشاكل كده"


اقترب منها خطوة وسألها بحزم 

"ممكن أعرف إيه المشاكل والظروف اللي منعتك عني؟"


لكنها لم تجب، كان صوت أقدام يصعد الدرج يقترب شيئًا فشيئًا، جذبت يده بخوف ودفعته إلى الداخل ثم أغلقت الباب بسرعة.

قالت معتذرة وهي تلهث

"معلش، أصل خوفت ليكون حد من الجيران طالع ويشوفنا ويروح يقول لأخويا"


ظل واقفًا يتأملها، بعينيه اللتين تفيض فيهما نظرات تجمع بين اللوم والشوق.

كانت ترتدي معطف قطني بسيط، وشعرها المبتل متناثر حول وجهها في فوضى أنيقة تزيدها أنوثة وسحر. 


تحولت ملامحه من الغضب إلى ابتسامة خفيفة ماكرة وقال بمزاح

"وبتعتذري ليه؟ أنا كنت مستنيكي تقوليلي اتفضل"


أحمر وجهها بخجل وفركت يديها بتوتر واضح

"والله كان نفسي أقولك اتفضل، بس مش هاينفع خالص، محدش هنا و...


قاطعها بابتسامة جانبية، وجذبها من خصرها في حركة مفاجئة جعلتها تختنق بأنفاسها

"مش واثقة فيا؟"


ارتجفت في مكانها، وارتسم الارتباك على ملامحها، همست بصوت واهن يختبئ خلفه شوق دفين

"واثقة فيك... بس..."


رفع إصبعه ووضعه برفق على شفتيها ليسكتها، وقال بهمس وهو ينظر في عينيها

"هوش... هطلب منك طلب بس ما تفهمينيش غلط، أنتي وحشاني أوي... وعايز أحضنك"


ولم يمنحها فرصة للرد، فقد سبق فعله كلماته، وجذبها إلى صدره بعناق حميمي يخفي خلفه كم من اللهفة والحرمان، وأغمض عينيه ، يهمس جوار أذنها

"ما تغيبيش عني كده تاني"


ظلت متسمرة بين ذراعيه، تنظر من خلف كتفه بذهول وتوتر لا يُوصف، تتصارع بداخلها رغبتان، إحداهما تدفعها إلى البقاء بين أحضانه، والأخرى تعيدها إلى رشدها. 

ومع أن قلبها كان يصرخ شوقًا، إلا أنها انسحبت بهدوء من بين ذراعيه، وقالت بصوت متماسك مصطنع

"بص، أنت اللي ماتفهمنيش غلط... ممكن تنزل تستناني تحت في عربيتك، عقبال ما أغير هدومي، ونازلة وراك على طول"


ثم تذكرت فجأة أمر راغب ربما يكون أسفل البيت، فرفعت يدها وقالت بسرعة

"لحظة واحدة"


ركضت نحو النافذة المطلة على الشارع، ألقت نظرة حذرة، وما حسبته وجدته بالفعل، كان رامي يقف على الرصيف المقابل، يمسك بزجاجة مياه غازية، وعيناه تتفحصان نوافذ شقتها. 

شهقت بصوت خافت وهمست بغيظ 

"الله يخرب بيتك... واقف تحت بتعمل إيه يا رامي الكلب؟"


التفتت لأدهم لتجد نظراته ثابتة عليها، فقال بهدوء جاد

"طيب أنا نازل هستناكي تحت... عشان ما أسببلكيش أي إحراج أو إزعاج"


أسرعت نحوه وأمسكت بذراعه بحرج وتردد 

"لاء، خليك هنا"


نظر إليها بدهشة، فاخبرها بسخرية

"مش أنتي اللي لسه قايلالي انزل عشان ماينفعش أبقى موجود معاكي هنا ونبقى لوحدنا؟!"


ردت بسرعة وهي ترفع حاجبيها في محاولة للتبرير

"ينفع طبعًا، لأنك راجل عاقل وناضج وابن أصول، وإحنا كبار وعارفين الصح ولا إيه؟"


ضحك وهو يقترب منها قليلًا قائلاً بمزاح شقي

"أنا فعلاً كل ده، بس لما أكون مع واحدة حلوة زيك، زي القمر، وقلبي بيموت فيها، ساعتها بقى لا ناضج ولا الكلام ده، الصح ده للناس العاقلة، وأنا مجنون"


ضحكت رغم توترها وقالت بخفة ساخرة

"برغم إني عارفة إنك بتهزر، بس أنت قولت الحقيقة علي فكرة"


اقترب خطوة وسألها بابتسامة غامضة

"وإيه هي الحاجة دي؟"


تراجعت وهي تتجه نحو غرفتها بخطوات خفيفة وقالت بابتسامة مترددة

"إنك مجنون"

قالتها وانطلقت إلى داخل الغرفة، أغلقت الباب بسرعة قبل أن يلحق بها. 


من خلف الباب جاء صوته العميق يحمل شيئًا من الدعابة والتهديد اللطيف

"لما تخرجيلي هوريكي أنا مجنون إزاي"


ضحكت من خلف الباب 

"مش محتاج توريلي ولا تثبتلي... أنا شوفت جنانك بعيني كتير"


رد وهو يعقد ساعديه أمام صدره، ملامحه نصف جادة نصف مازحة

"ده أنا كده أعتبر عاقل لحد دلوقتي... لسه مشوفتيش الجنان اللي على حق"


❈-❈-❈


أمسكت ياسمين بكف ابنتها الصغير برقة يغمرها الحنان، كأنها تخشى أن يذوب ذلك الكف بين أصابعها إن تضغط عليه أكثر، ثم مالت نحوها بصوت مفعم بالعطف 

"مش هاتقوليلي يا حبيبتي إيه اللي خلاكي تعيطي؟"


رفعت الصغيرة رأسها بعينيها البريئتين المبللتين بالدموع، وقالت بصوت مرتجف يحمل صدق الطفولة ووجعها

"عشان لما دخلت من الجاردن و دورت عليكي ملاقتكيش، افتكرتك سيبتيني تاني و مشيتي"


ضمتها ابنتها إلى صدرها بحنو جارف، كأنها تريد أن تزرعها في قلبها فلا يفرق بينهما زمان ولا مكان، وقالت وهي تمسح على شعرها الأشقر الناعم

"يا روح قلبي أنا وعدتك عمري ما هاسيبك تاني... و لو عايزة أمشي يبقى هامسك إيدك كده"


شبكت أصابعها الصغيرة بين أناملها، وضغطت عليها برفق، وأكملت بابتسامة دافئة امتزج فيها الأسى بالحب

"ونمشي سوا مع بعض، أنا و إنتي"


ابتسمت الصغيرة، ووضعت رأسها على صدر أمها كمن وجد الأمان الذي فقده طويلاً، ثم ما لبثت أن انتفضت فجأة وكأن فكرة لامعة خطرت ببالها، وقالت بحماس طفولي

"عايزة أوريكي حاجة"


ركضت نحو مكتب والدها بخطوات خفيفة، وفتحت أحد الأدراج، فأخرجت منه حقيبة أدواتها الصغيرة التي تزينها رسومات ملونة، ثم سحبت منها دفتر الرسم، وفتحته بين يديها وهي تقول بفخر بريء

"ده دفتر الرسم بتاعي اللي كنت برسم فيه كل يوم انتي و بابي و أنا"


اقتربت الأخرى منها وجلست إلى جوارها، تأملت الصفحة الأولى، فإذا برسم بسيط لطفلتها تمسك بيدها وبيد والدها، والابتسامات تزين وجوههم الثلاثة.

وفي الصفحة التالية، صورة لابنتها وهي تعانقها، بينما يقف ياسين خلفهما يحتضنهما معًا، وقد ازدانت الخلفية بسماء صافية وشمس باسمة.


لكن قلب ياسمين انقبض وهي تقلب الصفحات التالية... إذ بدأت ملامح الفقد تظهر تدريجيًا بين الألوان.

في صفحة أخرى، ظهرت الأم ممسكة بيد ابنتها، بينما يقف الأب في الجانب المقابل، وبينهما مسافة تتسع.

ثم صفحة تليها، وقد اختفت الأم تمامًا من اللوحة، وبقي الأب يبكي، والطفلة تميل برأسها على كتفه مواسية.

تتابعت الصور، وكل واحدة منها تنطق بصمت موجع عن وجع صغير لا يُقال.


ثم توقفت عند لوحة بها بقعة ممسوحة بالممحاة، بدا أن طفلتها حاولت إزالة شخص كان يقف إلى جوارها، بينما يقف الأب بعيدًا، يتأمل المشهد من خلفهم.

تأملت بقايا الرسمة فيبدو إنها ظل امرأة أخرى. 

وفي الأخيرة، وجدت الطفلة مرسومة وهي تحتضن أمها مجددًا، والابتسامة تملأ وجهيهما، وكأنها نهاية الحلم الذي ظل يراودها طويلاً.


شعرت بغصة مريرة في حلقها، والدموع تترقرق في عينيها، تدرك الآن أن طفلتها لم تكن مجرد متألمة، بل كانت تائهة بين الخذلان والفقد والخوف، منذ اختفائها هي، وزواج والدها الذي هز عالمها الصغير.


تذكرت لحظة غضب ياسين حين صرخ في وجه رودينا، وتعدى عليها بالضرب بعدما علم أنها أهانت ابنته، فتسارعت أنفاسها وهي تنظر للصغيرة بعين دامعة، وسألتها بنبرة هادئة يختلط فيها القلق بالعطف

"ممكن أسألك سؤال يا حبيبتي، وتحكيلي كل حاجة؟"


هزت الصغيرة رأسها في طاعة هادئة 

"أوك مامي"


تنهدت قليلاً ثم سألتها

"هي رودينا كانت بتحبكم أنتي و بابي؟، و كانت بتعمل معاكم إيه؟"


تبدّل وجه الصغيرة فجأة، وخيّم عليه ظل من الحزن، وانخفض صوتها وهي تقول بجدية تفوق عمرها

"هاقولك كل حاجة يا مامي، بس بليز... في حاجات هاقولك عليها هاتبقى سر بيني و بينك"


ابتسمت ياسمين رغم الوجع، وربتت على خدها قائلة

"حاضر يا روحي، احكي وأنا سمعاكي، ومش هاخرج سرنا لحد أبداً"


❈-❈-❈


خرجت من غرفتها بعد أن انتهت من ارتداء ملابسها؛ كنزة زهرية ناعمة وبنطال رياضي أسود يبرز قوامها برشاقة غير متكلفة. 

جلست أمام المرآة تمشط خصلات شعرها المبللة، ثم عقصتها على هيئة كعكة مرتفعة، ومسحت بيدها بخفة قطرات الماء المتناثرة على عنقها قبل أن تتنفس بعمق وتفتح الباب.


وما إن خرجت حتى فوجئت بأدهم يقف أمام إطارات الصور المصفوفة على الطاولة الصغيرة، وعينيه تتنقلان بين الصور المعلقة على الجدار. 


بدا مأخوذاً بتفاصيل الوجوه والذكريات، وكأن الصور تنطق بحكاياتها في أذنه.


وقفت خلفه تشرح له بابتسامة متوترة

"دي من حفلة التخرج من الجامعة، ودي من عيد ميلادي وأنا عندي 15 سنة"


لاحظ شيئاً في الصور فالتفت نحوها وسأل بنبرة هادئة تحمل فضول دفين

"ليه صورك مع مامتك وأخوكي غير اللي مع الراجل ده لوحدكم؟، واضح من ملامح المشتركة ما بينكم إنه باباكي"


أطرقت برأسها قليلاً، وصوتها يتهدج وهي تقول

"أه، بابا..."


لم ترغب في التطرق إلى ذلك الجرح القديم، فسارعت بتغيير الموضوع قائلة بابتسامة مصطنعة

"تحب تشرب إيه؟"


رد وهو يقترب منها بخطوات ثابتة وصوت يفيض بالشوق

"ما تتعبيش نفسك، أنا سايب كل اللي ورايا مش عشان أجي أشرب... جيت عشان أتكلم معاكي في حاجة مهمة، وقبل أي كلام... عشان انتي وحشاني أوي"


كاد يقبّلها، لكنها تراجعت بسرعة خطوة إلى الوراء، وابتسمت بخجل وهي تتجه نحو المطبخ قائلة

"مفيش أي تعب، الحاجة جاهزة، وحظك حلو، وأنا جاية في الطريق اشتريت شوية سناكس وشيكولاتات وبسكويت، أكيد هاتضحك وتقول عليا طفلة، بس أنا مهما كبرت بعشق حاجات الأطفال دي أوي"


وقف عند عتبة المطبخ، مستنداً إلى الباب، ونظراته تتبعها كأنها محور الكون، وقال مبتسماً

"مش لوحدك، أنا كمان بحب السناكس وحلويات الأطفال... والاندومي كمان، بصي أي حاجة مضرة للصحة بحبها"


انفجرت ضاحكة وقالت بمرح عفوي

"يبقى نأجل المشروب والحلويات، وأحضر لنا طبقين اندومي كوري هايعجبك أوي"


غمز بعينه وسألها بخبث شقي

"اندومي كوري؟"


"أه، مابتحبوش؟"


اقترب منها حتى كادت أنفاسه تلامس وجهها وأجاب بنغمة ماكرة

"إلا بحبه، ده أنا بعشقه موت، ده طعمه جامد خصوصاً وهو سخن ومشطشط، يخليكي تطلعي نار من بُوقك زي التنين"


دفعته من أمامها برفق وابتسامة متوترة 

"طيب ممكن يا عم التنين تروح تستناني في الليفنج عقبال ما أخلص وأجيلك، بدل ما نولع أنا وإنت في جهنم"


ضحك بخفة وقال متصنعاً الحزن

"ماشي ماشي، بتطرديني بالذوق من المطبخ"


"أه بطردك، يلا بره"


غادر المطبخ وهو يضحك، ثم جلس أمام التلفاز، وحدق في الفراغ للحظات كأنه يعيش مشهد من حلم بعيد.

تخيل نفسه جالساً في بيته بعد زواجه منها، ينتظرها تحضر الطعام ليأكلا معاً. لكن حين قفزت إلى ذاكرته صورة والدته وهي ترفض زواجه من منار، تلاشى الحلم كفقاعة وانقبض صدره بضيق مكتوم.


خلع سترته وألقاها بجانبه، أمسك هاتفه وبدأ يتصفح حسابه على مواقع التواصل بلا هدف، يقلب المنشورات بعشوائية حتى توقف عند خبر تصدر العناوين

«فضيحة فرح الطبيب الذي اكتشف أن عروسه زوجة لرجل آخر من عائلة البحيري»

كانت المقاطع المصاحبة تُظهر العروسين، ثم المشاجرة العنيفة بين العريس وغريمه، وتعليقات الناس تتقاذفها السخرية والشماتة.


توقف أدهم عند جملة أثارت انتباهه

«زوج العروس هو ابن عائلة البحيري وشقيق رجل الأعمال الشهير قصي البحيري»


عبس وهو يتمعن في التفاصيل، ثم أخذ يبحث أكثر ليفهم ما جرى، حتى انبثقت أمامه رسالة من تطبيق الدردشة، من حساب زائف الاسم والصورة.

تردد قليلاً، ثم قرأ التعليق أسفل مقطع الفيديو المرسل

«ما تقلقش يا أدهم باشا، افتح وإنت مطمن»


ارتاب في الأمر للحظة، ثم تغلب عليه الفضول وضغط زر التشغيل.


في تلك اللحظة، خرجت منار من المطبخ تحمل صينية كبيرة يعلوها طبقان من الشعرية الكورية الساخنة، تتصاعد منهما رائحة شهية تُغري الحواس. 

كانت خطواتها متزنة، حتى التقطت أذنها صوت قادم من هاتف أدهم، صوتها وصوت رامي يتردد في المقطع بألفاظ خادشة للحياء وهما يمارسا المتعة الحرام، فتجمدت في مكانها، واتسعت عيناها من الصدمة، وارتجفت يداها فسقطت الصينية على الأرض، وتناثرت الأطباق وتناثر قلبها معها.


رفع أدهم رأسه في نفس اللحظة، والتقت عيناه بعينيها. 

كانت نظراتها مرتجفة، مليئة بالخوف والانكسار، بينما عينيه تفيض غضباً وذهولاً.


❈-❈-❈


وقف الجميع في باحة القصر الرحبة، وقد حل المساء علي المكان بسكون مهيب، يقطعه همس الريح بين الأشجار، وأضواء السيارات المتتابعة ترسم على الأرض خطوطًا ذهبية . 

كل منهم اتجه نحو سيارته بصحبة زوجته وصغاره، والأنفاس تتداخل بين عناق سريع وكلمة مقتضبة وابتسامة. 


سأل عابد زوجته بصوته الهادئ وهو يمسك يدها برفق

"هاتروحي معايا ولا هاتقعدي معاهم؟"


ابتسمت له باعتذار 

"معلش يا حبيبي، أنا هابيت معاهم الليلادي، وبكرة ابقى عدي عليا"


مال نحوها يقبّل رأسها بحنان صادق كعادته، وقال وهو يفتح باب السيارة

"خدي بالك من نفسك يا حبيبتي"


ثم دلف إلى مقعده وأغلق الباب بهدوء، بينما وقفت هي تتابعه بعينيها حتى غاب عن نظرها خلف البوابة الحديدية.


رفع قصي يده من نافذة سيارته وهو يبتسم قائلاً بصوت مرتفع

"يلا، عايزين حاجة قبل ما نمشي؟"


ضحك البقية ولوحوا بأيديهم مرددين في صوت واحد 

"شكراً"


وانطلقت سيارته أولاً، تلتها سيارة يونس وكارين، ثم تبعهم الآخرون تباعاً، حتى خلت الساحة من ضجيج العجلات وهدأ المكان . 

لكن السكون لم يدم طويلاً، إذ دوى صوت محرك سيارة أخرى تشق طريقها بعجلة نحو الداخل، وخلفها ركض اثنان من الحرس يصيحان محاولين إيقافها

"استني يا مدام، لازم نبلغ الجماعة الأول"


توقفت السيارة فجأة على مقربة من ياسين الذي كان يقف إلى جوار والدته.


فُتح الباب بقوة وخرجت منه السيدة رجاء، وملامحها تنذر بعاصفة قادمة، وجهها متوتر، أنفاسها متلاحقة، وعيناها تقدحان شرراً.


ما إن وقعت عيناها على ياسين حتى اندفعت نحوه بخطوات سريعة، همّ الحراس بإيقافها، لكن ياسين أشار لهم بيده إشارة حادة أن يتركوها.


سألت جيهان بقلق وهي تتابع المشهد بعين حائرة

"مين دي؟"


أجاب ياسين بسخرية باردة والابتسامة الساخطة ترتسم على وجهه

"دي أم الدكتور الننوس، شكله راح عيطلها وجاية تاخدله حقه"


رمقته والدته بنظرة مستنكرة وقالت بنبرة تحمل العتاب

"مفيش فايدة فيك يا ياسين"


فرد بتمثيل مصطنع للبراءة

"هو أنا عملت إيه يعني؟!، ما أنا واقف مكاني"


تقدمت رجاء نحوه بثبات غاضب، ووقفت أمامه مباشرة وسألته بلهجة حادة تخترق الهواء

"فين ابني يا ياسين؟!"


رفع حاجبه باستهزاء ورد بتهكم فاضح

"هو أنا كنت الناني بتاعته؟، ما تسأليه هو كان فين"


لكزته والدته في ذراعه بخفة لتكبح لسانه، وهمست في ضيق

"عيب يا ياسين، واعقل شوية" 


لكن رجاء لم تهتم لوجود الأخرى، بل تقدمت خطوة أخرى، وقالت بصوت يرتجف من الغضب

"يعني لو كان بيرد عليا أو أعرف له مكان، كان هايخليني أجيلك وأسألك؟!، ابني من وقت ما كلمني آخر مرة لما خرجتم من القسم، قفل تليفونه، ومعرفش عنه حاجة"


أدار ياسين وجهه في لامبالاة مستفزة، وقال بنبرة متهكمة تقطر سخرية

"برضه أنا مالي باللي أنتي بتقوليه؟، مش جايز يكون طفش ومش عايز حد يعرف مكانه؟، أصل حالته صعبة يا عيني"


ضربته والدته بنظرة قاسية كالسهم، وقالت له في غضب 

"عيب بقى!، بطل التهريج اللي إنت فيه ده"


لكن رجاء التقطت الكلمة الأخيرة وأشعلت بها النار، فهتفت في وجهه متحدية

"وهو ابني حالته صعبة ليه إن شاء الله!، لو قصدك على اللي حصل، ربنا بيحبه ونصفه قبل ما كان كمل في الجوازة السودة دي، ده كان خلاص كانت ساعة زمن ويتقفل عليه هو ومراتك باب واحد"


انزلقت كلماتها كخناجر من نار، تقصد بها جرحه عمدًا، فاشتد فكه، وعضّ على أسنانه بعنف، حتى بدت عروق عنقه نافره، وعيناه تقدحان شررًا من الغيظ.


ودّ لو يكمم فم تلك المرأة التي تتلذذ بإيلامه، لكنه ظل صامت، يقف في مكانه متصلب الجسد، والحمرة تتسرب إلى وجهه كمن يوشك على الانفجار.


كانت والدته تراقب الموقف بخوف، تخشى أن ينفلت لسان ابنها أو يتهور في لحظة غضب، فيما ظلت رجاء شامخة أمامه، تبتسم ابتسامة منتصرة وهي تعلم أنها نجحت في مس موضع الوجع الأعمق في قلبه.


❈-❈-❈


خرجت ياسمين إلى الشرفة عندما التقطت أذنها صوت رجاء الصارخ، وصوت ياسين الغاضب، وكأن بين الصوتين حربًا خفية. 


وقفت خلفها خديجة تسألها في دهشة

"مين الست دي؟"


فأجابت ياسمين بسخرية مُرّة

"اللي كانت هاتبقى حماتي"


ثم التفتت نحو الداخل، حيث كانت ابنتها الصغيرة تغني في براءة وهي تمسك أقلامها الملونة. 

اقتربت منها وربتت على شعرها بحنان، قائلة بصوت ناعم 

"ياسمينا، خليكي هنا يا روحي مع طنط خديجة، أنا نازلة أجيب حاجة وهاطلع على طول، ما تخرجيش من الأوضة، اتفقنا؟"

رفعت الصغيرة وجهها إليها مبتسمة

"بس ماتتأخريش عليا"


ضحكت الأم وقالت وهي تُقبّل جبينها

"عينيا يا قلبي"


لكن خديجة أوقفتها بقلق

"رايحة فين؟، اقعدي، أنتي لسه تعبانة، وما تقلقيش ياسين وماما جيهان هيعرفوا يتصرفوا معاها"


ردت ياسمين بحزم يختبئ خلفه ألم

"يعني أنتي مش سامعة الكلام اللي بيتقال عليا؟!، لازم أنزل، الست دي مش هاتسكت غير لما تعرف رحيم فين"


في الأسفل، كان ياسين يقف في وجه رجاء، يحاول أن يُبقي صوته متماسك رغم الغليان داخله.

قال بتهكم لاذع

"ولو اللي بتقوليه ده حصل، كنت هاعرف برضه، بس كنت هازعلك عليه وأخليكي تقري الفاتحة على روحه"


صاحت رجاء في وجهه بعنف

"ألف بعد الشر على ابني، مالك محروق منه كده ليه؟، هو كان يعرف إنها مراتك منين؟!، بدل ما تشكره إنه لمها لكم من الشارع، وحافظ عليها من كلاب السكك، وطلبها بالحلال يوم ما بصلها، تيجي تشتمه؟!"

كلماتها كالسياط انهمرت على مسامعه، تتراقص بين الغضب والغل، حتى كاد ينقض عليها لولا أن جيهان أمسكت بذراعه.


تدخلت الأم بحزم لاحتواء الموقف، فقالت لها

"شوفي حضرتك، منعًا للإحراج أنتي دلوقتي في قصر العيلة، ياريت يبقى كلامك أرقى من كده، لو في مشكلة أو محتاجة مساعدة، قوليلنا وهنعمل اللي نقدر عليه"


ردت رجاء بنبرة تحمل في طياتها السم

"كلامي مع ابنك، مش محتاجة مساعدتكم، محتاجة أعرف ابني فين من وقت ما خرجتوا من القسم اختفى، وابنك ومراته أكيد عارفين حاجة"


حينها، نطقت ياسمين بثبات يختبئ خلفه خوف دفين

"رحيم آخر مرة شفناه كانت قدام بوابة القصر، ومشي بعدها"


ابتسمت رجاء ابتسامة خبيثة، وقالت بدهاء وقد لمعت عيناها كذئب وجد فريسته

"كمان!، يعني كان ماشي وراكم لحد ما اتطمن إنك وصلتي بالسلامة؟!، ما هو زيه زي أول مرة، لما خدك على فيلا إسكندرية وبات معاكي هناك، ولما مشيتي ، فضل يلف ويدور عليكي ففي كل مكانلحد ما لقاكي، وبعدها على طول خدك على القاهرة"


ألقت ياسمين نظرة بطرف عينها نحو ياسين، فوجدته صامت كالتمثال، ملامحه ثابتة لكن خلفها بركان يوشك أن يثور.

فسألت الأخرى بحذر

"حضرتك تقصدي إيه بكلامك؟"


ابتسمت رجاء بنصر خادع، وقالت وهي تتعمد النظر في عيني ياسين

"أقصد اللي أقصده، المهم دلوقتي عايزة أعرف ابني فين؟"


تقدمت ياسمين بخطوة، أرادت أن تُنهي تلك المهزلة، لكن جيهان سبقتها

"ياريت كلامك يبقى معايا أنا، ابنك مش عندنا، ولو نعرف مكانه كنا قولنا لك"


تحدتها رجاء بصوت مرتفع

"ولو طلع ابنك السبب في اختفائه؟!"


قالت ياسمين بحزم خاطف

"رحيم هتلاقيه في شقة باباه اللي في مصر الجديدة"


تجمدت رجاء لحظة، ثم رددت بتعجب

"شقة مصر الجديدة؟! دي اتباعت من زمان"

اخبرتها الأخرى بذكاء لاذع

"لاء ماتباعتش، جوز حضرتك كان مخليها عشان لما بيتخانق معاكي يروح يقعد فيها يغير جو"


ضحكت رجاء ضحكة مكر خافتة، وقالت وهي تنظر إلى ياسين ثم تعود للنظر إليها

"واضح إن ابني كان بيحكيلك أسرار حتى أنا معرفهاش، وطالما كنتي عارفة بحكاية الشقة، يبقى كان واخدك هناك ومقعدك فيها، أتاريه من أول ما رجع من إسكندرية لحد يوم فرحكم ما باتش عندي، كان بيبات فين يا ترى؟، في العيادة ولا في الحضن الحنين اللي لقاه؟!"


شهقت ياسمين، وانقبض صدرها من وقع الكلمات. 

صاحت بغضب ودفاع

"إيه اللي حضرتك بتقوليه ده؟!، أنا لحد دلوقتي محترماكي، بس أنتي بتتهميني بكلام باطل، آه، كنت قاعدة في الشقة، بس رحيم ما باتش معايا غير ليلة واحدة، وكانت معانا ست كبيرة جابها يقعدني عندها عشان كنت تعبانة، و كنت في أوضة لوحدي وقافلة عليا الباب، كفاية ربنا شاهد ومطلع علي اللي قولته"


لكن رجاء كانت أذكى من أن تترك اللحظة تضيع، التفتت نحو ياسين الذي بدأ الغضب ينفجر من عينيه، وقالت ببرود متعمد

"يعني عايزه تقنعيني إن ابني وقع في غرامك في الكام يوم اللي شافك فيهم بالسرعة دي؟!، ده حتي مالحقش ينسي بنت خالته حب طفولته و شبابه، لاء و كمان خطبك و عملك فرح الشوم والندامة في خلال عشر أيام، و إن ده لو دل ، يدل إن اللي كان بينكم مش مجرد نظرات و كلام، ده باينه أكتر من كده والله أعلم، و لا إيه يا استاذ ياسين؟!" 


حينها، انفجر ياسين كبركان احتبس طويلاً، وصاح في وجهها بصوت كالرعد

"بره"

تدخلت جيهان في ذعر

"ياسين، عيب"


لكنه لم يسمع، اقترب من رجاء خطوة، وجهه يشتعل من الغضب الجامح

"قولتلك غوري بره"


رمقته رجاء بنظرة نارية لكنها مليئة بالظفر، ثم استدارت وركبت سيارتها، وقبل أن تنطلق ألقت عليه نظرة انتصار خبيثة، وكأنها أتمّت مهمتها بنجاح.


ظل ياسين واقفًا، ينظر إلى البوابة التي أُغلقت خلفها، وملامحه غارقة في العتمة.


اقتربت جيهان تضع يدها على كتفه قائلة بلطف متعب

"ياسين، ماتديش اهتمام لكلام الست دي، واضح إنها عايزه تحرق دمك، و عايزة توقع ما بينك و ما بين ياسمين" 


أبعد يدها بهدوء غاضب وقال دون أن ينظر إليها

"لو سمحتي يا ماما، سيبيني لوحدي"


فهمت من نبرته أن العاصفة لم تهدأ بعد، فاتجهت نحو ياسمين التي كانت تتابع المشهد بخوف وقلق.

اخبرت حماتها بدفاع، وبصوت مضطرب

"والله يا طنط، ماعملتش حاجة من..."


قاطعتها جيهان بهدوء و سكينة

"من غير حلفان يا بنتي، أنا عارفاكي كويس، أنتي متربية قدام عنينا هنا في القصر من وأنتي لسه طفلة، يعني لا أم رحيم ولا عشرة زيها يقدروا يهزوا ثقتي فيكي"


غرقت ياسمين في دموع امتنانها وهي تعانقها 

"ربنا يخليكي ليا"


ابتسمت جيهان وبادلتها العناق بحنان، ثم ربتت علي ظهرها وقالت لها

"تعالي ندخل جوه يا حبيبتي"


لكن الأخرى ظلت تنظر نحو ياسين البعيد، كأنها تحاول أن تقرأ ما يدور في رأسه.


حذرتها جيهان 

"اوعي تقربي منه دلوقتي، سيبيه يهدى، و لما يروق ابقوا اتكلموا مع بعض"


أومأت برأسها، واتجهت نحو الدرج، وقبل أن تصعد قالت لها

"عن إذن حضرتك، أنا طالعة أطمن على ياسمينا"


ردت جيهان وهي تجلس بثبات 

"اطلعي يا حبيبتي، وأنا هافضل هنا أستنى ياسين عشان أتكلم معاه، أصل اللي كانت هاتبقى حماتك، واضح إنها عرفت تلعب في دماغه"


ابتسمت ياسمين ابتسامة شاحبة، و صعدت الدرج بخطوات بطيئة، بينما ياسين مازال في الأسفل أمام القصر، يقف بين نيران الغيرة وشك يوشك أن يحرق قلبه.


❈-❈-❈


طرقت الباب بخفة، كأنها تخشى أن تزعج السكون الذي خيم على أرجاء الغرفة، ثم فتحته على مهل.

وجدت خديجة تجلس إلى جوار ياسمينا، تغطيها بالملاءة برفق أم حانية.


قالت بصوت مفعم بالعطف

"يا حبيبتي، هي لحقت نامت؟!"


ردت خديجة بصوت خافت متعب

"فضلت ترسم لحد ما نامت، وإيدها ماسكة الألوان، بس شكلها اللهم بارك هتطلع فنانة زي يونس وكارين"


لم تكد تنهي عبارتها حتى طرق الباب طرقًا خفيفًا، فقالت خديجة وهي تلتفت

"اتفضل"


دخلت الخادمة بحرج قائلة

"ياسين بيه طلب مني آخد له حاجة من هنا"


أشارت لها ياسمين بالدخول دون اكتراث

"اتفضلي"


دلفت الخادمة إلى الحمام بخطى حذرة، التقطت شيئًا من سلة الثياب المتسخة، طوته بخفة، وغادرت قبل أن تلمح إحداهما ما أخذته.


هبطت الأدراج مسرعة، وعندما وصلت إلي البهو، خرجت إليه حيث كان يقف أمام إناء معدني فارغ. 


ناولته ما بيدها قائلة

"اتفضل يا ياسين بيه، اللي حضرتك طلبته"


تناول منها الثوب، رفعه أمام عينيه ليتأمله، فإذا به ثوب الزفاف الذي خلعته ياسمين، ومعلق به الوشاح الأبيض. 


تأمله بعينين حادتين كأنهما سيفان من لهب وعبس، فكان صمته الثقيل كان أشد من الصراخ.

وفي الأعلى، ياسمين تقف في الشرفة، تجحظ عيناها وهي تراه يفعل ما لا يُصدق.

ترددت أن تصدق ما تراه، فصرخت داخليًا، وشفاهها تهمس بتساؤل خائف

"هو بيعمل إيه؟!"


لكن المشهد كان أبلغ من أي جواب.

رأته يلقي بالثوب داخل البرميل، ثم يسكب عليه وقود سائل، وبعد لحظة صمت خاطفة، أشعل القداحة، وألقاها داخل الإناء. 

اشتعل الثوب في الحال، لهب يتراقص في ظلمة الليل و انعكاسه جلي علي عينينه. 


شهقت ياسمين بصوت مبحوح، وارتجفت حين التفت إليها، يرمقها بنظرة كأنها طلقة أصابت صدرها مباشرة.


أمسكت خديجة بكتفها تربت عليه لتلملم ارتجافها وقالت برفق

"تعالي يا بنتي، ادخلي جوه نامي جنب بنتك"


دلفت ياسمين إلى الغرفة بخطوات متعثرة، أطرافها ترتجف، وذهنها يشتعل بأسئلة لا تنطفئ، ماذا يريد أن يقول لها بهذا الفعل؟، هل صدّق ما قالته السيدة رجاء؟، وإن كان قد صدّقها، فبأي حق يحاسبها على شيء لم تعلم حين فعلته أنها متزوجة؟


وفي الأسفل، كان ياسين يراقب الثوب حتى احترق عن آخره، ثم أدار ظهره واتجه نحو سيارته.

جلس داخلها، فتح أحد الدرجين، يفتش بغضب حتى عثر على ما أراد.

كان هاتف ياسمين الذي بقي معها يوم اختطفها من منزل رحيم.


فتحه ببطء، يحمل في صدره مئات الأسئلة المشتعلة.

لم يحتج إلى كلمة سر، فُتح بسهولة.

ذهب أولًا إلى الصور، فوجد عشرات اللقطات لها بمفردها، في أماكن مختلفة، بعضها التُقط خلسة وبعضها بدا حميميًا، وكان في بعضها الآخر ذاك الرجل... رحيم.


انعقد حاجباه، واشتعلت الدماء في وجهه، يقلب الصور بعنف حتى وصل إلى صور الخطبة، ثم مقاطع الفيديو.

شاهد رودينا هناك، تضحك وتبارك، ورأى رحيم يرقص مع ياسمين على موسيقى هادئة، ذراعاه تطوقان خصرها، وهي تضع كفيها على كتفيه، والابتسامة لا تفارق وجهها.

ضغط أسنانه بغضب وقال من بين أنفاسه الحارقة

"يا ابن الكلب... يا ابن الكلب"


توقف عند مشهد وضع فيه رحيم الخاتم في إصبعها ثم قبّل يدها، فزفر بغضب هادر، لم يحتمل أن يرى المزيد، فحدد جميع الصور وحذفها دفعة واحدة. 


انتقل إلى تطبيق الدردشة، فلم يجد سوى محادثة واحدة وبالطبع كانت بينها و بين رحيم فقط.


تردد قبل أن يفتحها، قلبه يدق بعنف، يخشى أن يقرأ ما لا يُطاق، أن يرى كلمات قد تُفقده اتزانه نهائيًا.

لكن صوت رجاء في رأسه ظل يهمس بإصرار، ففتحها أخيرًا.


كانت الرسائل الأولى عادية، اهتمام وسؤال عن الحال، ثم تغير اتجاه الحوار تدريجيًا، فصارت كلمات رحيم تفيض عاطفة وغزلًا وأبيات شعر يصف فيها كيف أحبها دون قصد، وكيف صارت له الحياة كلها.


قبض ياسين على يده بقوة حتى برزت عروقه، وجز على أسنانه حتى سمع صوت الاصطكاك يعلو بين فكيه.

قلّب الدردشة بعشوائية حتى عاد لأعلاها، وهناك توقفت عينه عند رسالة واحدة، حروفها كانت كالجمر، قرأها مرة، مرتين، ثم ثالثة، ولم يجد لها معنى سوى أنها الحقيقة المُرة التي يحاول ألا يصدقها. 


كانت كلمات رجاء صادقة إذًا! 


أغلق الهاتف وأعاده إلى جيبه، صدره يعلو ويهبط كبركان على وشك الانفجار، حاول أن يلتقط أنفاسه عبثًا، فخياله لم يرحمه.


صور الخطبة، نظراتها، ضحكتها، وحتى هيئتها ليلة الزفاف، كلها تدور في رأسه في دوامة لا تنتهي.

ثم تداخلت المشاهد في ذهنه، حتى صار يرى المشهد ذاته بين رحيم وياسمين بدلًا من نفسه.


جحظت عيناه، وتبدلت ملامحه، كأن شيطانًا تسلل إلى روحه، هبط من السيارة بخطوات هادرة، واندفع نحو الداخل.


رأته والدته بتلك الهيئة ويبدو إنه متجه إلي أعلي لياسمين، فصرخت محاولة إيقافه

"ياسين؟، تعال نتكلم يا ابني"


لكنه لم يلتفت، كأن صوتها لم يبلغ مسامعه، صعد الدرج بخطوات غاضبة، وجهه كالغيم قبل العاصفة.


❈-❈-❈


خرجت خديجة من الغرفة وهي تهم بإغلاق الباب خلفها، غير أنها تفاجأت بوجوده أمامها، يقف شامخًا كجدار من الغضب، ملامحه تنذر بعاصفة قادمة لا تبشر بخير.

تراجعت خطوة وهي تتأمله بقلق واضح، وقالت بخفوت متردد

"خد بالك بنتك نايمة، ومراتك...


قاطعها بحدة قاطعة، صوته كالسيف حين يقطع الهواء

"تمام... حلو أوي"


لم يمنحها فرصة لإتمام جملتها، دفع الباب ودخل بخطوات صلبة. 

كانت ياسمين تجلس جوار ابنتها، تخلع وشاحها استعدادًا للنوم، وما إن رأته يقتحم الغرفة دون استئذان حتى شهقت بخوف ظاهر، والتفتت إليه بدهشة تعلو ملامحها.


قال لها بأمر يفيض قسوة

"لفي حجابك... وقومي قدامي"


نظرت إليه بعينين متسعتين من الذهول والرهبة، وردّت بصوت متردد مرتجف

"أقوم هاروح فين؟!، أنا تعبانة وعايزة أنام جنب البنت"


اقترب منها حتى كاد أن يلامسها، وصوته هذه المرة كان كحد السيف

"ألبسي طرحتك وقومي معايا... مش هكرر كلامي"


ارتجفت أناملها وهي تلتقط الوشاح، نظرت إليه ثم إلى طفلتها النائمة ببراءة مطمئنة، كأنها تستمد منها آخر ذرات السكينة.

لفت وشاحها بصمت مطأطئة الرأس، وحين أنزلت قدميها على الأرض لترتدي حذاءها، قبض ياسين على يدها بقوة جارحة، وسحبها خلفه دون رحمة.


خرج من الغرفة وهو يجرها، فوجد خديجة ما زالت تقف مذهولة في مكانها، فقال بصرامة لا تحتمل الجدال

"خديجة، لو سمحتي خدي بالك من ياسمينا لحد ما نرجع"


سألته خديجة بقلق ظاهر على ياسمين

"ياسين، إنت واخد ياسمين ورايح فين؟"


لم يجبها، فقط تابع سيره بخطوات غاضبة.

لكن صوت آخر قاطع المشهد، كان صوت والدته، وقد بدا الذعر على وجهها

"فيه إيه يا ياسين؟! ماسكها كده ليه؟! ورايح بيها على فين؟!"


لم يرد كانت عيناه متوهجتين بغضب دفين، ويده تقبض على يد زوجته كمن يقبض على أسير. 


تأوهت ياسمين بألم من شدة قبضته، وهي تهبط الدرج خلفه بصعوبة تكاد تُسقطها أرضًا، ثم توقفت فجأة، تشد يدها محاولة أن تفلت منه وهي تصرخ بانفعال

"سيب إيدي، إنت واخدني كده معاك وكأني كلبة، مش رايحة في حتة غير لما تقولي فيه إيه وإيه المشوار اللي هتوديني عليه؟!"


التفت إليها بوجه قاس كالجدار وقال ببرود قاتل

"ما هو مش بمزاجك"


وقبل أن تدرك ما سيفعله، كان قد انقض عليها بغتة، حملها على ذراعيه رغم صراخها، وسار بها نحو الخارج بخطوات هادرة لا تعرف التردد.

كانت جيهان تصرخ من خلفه وهي تهبط الدرج مسرعة تحاول اللحاق به

"ياسين!، ياسين، استني يا ابني"


لكن صوته الداخلي كان أعلى من أي نداء، فتابع طريقه حتى خرج إلى فناء القصر، فتح باب سيارته بسرعة، دفع ياسمين إلى الداخل دون أن ينظر إليها، ثم أغلق الباب بإحكام، وذهب يجلس خلف المقود، وانطلق كالرعد.


صرخت جيهان للحراس بصوت مذعور وهي تشير نحو البوابة

"محدش يفتح له البوابة ووقفوه"


لكن ياسين أخرج رأسه من نافذة السيارة، وصاح مهددًا إياهم بغضب جم

"افتحوا الزفت... وإلا اعتبروا نفسكم مرفودين"


ارتبك الحارس، نظر إلى ملامحه التي تتقد شرر، فخشي أن يعصي أمره، وفتح البوابة على مضض.

انطلقت السيارة تشق صمت الليل بسرعة متهورة. 


❈-❈-❈


جلست ياسمين جواره، يملؤها خوف غامر، عيناها تتابعان ملامحه المظلمة التي لم ترَ مثلها إلا مرتين، يوم تشاجره مع رحيم، ويوم اعتدائه على رودينا بالضرب.

أدركت أن ما تخشاه قادم لا محالة، فسؤالها يتردد في أعماقها و هو يا تُرى، ماذا يُضمر لها! 


كان الصمت يعم السيارة، لا يُسمع فيها سوى صوت احتكاك الإطارات بالطريق.

قطعت هي هذا الصمت بصوت مرتجف يحمل خوف مكتوم

"ياسين، ممكن تهدي السرعة؟، احنا كده هانموت"


لم يلتفت إليها، ولم ينبس بكلمة، كأنه غارق في دوامة من الغضب والذكريات. مدت يدها بتردد، وضعتها فوق يده القابضة بعنف على المقود، وهمست برجاء

"لو كلام وتلميحات أم رحيم هو اللي مضايقك، خلاص، لف وتعالى نرجع القصر ونتكلم بالعقل"


استدار نحوها ببطء، وليته لم يفعل، 

ففي نظرته الحادة القاتمة ارتجفت روحها قبل جسدها، سحبت يدها بخوف وتراجعت إلى الخلف، بينما قال ببرود قاس

"ما تقلقيش، هانتكلم، بس مش في القصر، في شقتنا"


تلعثمت وقد اتسعت عيناها دهشة

"شقتنا؟!"


ابتسم بسخرية قاتلة، ونظر أمامه وهو يجيبها بنبرة تحمل شيئًا من الجنون

"أيوه شقتنا، مش أنا وإنتي متجوزين، طبيعي يكون لينا بيت، عارف إنك مش فاكراه، بس هخليكي تفتكري، وتفتكري كل حاجة"


انعقد لسانها، وبات عقلها يدور في دوامة من الخوف والرهبة. 

نظرت من النافذة محاولة استيعاب ما قاله، لكن كلماتها خرجت أخيرًا متقطعة كأنها تستجدي الأمان

"ممكن ترجعني القصر... مش عايزة أروح معاك"


أبطأ من سرعة السيارة حتى توقفت تمامًا، التفت نحوها بعينين لا تخلو من سخرية جارحة، وقال بتهكم موجع

"يعني ينفع ما تروحيش مع جوزك حبيبك شقتكم؟!، و لا مرواح الفيلا و الشقة مع دكتور رحيم كان أحلي؟!"


و غمز لها بوقاحة، اتسعت عينيها حينما ادركت مغزى حديثه، و أن لا ينفع الجدال معه و هو في تلك الحالة. 


صرخت بانفعال

"افتح الباب يا ياسين"


أجابها ببرود مميت وهو ينظر أمامه

"هافتحه... لما نوصل"


وانطلقت السيارة كرصاصة تخترق سكون الليل حتى توقفت أمام مبنى قديم، تنفس بعمق وزفر بتأفف واضح، ثم ترجل وفتح بابها قائلاً بصرامة جافة ومد يده نحوها

"انزلي"


نزلت وهي تتجنب لمسه، عيناها تدوران في المكان المظلم، كأن ملامحه تهمس لها بشيء من الماضي.

تجمدت لحظة، وذاكرة غائمة عبرت ذهنها. 

وجوه، أصوات، ومشهد شبيه... ربما كانت هنا من قبل.


أفلتت منها أنفاسها حين جذبها بيده نحو الداخل، ودفعها برفق قاس إلى المصعد.

ضغط على الزر، وصعدا في صمت ثقيل كقدر يُساقان إليه.


وفي مرآة المصعد انعكست صورتها القديمة للحظة خاطفة، كانت هنا في المكان نفسه، وجهها مختفي خلف النقاب، وياسين بجوارها يبتسم بحنان لم يعد له أثر.

عادت إلي الواقع فرأت وجهها الحالي، وجسدها يتحرك نحو خارج المصعد، وياسين يجذبها خلفه، وتوقف أمام باب الشقة. 


❈-❈-❈


كانت تقف عند عتبة الباب تتأمله في صمت وحذر، تنظر إلى يده التي تدس المفتاح في القفل ببطء، حتى إذا ما أدار المفتاح، انفتح الباب . 

دلف هو أولًا، وضغط على أزرار الإضاءة، فانبثقت أنوار البيت الدافئة في أرجائه، كأنها توقظ روح المكان من سباتها الطويل.


تحركت خلفه بخطى مترددة، وما إن اجتازت العتبة حتى أحاطها إحساس غريب، قشعريرة خفيفة سرت في جسدها كله، كأن جدران البيت تعرفها وتستقبلها بعناق صامت يحمل بين طياته ألف ذكرى منسية.


قال لها بصوت واهن يخالطه حنين مستتر

"زي ما هي من وقت ما سيبناها، بخلي السكيورتي يجيب واحدة كل أسبوع تنضفها"


سارت في البهو الواسع، تتأمل الأرائك الفاخرة المغطاة بطبقة خفيفة من الغبار، الحوائط المزينة باللوحات لمناظر طبيعية وأخرى آيات قرآنية، والستائر التي تتماوج بخفوت كأنها تتنفس.


كل ركن فيها كان ينطق بشيء غامض لا تدركه تمامًا، وكأن البيت يذكرها بنفسه. 


باغتها صوت زوجها من خلفها، يكاد يلتصق بها

"حاسه بإيه؟"


ألتفت إليه وحدقت في عينيه، و برغم هدوئه أمامها الآن لكنها تخشي ما تراه في رماديتيه، نظرة مظلمة.

همست بصوت خافت كأنها تحاول أن تصدق ما تقول

"مش فاكرة حاجة"


ابتسم بسخرية، وأخرج هاتفها من جيب بنطاله، رفعه أمام وجهها بيده في حركة تحمل تهكم ظاهر، وقال بنبرة باردة كالثلج

"ويا ترى... فاكرة اللي حصل ما بينكم أنتي والبيه؟ عشان يبعتلك الاعتذار ده؟"


رمشت بعينيها في دهشة وهي تحاول قراءة ما على الشاشة.

لم يتركها حرف واحد دون أن يرتجف قلبها. 

«آسف... مش عارف إزاي أنا عملت كده... بس كانت فيه حاجة بتشدني ليكي جامد ومقدرتش أقاوم... ياريت تتقبلي اعتذاري... مش هكررها تاني... كلها أيام وهتبقي مراتي حلالي... بحبك أوي ❤🌹»


تصلبت أنفاسها، وابتلعت ريقها بصعوبة، ثم تمتمت بتصنع وهي تحاول استعادة رباطة جأشها، تمثل عدم الفهم

"هايكون حصل إيه يعني عشان يبعتلي رسالة زي دي؟!"


لكنها لم تتوقع ما جاء بعدها، ولم تتخيل تلك الجرأة الفجة التي تفجرت من كلماته حينما قال بنبرةٍ قاسية تخلو من أي رحمة

"هايكون إيه غير إنك نمتي معاه!"


كأن صاعقة ضربتها في مقتل، توقفت أنفاسها لحظة، ثم اشتعلت في عروقها نار الغضب. 

لم تجد رد علي كلماته سوى أن ارتفع ذراعها تلقائيًا، وهبطت كفها على وجهه بصفعة مدوية ارتد صداها في المكان كله، صارخة في وجهه بأمر نافذ 

"اخرس"


يتبع...


#الفصل_التاسع_والعشرون

#غرام_الذئاب

#الجزء_الرابع_من_سلسلة_صراع_الذئاب

#ولاء_رفعت_علي


سارت في البهو الواسع، تتأمل الأرائك الفاخرة المغطاة بطبقة خفيفة من الغبار، الحوائط المزينة باللوحات لمناظر طبيعية وأخرى آيات قرآنية، والستائر التي تتماوج بخفوت كأنها تتنفس.


كل ركن فيها كان ينطق بشيء غامض لا تدركه تمامًا، وكأن البيت يذكرها بنفسه. 


باغتها صوت زوجها من خلفها، يكاد يلتصق بها

"حاسه بإيه؟"


ألتفت إليه وحدقت في عينيه، و برغم هدوئه أمامها الآن لكنها تخشي ما تراه في رماديتيه، نظرة مظلمة.

همست بصوت خافت كأنها تحاول أن تصدق ما تقول

"مش فاكرة حاجة"


ابتسم بسخرية، وأخرج هاتفها من جيب بنطاله، رفعه أمام وجهها بيده في حركة تحمل تهكم ظاهر، وقال بنبرة باردة كالثلج

"ويا ترى... فاكرة اللي حصل ما بينكم أنتي والبيه؟ عشان يبعتلك الاعتذار ده؟"


رمشت بعينيها في دهشة وهي تحاول قراءة ما على الشاشة.

لم يتركها حرف واحد دون أن يرتجف قلبها. 

«آسف... مش عارف إزاي أنا عملت كده... بس كانت فيه حاجة بتشدني ليكي جامد ومقدرتش أقاوم... ياريت تتقبلي اعتذاري... مش هكررها تاني... كلها أيام وهتبقي مراتي حلالي... بحبك أوي ❤🌹»


تصلبت أنفاسها، وابتلعت ريقها بصعوبة، ثم تمتمت بتصنع وهي تحاول استعادة رباطة جأشها، تمثل عدم الفهم

"هايكون حصل إيه يعني عشان يبعتلي رسالة زي دي؟!"


لكنها لم تتوقع ما جاء بعدها، ولم تتخيل تلك الجرأة الفجة التي تفجرت من كلماته حينما قال بنبرةٍ قاسية تخلو من أي رحمة

"هايكون إيه غير إنك نمتي معاه!"


كأن صاعقة ضربتها في مقتل، توقفت أنفاسها لحظة، ثم اشتعلت في عروقها نار الغضب. 

لم تجد رد علي كلماته سوى أن ارتفع ذراعها تلقائيًا، وهبطت كفها على وجهه بصفعة مدوية ارتد صداها في المكان كله، صارخة في وجهه بأمر نافذ 

"اخرس"


كانت النار تتقد في عينيها كجمرة أُضرمت بريح الغضب، ولم تكتفِ بصفعه ونهره وإسكات فمه بما رأتْه سفهًا، بل أردفت بصوت ينضح كبرياء لا ينحني

"مش أنا اللي يتقالي الكلام القذر ده، ولو افترضنا حصل بيني وبينه حاجة… أنت بتحاسبني ليه؟!، هل أنا كنت أعرف إني  للأسف على ذمتك؟!، أنت مالك، مش من حقك تحاسبني على أي حاجة حصلت قبل ما أعرف إنك جوزي، ولو عايز تلوم وتحاسب… روح حاسب نفسك يا أستاذ، 

ياللي كنت عايش حياتك بالطول والعرض إنت ورودينا هانم، ولا عمرك راعيت إن عندك بنت بتبقى صاحية، وسمعتكم وشافتكم أكتر من مرة و أنتم بتتهببوا علي عينكم" 


كانت كلماتها كالسيف المسنون، تضرب وتجز، فارتج قلبه دهشة وذهولًا، لم تكن صدمته من صفعتها كوقع صدمته المعنوية من الذي علمه للتو؛ إذ انشق في داخله صوت يُعيد السؤال المفزع، هل حقًا ابنته كانت تراه هو وزوجته الأخري في لحظات يظنها آمنة ولم يراهما أحد، 

كان يظنها نائمة وكان الظن مجرد خديعة.


و عندما رأت علامة التعجب والاستفهام تنضح من عينيه، تابعت بلا رحمة 

"أيوه… البنت حكيتلي، وده مأثر في نفسيتها جامد… لأنك أهملتها وجريت ورا مزاجك، غير إنك سبتها للست اللي المفروض متجوزها عشان تراعيها،

لكن غفلتك و كانت عمالة تدمر في نفسية بنتك وتزرع في دماغها إنك ما بقتش بتحبها و لو عملت أي حاجة غلط هاترميها عند عمتها ومش هتخليها تعيش معاكم تاني" 


كان ينصت إليها بوجه فقد لونه، وعينين متسعتين لا تستوعبان الحقيقة التي انكشفت فجأة، كقنبلة انفجرت في صدره وأردته بلا قدرة على النطق.

شعر بدمائه تفور، تغلي، تجري بلهيب في عروقه؛ لم يحتمل نظرتها التي صارت كمرآة تُظهر بشاعة عجزه وإهماله.

جز على أسنانه، وصوته يخرج مختنق ثقيل 

"ابعدي عن وشي" 


فأجابته بحدة لا تقل لهيب عن نبرته

"ما أنا فعلًا هابعد، بس هارجع علي القصر هاروح اخد بنتي، والمرة دي مش هاتشوف وشي تاني" 


ألقت كلماتها كمن يلقي الحكم الأخير، وانطلقت نحو باب الشقة.

لم يمهلها أن تكمل خطواتها؛ قبض عليها كعاصفة تخطف غصن ضعيف، جذبها بقوة، رفعها على كتفه رغم صراخها، وقال بصوت زمجري، يتفجر بالغيرة والجنون

"على جثتي إن ده يتكرر تاني" 


كانت تضرب ظهره بكفيها، تركل الهواء بقدميها، وصوتها يعلو مرتجفًا بالبغض

"اوعي، سيبني، نزلني أنا مش طايقاك" 


دلف بها إلى غرفة النوم وأنزلها علي الأرض، وعيناه تقدحان شرر، مهدداً إياها

"ابقي وريني هتعرفي تطفشي تاني إزاي" 


ثم أسرع بالخروج، وأغلق الباب بعنف يصم الأذان وهو يصرخ في الخارج

"مش هايحصل، انتي فاهمة؟، مش هايحصل!" 


وتبع الصراخ صوت الأشياء تتحطم، كأن وحش كاسر يفترس المكان؛  زجاج وخزف يتحول لفتات، مقاعد تنقلب، زئير يملأ الأرجاء.


بينما هي، فقد انكمشت داخل الغرفة، وضعت كفيها على أذنيها، تُحاول أن تمنع الصوت، تحاول منع الانفجار الذي يدق في صدرها.

كان الخوف يتسلل إلى أطرافها، يُجمد أنفاسها، حتى عمَّ المكان صمت خانق. 

أبعدت يديها عن أذنيها ببطء، ثم سمعت صوت باب الشقة يُغلق بعنف فشهقت بفزع، وادركت إنه ذهب. 


فتحت باب الغرفة بحذر، مشت بخطوات ثقيلة كمن يطأ الأرض بعد زلزال مدمر. 

وحين أشرأبت بعنقها نحو الردهة، رأت الخراب ماثل أمامها. 

مقاعد مقلوبة، زجاج مهشم، أوراق مبعثرة، كل شئ انقلب رأسًا على عقب، تمامًا مثل ما حدث معها منذ أن أيام. 


                        ❈-❈-❈


كانت تقف أمامه كمن يقف على حافة هاوية سحيقة، والريح تعصف بكيانهما معاً، عينان مغرورقتان بالدموع، ويدان ترتجفان. 


تمسكت بيده بقوة يائسة، تتوسل إليه بصوت مبحوح، يختلط فيه الرجاء بالانكسار

"أرجوك اسمعني بالله عليك يا أدهم، والله أنت فاهم غلط"


لكن الغضب الذي اجتاحه كان كالعاصفة الهوجاء لا تهدأ ولا تلين، صرخ في وجهها بوحشية مزلزلة جعلتها تتقهقر إلى الخلف خوفاً، يفر منها لون الدم من وجهها

"إنتي شايفاني عيل قدامك تضحكي عليه بكلمتين؟!، الفيديو لا متفبرك ولا معمول بالـ AI، واضح جداً ده حقيقي"


 قبض على ذراعها بعنف أفزعها، ثم رفع هاتفه أمام عينيها، فارتعشت نظراتها عندما صاح وهو يضغط على حروفه يسألها

"مش دي إنتي؟!، وده صوتك!، وواضح جداً إن كان مزاجك عالي مع اللي معاكي"


ارتعشت شفتاها ارتعاش النحيب، وتدفقت دموعها كسيل لا ينضب، وانهال صوتها بنبرة تتشبث بالحياة كالغريق

"اقعد عشان خاطري، وأنا هاحكيلك كل حاجة، اديني فرصة واحدة بس، بالله عليك"


كان الغضب يشتعل في عروقه كالجمر المشتعل، حتى يكاد يسمع احتراقه في أذنيه، لم يكن يطيق النظر إليها، ولكن دموعها المتساقطة، المنحدرة على وجنتيها كالسيل العرم. 

تراخى صوته في داخله قبل أن يتراخى في يده، فنفض قبضته عنها بضيق غاضب، وجلس أمامها بغير رغبة، وكأن الجلوس كان هزيمة. 

 أخرج من جيب سترته علبة لفائف التبغ والقداحة، تناول لفافة وأشعلها، ثم نفث دخان كثيف، ومع كل زفرة كأنه يحاول أن ينفث جمرة غضبه من صدره.


تطلع إليها بنظرة ازدراء جارحة، قائلاً بصوت بارد كالسيف

"احكي"


جلست أمامه أعلي الطاولة، وقد انطفأ سيل البكاء الذي كان ينهال من مقلتيها، ومسحت بطنات يديها ما تبقى من دموع علقت على وجنتيها. 

أخذت نفس ثقيل، كأنها تنتشل قلبها من قاع صدرها، ثم بدأت بسرد حكايتها، بعدما خارت قواها من الاستجداء

"كنت في آخر سنة في الجامعة وبشتغل في شركة تأمينات عشان أساعد ماما على المصاريف، لأنها كانت هي وبابا منفصلين ومكنش بيبعتلنا ولا قرش واحد"


كانت كلماتها تنساب ببطء، ارتجفت شفتيها وهي تستعيد الأحداث وتابعت

"اتفاجأنا في يوم إن واحد جه يقولنا نفضي الشقة في خلال أسبوع ونمشي، وإلا هايجيب رجالته ويرموا عفشنا في الشارع، عرفنا منه إن بابا رهن الشقة مقابل إنه استلف منه مبلغ كبير عشان يسدد ديونه، وطلعلنا عقد الشقة، ماما ما استحملتش وتعبت، وأخويا كان صغير، وأنا اللي كنت مسئولة عنهم، مكنش قدامي غير إني ألجأ لأعمامي، وياريتني ما سألتهم، منهم اللي لامني علي بابا و عمايله وإنه فضحهم وجايبلهم الكلام والمفروض نسيبه يتحمل نتيجة أفعاله، وعمي التاني يقولي أنا مش لاقي اؤكل لما أسددلك ديون أبوكي"


كانت الكلمات تتكسر على حافة الحسرة، وصوتها يتوه بين خذلان الأهل وقسوة الحياة. 

تابعت وهي تشهق بألم خافت

"الدنيا قفلت في وشي، والوقت بيعدي والشقة هاتضيع، صاحبتي في الشغل قالتلي أطلبي سلفة من المدير، اللي هو رامي اللي بعتلك الفيديو"


هنا انعكست شرارة ضارية في عيني أدهم، لكنه التزم الصمت، فتابعت 

"روحتله، فوجئت إنه عارف كل حاجة وقاللي هيديني المبلغ من حسابه الشخصي ومش عايزه، فهمت المقابل طبعاً من نظرات عينيه فرفضت، قالي إنه كان بيمتحني و مايرضهوش يعيش معايا في الحرام وإننا نتجوز عرفي لحد ما قضيته مع طليقته تخلص وبعدها يكتب عليا رسمي"


توقفت لبرهة تمسح وجهها، كأنما تستعيد قدرتها على التنفس، فاسطردت

"مكنش قدامي غير إني اصدقه، لأن كل همي الفلوس اللي هاخدها منه و اسدد الرهان و نرجع الشقة اللي هاتضيع مننا، طلب مني رقم الراجل عشان يقابله و يسددله الفلوس وجابلي منه عقد الشقة، وبعدها بيومين خدني عند مكتب محامي صاحبه و كتبنا ورقتين وشهود تبعه، بعدها خدني علي شقة في الهرم، عرفت بعد كدة إنه مخصصها لمزاجه، و كل ما كان عايز يشوفني بنتقابل فيها، كان بيعاملني أحسن معاملة و كريم جداً لدرجة قلبي مال ليه وبدأت اتعلق بيه لأنه فهمني إنه أعجب بيا من أول ما جيت اشتغل في الشركة، كنت طبعاً صغيرة و ساذجة و بصدق أي حاجة يقولهالي، لحد ما في يوم طلب مني الطلب اللي صدمني فيه صدمة عمري" 


                         ❈-❈-❈

سارت إلى الغرفة بخطوات مُتعجلة، وما إن فتحت بابها حتى اندفعت بداخلها كأنها تعود إلى حضن طال غيابها عنه، يتبعها زوجها كظلها. 


أطلقت زفرة دافئة تفيض ارتياحاً وقالت بصوت متحلل من كل قيود الإرهاق

"الواحد مش مصدق… أخيراً رجعنا لبيتنا وأوضتي"


اقترب قصي، يخلع سترة بدلته، ويمضي بها نحو غرفة الملابس، ثم قال وهو يضعها جانباً

"فعلاً عندِك حق، بس على قد ما أنا فرحان لياسين إن مراته رجعت له بالشكل اللي مايحصلش غير في الأفلام، على قد ما أنا زعلان جداً على يوسف، واللي عمله في مراته وبنته وفي نفسه"


 شرع بخلع ساعة يده، وأزرار قميصه قام بفكها واحدة تلو الأخرى. 

بينما جلست هي على المقعد الجلدي، تفك أزرار كنزتها بضجر ظاهر، ثم سحبتها عن جسدها وتأففت، ورفعت ساقاً فوق الأخرى لتخلع حذائها. 

"يوسف مكنش كده زمان، بس خالو عزيز الله يرحمه كان متحكم فيه بطريقة أوڤر، أجبره يدخل كلية طب زي ما أجبره يتجوز إنجي، الوحيد من إخواتك اللي مكنش يقدر يقوله لاء، طبيعي ده يسيب أثر فيه على المدى البعيد"


أنهى خلع قميصه وألقى به، ثم راح يبحث عن ثياب منزلية 

"الحل الوحيد لحالته إنه يتابع مع دكتور نفسي"


هزت رأسها بالنفي الموجوع

"لازم الأول هو يقتنع… إنما يروح كده من نفسه مستحيل، بس إزاي هانت عليه علياء بعد حب سنين وجواز وولاد! … تهون عليه في الآخر ويطلقها؟، ده روحه فيها، مش قادرة أستوعب إنه يشك فيها ويستغنى عنها كده في لحظة… آااه…"


شهقت بألم وهي تخلع الحذاء الآخر، فالتفت إليها سريعاً، وجد يدها تقبض على ساقها، والوجع جعل ملامحها شاحبة، فقالت بأنفاس متقطعة

"جالي شد عضلي… مش عارفة أحرك رجلي"


اقترب منها فوراً وأمرها

"ما تتحركيش"


جلس إلى جوارها، رفع ساقها بلطف ووضعها على فخذيه، ثم أبعد طرف التنورة لأعلي، وبدأ يدلك عضلات ساقها الخلفية بخبرة واضحة، كأنه يعرف موضع الألم قبل أن تشير إليه. 

 لحظات مرت، ثم سألها بصوت خفيض

"لسه رجلك شادة عليكي؟"


تنفست بعمق

"فكت شوية الحمدلله… وجعها صعب أوي"


رفع ساقها قليلاً وانحنى عليها بشفتيه، يقبل موضع الألم فسألها بحنان غادق يذيب الألم

"طب وكده؟، لسه بتوجعك؟"


ارتسمت ابتسامة مرتاحة على شفتيها، وهزت رأسها نافية

"الألم اختفى خالص… خصوصاً بعد اللي إنت عملته دلوقتي"


أنزل ساقها برفق بالغ، ثم مد يده وأمسك يدها قائلاً

"على فكرة… أنا ملاحظ بقالك فترة ما بتاكليش كويس. وده مينفعش أبداً"


تنهدت بضيق

"أغلب الأوقات مابيبقاش ليا نفس… غير بصحي الصبح ألاقي معدتي مقلوبة عليا، وبفضل قرفانة طول اليوم"


مسح على يدها بحنان صادق 

"مفيش حاجة اسمها مليش نفس يا حبيبتي، إنتي لازم تتغذي كويس… عشان صحتك الأول، وعشان فيه بيبي… بيتغذى منك، عشان خاطري كُلي كويس وأنا هخلي دادة زينات توصي الشيف في المطبخ يعملك أكل صحي، وواظبي على الفيتامينات والمقويات اللي كتبتهم لك الدكتورة، اتفقنا؟"


ابتسمت برقة، وقالت

"اتفقنا"


رأته يتغير، يتحول إلى نسخة ألطف وأهدأ وأكثر قرباً؛ فوضعت يدها الأخرى فوق يده وقالت بصوت يغشاه الامتنان

"ربنا يخليك ليا"


انحنى وخطف قبلة سريعة من شفتيها، ثم قال مردداً بعشق

"ويباركلي فيكي يا حبيبتي، يلا غيري هدومك… وخليهم يحضرولك حاجة تاكليها، وأنا هاخد شاور وهاحصلك"


تقدمت نحوه في هدوء، وما إن وقفت أمامه حتى التفت ذراعيها حول جذعه العاري، تعانقه بلهفة تختلط بالخشية،  همست بصوت متردد 

"قيصو… أنت ممكن في يوم من الأيام تطلقني؟"


تجمد لوهلة، فاستدار إليها رافعاً حاجبيه بدهشة صافية، وقال بنبرة تجمع الدهشة بالمداعبة

"اللي يسمع سؤالك ونبرة صوتك… مايصدقش إنك من كام يوم كنتي واقفة عند باباكي غضبانة، وكل ما اجي اكلمك و أصالحك وقتها تقوليلي، طلقني، طلقني"


قلد صوتها في الكلمة الأخيرة بطريقة ساخرة، فاندفع ضحكها رغم القلق الذي ينهش أعماقها، ولكزته بحنق خفيف قائلة

"كنت بقولك كده وأنا واثقة إنك مش هتعملها"


عاد إليها و احتواها بذراعين يتقنان فن الطمأنينة، وضمها إلى صدره بحنان يكسوه العشق

"ما أنا عارف… وكنت باخدك على قد عقلك، وفي الوقت نفسه بحافظ على بيتنا"


رفعت ذراعيها ولفتهما حول عنقه، ونظرة عينيها تفيض بما يفوق الكلام بلاغة وحرارة، ثم قالت بصوت خفيض

"يعني مهما حصل بينا، مش هتعمل زي يوسف ما عمل مع علياء؟، لما طلقها بسهولة كده؟"


ابتسم ابتسامة تُذيب الخوف، ونظر إليها نظرة تستقر في القلب ولا تبرحه، واخبرها بروح الدعابة لديه

"يوسف أخويا ده متخلف عقلياً… واللي خلاه دكتور ظلمه هو، وظلم العيانين اللي بيعالجهم، ومش مقدر النعمة اللي ربنا رزقه بيها… زي ما ربنا رزقني أنا بأجمل وأغلى نعمة في حياتي"


واختتم حديثه بوضع قبلة دافئة على رأسها، فتلألأت عيناها بلمعان الحب، وارتخت ملامحها بأريحية غامرة،  همست بحماسة تهدر في دمها

"أنا بحبك أوي يا قصي"


ولم تُمهله فرصة الرد، بل قفزت إلى شفتيه بعنفوان صاعق، تُطبق عليهما بقبلة متوهجة، تدفعه بجسدها نحو الحائط. ظلت تقبله بلهفة لا تهدأ، وذراعيها تحكم القبض على عنقه، لكنه سرعان ما أمسك بذراعيها وقلب المشهد بلمسة واحدة؛ حتى صارت هي الملتصقة بالحائط. 

  جمع معصميها بين يديه، ورفعهم فوق رأسها، وحدق في عينيها قائلاً بنبرة محملة بالوعود

"اديني عشر دقايق… آخد شاور وراجعلك"


استدار ليبتعد، لكنها جذبته من ذراعه بحزم وقالت بنبرة آمرة

"نبقى ناخده أنا وإنت بعدين"


وغمزت بعينها غمزة أربكت اتزانه، فقهقه خفيفاً ولمس جبينها براحة كفه وهو يقول بسخرية مازحة

"حبيبتي… انتي كويسة؟"


ردت بنظرة إغواء تشتعل على مهل، وراحة يدها تنساب فوق صدره العاري

"كويسة أوي أوي، إنت شايف إيه؟"


ضحك بعمق، واقترب منها أكثر 

"شايف إن ما شاء الله هرمونات الحمل عاملة شغل عالي معاكي، وأنا تحت أمر رغبات الهرمونات، و صاحبة الهرمونات"


ثم انحنى وحملها من أردافها بسهولة ، فتشبّثت بعنقه، ولفت ساقيها حول خصره. 

 همت بالحديث، لكنه ابتلع حروفها داخل فمه، يُطبق على شفتيها بقُبلة عارمة، واتجه بها نحو الحمام، يقبلها بعشق جامح لا يعرف المهلة… ولا يعترف بالتأجيل.

                         ❈-❈-❈


عاد من الخارج مثقلاً بأكياس كثيرة، وقد علا جبينه بعض الإرهاق، وما إن فتح باب الشقة حتى باغته عطر هادئ يأسر الأنفاس، وجد الأشياء التي بعثرها قد عادت إلى أماكنها.

 كاد ينادي عليها، لكن أتاه صوت خافت من المطبخ استوقفه، فخطا نحو الصوت بخطوات متأنية، وجدها منحنية تجمع فتات زجاج مبعثر، تحاول رفع قطعة منه، وما إن أحست بوجوده خلف ظهرها حتى انتفضت بفزع، وشردت لحظة عن حذرها، فانزلقت تلك الشظية الحادة إلى جلدها فجرحته. 

 شهقت بألم خافت، بينما هو ألقى الأكياس من يده دون تردد، كأن شيئاً ما نخز قلبه.

أمسك يدها بلهفة مضطربة، وخوف صريح لا يخفيه، وقال بنبرة تفيض عتاب محب عاشق

"مش تاخدي بالك؟!"


رفعت عينيها إليه بدهشة، كان قبل قليل يرمقها بنظرات كالسهام، نظرات لم تقل إلا الغضب الجاف و كلماته التي ألقاها عليها دون رحمة، سحبت يدها سريعاً وقالت وهي تحاول صده


"أوعي، ملكش دعوة بيا"


فتحت صنبور الماء في الحوض، وانسابت قطرات الدم مع الماء ، لم يمهلها لحظة، ذهب مسرعاً إلى الحمام، وعاد بصندوق الإسعافات الأولية، جلس قربها و أمسك يدها من جديد، ضغط بحرص على موضع الجرح ليوقف النزيف، ثم وضع ضمادة صغيرة وهو يثبت بصره في عينيها، قال بصوت واهن

"حقك عليا، ما تزعليش مني"


ظلت تنظر إليه بصمت، ولكن عينيها قالت الكثير، حتي أن الصمت كان أبلغ من كل شفاه. 

فتابع هو وكأنه يزيح حجراً ثقيلاً عن صدره

"أنا لما بتعصب ما ببقاش عارف بقول ولا بعمل إيه، بيبقى غصب عني، قولتهالك قبل كده وبقولهالك تاني... أنا راجل بغير جدًا، بس على اللي مني وبحبهم، وإنتي بالذات خط أحمر، اللي يقرب منك ولو بنظرة ببقى عايز أخزوقله عينيه، فاعذريني لما انفعلت عليكي"


أخفض صوته قليلاً، كمن يعترف أمام قاض يقف في صدر قلبه

"الكلام اللي اتقال النهاردة من الحيزبون أم جلامبو... خلى الشيطان يلعب في دماغي ويوريني حاجات مجرد تخيلها خلاني أتجنن، فـياريت موضوع الغيرة ده متقربيش منه معايا ولا حتى بالهزار"


سحبت يدها من يده ببطء، واستدارت عنه، وقالت بصوت خافت لكنه يحمل جرح عميق

"اللي بيحب حد بيبقى واثق فيه، والمفروض إن إحنا متجوزين من تسع سنين، يعني عارفني وعارف أخلاقي، ومش أي من هب ودب يقولك كلمتين تقوم مصدقه، أنا ما اتضايقتش من كلام أم رحيم قد ما اتوجعت من سؤالك ومن الشك اللي شوفته في عينيك"


تنفس بأسى، كمن يبتلع ندم مُر

"وأنا بعترف إني غلطت وندمان، وبعدين ما أنتي ما سبتيش حقك،  رزعتيني كف على وشي خلى ودني تصفر، عارفة لو حد غيرك كنت دفنته مكانه"


قالها بنبرةٍ ساخرة مازحاً، فارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها رغم الامتعاض.

 استغل تلك الابتسامة، فأمسك يدها من جديد وقال ضاحكاً

"أنا بس مستغرب... إزاي إيدك الرقيقة الناعمة دي يطلع منها كف المخبرين اللي نزل على وشي؟!"


ضحكت هذه المرة بصدق، ضحكة صافية خرجت من قلبها، فقال وهو يضحك أيضاً

"اضحكي... اضحكي"


ثم تذكر فجأة وسألها

"هي صح ياسمينا قالتلك إيه بالظبط؟"


زفرت بضيق

"اللي أنا قولتهولك قبل ما تنزل"


رأى شرارة الغيرة تبرق في عينيها، فكتم ضحكته عمداً، وقال ليداعبها

"يعني هي فعلًا شافتني أنا و رودينا و إحنا يعني...."


قاطعته بعصف من الغضب

"من غير ما تكمل، آه، ودي طفلة، ومكنش ينفع تشوف حاجة زي دي"


ضيق عينيه، يراقبها كما يراقب العاشق سر محبوبته

"ما تقلقيش أنا هاتكلم معاها، بس أنا شايف في عينيكي إنك متضايقة أكتر من البنت، معقولة غيرتي؟"


زفرت بحدة

"وهغير ليه إن شاء الله!، أنا يا دوب لسه عارفة إنك جوزي من يومين، ولا لحقت أحبك ولا أكرهك"


اقترب منها خطوة، ثم ثانية، ثم ألقى بسحره كله في عينيها

"طب عيني في عينك كده"


لم تستطع النظر صوب عينيه، رفرفت أهدابها، وانخفضت نظرتها دون إرادة. ابتسم وقد تأكد من حدسه

"ضحكتي يعني كلامي صح، والقلم ماكنش عشان اللي قولته و بس، شوفتي إيدك حصلها إيه"


رفع يدها المصابة برفق و بمزاح لطيف

"اللي ييجي عليا ما بيكسبش، إيدك اللي لطشتيني بيها اتعورت، بس أنا مسامحك وفرحان في نفس الوقت"


رفعت حاجبها وسألته بامتعاض لا يخلو من دلال

"يعني إنت شمتان فيا؟!"


ابتسم بحنان عميق

"أنا أقدر؟!، بالعكس لما لاقيتك اتعورتي حسيت إني أنا اللي اتعورت، أنا قصدي إني فرحان عشان شوفت غيرتك عليا بعيني"


صاحت وهي تحاول الفرار من اعتراف قد كشفه

"خليك عايش الوهم"


جذبها إليه، وكفاه يحتضنان وجهها كما لو أن العالم كله بينهما

"مهما أنكرتي عيونِك فاضحينِك، يا بت ده انتي حتة مني، روحي اللي عايش بيها، دمي اللي بيجري في عروقي، أنا قاعد جوا دماغك وعارف بتفكري في إيه"


ارتجف جسدها، وتوردت وجنتيها، 

رفرفت أهدابها كجناحي طائر صغير أُمسك قلبه فجأة، وكأن كلماته نزلت عليها لا ككلام رجل، بل كنبض سكن تحت ضلع من أضلاعها.

ابتسم بمكر خفيف، وشيء من الدهشة  يلمع في عينيه، ثم أمسكها من كتفيها برفق، وأدار جسدها لتصير أمامه كلوحة يتأملها من أول قدميها إلى أعلى رأسها ، رفعت حاجبيها بتعجب وسألته وهي لا تدري ما الذي يدور في ذهنه

"فيه إيه؟"


غمز لها بعينه في خبث لطيف، وترك ابتسامته تجري على شفتيه كموجة لاهية

"ده فيه كتير، تضاريس زادت واتنفخت، وتضاريس اتنحتت"


رغم أن كلماته بدت غير مفهومة لها، إلا أن نظرته التي انحدرت على تفاصيل جسدها أفهمتها المعنى دون حاجة إلى شرح.

 توهجت وجنتاها من الخجل ثم لكزته في صدره بضيق 

"إنت قليل الأدب"


ضحك بصوتٍ متهدج بالحاجة والاشتياق 

"لسه قلة الأدب جاية في الطريق، بس عايزك ما تفرهديش مني، دول سنتين بحالهم وكام شهر وأنا مشتاقلك يا ياسمينتي"

وغمز بعينه، دنا منها بهدوء كمن يوشك أن ينهل من ماء حُرم منه دهراً، فكادت شفتاه تلمس خاصتها، فابتعدت سريعاً 

"تعالى نرجع القصر، زمان ياسمينا صحيت، ولو ما لاقِتنيش جنبها هاتعيط"


أجابها بثقة راضية

"ما تقلقيش عليها، أنا قبل ما أطلع اتصلت بماما اطمنت عليهم وقالتلي البنت لسه نايمة وهي جنبها، إحنا الصبح إن شاء الله نروحلهم"


اتسعت عيناها في لحظة خاطفة

"نعم!، يعني أنا وإنت هنفضل هنا للصبح لوحدنا؟!"


ضحك ساخرًا واخبرها بمزاح

"لاء، هاتصلك بالسكيورتي ييجي يقعد معانا محرم، يا حبيبتي أنا جوزك، أطلعلك القسيمة وأغلفهالك زي الـ ID وأعلقها لك في رقبتك عشان كل ما تنسي تبصي فيها وتفتكري إنك مراتي؟!"


قالت متنهدة باستسلام ضيق

"خلاص من غير تريئة... عارفة، بس أنا هنام في أوضة لوحدي، وإنت شوفلك أي مكان نام فيه"


اقترب منها بخطوة يكسوها العتاب الممزوج برقة غامرة

"ويهون عليكي جوزك حبيبك ينام لوحده؟، ده إحنا ماكنش بيجيلنا نوم أنا و أنتي غير في حضن بعض"


زادت نبضات فؤادها، فابتسمت بخجل و نظرت إلي أسفل، فقال لها

"خلاص، خلاص أنا عارف إنك لسه ما اتعودتيش على الوضع الجديد بالنسبة لك وأنا مقدر، براحتك يا قلبي شوفي اللي يريحك واعمليه، بس قبل ما كل واحد فينا ينام، تعالي نعمل حاجة ناكلها، أصل أنا جعان أوي ماعرفتش أتغدى بسبب الواد يوسف أخويا الجحش الله يسد نفسه"


استدار يلتقط الأكياس التي كان قد وضعها من قبل، ثم رفعها إلى الطاولة الرخامية

"أنا اشتريت شوية حاجات من الهايبر، اديني ساعة زمن ويكون الأكل جاهز"


وبينما هو يفك الأزرار العليا من قميصه، قال بلهجة عفوية دافئة

"بس قبل الأكل... تعالي ناخد شاور الأول"


شهقت وقد اتسعت عيناها

"ناخد إيه؟!"


رفع كفيه بعد أن أدرك ما وصل في رأسها 

"قصدي كل واحد فينا ياخد شاور لوحده، أهو يبقي علي الأقل نغير هدومنا اللي بقالها يومين علينا"


تنفست براحة مفاجئة واخبرته

"بس أنا معيش هدوم"


مد يده لها 

"تعالي معايا"


وضعت يدها في يده بحذر، فقادها إلى غرفة النوم. 

 وما إن وطأت قدماها العتبة حتى سرت قشعريرة ناعمة في جسدها، كأن المكان يعرفها قبل أن تتذكره.

ربما كانت الروح أسرع من الذاكرة في استعادة ما كان.

فتح ضلفتي الخزانة وقال بصوت خافت يختزن الكثير

"هدومِك أهي، جبتها هنا بعد اللي حصل من سنتين، ورصيتها زي ما كنتي بترصيها بالظبط"


ثم تناول حقيبة جلدية صغيرة وقدمها لها

"ودي شنطتك اللي لاقوها جنب الجثة، فيها بطاقتِك والـ ID بتاع شغلك... وهتلاقي موبايلك، كل حاجة زي ما هي"


أمسكت الحقيبة، وشعور ثقيل كالحبر الأسود أخذ يتسرب في أعماقها، 

ذكريات كانت مغلقة، أخذت تطرق باب عقلها ببطء مؤلم.


قطع شرودها صوته قائلاً

"هسيبك شوية و هاروح آخد دش على السريع"


التقط منشفة كبيرة ودخل الحمام.

بينما جلست هي أمام طاولة الزينة، فلاحظت على الرف دفتر صغير، يحمل أنفاس سنوات مضت، فمدت يدها وأمسكت به.

                        ❈-❈-❈


وقف أسفل صنبور الاستحمام، وما إن رفع المقبض حتى انهمر الماء عليهما دفعة واحدة، ارتجفت صبا للحظة، وفصلت شفتيها عن شفتيه وقد شهقت شهقة مفاجئة، بينما خيوط الماء تنحدر فوق شعرها ووجهها، فقالت بملامح متعجبة وصوت يتهدج بين الضحك والاحتجاج

"غرقتنا… وهدومي اتبلت"


قهقه ويحدق بها، يسألها بمكر

"وهو فيه حد يدخل ياخد شاور بالهدوم؟"


لم يمهلها الرد، بل باغتها بقبلة عميقة، وغاصت أنفاسهما في بعضها. 

أنزل يديه إلى كنزتها القطنية ذات الحمالات الرفيعة، ورفعها عن جسدها بحركة خفيفة، ثم أزاح عنها كل ما كانت ترتديه قطعة بعد أخرى، ودفع الثياب بقدمه إلى زاوية بعيدة كأنها لم تكن.


وفجأة، ارتجف جسدها مرة أخرى، وتألمت بنبرة خافتة ثانية، فامتقع وجهه قلقاً وسألها بصوت مشوب بالخوف عليها

"في إيه مالك؟"


استندت بيديها على كتفيه، تخبره بألم

"رجلي جالها شد عضل تاني"


فقال بصوت آمر مليء بالحذر

"خليكي واقفة ما تتحركيش"


وجثا على ركبتيه أمامها في مشهد يعكس لهفة وخوف العاشق علي معشوقته، ثم بدأ يدلك عضلة ساقها بحرفية تتقن مواضع الألم، يمرر أنامله على خطوط العضلات في ليونة تُعيد للوتر المتشنج هدوءه.  

رفع رأسه يسأل متفقداً

"ها… لسه بتوجعك؟"


أجابت مع شهقة ألم خفيفة

"أيوه… المرة دي جاتلي أشد"


فعاد يدلك ساقها من جديد وبحركة خبيرة تستطيل مع بسط العضلات شيئاً فشيئاً، حتى عادت الساق إلى طبيعتها. رفع ساقها برفق وقربها إلى شفتيه، ثم انحنى يقبل موضع الألم قبلة دافئة فارتجفت هي دون إرادة، وقالت مستنكرة وقد احمر خديها من تدفق الحرارة في جسدها

"بتعمل إيه!، خلاص رجلي رجعت لطبيعتها"


رفع عينيه إليها بنظرة ماكرة

"ما أن شفايفي كمان جالها شد عضلي… وعايز أرجعها لطبيعتها هي كمان"


ثم أخذ يوزع قبلاته على ساقها، يصعد بها إلى فخذها، حتى بلغ خصرها، و هناك توقف لحظة، ونظر إلى موضع الجنين بنظرةٍ تُحاكي الجد وعقد حاجبيه قائلاً

"مساء الخير يا باشا يا اللي جوه في بطن ماما"


قهقهت صبا بخفة

"لسه بدري عقبال ما يسمعك ويحس بيك"

رد عليها بثقة مصطنعة 

"ملكيش دعوة، أنا بتكلم مع ابني كلام رجالة"


فرفعت حاجبها ساخرة وقالت

"وإنت مين قالك إنه ولد؟!، لسه على الرابع أو الخامس عقبال ما نعرف، وبصراحة قلبي حاسس إنها هتبقى بنوته، زوزو هاتفرح أوي هايبقي ليها أخت"


لوح بيده وكأنه يزيح كلامها جانباً واخبرها بيقين متكبر لطيف

"لاء هيبقى ولد، وأنا متأكد"


مدت يدها تداعب خصلات شعره المبتلة، ثم أمسكت بيده تساعده على الوقوف 

"ولد ولا بنت… المهم يجي بالسلامة،  وياريت بقي تركز مع مامته شوية"


جذبها إليه فجأة، التصقت بصدره الدافئ، وتدفقت من عينيه نظرة شوق لا تخطئها عين، ثم قال بصوت منخفض يفيض حنان ورغبة

"ما أنا معاها أهو… وكلي تركيز… وشوق… وحُب… و…"

وأطبق شفتيه على خاصتها يكمل الجملة بفعل لا بالكلمات، يرفعها من أردافها بقوة هادئة، فطوقت عنقه بذراعيها، ولفت ساقيها حول خصره في استسلامٍ عاشق. رفع مقبض الصنبور أكثر، فازدادت المياه انهماراً وتمددت مساحتها كزخات المطر. 


تبادلا القبلات الحارة، يتلامس الجسدان كأنهما قصيدة مكتملة، تحيطهما خيوط البخار التي تغلف زجاج الكابينة، ليبدو ظلهما من الخارج كجسدٍ واحد يتوهج عشقاً لا يُخطئه النظر ولا يشبع منه القلب.


                        ❈-❈-❈


تهدجت أنفاس الأخر وهو ينصت إليها، فأصبح منتبهاً معها بكامل حواسه. 

"قالي عايزك تقفي جمبي زي ما وقفت جمبك، و كان طلبه إن أحضر معاه عشا عمل أو بالمعني الأصح سهرة مع رجال أعمال بينه و بينهم صفقات و شغل، وعايز يعرفني عليهم، لاء و كمان اشترالي مخصوص اللبس اللي غصبني ألبسه و أنا رايحة معاه، فستان ما تلبسهوش غير واحدة لا مؤاخذة شمال، قولتله لاء مستحيل ألبسه و إزاي تقبل علي مراتك تلبس القرف ده و كمان هتخليني أقابل رجالة و في سهرة عمل و أنت عارف يعني إيه سهرة واللي بيحصل فيها، هنا كشفلي عن وشه الحقيقي"


ارتجف فمها وهي تسترجع الألم 

 "مسكني من شعري و لوى دراعي ورا ضهري لدرجة كان هايكسره، وهددني إن لو مانفذتش كل اللي بيأمرني بيه هايفضحني في الشركة و عند أهلي، و مش هايكمل تسديد الفلوس بتاع الرهان، فعرفت إنه دفع نص الفلوس و النص التاني بيسدده علي دفعات، والعقد اللي جابهولي دي صورة مش الأصل، وعمل كده عشان يفضل ضامن وجودي معاه، و أنفذ أي حاجة يقولي عليها من غير ما اعترض، للأسف طاوعته ونفذت كل اللي قالي عليه بالحرف الواحد، روحت معاه سهراته اللي مكنتش ليها علاقة بشغل الشركة، وعرفت إن بينه و بين اللي بيقابلهم شغل في الباطن، و وجودي معاه مجرد عروسة لعبة بيتباهي بيها قدامهم ويخلص بيها صفقاته، و مفيش مانع ده يرقص معايا و ده يشربله كاسين برضه معايا، لحد ما في يوم قابلت واحد اسمه ياسر الطوبجي"


التقطت كوب الماء بيد تهتز، ارتشفت رشفة ثم أكملت 

 "قالي ليه بتعملي في نفسك كده و إيه اللي وقعك في طريق اللي اسمه رامي، ده قذر ومش راجل ويبيع أبوه عشان مصلحته، واضح عليكي إنك بنت ناس و مغصوبة علي وجودك هنا في وسط قذر، ولو رامي ماسك عليكي حاجة قوليلي وأنا هانقذك منه، و طبعاً كالعادة زي الهبلة صدقته، ووثقت فيه حكيتله علي كل حاجة، عرض عليا إنه مستعد يسدد لي فلوس الدينكلها،ا و لما سألته ليه بيعمل كده، قالي ليه تار قديم معاه، طلب مني اجيبله ملف كان مخبيه رامي في خزنة محدش عارف مكانها، و لما راقبته عرفت إن الخزنة في الشقة اللي بنتقابل فيها وعرفت الرقم السري كمان، اخدت الفايل وروحت لياسر اسلمهوله في مكتب شركته و ده بعد ما أتأكدت إنه خلصني من دفع الدين ورجعتلنا شقتنا الحمدلله، اديتله الملف وشكرته ولسه هامشي لاقيته بيقفل باب المكتب بالمفتاح وقرب مني و قالي سيبك من رامي و خليكي معايا، أنا هقدرك صح، صديته وقولتله أنا مش كده، ولو رامي قذر أنا عمري ما هابقي زيه و عايزه أخلص منه من غير مشاكل، حاول يعتدي عليا فضربته بالطفاية الكريستال علي راسه فداخ ووقع، عرفت اخطف من جيبه المفتاح و فتحت و هربت و اختفيت عن الكل لفترة، وعرفت بعدها إنه صفى شركته و باعها و هرب بره البلد ورامي اتسجن، روحت للتاني السجن وقولتله ينساني وطلعت قصاده الورقتين العرفي و قطعتهم، و من وقتها لا اعرف عنه حاجة و بدأت حياتي من أول وجديد، لحد ما ظهر لي من فترة و قالي إنه لسه خارج من السجن و عايزني ارجعله و لو رفضت هايفضحني بالفيديو اللي بعتهولك" 


خفضت رأسها، وتنهدت تنهيدة كسيرة

"أقسملك إن ده كل اللي حصل، وكان غصب عني"


رمقها بنظرة قاسية كحد نصل، وقال بصوت منخفض لكنه قاطع كالسيف

"عذر أقبح من ذنب، وبنت الناس المحترمة المتربية مكنتش تقبل الوضع ده تحت أي ظرف، إنتي خليتي شوية أشباه ذكور يستغلوكي ويتعاملوا معاكي كإنك واحده رخيصة"


اتسعت عيناها بصدمة من حديثه اللاذع، أدرك هو ما قاله، فمرر كفيه على وجهه، وزفر زفرة طويلة محملة بلهيب الحيرة والغيظ. 

 رفع نظراته إليها وقد غشا بريقهما شر صريح، فسألها

"ساكن فين الحيوان اللي اسمه رامي؟"


أجابته بصوت خافت متوتر

"معرفش له عنوان غير شقة الهرم"


"فين في الهرم؟"

سأل بحدةٍ، فأجابت برجاء مرتجف

"بلاش تودي نفسك في داهية مع واحد زي ده"


انفجر صوته كالرعد

"يعني عاجبك الفيديوهات اللي ماسكها عليكي؟!، والله أعلم هايعمل بيها إيه تاني؟!، ده ممكن في ثانية يطلعك تريند"


خفضت رأسها، وغرقت نظرتها في مذلة موجعة

"عارفة، وفي نفس الوقت مش عايزاك تدخل في مشاكل بسببي"


وقف ببطء، ونظر إليها بنظرة باردة، ساخرة، تحمل احتقار مرير

"أوعي تفتكري إني واقف جمبك يعني هعديلك اللي حصل و سامحتك عليه، أنا بس هاخلصك من الحيوان ده، وبعدها ليا كلام تاني معاكي يا… يا مدام"


نطق اللقب الأخير  عن عمد كالسوط يصفع كرامتها، ثم استدار وتركها خلفه تبكي بحسرة و ندم. 


                       ❈-❈-❈


خرج كليهما من كابينة الاستحمام وقد انقشع البخار قليلًا، والقطرات تلمع فوق جلديهما كحبات لؤلؤ ذابت من عقد سماوي. 

لف حول كتفيها منشفة قطنية ناعمة، يضمها برفق لا يخلو من الشغف، ثم انحنى يلتقط خصلات شعرها المبتلة ينساب الماء منها كجدائل غيم يتساقط على كفيه.


نظرت إليه بوجه يفيض بحمرة تدفق الرغبة وابتسامة ترتجف بين العشق والوله، فمرر إبهامه على خدها بلمسة هادئة، وقال بصوت منخفض 

"إنتي حلوة أوي يا صبا، رغم إننا بقالنا مع بعض سنين، بس كل مرة و إحنا مع بعض بشوفك أحلي وأجمل من الأول"


ضحكت ضحكة قصيرة تحمل رجفة العاشقة 

"أنا بعد كلامك ده، حاسة إني أسعد واحدة في العالم"


حاصرها بين صدره وذراعيه وجفنيه، ثم مد يده يسند ظهرها من أسفل، ورفعها إليه. 

مازالت ذراعيها حول رقبته، ودفنت وجهها في كتفه الدافئ متشبثة به كأنها تتلو حنينها على جلده.

وضعها برفق على حافة السرير، وجلس أمامها،  كانت نظرتها مشتعلة، مليئة بما لا يُقال.


قالت بصوت خافت يهتز من دفء اللحظة

"قصي… أنت مش متخيل أنا بحس بإيه لما بتبصلي بالشكل ده"


اقترب منها حتى لامس أنفاهما، ومسح بإصبعه قطرات الماء فوق شفتيها قائلاً

"حاسس بيكي و متخيل، كل حاجة فيكي بتحكيلي، عينيكي و النفس اللي بيخرج منك، حتى رعشة صوتك، كل حاجة فيكي بتتكلم من غير ما تنطقي"


رفعت يدها إلى وجهه تمسح قطرات الماء من شعره وتداعب شعيرات ذقنه، ثم همست بدلال

"بحس دايماً و أنا معاك، ببقي ملكة"


أطبق على يدها يُقبل كفها براحة عاشقة، ثم قال

"وهتفضلي ملكة علي طول، إنتي مليكتي و مملكتي نفسها  اللي برجع لها، والسكن اللي ما أستغناش عنه أبداً"


ارتعشت أنفاسها، وانسكبت دمعة صغيرة على وجنتها لم تعرف من أين جاءت، فمسحها بإبهامه، وبصوت ينضح حنان وهيام وهو يميل نحو شفتيها 

"تعالي خليني أحبك بطريقتي"


التصقت شفاههما في قبلة طويلة بطيئة، تذوب فيها حدود الوقت، وتتساقط معها بقايا التعب من جسديهما.

انحني بجسدها،  ومازال يضمها بذراعين لا تعرفان إلا الاحتواء، بينما هي تجذبه أكثر كأن قربه هو الهواء الوحيد الذي يديم أنفاسها.

استلقى بها على السرير في هدوء، لا عنف فيه ولا عجل، بل انسياب عشق ناضج، مكتمل، ينهض فيه الحب كوميض يشق عتمة الليل، يتناثر على جسديهما مثل ضوء لا يراه إلا من مسه الشغف.

وتركتهما اللحظة يتماهيان مع دقات قلبيهما، كأنهما لحن واحد يعزف على وتر لا ينقطع.


                         ❈-❈-❈

فتحت الصفحة الأولى، فوجدت اسمه وبياناته مدونة بخط يشي بالثبات والوقار. 

 بينما الصفحة التالية، فقد بدأت فيها مذكراته، يحكي فيها أول لقاء جمعهما، يوم جاءت إلى قصر آل البحيري طفلة ندية الملامح، يسوقها والدها عم إسماعيل، عامل الحديقة المخلص. 

 كانت تلهو وتدور حوله كما تتقافز الفراشات حول نور تعشقه، بينما سمع هو والدته يومها تحدث والده بصوت خافت موجوع بأن والدتها قد تركتها ورحلت، غير قادرة على تحمل مسئوليتها، فآوتها السيدة جيهان ورعتها حتى نضجت ملامحها، وصارت شابة في أواخر سن المراهقة؛ أنثى تفيض أنوثة، ويهتف بحضورها الجمال.


هنالك تبدلت نظرته إليها؛ لم تعد تلك الصغيرة التي تفصله عنها خمس سنوات، بل غدت فتاة ينساب السحر على خطواتها، فيتشكل حضورها فتنة تمشي على قدمين.

حاول أن يقاوم انجذابه إليها بأن يعاملها بحدة وقسوة مصطنعة، فإذا بدموعها الوديعة تكسف هذا الادعاء، وتلين صلبه، فينكسر أمام نظراتها الباكية، تلك التي كانت كفيلة بأن تزلزل صخر الجبال.


ولما رأى أن مقاومته لا تجدي، تعامل معها تعامل المستكبر المتسلي، كأنها فتاة يسهل أن تكون له متى أراد، لكنها كانت أبعد ما يكون عن ذلك؛ ردت محاولاته بجفاء نبيل، وواجهة صلبة، فتعجب كيف لفتاةٍ في ظروفها أن تصد شاب ثري وسيم مثله.

هنا أدرك الحقيقة، ليست كل بنات حواء سواء؛ فهناك من تخشى ربها، وتصون قلبها، ولا تريد إلا الحب الحلال في ظل عقد وستر.


فاعترف لها بحبه، وأخبرها أنه يريد أن يتوج هذا الحب بالزواح، لكنه طلب منها أن تتريث قليلًا، حتى يستقل بذاته عن تحكمات والده التي كانت تخنق أنفاسه وحياته معًا.


وبالفعل، حقق حلمه أخيراً؛ أسس مركز رياضي حديث متطور، لكن قبل الافتتاح بأيام قليلة، وقع ما لم يكن في الحسبان؛ اندلع حريق هائل بسبب ماس كهربائي، فاحترق كل شيء وتلفت الأجهزة، كأن النار لم تكن سوى تجسيد قاس لقدر أراد أن يكسر جناحه قبل أن يحلق.

ضاعت أحلامه، وتلقى من والده توبيخًا وإهانة ولومًا لا يليق إلا بالعابثين والضعفاء، فنعته بالخاسر والفاشل.

هرب من قسوته إلى كأس الخمر، يظن أنها ستنقذه من ظلمة صدره، ولم يدر أنها ستقوده إلى خطيئة سيظل يحملها كجرح لا يندمل.

عاد ثملاً إليها، وكانت تنتظره بقلب قلق يخشى أن يبتلعه اليأس. 

لا يذكر من تلك الليلة سوى دموعها وأسى نظراتها، ويبدو أنه أطلق كلمات جارحة، جلد بها نفسه في مرآة عينيها.

وفي الصباح اكتشف الكارثة الكبرى

لقد أخذ منها ما لا يملكه ولا يليق أن يُنتزع إلا برضا وحلال.

استيقظت هي على ذكرى الليل السوداء، فصرخت هاربة إلى الحمام، وعلم فيما بعد أنها كانت على وشك الانتحار. 

نُقلت إلى المستشفى، وهناك ظهرت والدتها القاسية، تلك المرأة التي لا قلب لها، وجلبت ابن شقيق زوجها لتزج بابنتها في زواج قسري.

لكنه لحق بهم مع إخوته، وانتزع حبيبته من مصير كاد يبتلعها.

وحين صارح والده برغبته في الزواج منها، رفض الأخير رفضً قاطع، بحجة الفارق الطبقي والاجتماعي.

لكنه تحدى أباه، وترك له القصر وما فيه، وعقد قرانه على حبيبته، فصار بينهما ميثاق غليظ.


عاش معها أجمل سنوات عمره، بحلوها ومرها، ورُزقا بطفلتهما التي كانت نسخة منها؛ جمالًا وحياءً وفتنة.

وتشاركا حياة سعيدة، تعكر صفوها بين حين وآخر غيرته العارمة، ورفضه لعملها الذي يضطرها أن تتعامل مع الرجال، فهو لا يقبل أن يشارك أحد عينيه النظر إليها، حتى إن كانت لا يظهر منها إلا عيناها من خلف غطاء الوجه.


وكان هناك جرح آخر، قديم كظل لا ينفصل؛ ذلك الجرح الذي تركه اعتدائه عليها في تلك الليلة السوداء.

كانت تذكره به أحيانًا، لا قسوة، بل وجع. وهو كان يكره سيرة ماحدث في نفسه حتى كره نفسه ذاتها.


وصلت ببصرها إلى العنوان وسقطت في الهاوية، كان ذلك يوم عيد ميلاد ابنتهما في قصر العائلة. 

حدث خلاف بينهما، فاحتد وغلبه لسانه، فأطلق كلمات جرحتها بعمق، فرحلت، 

وحين أفاق من غيظه، بحث عنها فلم يجد لها أثرًا.

حتى جاء الخبر الذي مزق روحه، 

لم ينس لحظة دخوله غرفة ثلاجة الموتى.

المرأة التي قُدمت له كانت ترتدي ثياب مثلها تمام… لكن وجهها ويديها وكل ما يُرى منها قد أكلته النار.

وبالقرب من الجثة وُجدت حقيبتها، 

وفي تلك اللحظة، لم يشعر بنفسه إلا وهو يسقط مغشيًا عليه من هول الفاجعة.


ظل لأيام يتلقى المهدئات كي لا تجن روحه قبل عقله، وعندما واجه الحقيقة، انسحب من الحياة، وصار جسدًا يسير بلا روح.

عانت ابنتهما معه تلك الفجوة القاتلة، فكان يتركها لاعتناء أخته كثيرًا، مخافة أن يجعلها تعاني من حزنه الثقيل.

وفي كل ذكرى ميلادها، وهو ذات يوم تلقيه بخبر وفاة زوجته، كان يأخذ الصغيرة إلى المقابر، يتحدث إلى قبر زوجته كما لو كانت تسمعه، يخبرها أنه لم يعد يعرف معنى الحياة من بعدها، وأن روحه دُفنت معها.


هنا توقفت الكلمات، كان هذا آخر سطر، 

وما بعده صفحات بيضاء.

أغلقت الدفتر ومسحت دموعها التي انهمرت دون إرادة، ألهذه الدرجة كان يعشقها؟!

ولماذا لم يذكر زوجته الثانية وكأنها لم يكن لها وجود في حياته؟! 


                       ❈-❈-❈


انتابها ذلك الشعور الخانق من جديد، فرفعت الحقيبة بين يديها، تتأمل ما تبقى منها، وجزء من يد الحقيبة احترق. 

فتحت سحاب الحقيبة ببطء، وأفرغت ما فيها على طاولة الزينة.

امتدت أصابعها المرتجفة نحو الهاتف، كانت خلفيته صورة تجمع زوجها وطفلتها؛ لحظة تجمدت فيها الحياة، كأن الزمن يبتسم لهم في صورة ويطعنهم في الواقع.


وما إن وقعت عيناها على الخلفية، حتى داهمها صداع مباغت، مطارق خفية تقرع جدران رأسها، فتلعثمت الرؤية، وتشوشت الأصوات… ثم انساب المشهد إلى ذاكرة بعيدة.


فلاش باك -يوم الرحيل-

كانت تجلس على مقعد خشبي يواجه النيل، تبكي بصوت مكتوم، وكفيها تكادان تعصران قلبها لا رأسها.

 أمامها هاتفها، تنظر إلى صورته بعتاب حائر، عتاب امرأة ما عاد في صدرها متسع للصبر. 

وضعت الهاتف في الحقيبة، و تركتها بجوارها على المقعد، ثم انحنت تسند مرفقيها على فخذيها، وانفجرت في البكاء. 

وما إن هدأ النشيج قليلاً، حتى دوى صوت دراجة نارية تقترب منها، 

وفي لحظة خاطفة، امتدت يد من يركب خلف السائق، اختطف حقيبتها.


قفزت واقفة، هرعت خلف الدراجة، تركض رغم الانهيار، رغم التعب

"استنى بالله عليك، سيبها دي فيها كل حاجتي حرام عليك"


وقفت منهارة، تضغط على صدرها وكأنها تمنع قلبها من السقوط

"لـــيــه؟… ليه بيحصلي كل ده؟!

أنا تعبت… تعبت"


ومن خلفها، جاءت يد حانية تربت على كتفها، سيدة ترك الزمن علاماته علي وجهها، قالت بصوت حاني

"يعوض عليكي ربنا يا بنتي"


رفعت الأخرى رأسها ونظرت للسيدة، وقالت في سرها

"هامشي إزاي؟، معيش حاجة… عشان اعرف أرجع القصر… ولا هاعرف أكلم حد"


قطعت السيدة صمت أفكارها

"لو محتاجة تكلمي حد… خدي تليفوني أنتي زي بنتي، كلمي أهلك" 


ابتسمت ياسمين من خلف النقاب

"شكراً يا طنط"


أخذت الهاتف القديم، وبدأت تضغط أرقام أحد زميلاتها في العمل وانتظرت حتي جائها الرد

"ألو؟ مين معايا؟"


"ألو يا حبيبة… أنا ياسمين، تليفوني اتسرق وحاجتي كلها… وأنا لوحدي بعيد عن قصر عيلة جوزي"


"إيه؟!، وبتعملي إيه برا لوحدك؟، وليه مكلمتيش جوزك؟"


ولت ياسمين ظهرها للسيدة، وتخفض صوتها

"أنا… سيبته ومشيت، ومش هرجعله تاني"


 "لا حول ولا قوة إلا بالله… ليه بس؟"


"هبقى أحكيلِك بعدين، دلوقتي عايزة مكان أبات فيه ومش معايا بطاقة ولا إثبات شخصية عشان أعرف أروح لأي فندق"


"طب هاتتحركي إزاي من غير فلوس؟، قوليلي أنتي فين و هاجيلك"


"هبـيـع الأسورة الدهب اللي لابساها وهاتصرف"


سكتت الأخرى ثم قالت بثباتٍ حنون

"شقة بابا الله يرحمه فاضية في إسكندرية، هكلم أختي تفتحها وتستناكي في الموقف، بس هنتواصل إزاي؟"


"لما أوصل… هكلمك من أي كشك"


"خدي بالك من نفسك يا بنتي… ربنا يصلح حالك"


"آمين… سلام"


أغلقت الهاتف وأعادته للسيدة

"شكراً جداً لحضرتك"


"الشكر لله يا بنتي"


تشويش ومشهد آخر في محل بيع و شراء المصوغات، وقفت أمام الصائغ، ويدها ترتجف وهي تنزع السوار عن معصمها؛ سوار اشتراه لها زوجها في عيد مولدها.

لم تتخيل يوماً أنها ستبيعه، كانت عيناها تقولان ما لم ينطقه لسانها. 


مشهد ثالث يباغت ذاكرتها، تجلس في محل مشروبات بجوار الموقف، تنتظر سيارة الأجرة المتوجهة إلى الإسكندرية.

وفجأة، لفت انتباهها خبر عاجل على شاشة التلفاز


حادث مرعب… شاحنة محملة بمواد سريعة الاشتعال تتصادم بسيارة أجرة…

و دراجة نارية  سائقها و من خلفه، تم دهس جثتهما اسفل عجل الشاحنة الكبيرة…والنار تشتعل بسرعة مروعة… وجثة مجهولة لسيدة النار مشتعلة في وجهها… بجوارها حقيبة يد وقعت من راكب الدراجة.


"إسكندرية، إسكندرية"

كان?

#يتبع

#الفصل_الثلاثون

#غرام_الذئاب

#الجزء_الرابع_من_سلسلة_صراع_الذئاب

#ولاء_رفعت_علي


لست أعلم كيف أدافع عن نفسي، ولا كيف أُقنعه بما يختلج صدري من صدق لا تشوبه شائبة؛ غير أني أعلم يقيناً أنني مظلومة،  العاصفة قد خطفتني إلى قلبها بلا ذنب جنته يداي.


غضبه كالسيف المسلول؛ يبرق في عينيه قبل أن يشتعل في صوته، فينكمش قلبي كلما اشتد لمعانه.

وما كان خوفي منه قط، بقدر ما هو خوفي عليه… أن تُضله كلمة زائفة، أو تهتز في داخله ثقة ظننتها لا تهتز يوماً. 

علا_أحمد الشريف

ـــــــــــــــ


فتح باب الحمام، وخرج منه عاري الجذع، لا يستر جسده إلا منشفة قطنية تحيط بخصره، تتدلى حافتها على ساقه. 

رفعت وجهها نحوه، فارتطمت عيناها بمظهره هذا فاتسعت دهشة، قبل أن تشيح بوجهها خجلًا وقد توردت وجنتاها. 

نهضت لتغادر الغرفة، فإذا به يلحق بها بخطوات هادئة، يقف خلفها كالظل الذي  لا ينفصل عن صاحبه، ثم سألها بمكر

"رايحه على فين؟"


قالت محاولة الهرب من وطأة حضوره

"هاستناك بره عقبال ما تلبس هدومك"


 وضع يديه فوق كتفيها بحنو ممزوج بتملك، ثم أدارها برفق نحوه، ليوقفها مقابلة لوجهه، لا مهرب من عينيه

"على فكرة، أنا كل ما كنت أدخل أخد شاور، أنتي اللي كنتي بتحضريلي هدومي، ممكن تطلعيلي من الدولاب حاجة على ذوقك؟"


رفعت وجهها إليه، وتبادلت معه النظرات نظرة بنظرة، وبين كل رفة من أهدابها وأخرى كانت تدور داخل رأسها كلماته التي قرأتها في دفتر المذكرات. 

ذلك الدفتر الذي كشف خبايا قلبه أكثر مما كانت تتصور. 

تنفست بعمق، ثم توجهت إلى الخزانة، وقفت أمام رفوف ملابسه وقد تباينت أنفاسها، فهي تدرك أنه يقف خلفها.

 قريبًا بما يكفي لأن تشعر بحرارة جسده، وأنفاسه تلامس عنقها كنسيم يوقظ نار.

أغمضت عينيها للحظة تستجمع فيها رباطة جأشها.

امتد ذراعه من جوار كتفها، يشير بثقة صامتة

"ده رف التيشرتات… وده رف البرمودات… واللي تحته البناطيل

أنا رصيتهم… زي ما كنتي إنتي بترصيهم"


التفتت إليه، فإذا تجد نفسها محاصرة بين ذراعيه، تشعر بدفء جسده، وأمامها صدره العريض كبحر من الرجولة لا ساحل له.

اهتز صدرها بأنفاس مضطربة، ثم قالت بصوت يكاد يخرج بصعوبة من تأثير هذا الموقف

"ممكن تبعد شوية عشان أعرف أختارلك حاجة تلبسها؟"

ابتسم وارتسم على شفتيه خبث العاشق الذي يعرف قوة حضوره

"إن كان عليا… مش عايز ألبس حاجة

وعايز آخدِك في حضني و…"

لم يُكمل، فقد ضمها إليه ومال بشفتيه نحو شفاها المرتجفة،كاد يقبّلها لولا أنها وضعت كفيها فوق صدره تمنعه، ثم قالت فجأة بنبرةٍ حملت حقيقة مؤلمة كانت تخشى نطقها

"هو أنت لما عملت فيا زمان اللي عملته، 

مكنتش في وعيك عشان كنت سكران

ولا ده كان غرضك مني من الأول؟"


تجمد للحظة، و رمقها بدهشة صادقة خاليةٍ من الإنكار، فأردفت حديثها

"أنا قرأت اللي كتبته في دفتر المذكرات"


هنا أمسك يدها برفق، كما يمسك المرء شيئًا يخشى ان ينكسر، وجعلها تجلس على طرف الفراش.

جذب كرسي ووضعه أمامها، جلس قبالتها كمن يستعد لقول اعتراف يتوقف عليه كل ما هو قادم بينهما

 "أنا وقتها فعلاً حبيتك، وعمري ما كان غرضي كده منك، بالعكس كنت بخاف عليك أوي، حتى كنن بخاف عليكي من نفسي، مش هكدب آه حصلت شوية شقاوة مني في البدايات، بس رد فعلك كان بيمزجني، رغم إنك كنتي شرسة وطلعتي عينيا، بصراحة قولت هي دي يا واد يا ياسين اللي تستحق تاخد قلبك و عقلك و تشيل اسمك وتبقي أم ولادك" 


تحولت ابتسامته إلي نظرة حزينة ويردف حديثه

"بس اللي حصل الليلة دي والله مكنتش في وعيي، ولحد دلوقتي مش فاكر أنا قولتلك إيه ولا عملت إيه، بس عمري ما نسيت نظرة عينيكي يومها"


صمتت قليلًا، ثم سألته بتوتر

"ولما اتجوزتني، كان علشان تصلح غلطتك زي ما رودينا قالت؟، ولا علشان كنت بتحبني فعلاً و…

وضع طرف إصبعه على شفتيها، يسكتها بلمسة فيها حنو وأمر معًا

"حتى لو مكنش حصل اللي حصل، إحنا كنا هانتجوز، أنا كنت مستني يبقى ليا شغل ودخل وأرتب حياتي علشان أخدك ونعيش بعيد عن القصر و بعيد عن أي حد"


عقبت بصوت خافت تسأله وتخشى سماع الجواب في آن واحد

"يعني بجد حبيتني؟، ولا كان شفقة أو ندم؟"


أمسك ذقنها بين أصابعه، ونظر في عينيها مباشرة يخبرها بصدق 

"لما قرأتي المذكرات قلبك قالك إيه؟، و لما بتبصي في عينيا إيه اللي بتشوفيه؟"


رفرفت اهدابها، تتأمل روحه عبر عينيه، فهو بالفعل صادق و يعشقها دون أن يجيب، تنهدت وقالت

"مصدقاك"


"و أنا واثق وعارف إنك مصدقاني، عينيكي و قلبك اللي سامع صوت دقاته"


امسك يدها واردف

"لما بقرب منك، بحس كل حاجة فيكي بتناديني وبتقولي أنتي ملكي"


نظر إلي شفتيها و همس مقترباً

"حتي شفايفك بتناديني، و أنا هلبي الندا"

وكان علي مشارف أن يقبلها، فانتفضت ووقفت بخجل

"أنا، أنا، أنا عايزه أدخل الحمام"

و ركضت إلي الحمام، فأخذ يضحك وصاح بمزاح ماكر

"اهربي، اهربي، مصيرك يا ملوخية تيجي تحت المخرطة، وقتها مش هتقدري تتحركي خطوة واحدة، زي ما حصل الصبح في القصر"


وقفت داخل الحمام خلف الباب، تبتسم بخجل و تتذكر ما حدث بينهما في القصر، وضعت أطراف أناملها علي شفتيها، فضحكت وكتمت فمها بكفها حتي لا يسمعها، فجاء صوته لها من الخارج يسألها بجرأة سافره وسخرية مازحاً

"فاكره إزاي بناخد شاور، و لا اجي احميكي؟"


صاحت به

"يا قليل الأدب"

أخذت تضحك وتهز رأسها من هذا العاشق المجنون، فبدأت تخلع ثيابها وفتحت صنبور الاستحمام. 

                        ❈-❈-❈


انتهت من تمشيط شعرها للتو؛ فانبثقت إلى أنفها رائحة الطعام تعبق في أرجاء البيت، رائحة دافئة وشهية. 

 مدت يدها إلى وشاح معلق على المشجب داخل الخزانة ، كادت أن ترتديه، ثم توقفت لحظة، وابتسمت ابتسامة خفية كأنها تفكر، وألقت به جانباً برفق. جمعت شعرها في كعكة مرتبة فوق رأسها، فأضاءت ملامحها بنعومة أنثوية خجولة.


أخذت من الخزانة أيضاً ثوب بلون الزمرد، بنصف أكمام، ناعم الملمس، ارتدته على مهل، ثم دنت من المرآة تقف أمامها، تتأمل صورتها بعيون قلقة، كأنها ترى نفسها للمرة الأولى.

 شعرت بالخجل؛ فالثوب يكشف أعلى صدرها بفتحةٍ أنيقة، وقصير يلامس حدود ركبتيها ، همست لنفسها وقد امتزج الخجل بالدعابة

"يا لهوي، ده لو شافني كده مش هايسيبني، هايفهمني غلط وهو دماغه ونيته حادفة شمال لوحدها"

ضحكت بصوت خافت، بينما هو يقف في المطبخ أمام الموقد، يمسك بعلبة الصلصة ويفرغ محتواها، انتبه إلي رائحة عطرة، وقبل أن يلتفت إلي مصدرها استمع إلي صوتها وهي تخبره

"المفروض كنت حطيت البصل الأول و بعدين الصلصة"


اتسعت عينيه من رؤيتها، ترتدي ثوب باللون السماء، بأكمام طويل ويصل طرفه إلي قدميها، لكن تركت شعرها بدون وشاح.

أطلق صفيراً بإعجاب

"واااو"


أخفضت رأسها بخجل خفيف، فترك ما بيده وتقدم نحوها خطوتين

"إحنا اتقدمنا خطوة أهو، وبدأتي تقتنعي إني جوزك، بس لابسة دريس خروج ليه؟، عندك برمودات وپيچامات بيتي تحفة، ما تلبسيها وخدي راحتك"


رفعت حاجبها ساخرة بابتسامة صغيرة

"وبعد ما ألبسها… تتحرش بيا؟!"


فتح فاهه بدهشة حقيقية

"أتحرش بيكي!"


ثم انفجر ضاحكاً ضحكة صافية عالية، حتى كاد أن يستند إلى حافة الموقد.

زمتت شفتيها بامتعاض مصطنع

"خليك اضحك مع نفسك وأنا هاروح أنام"

أمسك يدها قبل أن تدير ظهرها، جذبها إليه بلطف فيه رجاء طفولي

"اتقمصتي ليه؟، ما انتي اللي بتضحكيني أعملك إيه؟!"


اخبرته بعينين نصف جادتين ونصف جائعتين

"تعمل إنك تخلص اللي بتطبخه عشان أنا جعانة أوي… وشكلك ما بتعرفش تعمل حاجة"


ابتسم ابتسامة من يعرف نفسه جيداً، لكن يخبّئ خلفها ظلالاً لا يراها أحد

"لاء، أنا بعرف أعمل أكل، من بعد ما سيبتيني تقريباً اتعلمت كل حاجة"


هنا لاحظت رجفة خفية في صوته، حزن لم يُقلْ، وجرح لا يندمل. 

نظرت في عينيه، وقالت بلا مقدمات ولا التفافات

"أنا بعد ما قريت مذكراتك افتكرت اللي حصل معايا من أول ما مشيت"


رفعت رأسها قليلاً، و بدأت تسرد ببطء، 

 كيف سُرقت حقيبتها، وكيف جرفها القدر إلى الإسكندرية، والصدمة التي أنهكتها، والحادث الذي أفقدها الحياة لحظة، ثم أعادها إليها مجهولة الوجه والاسم.


قالت بصوت متماسك رغم الألم

"وآخر حاجة كنت سامعاها صوت الإسعاف، حد كان بيشيلني ويحطني على نقالة، ريحة دم وصريخ، وبعد كده الدنيا ضلمت، كل اللي فاكراه لما صحيت الدكتور قال إني كنت في غيبوبة وما يعرفوش أنا مين، واللي اتولت حالتي وكانت بتراعيني ماما خيرية الله يرحمها، كانت بتشتغل في المستشفى، وبتعاملني كأني بنتها، كانت عايشة لوحدها وولادها عايشين بره، ويوم ما رجعوا كانوا عايزين يبيعوا البيت لمستثمرووهي رفضت، شدوا مع بعض وهي تعبت و…"


صمتت لحظة عندما استحضرت ما فعله محمود ابن خيرية معها، من محاولة اعتداء شنيعة عليها. 

 ارتسم الامتعاض على ملامحها، لكنها لم تُخبره بذلك، أضافت بهدوء مُؤلم

"ولما ماتت طبعًا ما بقاش ينفع أقعد في البيت، وفي نفس الوقت ماليش مكان أروح فيه ولا معايا فلوس أؤجر حتى أي مكان، لحد ما كنت ماشية في الشارع وكانت عربية هاتخبطني على آخر لحظة، نزل صاحبها شالني وخدني على المستشفى، ولما عرف ظروفي عرض عليا المساعدة، وكان باين عليه جدًا إنه شاب محترم وابن ناس"


رفع حاجبه بسخرية معقبًا

"واسمه رحيم اللي لقاكي كنز ما يتقدرش بتمن وخطبك وكان هايتجوزك"


رمقته بامتعاض واضح وأجابت بكل صراحة

"ومعملش حاجة حرام… كان عايزني أبقى ليه بالحلال"


ألقت كلماتها لترى رد فعله، فوجدته مختلفًا عن توقعها؛ رغم أنه جز على أسنانه في صمت، لم يثور ولم يغضب، لكن نظراته كانت غير مطمئنة.  

 اقترب منها خطوة، فتراجعت خطوتين، يقترب ويسألها بهدوء قاتل

"قولتيلي بقي كان عايزك تبقي ليه بإيه يا روح خالتك؟"


ابتلعت ريقها، ورفعت إصبعها في وجهه بتحذير صارم

"ياسين، عارف لو عملت حاجة أو مديت إيدك عليا… لأعمل فيك إيه؟!"


كان الهواء مشحونًا بينهما بوهج لا يرى، كأن شرارة خفية قد اشتعلت في العمق. وفي لحظة عاصفة مد يديه إليها، فأحاط خصرها بقبضتين ثابتتين تحملان معنى الملكية. 

رفعها بخفة وحزم، وجعلها تجلس فوق الطاولة الرخامية، بينما بقيت يداه على خصرها، لا تفلتان، بل تزيدان إحكام. 


مال برأسه نحو أذنها، وقد حمل صوته في تلك اللحظة نبرة سيادة لا تخطئها الروح؛ نبرة رجل يعرف ما يريده ولا يخجل من إعلانه

"أنتي ليا أنا وبس، يعني كلك على بعضك ملكي" 


ثم لم يمهلها وقتًا للفهم أو الاعتراض؛ بادرها بقبلة مفاجئة، قوية ومُندفعة كرياح شتاء تقتحم نافذة مفتوحة.  

شعرت بأنفاسه تختلط بأنفاسها، وبقلبه يطرق صدره كقرع الطبول. 

 أطلقت أنينًا من حدة الهجوم المفاجئ، بينما كانت قبضتاه تضغطان على خصرها بامتلاك لا يخلو من الرجفة.


حاولت أن تُبعده، فزاد تشبثه، وازداد عمق القبلة، حتى كأنهما يذوبان في لحظة واحدة، لا زمان فيها ولا أرض. 

 لم ينفصلا إلا حين ضاق الصدران بالتنفس، فتراجع قليلًا، يلتقط أنفاسه، وعيناه تتقدان بنظرة أربكتها، نظرة لا تعرف هل تقرأ حب أم غيرة أم شيئًا لا اسم له.

وفجأة اتسعت عيناها رعبًا وهي تغافل تلك النظرة

"ألحق الصلصة اتحرقت"


قفزت من فوق الرخام بخفة وحيرة، وأسرعت تُطفئ الغاز قبل أن يعم الدخان المكان. 

 وما إن التفتت إليه، حتى وجدته يعاود حصارها بجسده، كأنه ظل لا ينفصل، 

قالت وهي تستجمع أنفاسها

"أنا مقصدش خالص أثير غيرتك… أنا كنت بحكيلك اللي حصل معايا و إنت بقى أخدتها على محمل تاني… دي مش مشكلتي" 


رد بصوت منخفض، لكنه يحمل من الحزم ما يكفي لإغلاق باب الحديث

"احكي زي ما إنتي عايزة… بس سيرة الزفت ده مش عايز أسمعها… ولا أسمع اسمه تاني على لسانك" 


زفرت بامتعاض خافت

"حاضر"


أجاب بزفرة عميقة أخرى

"يحضرلك الخير ياختي" 


ثم نظر إلى القدر الذي اسود سطحه، وقال ببساطة كأن شيئًا لم يحدث

"أنا هطلب دليفري أحسن… تحبي تاكلي إيه؟"


ردت وهي لا تزال تحمل في عينيها شيئًا من العتاب

"اطلبلي اللي إنت هتطلبه لنفسك" 


ابتسم يريد أن يُعيد الخفة إلى قلبها

"طب أنا عايز آكلك إنتي، هتاكلي نفسك معايا؟!" 


لم تستطع أن تمنع نفسها من الابتسام، رغمًا عنها

"بقولك هاموت من الجوع… وإنت عمال تهزر!" 


أخرج هاتفه من جيب بنطاله وهو يقول

"خلاص ما تعيطيش هاتصل بالمطعم وأخليه يتوصى بالكمية… بدل ما تاكليني أنا" 


ضحكت وكانت تلك بداية انفراج المسافة بينهما.


وبعد قليل، وصل الطعام، فجلسا معًا علي الأريكة، يضعان الأطباق ويرتبان المائدة الصغيرة،  أمام التلفاز. 

 كانت الضحكات تتساقط بينهما وهو يحكي لها عن طفولته ومشاكساته مع أشقائه، فتارة تضحك بشدة حتى تدمع عيناها، وتارة تدفعه في كتفه بمزاح دافئ.


وبعد أن فرغا من الطعام، شاهدا فيلم أجنبي، وفي لحظات غلبها النعاس، فسقط رأسها على صدره بطمأنينة خالصة.

  نظر إليها وتأملها طويلًا، كأنما يرى في سكونها وحضنها وطن.


قام ببطء كي لا يوقظها، حملها بين ذراعيه، وأخذها إلى الغرفة، وضعها على الفراش، ثم  دثرها بالغطاء. 

لم يقاوم رغبة أن يكون قريبًا منها، فخلع قميصه القطني وبقي بالبِنطال فقط، وتمدد جوارها.


ظل يتأمل وجهها وانحنى نحوها ليضع قبلة حانية على شفتيها، ولما شعر برجفة جسدها تراجع قليلًا. 


لكنها فاجأته، وقد أطبقت ذراعها على صدره، ودفنت وجهها في عنقه، كطفلة وجدت ملاذها وأمانها الأخير.


أغمض عينيه عندها وشعر أنه لا ينام إلى جوارها، بل ينام فوق سحابة، فظل كذلك

حتى غلبه النوم.


                        ❈-❈-❈


صباح اليوم التالي، استيقظت على وقع حركته، فتحت جفنيها ببطء ثقيل، فرأته واقفًا أمام الخزنة، يمسك ملف ورقي وكأنه يحمل سر أثقل من أن يُباح.


رفع وجهه فجأة نحوها، فبادرت إلى إغماض عينيها، وتقلبت بخفوت على جانبها الأيسر، تُخفي يقظتها تحت ستار النعاس.

رن هاتفه رنين اخترق هذا الصمت، فارتبك قليلًا وهو يعيد الملف على عجل، وأغلق باب الخزنة بضغط سريع قبل أن يلتقط الهاتف ويهم بالخروج. 

قال بصوت مقتضب 

"خليك معايا ثواني"


أطبق الباب خلفه، فنهضت و تقدمت بخطوات حذرة نحو الخزنة، فوجدت بابها غير محكم الإغلاق ، فتحتها، التقطت الملف، فإذا بشعار معمل التحاليل يتصدر صفحاته. 

 توقف قلبها لحظة، وعاد ذاكرتها تومض بصورة نفس المعمل الذي كان يتابع فيه منذ سنين، قبل حملها بيوسف الصغير.


قلبت الصفحات بعينين يتسابق فيهما القلق مع الجهل؛ مصطلحات إنجليزية معقدة، أرقام باردة لا تفهم إلي ماذا تشير. 


 تقدمت نحو باب الغرفة تتأكد من صوته، كان لا يزال يتحدث في الهاتف، فعادت إلى الملف، وأمسكت هاتفها بارتجاف خفيف، وصورت الأوراق ورقة تلو أخرى، ثم أعادته إلى مكانه وأغلقت الباب بسرعة مشوبة بالهلع.


لكن صوته شق الهواء كالرعد

"بتعملي إيه عندك يا خديجة؟"


ارتجفت روحها قبل جسدها، لم تنتبه لخطواته ولا لعودته.

 استدارت ببطء، تحمل على وجهها قناع السكينة، فيما قلبها يتقافز خوفًا.

 "أنا… أنا كنت بدور على الشاحن"


رمقها آدم بنظرة تجمع بين السخرية والريبة، وأشار بعينيه نحو جوار السرير

"ما هو على الكمودينو جمبك… معقولة  مش شايفاه؟!"


ارتسمت على شفتيها ابتسامة حرج، تعلم أنها مكشوفة أمام حدة عينيه، ابتلعت ريقها وأجابت 

 "اعذرني يا حبيبي… لسه صاحية ومش شايفة قدامي، قولي صح هو أنت رايح الشركة ولا أجازة النهاردة؟"


رد وهو يرتب أكمام قميصه ويشد ياقة سترته

"رايح، بس هعدي الأول على المستشفى عند يوسف، هاقعد أتكلم معاه شوية"


 "يا ريت والله يا آدم… وربنا يباركلك لو صالحت ما بينه وبين علياء، مش عارفة إيه اللي جرالهم… ولا إزاي وصل للحالة دي!"


تنفس بعمق وكأن في صدره حملًا يتردد أن يبوح به، ثم قال بعبارة قصيرة، موزونة

"ربنا يسهل"


كاد أن يدير ظهره وينصرف، لولا أنها استبقته بخطوة خفيفة، ومدت يدها إلى ياقة قميصه تمسكها بدلال، رمقته بعينين تتقلبان بين العتاب والرجاء، وقالت بصوت يختلط فيه اللوم بمسحة حانية

"مالك كده؟ كل ما أكلمك، ردك على قد السؤال ومكشر، معقول لسه زعلان مني من يوم ما شدينا مع بعض؟"


تهرب من نظرتها، كأن عينيها مرآة لا يريد أن يرى فيها ما يخفيه. 

 قال وهو يشيح بوجهه قليلًا

"مفيش حاجة… أنا بس مخنوق شوية"


رفعت حاجبيها، وقد فهمت ما يخفيه فهمًا أوضح من كلامه

"تبقى لسه زعلان مني"


وقفت على أطراف قدميها، واقتربت لتطبع قبلة هادئة على خده، قبلة تحمل اعتذارًا لا يقوله اللسان، فهمست بلطف يذيب الغضب

"حقك عليا يا حبيبي"


نظر إليها بدهشة، فعاجلته بابتسامة شفافة واردفت

"على فكرة… أنا قعدت مع نفسي وفكرت في موضوع إننا نجيب بيبي تاني، ولاقيت الموضوع مش مستاهل اللي حصل، ده في الأول و الأخر رزق من عند ربنا، بيبعته وقت ما يريد، ولو محصلش نصيب، معانا يوسف، وده أحلى نعمة"


لم يخفِ ذهوله من هذا التحول المفاجئ، فسألها بنبرة متفحصة:

"يعني مش هتيجي بعد يومين وتقوليلي أنا نفسي في أخ أو أخت ليوسف؟"


هزت رأسها بنفي، وابتسامة وديعة تُزين شفتيها

"ومن إمتى بقولك على حاجة وبرجع فيها؟، أنا أهم حاجة عندي دلوقتي أنت يا حبيبي"


ضحك قليلًا، وما زال في نبرته أثر الدهشة

"سبحانه مغير الأحوال"


اقتربت منه وعانقته، تضع رأسها على صدره كمن يعود إلى ملاذه الأول، وسألت بصوت رخيم

"هترجع إمتى؟"


أجاب وهو يمسح على شعرها

"هارجع متأخر بالليل، بقالي كام يوم ما بروحش، وفيه شغل كتير متأجل لازم أراجعه وأمضي الورق، ابقوا اتعشوا وناموا براحتكم، محدش يستناني"


 "تمام… وإنت خد بالك من نفسك، 

وأنا هاكلمك كل شوية أطمن عليك"


سال دفء كلماتها في قلبه كأنها بلسم فوق جرح لا يُرى، فاحتضنها بقوة وقال بصوت يقطر ندم صادق

"أنا آسف لما انفعلت عليكي قبل كده، كان غصب عني، كنت مضغوط وأعصابي تعبانة شوية"


رفعت رأسها من صدره لتنظر إليه بعينين وادعتين

"عارفة يا حبيبي… ومفيش حاجة في الدنيا تستاهل لحظة زعل ما بينا"


ربت على ظهرها 

"ربنا يخليكي ليا يا حبيبتي"


ثم انحنى يطبع قبلة رقيقة على جبهتها، وأمسك يدها ليقبل راحة كفها، قبل أن يرفع يدها إلى خده، مستسلماً لدفء ملمسها.


قائلاً وهو يتأمل ملامحها

"اعملي حسابك… نهاية الأسبوع هاخدك انتي ويوسف الصغير، نروح نقضي يومين حلوين في الشاليه، نغير جو ونمسح أي نكد عشناه الأيام اللي فاتت، 

ومنها نعيش يومين عسل، إيه رأيك؟"


اتسعت ابتسامتها  

"بجد؟!، أنا كان نفسي أقولك كده من فترة… بس كنت محرجة بسبب اللي بيحصل في العيلة والظروف المكركبة اللي حوالينا"


أمسك وجهها بين كفيه برفق

"بعد كده أي حاجة نفسك فيها، قوليلي على طول، حتى لو الحرب العالمية التالتة شغالة ونفسِك تتفسحي، هافسحك وهاعملك كل اللي نفسك فيه"


أحاطته بذراعيها في عناق يغمره الشوق

"حبيبي يا دومي… ربنا يباركلي فيك يا روحي"


ثم انسحبت من بين ذراعيه ببطء، تبتسم بخجل عذب، واقتربت بشفتيها من شفتيه لتطبع قبلة خفيفة. 

ابتسم وقال بمرح حقيقي

"ده أنا شكلي مش رايح في مكان النهارده… بلا شركة بلا شغل بلا يوسف أخويا الغبي، يكش يولع، تعالي نقضي اليوم سوا"


وبدأ يفك أزرار قميصه، لكن فجأة لمعت في رأسها صورة الملف و التقارير، 

فأمسكت يده تمنعه

"بتعمل إيه يا حبيبي!، روح شوف شغلك وروق دماغ أخوك وأنا هستناك بالليل، 

ده أنا كمان ورايا مشوار الضهر، هقابل شيماء ونشتري شوية حاجات"


رفع حاجبيه بتعجب، لكن لم يتح له السؤال؛ فقد دفعت صدره بخفة وقالت وهي تسحبه نحو الباب

"يلا انزل وأنا هدخل أتوضى وأصلي الضحى… وأغير هدومي وهاحصلك عشان نفطر"


فتحت الباب، ودفعته برفق إلى الخارج وأغلقته خلفه، ثم أسندت ظهرها علي الباب، تتنفس بعمق، وعيناها معلقتان في الفراغ، همست لنفسها 

"لما أشوف مخبي عليا إيه يا سي آدم"


                        ❈-❈-❈


توقفت السيارة أمام مركز رعاية الأطفال المصابين بالتوحد، ارتجفت نبضات القلب قليلاً في صدر أحمد وهو يلتفت إلى الخلف، فيلتقي بعيون ابن شقيقه، فيسأله بحماس وود

"مستعد يا بطل؟"


ارتسمت ابتسامة بريئة على وجه الصغير، وأجاب وهو يلتصق بالزجاج يحدق بالخارج

"حمزة مستعد وشاطر"


رفعت علا رأسها لتقرأ اللافتة المثبتة على واجهة المبنى، متأملة كلماتها بتمعن، ثم سألت بقلق يختلط بالحرص

"متأكد يا أحمد إنهم هياخدوا بالهم منه؟"


ابتسم الأخر بثقة، وأجاب بنبرة مطمئنة 

"المركز هنا على أعلى مستوى، دكاترة وأساتذة معظمهم دارسين بره، وقبل ما نيجي النهاردة كنت هنا من يومين، وشوفت بعيني إزاي بيتعاملوا مع الأطفال، وبيقدمولهم أنشطة وترفيه وكورسات لتنمية المهارات، وبعد كده ما تقلقيش، أنا موصيهم على حمزة توصية خاصة، واتفقت كمان مع مُدرسة هاتكون معاه زي ظله، استني هاتصل عليها عشان تخرج تاخده"


لمس علامة الاتصال، وانتظر بضع لحظات حتى دوت صوت الفتاة في الهاتف، ووصل إلى مسامع علا

"ألو، مستر أحمد حضرتك وصلت؟"


"أه، إحنا بره قدام البوابة، اطلعي عشان تاخدي حمزة، ومش هوصيكي عليه"


"من عينيا يا مستر أحمد، أنا تحت أمرك"

قالتها بنبرة دلال جعلت علا ترفع حاجبيها بدهشة وغضب خفيف في آن واحد.

نزل أحمد من السيارة، وتبعته بخطوات سريعة، فتحت الباب للصغير وامسكت بيده، التفتت نحو البوابة، فانتبهت إلى الفتاة التي تخرج مبتسمة نحوهم؛ شابة ذات جمال هادئ، ترتدي ملابس رسمية أنيقة وجذابة، تمشي بخطى واثقة.


وقفت أمام أحمد، وابتسامة ود على وجهها، ومدت يدها للمصافحة

"أهلاً وسهلاً مستر أحمد، إزي حضرتك؟"


بادلها المصافحة قائلاً

"أهلاً بيكي"


نظرت الفتاة حولها بعناية، ثم سألت عن الصغير

"فين حمزة؟"

 و عندما انتبهت إليه، مدت يدها نحوه بابتسامة مشوبة بالحنان

"إزيك يا حمزة، أنا ميس سما"


رمق الصغير الفتاة بقلق، متشبثًا بيد والدته، فنظرت سما إلى علا بعفوية مصطنعة

"حضرتك تبقي ناني حمزة؟"


رمقتها الأخرى بنظرة حادة، ثم التفتت إلى أحمد الذي يكتم ضحكته، فأجابت المعلمة الحمقاء

"أنا مامته"


"سوري، أهلاً وسهلاً بحضرتك"


أمسك أحمد يد علا، واخبر سما

"مدام علا تبقى مامت حمزة، و مراتي"


التفتت سما إلى يد أحمد اليسرى، ولاحظت خلوها من خاتم الزواج. 

 بالطبع انتبهت علا لما تفحصه، فابتسمت بمكر، وأخرجت من حقيبتها خاتمها، فامسكت يد زوجها

"اتفضل يا حبيبي، أنت نسيت دبلتك على الحوض الصبح"


أخذها الأخر بحرج، يكتم ضحكته بصعوبة من غيرة زوجته عليه، وكيف أمسكت يده بعنف وأدخلت الخاتم في بنصره.


فقال لإخماد التوتر المحيط في الأجواء

"طيب يا ميس سما، هانسيب حمزة معاكي، وزي ما اتفقنا، لو في أي حاجة كلميني، المهم تحطي حمزة في عينيكي"


ابتسمت دون اكتراث لنظرات علا، وقالت بثقة

"ما تقلقش حضرتك، هو في عينيا، تؤمر بحاجة؟"


شكرها و انحنى نحو الصغير، وأمسك يده قائلاً

"حمزة حبيبي، هاتروح مع ميس سما، وابقى هادي وشاطر عشان أبقى أخدك ونروح الملاهي اللي بتحبها، اتفقنا؟"


هز الصغير رأسه بحماس

"اتفقنا"


عانق عمه بحب وبراءة، فبادله الأخير العناق بحنان عميق، ثم نهض وربت على كتفه

"يلا يا بطل"


امسكت المعلمة بيد الصغير، وعبرت به البوابة إلى داخل المركز، وقبل أن تُغلق خلفهما، لوحت بيدها إلى أحمد الذي التقطت أذناه همس علا الملتبس بالكلمات الساخرة

"جاتك البلا وانتي شبه خلة السنان"


عاد كليهما داخل السيارة، فانتظر حتى أُغلق الباب بإحكام، فانفجر ضاحكًا من قلبه، فرمقته شزراً، وعينيها تتوهج بغضب 

"بتضحك على إيه يا مستر أحمد؟!، ده انت حسابك معايا لما نروح"


فسألها ببراءة 

"طيب هي اللي بتستعبط معاكي، أنا ذنبي إيه؟"


رفعت حاجبيها بسخرية مرحة، وارتسم على شفتيها نصف ابتسامة لاذعة

"لا والله؟!، ما هي لو كان عندها معلومة منك إن أنا مامته، مكنتش استعبطت ورمت الكلمة، ولا عينيها اللي راشقة على صباعك اللي قلعت منه الدبلة ونسيتها علي الحوض"


تنهد محاولًا الدفاع عن نفسه

"مجتش فرصة أقولها عليكي، لأن كان كلامي مع مدير المركز، وبالنسبة للدبلة، أنا فعلاً نسيت ألبسها لأني مش متعود ألبس حاجة في صوابعي"


جزت على أسنانها بحنق فقالت

"لاء، اتعود يا حبيبي، وياريت متقلعهاش تاني أصلاً، الدبلة مش بتنقض الوضوء ولا ضارة بالصحة، هي هاتضرك فعلاً لو مالقيتهاش في صباعك، وخلي بالك من نفسك"


قهقه من كلماتها، وارتسم على وجهه سعادة عميقة من غيرتها التي لمسها بقوة هذه المرة

"حاضر يا حبيبتي، مش هاتتكرر تاني، وهاخد بالي من نفسي يا شبح"


ارتجفت شفتاها قليلاً، وسألته بتحدي

"انت بتستهزء بكلامي صح؟"


أجابها مبتسمًا

"أنا أقدر؟!، أنا بس بنكش فيكي، أصلي بصراحة كنت في قمة سعادتي، وانتي غيرانة عليا"


ابتسمت رغماً عنها، وقالت بنبرة مداعبة

"أيوه طبعاً بغير عليك، طب أنت فاكر لما كنت بتقرب من داليا الحربوقة عشان تحرقلي دمي، كان بيبقى نفسي أجيبكم من شعركم وأرميكم من فوق سطح الفيلا، زرع بصل"


عقد ما بين حاجبيه، وتصنع الخوف بمزاح

"لاء، ده أنا بعد كده هاخد بالي، العمر مش بعزقه"


"بعد الشر عليك"

وامسكت بيده، وضعت خدها على كفه

"ربنا يباركلي فيك وفي عمرك، وما يحرمنيش منك أبداً"


رمقها بعشق آسر وابتسم

"ده أنا كده ألف ونرجع على الشقة قبل ما أرتكب فعل فاضح في الطريق العام"


ضحكت وقالت بنبرة مشاكسة

"مجنون وتعملها، يلا اتحرك بقي، وقولي واخدني ورايح بينا على فين، وأوعي تقوله هانروح الفيلا"


رد عليها يطمئنها

"اطمني، مش هاوديكي هناك خالص، إحنا هانروح نقعد في النادي نفطر، ونشرب لنا كوبيتين نسكافيه، ونتكلم مع بعض شوية، ونحب في بعض شويتين"


ابتسمت وتشبثت بيده، واخبرته بصدق

"معاك في أي مكان، نتكلم مع بعض، ونحب في بعض، بس بالأدب عشان مش على آخر الزمن نتمسك آداب بفعل فاضح في مكان عام"


ضحك ثم طبع قبلة خاطفة على خدها، و أدار السيارة، فانطلقت بهما علي الطريق، حيث الهواء يعبق بالمرح، وفؤاد كل منهما يتراقص بسعادة لا توصف.


                      ❈-❈-❈


أزعجها الضوء الذي اخترق ما بين الستائر، ولم يكن الضوء وحده ما يزعجها فقط، بل هناك ما هو أكثر إلحاحًا، الصوت الذي يخرج من أنف وفم النائم بين ذراعيها.  

 فتحت عينيها ببطء، لتتأكد مما يحيط بها، فإذا به قابع بين ذراعيها، ورأسه يستند بأريحية على صدرها، ويحتضن جذعها بذراعيه، يبدو أنه ينعم بنوم هنيء، غافلاً عن العالم من حوله.


فتح عينيه، فصادف عينيها المستيقظتين، فاتسعت خاصتها، وكادت تصرخ، إلا أنه باغتها بقبلة مفاجئة. 

رفعت يدها لتضربه في صدره، لكنه أمسك بيديها الاثنتين، وقيدهما خلف ظهرها، فأصبح الوضع أنها ملتصقة به وجهًا لوجه، وكأن الزمان توقف لحظة.


ترك شفتيها لتتنفس بارتياح، ثم قال لها بنبرة هادئة ولكنها حازمة

"اهدي بقي وامسكي العقل… بلاش جو الصريخ والصويت، أنتي روحتي في النوم امبارح جمبي و إحنا بنتفرج علي التليفزيون، وكانت راسك على صدري، صعبتي عليا و شيلتك وجبتك هنا، حطيتك على السرير وغطيتك، ولاقيتك ماسكة في حضني فصعبتي عليا تاني، وقولت أنام جنبك وما أكسرش بخاطرك، وأنا ما يهونش عليا زعلك يا قمر"


ضيقت عينيها، وقالت بسخرية

"خلاص خلصت التمثيل!، ممكن تسيبني وتطلع بره الأوضة وما أشوفش وشك لحد ما نخرج من هنا"


ابتسم بتحد قائلاً

"يعني دي كلمة شكراً اللي المفروض تقوليها لي؟!"


تنهدت، وأجابت بلهجة مرهقة

"ياسين، دماغي مصدعة ومعنديش أي طاقة للجدال، فياريت تتكرم وتبعد عني، وتسيبني في حالي، وروح ألبس حاجة تسترك بدل ما أنت فرحان بجسمك"


غمز بعينه وقال بخفة

"هاقوم وأبعد، بس مش هاسيبك في حالك، أنا زي ضلك، بالنسبة لجسمي، بطل هاستره بس أنتي بطلي بص عليا يا سوسة ياللي هتاكليني بعينيكي"


زفرت بتأفف، فترك يديها ونهض. 

قامت هي الأخرى ورأته يتجه إلى الحمام، ثم أضاف وهو يمر بجانبها

"لو عايزة تدخلي الحمام، في واحد في الصالة وواحد في أوضة ياسمينا، ومعلش ممكن تعمليلي فنجان قهوة، أو خليهم اتنين ليكي و ليا، لأن دماغي أنا كمان مصدعة من قلة النوم، معرفتش أنام من صوت شخيرك وأنتي نايمة طول الليل"


اتسعت عينيها بصدمة، ورددت بدهشة

"أنا بشخر وأنا نايمة؟!"


حين أدركت أنه يلقي عليها ما يفعله هو، صاحت وهي تلوح بيديها

"على فكرة، أنت اللي كنت بتشخر، وصحيت على صوتك المزعج"


بعد قليل... 

عادت إلي الغرفة بعد أن ارتدت ثوب محتشم لكن لم تستطع إغلاق السحاب، حاولت مرة أخرى و لم يجدي نفعاً. 


تأففت بضجر، حتي سمعت صوت باب الحمام فوجدته يخرج مثل الأمس، عاري الصدر و يلتف حول خصره منشفة قطنية فقط، تعمد أن يفعل عكس ما طلبت منه،  بينما هي تدرك تمام الإدراك ما تفعله، تمارس التجاهل وتتعمد أن تطفئ بريق الشوق في عينيها كلما اقترب منها، وكأنها تعلن له أنها تملك زمام اللعبة. 

بينما هو، فلم يكن بالرجل الذي يُهزم بسهولة؛ فحين لم يجد إلى قلبها سبيلاً، لجأ إلى حيلة تُشعل فضولها وتكسر جدار البرود الذي نسجته حول نفسها.


ففي كل يعلم إنها تكن في الغرفة، يتعمد أن يخرج من الحمام و حول خصره منشفة قطنية فقط، تتلألأ قطرات الماء على جلده كحبيبات الندى فوق تمثال صخري مصقول، يتصرف بلامبالاة مصطنعة، كأن حضورها لا يعنيه ولا يقصد شئ بأفعاله تلك. 


 لم تكن تجرؤ على التحديق فيه مباشرة، لكن عينيها خانتاها، فكانت تسرق النظر من طرفها، تلاحق بانجذاب خفي عضلات عضديه، وانبساط صدره، وتناسق منكبيه، كأنها تشاهد ملامح محارب خرج لتوه من أسطورة يونانية قديمة.


كانت تحاول أن تقنع نفسها بأنها ما زالت تسيطر على الموقف، غير أن نبضها المتسارع وارتباك أنفاسها كانا يشيان بأن الحيلة قد نجحت، و قوتها التي تتظاهر بها، بدأت تتصدع تحت وطأة نظرة واحدة منه، أو خطوة عابرة بجسده المبلل نحوها.

وإذا به يفاجئها بقوله بنبرة عملية لا تخلو من المرح والجرأة السافرة لديه

"لفي وشك عشان هقلع البشكير و هلبس هدومي"


رمقته بامتعاض ظاهر، ثم ولت ظهرها ، وما إن فعلت، حتى جذب انتباهه سحاب ثوبها المفتوح، فانجذب نحوه بخطوات هادئة، وقال بصوت متهدج 

"ما تقوليلي وأنا أقفلهالك، ما تتكسفيش ده أنا حياله جوزك يعني"


ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة، كاشفة عن ضعفها الذي لا تريد الاعتراف به، فابتسمت على مضض، وقد فازت كلماته بخطف ضحكة من بين شفتيها

"طيب يا جوزي… بطل كلام و اقفل السوستة، وأنت كمان انجز و ألبس بسرعة، عشان عايزة أروح لبنتي"


 لم تسمع منه رد، بل شعرت بيده تُزيح كتف الثوب قليلًا، كشف كتفها بلمسةٍ خفيفة، وتوقف عند الندبة الذي تركها لها الحادث، يتأملها بصمت ثقيل.


صاحت بحدة وقد ارتجف جسدها تحت أصابعه

"ياسين!، بتعمل إيه؟!، بقولك اقفلي السوستة… مش تقلعني الفستان"


كانت تعلم جيدًا سبب فعله، فاستدارت نحوه واقفة في مواجهته، تحدق فيه بعينين يملؤهما الامتعاض. 

 سألها بصوت هادئ يشي بالقلق

"العلامات اللي في كتفِك دي… من الحادثة؟"


أجابت على مضض كأن الكلمة تألم قلبها

"آه"


تناولت الوشاح بسرعة نافرة، وارتدته بقلق واضح. 

اقترب منها مرة أخرى، ولمس الندبة بأطراف أصابعه، فانتفضت وصاحت بغضب 

"عايز إيه؟!"

فهم هو ما لم تنطق به، سبب ضيقها وحرجها، وارتباكها أمام ندبةٍ تُذكرها بما لا تريد تذكره. 

 جلس إلى جوارها، وأمسك يدها برفق يناهض توترها، ثم قال بصوت عميق دافئ

"حبيبتي… أنا فاهم إنك متضايقة ومحرجة، بس أنا جوزك، وأثار الجرح مش حاجة تستاهل تضايقك ولا تتكسفي منها، بالعكس دي شبه التاتو، وشكلها عاجبني على فكرة"


رفعت وجهها إليه، ونظرت له بنبرة عتاب خافتة

"أنت بتجبر بخاطري… بلاش نضحك على بعض، دي ندبة وشكلها مش حلو خالص"


ابتسم ابتسامة جانبية وقال بثقة لا تهتز

"أنا عاذرك، لأنك ناسية حاجات كتير، ومن ضمنها إن أنا صريح وما بعرفش أجامل، يعني الحلو بقوله حلو، والوحش بقوله وحش، ماليش في المجاملات ولا النفاق"


هزت رأسها بتعب وقالت

"طبيعي إنك هاتشوف أي حاجة فيا حلوة، حتى لو ندبات جرح شكلها مقزز، وده لأنك بتحبني، لكن أي حد غيرك لو شافها هايتقرف من شكلها"


اقترب منها أكثر، وكأن قربه يشكل جدار، وقال بنبرةٍ ممتلئة بالرجولة والغيرة

"ومين اللي حضرتك يا هانم هايشوفها غيري؟!، وبعدين ملكيش دعوة بالناس، ما يولعوا بجاز، المهم إنتي خليكي واثقة في نفسك، وحطي في دماغك إن مهما حصل إنتي أقوى من أي حاجة ممكن تهزمك"


رفع يده إلى ذقنها، يمسك طرفه برفق، ويجبرها على النظر في عينيه، ثم قال وهو يبتسم ابتسامة مراوغة

"طب هاقولك على حاجة، أنا أول ما شوفت الندبة، كان نفسي أعمل حاجة"


رمقته باستفهامٍ خافت، فجعلها تولي ظهرها إليه، وكشف عن كتفها بجرأة هادئة، حتى بدت له الندبة كاملة، فدنا منها بشفتيه، وبدأ يقبلها ببطء وحنان، فانتفضت من أثر قبلاته الدافئة، ذهابًا وإيابًا، كما لو أن جسدها يُخبره بما يخفيه عقلها من مشاعر مختلطة.


خرج صوتها بصعوبة مرتجفًا بين شفتيها

"ياسين؟"


همس بجوار أذنها، صوته دافئ ممتلئ بالحب

"عمره وحياته كلها"


أجابت بصوت أثقله مقاومة عقلها، وجسدها الذي استسلم لكل لمسة من يديه

"كفاية… أرجوك"


نظر صوب عينيها، عينيه مليئتان بالفضول والحرص، وسألها

"أنتي بتضايقي كل ما أقرب منك؟"


وجدت لسانها ينطلق بإجابة صادقة، نابعة من خيوط مشاعرها المتضاربة

"مش حوار ببقي متضايقة ولا لأ؟!، أنت كل ما تقرب مني بلاقي نفسي بستسلم لأي لمسة منك، وفي نفس الوقت عقلي بيرفض، خناقة كبيرة بتحصل جوايا، وبحس بعدها بإرهاق وتعب نفسي، ياريت تكون فهمت قصدي، وبالله عليك ما تزعلش مني، أنت جوزي وحرام أمنعك تقرب مني، فبطلب منك تديني الوقت اللي يقدر عقلي يتقبلك ويتعود عليك، أو أقولك تعالي نبدأ حياتنا من أول وجديد، بمعنى إننا اتنين معجبين ببعض ولسه بنتعرف على بعض، أو اتنين مخطوبين ولسه بيتفاهموا اعتبرني خطيبتك"


"نعم ياختي!"


"بقولك اعتبرني، وهايبقى وضع مؤقت لحد ما هتلاقيني أنا اللي بقرب منك من نفسي"

صمتت لحظة بخجل فابتسم، وأخذ كلامه بجدية ملؤها العزم

"عشان خاطرك هاعمل أي حاجة، ومستعد أبقى خطيبك العمر كله، بس الخطيب السافل المنحط اللي بيتحرش بخطيبته وبيعمل تجاوزات"


ضحكت، وهزت رأسها بسأم

"مفيش فايدة… السفالة بتجري في دمك"


قال لها وهو يغمز بعينه بمكر وحب

"حبيبتي إحنا متجوزين من ٩ سنين… يعني عشت معاكي كل حاجة، عايزاني أبقى مؤدب معاكي إزاي؟!، بس مضطر أبقى مؤدب لحد ما الباشا عقلِك يحن عليا ويقولك انحرفي يا ياسمين مع الواد ياسين جوزك الغلبان"


صاحت وهي تدفعه بعيداً عنها

"قوم يا غلبان ألبس هدومك، عشان البنت وحشاني وزمانها صحيت من بدري وسألت عليا، وقبل كل ده اقفلي السوستة يلا، بس ياريت تقفلها بأدب"


ابتسم لها ببراءةٍ زائفة

"هحاول"


ثم قام بإغلاق السحاب ببطء متعمد،  حتى انتهى وقال بمزاح سافر

"خلصنا من مهمة قفل السوستة… نيجي بقي لمهمة خلع البشكير"


ووضع يده على طرف البشكير وكأنه سيخلعه، فصرخت بخجل وركضت نحو الخارج، بينما أخذ هو يضحك ضحكة صاخبة، ممزوجة بالحب والمزاح، وهو يتابعها بعينيه المليئتين بالشقاوة والدفء.

                           ❈-❈-❈


وصل أحمد وعلا إلى أحد النوادي الفاخرة، حيث تتجمع عائلات الطبقة المخملية، وتتشابك الضحكات مع صدى الأحاديث المتناغمة، وكأن صدى الحفل الذي أقامته السيدة شيريهان من أجل خطبته على داليا لا يزال يلاحق أصداء المكان، إلا أن أحمد كان قد حول المناسبة إلى حفل إعلان صامت، عن زواجه بأرملة شقيقه، المرأة التي استولت على قلبه وعقله معًا دون هوادة، كأنها توقيع القدر على حياته.


وقفا أمام طاولة أنيقة، فجذب كرسي لعلا قائلاً

"اتفضلي يا لولا"


جلست  مستمتعة بمناداته لها بهذا الاسم المدلل، بينما جلس هو في المقعد المقابل، أمسك بيديها بلطف، وسألها بنبرة دافئة

"ها، تحبي تفطري إيه يا حبيبتي؟"


ابتسمت وأجابت بروح مرحة

"فطرنا على ذوقك"


"ذوقي ونفسي رايحين للفطار اللي معظم الشعب بياكله"


"بتهزر، لو قصدك على الفول والطعمية، هتلاقيهم هنا إزاي؟ ولا ناوي تطلبهم دليفري؟"


ابتسم بفخر، وأجابها وهو يلمع في عينيه شجاعة ومرح

"هنا في النادي هتلاقي كل حاجة تخطر على بالك، وبعدين أنتي واخدة فكرة غلط عن الطبقة المخملية، دول بياكلوا كل حاجة عادي يعني"


"خلاص، اطلبلي معاك فول بالبيض وطعمية بالسمسم، بس وصيهم يخلوها مقرمشة، وما ينسوش البتنجان المخلل والفلفل المقلي"


فقال معقباً

"ومعاهم طبق مسقعة وطبق بابا غنوج غرقان بالطحينة، وبطاطس محمرة" 


مسح بلسانه على شفته باشتهاء، فضحكت  

"طيب يلا استعجلهم، عشان أنت جوعتني أوي"


ابتسم لها وقال بحزم دافئ

"طيب خليكي هنا، وأنا هاروح المطبخ كل اللي هناك أعرفهم، وأعرف الشيف الكبير، عشان أوصيهم، وهاعمل مكالمة تبع الشغل، وراجعلك، ما تتحركيش من مكانك"


"روح بس ما تتأخرش عليا"


أمسك بيدها، وقبل ظهر كفها على عجلة من أمره

"عشر دقايق و جايلك تاني"


وعندما ذهب لاحظت بعض من حولها يرمقونها بنظرات متفرسة، وتهامس خافت يتخلل الهواء، كأن الكلمات المسموعة من شفاههم أشواك تحيكها الريح. 

 وعلى بعد عدة أمتار، جلست امرأة غامضة، ترتدي قبعة ونظارة شمسية سوداء تحجب ملامحها، تمسك بهاتفها الذكي وتتنقل بأصابعها على لوحة الكتابة.


«هو قام دلوقتي وسابها لوحدها»


لم تمض لحظات حتى جاءها الرد، رسالة نصية قصيرة لكنها مشحونة بالنوايا

«نفذي اللي اتفقنا عليه، خليها ما تنساش هي مين، والباشا اللي معاها يبقى يوريني هيستحمل لحد إمتى»


«اعتبريه حصل»


رفعت يدها نحو طاولة بها أربع فتيات، ولامست واحدة منهن كتف صاحبتها، وأومأت بإشارة خفية

"يلا يا بنات"


نهضن، وتحركن بخفة نحو الطاولة المجاورة، حيث جلست علا، وأخذن يضحكن بخفوت، وينظرن إليها خلسة، حتى انتبهت علا إلى نظراتهن، وسمعت إحدى الفتيات تهمس

"تعرفوا يا بنات، شوفت مين وأنا داخلة من البوابة دلوقتي، أحمد الشريف"


ردت أخرى، وهي تكشف عن جزء من فضولها

"كنت أنا ومامي معزومين على حفلة خطوبته، وفجأة لاقيناه بيقول لكل المعازيم إنه متجوز أرملة أخوه، وقعد يقول شعر فيها، بس أنا مستغربة، ليه معملوش فرح طالما بيحبها أوي كده؟!"


بينما الثالثة، ألقت الحكاية كاملة

"أنا بقي عارفة القصة كلها، صاحبتي مامتها تبقى صاحبة مدام شيري مامت أحمد.

، القصة إن مرات أخوه حازم، دي كانت خدامة عنده، ودبسته وحملت منه، لما عرف والد حازم بعد موت ابنه إنه له حفيد، فضل يدور عليها، ولما وصلها طلع عقد جواز لابنه وللخدامة عشان يسجل حفيده باسمهم، وبعد فترة اتوفى، وعشان يحافظوا على حفيدهم وعلى أملاك العيلة، جوزوا أخوحازم الكبير للخدامة"


عقبت الرابعة، بتمثيل متقن بخليط من الدهشة والشفقة

"يا حرام… صعب عليا أحمد أوي، ده كان چان النادي والجامعة، كل البنات كانت تتمنى إشارة منه، وبنات من عائلات كبيرة ليهم اسم ووزن في البلد، يقوم رامي نفسه الرمية دي، يتجوز خدامة؟!"


كل تلك الهمسات وصلت إلى مسامعها، ولت ظهرها إليهن، وأدركت على الفور أن هذه ليست إلا لعبة جديدة من ألاعيب والدة زوجها، التي لا تكل ولا تمل من أذيتها.

انسحبت سريعاً قبل أن تلتفت أي منهن، لكن أصوات ضحكاتهن علت حتى كادت تصل عنان السماء.


بحثت عن مكان للاختباء، فوجدت لافتة تشير إلى الحمام. 

ولجت إلي الداخل كأنها تغوص في ملاذها الخاص، فانفجرت في البكاء، سيل من دموع يختلط بالغضب والحزن، لكنها لم ترغب أن تنجح خطة شيريهان.

فهي قادرة على الرد على هؤلاء الحمقاوات، لكنها اختارت الصمت، وأن تتجاهل كل ما قيل، وأن تعود إلى الطاولة بكل أريحية، متحكمة في أعصابها وعقلها، كملكة تتربع على عرش صمتها، متسلحة برباطة جأش لم تهتز.


                         ❈-❈-❈

توقف بسيارته أمام محل صغير تفوح منه رائحة البن المحمص، كأن الدفء تقدم نحو البائع، فأخذ منه كوبين من القهوة الساخنة التي تتراقص أبخرتها في الهواء، ثم عاد إلى سيارته، يناول زوجته كوبًا وهو يحتفظ بالآخر.


أخرج ورقات من المال ومد يده بها إلى الرجل قائلًا

"اتفضل"


فرد الآخر بابتسامة بسيطة

"خلي يا بيه"


قال له ممتنًا

"متشكر… تسلم يا نجم"


عاد إلى مقعده، وأدار السيارة لينطلق من جديد، وما هي إلا لحظات حتى صدح الهاتف بمكالمة واردة. 

وضع السماعة اللاسلكية في أذنه وأجاب قائلًا بصوت هادئ

"ألو يا شادي… صباح الخير"


جاءه صوت صديقه مشحونًا بالانزعاج

"صباح الخير؟!، طبعًا سايب الشركة بقالك أيام، ولا على بالك تتصل تطمن الدنيا ماشية إزاي"


ارتشف من كوب القهوة، ثم رد بضجر واضح

"ارغي وهات من الآخر، في إيه؟"


"فيه إن الشغل متراكم… والعملاء على آخرهم… غير الصحفيين والإعلاميين اللي كل يوم عندنا في الشركة عايزينك، وبيسألونا عنك وعن اللي حصل معاك"


فجأة ضغط على المكابح بقوة، فتقدم جسده للأمام قليلًا، وانسكب بعض من القهوة على عجلة القيادة. 

سارعت ياسمين فناولته محرمة ورقية، فأخذ يمسح ما انسكب. 

 

فقال باقتضاب 

"طيب، أنا في مشوار وجاي، هاتصرف يلا باي"


أنهى المكالمة، وفتح الإنترنت، وما إن اتصل هاتفه بالشبكة حتى انفجرت عليه شاشة الهاتف بوابل من الإشعارات، ورسائل متتابعة من كل تطبيق يملك عليه حسابًا. 

ضغط على بعض المنشورات عشوائيًا، وما إن قرأ أول سطر حتى عاد إلى ذهنه حديث شقيقه يوسف ليلة أمس، فزفر بضيق.

سألته ياسمين، وقد لاحظت التغير الذي طرأ على ملامحه

"فيه حاجة حصلت؟"


رد وهو يرمق هاتفه بامتعاض صريح

"فيه إن الحوار طلع فعلًا كبير، وبقينا تريند… والفيس ماورهوش سيرة غير أنا وإنتي ودكتور الغبره، وطبعًا الصحفيين والجهات الإعلامية مستنيين الفرصة، عايزين يتواصلوا معايا عشان يقعدوا علي الخبر ويعلوا الريتش عندهم بالسبق الصحفي اللي هايعملوه على قفايا"


سألته بهدوء لا يخلو من القلق

"وهاتعمل معاهم إيه؟"


رد بنبرة تحمل عناد لا يقهر

"هطلع عينيهم… وهخليهم يحرموا يكتبوا حرف عننا، ده غير إني هطربقها فوق دماغهم"


هزت رأسها ناصحة

"عايز رأيي، كبر دماغك وماتردش عليهم، وبكرة هينسوا ويبطلوا يتكلموا عننا"


رمقها بابتسامة ساخرة، أشبه بضحكة مكتومة تحمل يقين رجل يعرف جيدًا كيف يتعامل مع العاصفة

"إنتي غلبانة قوي يا ياسمين، دول ما هايصدقوا، زي اللي بيستنى أي جنازة ويشبع فيها لطم، أنا لازم أحط حد للحوار ده من غير ما أقابل أي كلب فيهم"


قالت بتوجس جلي

"ناوي تعمل إيه؟"


عانق يدها بين يديه، وشد عليها بثقة راسخة، محدقاً في عينيها قائلًا بنبرة لم تتخل عنها الصلابة

"هجيب معاهم من الآخر"


                        ❈-❈-❈


وبالعودة إلى الفتاة ذات القبعة والنظارة السوداء، رفعت هاتفها لتقرأ رسالة واردة، فامتلأ وجهها بتوتر خفي

«إيه الأخبار؟»


أجابت بسرع

«قامت مشيت غالبًا راحت التويليت، البنات عملوا معاها الواجب وزيادة، ولسه محضرالها حاجة تانية هاتعجبك أوي، بس لما تحصل هاحكيلك عليها أو أصورهالك وأبعتهالك»


«في انتظارك»


بينما علا، فكانت قد أنهت غسيل وجهها، ومسحت ملامحها بالماء البارد، وجففته بالمحارم الورقية، حتى صدح رنين هاتفها، فوجدت المتصل هو زوجها، يبدو أنه عاد إلى الطاولة ولم يجدها.


خرجت بسرعة، تتلفت حولها، فتصادمت فجأة بشاب يحمل كوب قهوة، رفعت يديها معتذرة

"أنا آسفة جدًا، مكنش قصدي"


رمقها الشاب بنظرة متفهمة

"ولا يهمك"


ثم توقف و حدق في ملامحها، واتسعت ابتسامته بدهشة صافية

"إيه ده، أنتي علا؟!"


رمقته بدهشة ممزوجة بالتعجب

"حضرتك تعرفني منين؟"


أجابها بفخر 

"أنا عمار صاحب زوما… قصدي حازم الشريف، معقولة مش فاكراني؟!"


وفي تلك اللحظة، وقف أحمد بجوار الطاولة، يعيد الاتصال على هاتفه، فأشارت له إحد الفتيات الأربعة

"لو بتدور على المدام اللي كانت هنا، راحت عند الحمامات"


نظر إليهن، ثم انصرف، بينما التفتت الفتاة ذات القبعة إلى رفيقتها وأشارت لها بإبهامها على إتمام المهمة.

  نهضت الفتيات الأربعة، وغادرن المكان بسرعة.


همت علا بالابتعاد والعودة إلى طاولتها، قالت بحذر

"أنا معرفش حضرتك، عن إذنك"


اعترض الشاب طريقها، أمسك يدها بإصرار

"إزاي ما تعرفنيش يا علا؟، مش فاكرة أيام ما كنت أنا والشلة لما كنا بنيجي نسهر عند حازم؟، كانت أحلى أيام عمري ما أنسى الأكل من إيدك، ولا اللي حصل بينا في المطبخ"


اتسعت عينيها، وصاحت بغضب

"إيه اللي انت بتقوله ده يا حيوان؟! اوعي سيب إيدي"


انتزعت يدها من قبضته، لكنه اقترب منها مجددًا

"ليكي حق تزعلي وتنسي، المرة دي هزودلك الفلوس أكتر، تعالي معايا بقي شقتي قريب من هنا، تعالي وهابسطك أوي"


لكن قبل أن يتمكن من مسك يدها، تلقت لكمة قوية صاح صاحبها بزئير

"ده أنا اللي هابسط أمك وهي بتقرأ عليك الفاتحة يا وسخ"


تأوه الشاب، وحاول الدفاع عن نفسه، لكن علا أمسكت بيد زوجها

"خلاص يا أحمد بالله عليك، الناس هتتلم علينا، مش ناقصين فضايح"


صاح بها بحزم

"ابعدي انتي على جنب، مش سامعه الكلام القذر اللي بيقوله ليكي!"


ابتعد الشاب إلى مسافة آمنة، وألقى كلماته النارية بصوت متصاعد

"وأنا مقولتش كلام قذر… هي عرفاني، وأنا أعرفها، أنا صاحب حازم اللي كانت بتشتغل عنده"


صرخت علا، بصوت يمزج الغضب بالرفض

"كداب… ما أعرفكش والله العظيم، ولا عمري شوفتك"


واصل الشاب محاولاته لتبرير نفسه

"ما أنا لو كنت زي حازم وبدفعلك أكتر، كنتي هاتفتكريني كويس و... 


لكن قبل أن يكمل، قفز أحمد إليه، وانقض عليه بضربات متتالية، حتى أنهكه وأشبع جسده العنف المبرح، حتى توقفت الفوضى فقط عند حضور رجال الشرطة، الذين تمكنوا من السيطرة على الموقف، وإنهاء الاشتباك بصرامة. 


                         ❈-❈-❈

في قسم الشرطة، وقف الضابط الشاب بحدة، وجه سؤاله نحو عمار

"وأنت تعرف مدام علا منين عشان تتعدى عليها بالكلام القذر اللي قولته ليها؟"


وقف الأخر بثقة، رغم وجهه المملوء بالكدمات، وأجاب بهدوء لكنه متوتر

"اعرفها لما كنت بروح أنا وأصحابي ونسهر عند حازم الشريف الله يرحمه… كانت لا مؤاخذة الخدامة اللي كانت بتخدم حازم، ولما كنا بنروحله، كانت بتروق علينا، وكل اللي كان بتمنه سعادتك"


زمجر أحمد، وكاد ينقض عليه مرة أخرى، فقام مساعد الضابط بإيقافه بحزم

"اهدي يا أحمد بيه، بدل ما نضطر نخرجك بره"


سأل الضابط الآخر علا، التي لم تكف عن البكاء

"إيه ردك على كلام عمار يا مدام علا؟"


أجابت علا بنبرة متماسكة، رغم دموعها

"أنا فعلاً كنت بشتغل عند حازم الله يرحمه، وكان أبو ابني حمزة، وكل اللي بيتقال كدب في كدب، حازم مكنش بيجيب أصحابه في الشقة طول ما أنا موجودة، وكان بيعاملني بكل احترام"


أومأ الضابط وقال

"تمام يا مدام علا، ممكن تتفضلي تستني بره، وإحنا عارفين هنعمل إيه"


خرجت فنظر الضابط إلى عمار الذي بدا عليه التوتر، وقال لأحمد

"واضح إن فيه ملعوب بيحصل يا أحمد بيه، والاستاذ عمار هايفضل مشرفنا في الحجز لحد ما يقولنا مين اللي سلطه على مدام حضرتك"


صاح عمار، محاولًا التخفيف من الموقف

"أنا متنازل عن المحضر خلاص، ومسامح أحمد بيه… ممكن أمشي بقي"


ضحك الضابط ساخرًا

"هو دخول الحمام زي خروجه؟!، الكاميرات جايباك صوت وصورة، وأنت بتتحرش بمدام علا بالكلام وبالفعل، وأحمد بيه كان رد فعله طبيعي، ومعليهوش أي حاجة، لكن حسابك معانا مطول لحد ما تحكيلنا اللي أنت مخبيه ومين اللي زقك عليها"


ثم نظر إلى أحمد قائلاً

"اتفضل حضرتك امضي هنا، وسيب رقم تليفونك عشان هنتواصل معاك"


وقع أحمد اسمه وكتب رقم هاتفه، ثم بعد عدة إجراءات روتينية، غادر القسم مع زوجته.


دخلت السيارة، وجفونها ما زالت منتفخة من البكاء، جلس أحمد في كرسي القيادة المجاور، يغلي من الغضب، صامتًا دون كلمة، وانطلق بالسيارة.


كانت علا تراقبه من طرف عينيها، و الرعب يسيطر علي قلبها من هدوئه القاتل، همست بخوف، وكأنها تحاول الدفاع عن نفسها

"أحمد، أوعي تكون صدقته… والله العظيم ما حصل أي حاجة من اللي قاله"


صاح في وجهها بغضب فأجفلها

"مش عايز أسمع حاجة"


انفجرت بالبكاء، فتوقف فجأة بسيارته، والتفت إليها

"بتعيطي ليه؟ ما تعيطيش"


لكنها لم تكف عن البكاء، فرفع صوته بغضب جعلها ألتزمت الصمت رغماً عنها

"بقولك ما تعيطيش"


انطلق مرة أخرى، حتى وصل أمام البناء، فأمرها

"انزلي، ولما تدخلي الشقة، اقفلي الباب بالمفتاح من جوه لحد ما أرجعلك"


نفذت علا أمره، بينما أكمل هو طريقه حتى وصل أمام فيلا عائلة الشريف. 

 فتح الحارس البوابة، فانطلق إلى الداخل، وتوقف أمام الفيلا. 

 ترجل من سيارته ووجهه لا يبشر بخير، دلف إلى الداخل، وصعد الدرج، وبدون استئذان دفع باب غرفة والدته بعنف، وكاد يصيح بغضب جم، فإذا بلسانه يتوقف فجأة، واتسعت عيناه من المشهد الذي رآه أمامه!


يتبع...

.ماتنسوش التفاااااعلات وووو والكومنتات دعما لاستمرار النشر


#الفصل_الحادي_والثلاثون

#غرام_الذئاب

#الجزء_الرابع_من_سلسلة_صراع_الذئاب

#ولاء_رفعت_علي


رجال تُمزقهم الذكريات، ونساء يدفعن ثمن اختيارات لم تُمنح لهن يومًا.

حب يقاتل ليبقى، وخطيئة تتوسل النسيان، وقلوب ظنت أن الهروب نجاة فاكتشفت أنه بداية السقوط.

.............. 


ترجل من سيارته ووجهه لا يبشر بخير، دلف إلى الداخل، وصعد الدرج، وبدون استئذان دفع باب غرفة والدته بعنف، وكاد يصيح بغضب جم، فإذا بلسانه يتوقف فجأة، واتسعت عيناه من المشهد الذي رآه أمامه!


"روح؟!" 

لم تكن دهشة فحسب، بل صدمة خالصة؛ صدمة من يرى ماضيه حيًّا يقف أمامه، ماضيه الذي ظنه دُفن منذ سنوات. 

 هي ذاتها… ملامحها، حضورها، ذلك الطيف الذي أحبه يومًا، وتمنى أن تكون زوجته، قبل أن تقف والدته سدً منيعًا في وجه حلمه، رافضة رفض قاطع لا يقبل النقاش. 

 بعدها ابتعد وسافر، وانقطع عن الجميع لسنوات ثم عاد إليه الخبر كطعنة غادرة، شقيقه حازم تزوجها.

انتشله من دوامة أفكاره صوت والدته، التي كانت قد فوجئت بوجوده، فقالت بنبرة حاولت أن تُخفي توترها

"حمد الله على السلامة" 

لم يُجب، لم يلتفت، تركيزه مشدود بالكامل إلى تلك التي تقف أمامه، تُشبهها حد التطابق، كأنها انعكاسها في المرآة.

 نظرت تلك النسخة إليه بثبات غريب، ثم سألته بصوت هادئ يخفي نبرة ساخرة

"أنت بقى أحمد الشريف، صح؟" 


عقد ما بين حاجبيه في حيرة ظاهرة، فالتقطت رده بابتسامة ساخرة، لم تخل من لذعة متعمدة، التفتت بنظرة سريعة إلى شيري، التي رمقتها بنظرة تحذير صريحة، لكنها لم تُبالِ، وعادت ببصرها إلى أحمد واقتربت منه خطوة، قدمت نفسها بنبرة واضحة قاطعة

"أنا رهف… أخت روح الله يرحمها، أختها التوأم" 


قبل أن يستوعب وقع الكلمات، تدخلت والدته على عجل، محاولة إنهاء الموقف

"اتفضلي انتي يا رهف، وأنا هبقى أكلمك" 


نظرت إليها رهف نظرة ثابتة وقالت ببرود 

"قدام حضرتك يومين مالهمش تالت، عن إذنك" 


ثم التفتت إلى أحمد، وقالت بأسلوب ساخر وهي تهم بالمغادرة

"فرصة سعيدة يا أحمد بيه" 


ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها، ثم استدارت وغادرت. 

 ظل الأخر يقف في مكانه، يلاحق أثرها بعينيه مأخوذًا وعاجز الفكر، حتى اخترق سمعه صوت والدته وهي تسأله بنبرة متفحصة

"يا ترى… مجيتك اللي على غفلة دي سببها إيه؟" 


رمقها بنظرة حادة، وفي اللحظة ذاتها انقدح في ذاكرته سبب مجيئه إلى هذا المكان، كأن الغشاوة انزاحت فجأة عن بصيرته، فعاد الغضب يتوهج في صدره، وتقدم خطوة للأمام وهو يقول بلهجة منفلتة من عقال الصبر

"إنتي مش هتبطلي شغل المؤامرات الوسخ اللي عمالة تعمليه علشان تفرقينا أنا وعلا؟!" 


اتسعت عيناها اتساع الصدمة، وبرعت في ارتداء قناع التعجب والإنكار، فرفعت حاجبيها وقالت بتعالي مصطنع

"لو عايزني أتكلم معاك، احترم نفسك الأول واتكلم معايا بأدب، وبعدين أنا مالي بيك إنت واللي كانت خدامة أخوك، مش أعلنتوا خلاص جوازكم، وخدتها وعيشتوا لوحدكم، جاي عايز مني إيه؟" 


انفرجت شفتاه عن ابتسامة ساخرة، ابتسامة من يعرف الحقيقة ويستمتع بفضح الزيف، هز رأسه استهزاء قائلاً

"لا بجد… انتي رهيبة، لولا إنك أمي وعارفِك كويس وحافظ ألاعيبك، كنت صدقتك، بس أنا جاي علشان أحذرك وأقولك ابعدي عن طريقنا أحسن لك، والحركة القذرة اللي حصلت النهارده في النادي أنا مش هعديها لك، ولآخر مرة بقولها لك يا شيريهان، أقسم بالله لو قربتي من مراتي تاني، انسِي إنك أمي خالص، وهتلاقي مني رد فعل يخليكي تتشلي بجد، مش تمثيل رخيص اللي إنتي والدكتور الحمار بتاعك متفقين عليه مع بعض!" 


حدقت فيه بنظرة يشوبها تحذير ووعيد، قائلة بصوت منخفض لكنه مشحون بالتهديد

"ألزم حدك يا أحمد، وإياك تقف قصادي أنا بالذات، لأنك هتخسرني وقتها" 


اقترب ودنا منها حتى صار صوته يهبط بثقل فوق سمعها، بينما كانت تجلس على مقعدها في وضع متعال، كأنها سلطانة تعتقد أن العرش لا يهتز، فقال بثقة صلبة لا تعرف التراجع

"مش هتفرق… لأنك خسرتِني من يوم ما فرقتي ما بيني وبين روح، ودلوقتي جاية تعيدي نفس الحوار، بس بسيناريو تاني فاشل، لكن المرة دي غير أي مرة يا شيريهان هانم… فاتقي شري" 


ظل يحدق في عينيها بنظرة مثقلة بالتحذير والتهديد، نظرة من لا يمزح ولا يلوح، فقابلته بابتسامة ساخرة باردة، لا تزال تراهن على نفوذها.


وحين غادر المنزل، وما زالت نار الغضب تتقد في صدره، اقترب منه أحد رجاله بخطوات سريعة بعدما أشار له بأن يقترب، اخبره أحمد بلهجة آمرة لا تحتمل التأجيل

"البنت اللي كانت هنا… عايزك تعرفلي كل حاجة عنها، وتبلغني على طول" 


أومأ الأخر باحترام وقال علي الفور

"أمرك يا أحمد باشا، اعتبره حصل" 


                        ❈-❈-❈

في مدافن عائلة والد رودينا، وقف رجال العائلة في صف متراص، وخلفهم النساء، يلفهم السواد ويظللهم وجوم ثقيل. 


 صوت الشيخ يتردد رخيمًا، يتلو آيات من الذكر الحكيم، لا يداوي فاجعة ولا يرمم قلب قد انكسر، لكنها تفرض على الجميع خشوع قسري، يُلجم الدموع ويكبح الصرخات.


تقف السيدة شاهيناز بثبات ظاهري، تخفي عينيها خلف نظارة سوداء كثيفة، تحجب ما وراءها من انكسار أو قسوة. إلى جوارها شقيقتها رجاء صامتة، بينما رودينا تجلس أمام قبر والدها، قريبة منه حد الالتصاق، كأنها تحاول أن تعود إلى رحم الأمان الذي انشق عنها إلى الأبد.


 دموعها تنحدر ساخنة من عينيها، تختلط بندم مرير وقهر لا يُحتمل، وشفتيها تتحركان بكلماتٍ مبعثرة، هذيان خافت لا يكاد يُسمع، لكنه كان كافيًا ليشهد على قلب يتفتت.


ولدي بوابة مقابر العائلة، توقفت سيارة رحيم، ترجل منها بخطوات مثقلة، وقبل أن ينضم إلى صف الرجال، لمحته والدته. خرجت إليه على عجل أوقفته، وتشبثت به بنبرة يختلط فيها العتاب بالهلع

"رحيم حبيبي، إنت كنت فين؟، أنا جيتلك على شقة أبوك اللي إنت مخبيها عليا، والبواب قالي إنك مش موجود، كنت فين يا حبيبي وسايب أمك لوحدها ليه؟»


لم يكن يحتمل عتاب، ولا طاقة له على أي حديث، نظر إليها بامتعاض واضح وزفر بضيق مكبوت، قائلاً بحسم

" لو سمحتي يا أمي، مش وقته ولا مكانه نتكلم في أي حاجة"


تركها دون انتظار رد واتجه إلى خالته، ما إن وقعت عيناها عليه حتى ارتمت في حضنه. 

 احتواها بذراعيه، ربت على ظهرها بمواساة صامتة، ثم انحنى قليلًا وقبّل رأسها في احترام حزين.


لفت انتباهه فجأة مشهد اخترق السكون،  ابنة خالته أمام أعين الجميع صاحت بصوت مبحوح، مذهول كأنها تحاول عبثًا أن تستوعب حقيقة الموت

"بابا، اصحى يا بابا، أنا مليش غيرك، ما تسيبنيش يا بابا، سامحني يا حبيبي" 


تحرك سريعًا نحوها، اقترب منها وأمسك بذراعها محاولًا جعلها تنهض، وقال لها بصوت خافت، يحمل حرج واضح أمام الحضور

"ما ينفعش اللي انتي بتعمليه ده، قومي" 


رفعت وجهها إليه، التقت عيناها بعينيه فعرفته، قامت ببطء ونظرت إليه من بين دموع غزيرة، وقالت بصوت يرتجف بالقهر

"بابا مات يا رحيم، بابا سابني ومات وهو زعلان مني" 

 انهارت وارتمت في حضنه، وانفجرت في بكاء عنيف، تفرغ ما تبقى من روحها.  ربت عليها محاولًا تهدئتها، وسحبها قليلًا إلى جانب بعيد عن الأنظار، يواسيها رغم نفوره الدفين منها

"اهدي يا رودينا… وادعيله بالرحمة" 


وهناك والدته تتابع المشهد من بعيد، والغليان يعتمل في صدرها، تمقت ابنة شقيقتها، ولولا حرمة الموت وقدسيّ اللحظة لكانت لقنتها درسًا لا يُمحى على ما فعلته بابنها وبهم جميعًا.


انتبه رحيم فجأة إلى أن بكاء رودينا خفت ثم انقطع، وشعر بجسدها يترنح ويهبط بين يديه. 

 رفع وجهها بقلق، فوجد ملامحها شاحبة، وعينيها نصف مغمضتين، علي وشك أن. تفقد الوعي.

  لم يتردد، فحملها بسرعة واتجه بها إلى سيارته، حاول أن يُفيقها، التقط زجاجة ماء، نثر منها قطرات على وجهها وهو يناديها بقلق

"رودينا، سامعاني؟" 


فتحت شفتيها بالكاد، ورددت، كأنها عالقة في دائرة واحدة لا فكاك منها

"بابا مات… بابا زعلان مني" 


كررت الجملة مرارًا بصوت واهن، زفر  بعمق وقد أدرك أن بقاءها هنا لن يزيد الأمر إلا سوءً. 

 قرر أن يأخذها بعيدًا إلى شقة خالته، حيث يكون الوضع أهدأ.

  استدار إلى مقعد القيادة، أدار المحرك وانطلق بالسيارة تاركًا خلفه المدافن. 


                           ❈-❈-❈

جالت الردهة ذهابًا وإيابًا، أفكارها تتشابك وتتعقد بلا رحمة؛ تستعيد ما حدث في النادي وتستحضر كلمات ذلك الشاب الوقح، حين نطق بها أمام زوجها بلهجة خبيثة، زرع بها بذرة شك جارحة، تطعن سمعتها قبل أن تمس قلبها. 

 كيف انتهى بهما المطاف في قسم الشرطة وأين ذهب زوجها بعد كل ذلك؟، ولماذا تأخر هكذا؟، أسئلة تتناوب على عقلها، تطرق رأسها بإلحاح موجع.


وما إن سمعت صوت المفتاح يدور في قفل باب المنزل، حتى توقفت عن الحركة فجأة، كأن الزمن جُمد في عروقها. اعتدلت في وقفتها، وانتظرت دخوله بترقّبٍ مشوبٍ بالخوف.


دخل وأغلق الباب خلفه، فالتقت عيناه بعينيها على الفور، نظرت إليه بقلق لم تستطع إخفاءه، اقتربت خطوة ثم أخرى، وسألته بصوت خافت متهدج

"كنت فين؟" 


لم يُجب وظل يحدق فيها بصمت، كأن الكلمات خانته. 

 أغمض عينيه للحظة فداهمته ذكرى خاطفة؛ لحظة دخوله غرفة والدته، ورؤيته لتوأم روح. 

 لا يعرف ما الذي أصابه منذ رآها، اضطراب يجتاحه، توتر مبهم، وإحساس غريب بأن الماضي يطرق بابه دون استئذان. 

 فتح عينيه أخيرًا وانتبه إلى صوت زوجته وهي تعيد السؤال، وقد اختلط بالمرارة

"إنت ما بتردش عليا ليه؟، معقول صدقت كلام الحيوان صاحب أخوك؟" 


ظل الصمت مسيطر، كأنه جدار منيع، نظرت إليه بحزن عميق، وقالت بنبر منكسرة

"خلاص… وصلتلي الإجابة، عن إذنك" 


وكادت تبتعد من أمامه، لولا أنه جذبها فجأة من يدها بقوة نحو صدره، ارتطمت به وارتمت بين أحضانه، انفجر بكاؤها دفعة واحدة، كأنها كانت تنتظر هذا السقوط.

  عانقها بقوة، وتخلى أخيرًا عن صمته، قائلاً بصوت خشن تغلفه الغيرة

"ما تجيبيش سيرة الحيوان ده تاني، بدل ما أروح أقتله، وماتعيطيش" 


رفع وجهها بين يديه، وأخذ يمسح دموعها بإبهاميه في رفق يناقض حدة كلماته، وقال برجاء صادق

"ما تعيطيش عشان خاطري، أنا عمري ما شكيت فيكي لحظة" 


سألته من بين شهقاتها، وعيناها معلقتان بملامحه

"يعني إنت مش زعلان؟" 


ابتسم لها ابتسامة دافئة وقال ببساطة مطمئنة

"هزعل ليه، وانتي معايا؟" 


عانقته بقوة، كأنها تتشبث بالأمان ذاته وهمست

"بعشقك يا أحمد" 


ضحك بخفوت و أجاب، يضمها أكثر بين ذراعيه

"ده أنا اللي بعشقك وبموت فيكي يا روح وقلب أحمد" 


نظرت إليه وابتسمت، تخبره بدلال صريح

"بس أنا بعشقك أكتر" 


ارتسمت على شفتيه ابتسامة ماكرة، واخبرها بنبرة لعوب

"بما إن لسه بدري على ميعاد خروج حمزة، ما تيجي نثبت لبعض مين فينا بيعشق التاني أكتر؟" 


انطلقت ضحكتها، ضحكة مغمورة بالدلال والطمأنينة، فهتف بسعادة صادقة

"أموت أنا" 


حملها علي ذراعيه، ومضى بها نحو غرفتهما، حيث أغلق الباب ليدخل بها داخل عالمه الخاص، حيث يتحدث فيه العشق لغة الهمسات، وتفصح فيه النظرات عما تعجز الكلمات عن قوله، وتُختم اللحظة بدفء آسر، يؤكد لكل منهما أن الحب حين يكون صادقًا، كفيل بأن يطفئ كل شك، ويهزم أي عاصفة تندلع من طيات الماضي. 


                        ❈-❈-❈

دخلت لتوها غرفة الفحص الخاصة بها، بعد أن ارتدت زيها الطبي بعناية معتادة، استعدادًا لإجراء ولادة لإحدى السيدات الحوامل المتابعات لديها. 

 المكان يغمره ضوء أبيض هادئ، تفوح فيه رائحة المعقمات، وتخيم عليه هيبة المهنة ومسؤوليتها.

  تحركت بخطوات واثقة، لكنها تحمل في أعماقها إرهاق نفسي لا يراه أحد، إرهاق امرأة أثقلها ما هو أبعد من تعب المناوبات الطويلة.


تابعت طرقات خفيفة على الباب، فرفعت يدها تعدل خصلات شعرها، وتجمعها بإحكامٍ في مشبك الشعر، ثم قالت بصوت هادئ

"اتفضل" 


انفتح الباب وظهرت خديجة، تطل بوجهها المشرق، وسألتها بمزاح خفيف

"أدخل ولا مشغولة يا دكتور؟" 


ارتسمت على شفتي الأخرى ابتسامة صادقة، تشبه انفراجة ضوء في قلب غيمة، وقالت بترحاب واضح

"أهلًا أهلًا، إيه المفاجأة الحلوة دي؟" 


اقتربت منها وعانقتها بحفاوة، عناق دافئ يحمل شوق مكتوم فبادلتها خديجة العناق وهي تقول بنبرة عتاب محب

"حبيبتي يا لولو، وحشاني ياللي ما صدقتي سيبتيني، ولا كأننا عشرة سنين عايشين مع بعض في بيت واحد" 


جلست على المقعد القريب، فجلست علياء على المقعد المقابل لها، وأسندت ظهرها قليلًا، وقالت بصوت تختلط فيه المرارة بمحاولة التماسك

"أبدًا يا ديجا والله، بالعكس ربنا يعلم بحالتي النفسية، وإنتم شهدتوا وسمعتوا بودانكم اللي حصلي من البني آدم اللي استحملت منه حاجات كتير، وفي الآخر يتهمني بالتهمة البشعة دي، ولا كأن ما بينا حب سنين وجواز" 


رمقتها الأخرى بنظرة مثقلة بالحزن والأسف، وقالت بنبرة صادقة

"مش بلومك يا حبيبتي، معاكي كل الحق، للأسف الشيطان دخل ما بينكم من سكة صعبة، والله بدعيلكم على طول ربنا يصلح ما بينكم، على الأقل عشان خاطر الأولاد، سواء لوجي اللي انتي ربيتيها زي بنتك وأكتر، أو عز الدين أكيد هيتأثر بالخلافات اللي بينك وبين باباه" 


انسابت نظرات علياء نحو الفراغ، كأنها تهرب من الحقيقة، تكبت دموعها بصعوبة كلما تذكرت اتهامات زوجها الباطلة، وموقفه القاسي معها أمام عائلته، حيث انكسرت كرامتها على مرأى ومسمع  الجميع. 

 حاولت أن تبدد الحزن الذي خيم على الأجواء، فارتسمت على شفتيها ابتسامة واهنة، وقالت بنبرة تحاول أن تكون خفيفة

"إحنا هنقضيها نكد ولا إيه؟، قوليلي تحبي تشربي إيه؟، ولا أقولك إحنا نفطر الأول مع بعض" 


لوحت الأخرى بيدها برفض لطيف

"يا بنتي ما تتعبيش نفسك، أنا جيت أطمن عليكي عشان وحشاني، وكمان كنت عايزاكي في موضوع محدش هيفيدني فيه غيرك، لأني محرجة أروح للدكتور اللي بيتابع معاه آدم، ومش هيرضى يقولي أي حاجة" 


وأخرجت هاتفها من حقيبة يدها بيد مترددة، فتحته على الصور التي التقطتها خلسة للتقارير الطبية التي كان زوجها يُخفيها في خزنته الخاصة بعيدًا عن أعينها، وبعيدًا عن صدق كان ينبغي ألا يُحجب.


تناولت علياء الهاتف من بين أصابعها،  وشرعت تُكبر الصور واحدة تلو الأخرى، تقرأ تقرير إثر الأخر بعين الطبيبة الخبيرة، وبعد لحظات من الصمت المتأمل، رفعت رأسها وقالت بهدوء 

"دي تحاليل خصوبة، وواضح إن آدم بيعاني من مشكلة بتخلي فرصة حملك تبقى ضعيفة" 


هزت الأخرى رأسها بتفهم وقالت باستسلام

"أنا برضه حسيت بكده، واضح إن مشكلة زمان رجعتله تاني، بس ليه يخبي عليا؟، إحنا مش لسه عارفين بعض جديد!" 


اعتدلت علياء في جلستها، تخبرها بصوت عملي هادئ، يحمل طمأنينة

"بصي يا خديجة، الموضوع الحمد لله مش مستحيل، ليه علاج بس هياخد وقت، لأن اللي فهمته إنه كان عنده مشكلة قديمة واتعالج منها، والمفروض كان يستمر على العلاج، بس واضح إنه وقفه وما سألش، فالمشكلة رجعت وبقت أصعب شوية" 


تنفست الأخرى بعمق، قائلة برضا وحزن معاً

"وأنا مش زعلانة، وراضية الحمد لله لو ربنا ما أرادش لينا نخلف تاني، أنا كل اللي مزعلني… ليه يخبي عليا؟!" 


تنهدت علياء و تُفكر بصوت مسموع

"هو وارد جدًا واحتمال كبير إنه مش عايزك تزعلي لو كنتي نفسك تخلفوا تاني، لحد ما تتعالج عنده المشكلة ويمكن كمان، وده احتمال أكيد إن الموضوع بالنسبة له حساس جدًا، وأنا برجح الاحتمال التاني" 


نظرت الأخرى بحيرة ظاهرة، وكأن ذكرى مباغتة ضربت وعيها فجأة، فقالت بلهجة يغلب عليها اللوم الذاتي

"وأنا غبية، طول الفترة اللي فاتت وأنا عمالة أضغط عليه وأقوله عايزين نجيب أخ أو أخت ليوسف، وهو كان يتضايق وأوقات يتخانق معايا" 


أجابتها  بنبرة حاسمة مشفقة

"الحل يا ديجا إنك تاخدي جوزك وتطلعوا على أي مكان حلو، تقضوا فيه يومين حلوين، وتخرجوا بره جو الضغوط النفسية، حوار السفر والترفيه بيبقى دعم نفسي إيجابي جدًا، سواء ليه أو ليكي" 


ارتسمت ملامح التفكير علي وجهها  وتستعيد حديث سابق

"هو فعلًا قالي إنه عايزنا نسافر ونغير جو، خصوصًا بعد الفترة الأخيرة" 


ابتسمت الأخرى ابتسامة مشجعة

"ومستنيين إيه؟!، روحوا غيروا جو، آدم راجل محترم جدًا وبيحبك أوي، أوعي تسمحي لأي حاجة تعكر صفو علاقتكم" 


نهضت من مقعدها، وبشبه ابتسامة ممتنة قالت لها

"شكرًا جدًا يا لولو، وبعتذر إني جيتلك من غير ميعاد، هسيبك بقى، كفاية عطلتك عن الناس اللي مستنياكي بره" 


بادلتها الأخرى ابتسامة صادقة، وقالت بنبرة عتاب محبب

"لأ كده هازعل منك بجد، إنتي تيجي في أي وقت" 


كادت أن تتحدث غير أن صوت رجولي صاخب اندفع من الخارج، صوت مشحون بالغضب، يجلجل في الردهة 

"انتي اتجننتي؟!، هو إيه اللي ممنوع؟!، أنا أدخلها في أي وقت أنا عايزه" 


وفي اللحظة التالية، اندفع الباب بقوة عنيفة، فتفاجأت الاثنتان بدخول يوسف. وقف عند العتبة، جسده مشدود، وعيناه ترمقان علياء بتحدي صارخ، لا تخطئه عين. 

 كان حضوره فجًا مستفزًا، فاشتعل الغضب في صدرها، ولم تتردد في توبيخه بحدة قاطعة، وأمام زوجة أخيه

"إنت مين اللي قالك تدخل هنا؟!، اتفضل… اطلع بره" 


شعرت خديجة بحرج خانق، لا منه بل من الموقف برمته، غير أن يوسف لم يتراجع، بل تقدم خطوة إلى الأمام وقال بنبرة وقحة متحدية

"أنا أدخل أي مكان زي ما أنا عايز، ولا نسيتي أنا جوزك يا دكتورة؟!" 


رفعت علياء ذقنها، ونطقت ببرود لاذع 

"كنت… كنت جوزي، وبقيت طليقي" 


ضحك ضحكة قصيرة بسخرية، قائلاً بازدراء

"واضح إنك محتاجة تروحي تكشفي على السمع عندك، لأني سبق وقولتلك أنا رديتك" 


خطت الأخرى نحوه بخطوات هجومية، وصاحت بوجهه

"إنت اللي أصم عشان قولتلك وقتها أنا مش قابلة الرجوع" 


تدخلت خديجة على عجل، محاولة إخماد النار قبل أن تأتي على ما تبقى من حكمة، وقالت بصوت متوسل

"استهدوا بالله يا جماعة، واستغفروا ربنا، واقعدوا حلوا أموركم بحكمة وعقل، عمر ما الخناق والزعيق حل أمور، بالعكس بيعقدها، وقبل ما تفكروا في نفسكم، فكروا في ولادكم اللي هيدفعوا التمن، أنا همشي وأسيبكم على راحتكم، وإن شاء الله خير" 


همت بالمغادرة، لكن علياء أمسكت بيدها بسرعة، وقالت بانفعال

"استني يا خديجة، إحنا لسه قاعدين مع بعض، والكائن ده هو اللي المفروض يمشي" 


جز يوسف على أسنانه بحنق مكتوم، واقترب نصف خطوة، محذرًا بنبرة منخفضة لكنها حادة

"اتكلمي بأسلوب أحسن من كده أحسنلك" 


صاحت الأخرى وقد التفتت نحو خديجة

"سامعة يا خديجة؟!، ده كمان بيهددني" 


نظرت خديجة إليهما بحزن عميق، وقالت محاولة أن تكون صوت العقل الأخير

"بالتأكيد ما يقصدش، والدكتور جايلك لحد عندك، يعني غرضه خير، اسمعيله وهو يسمعلك، وبالتأكيد هتوصلوا لحل، يلا عن إذنكم" 


ثم غادرت سريعًا، وأغلقت الباب خلفها، تاركة المكان يغرق في صمت ثقيل، هدوء ما قبل العاصفة، حيث وقفت علياء ويوسف يتبادلان نظرات حادة، كأنها خارجة من قاع الجحيم، نظرات لا تحمل سوى تاريخ محترق، وغضب لم يجد بعد طريقه إلى الخلاص.


                        ❈-❈-❈


تخلت عن صمتها أخيرًا، وقد ضاق صدرها بما اختزن من نار وأسئلة، وسألته بنبرة جافة، كأنها تُسقط آخر أوراق المجاملة

"جاي ليه؟" 


اقترب منها خطوة واحدة، فارتدت إلى الخلف خطوة مماثلة، ورفعت سبابتها في وجهه، تشهرها بتحذير صارم، قائلة بحدة

"خليك مكانك، وانجز  قول اللي.... 


لم تُمهلها اللحظة أن تُكمل، جذبها من خصرها فجأة، وانقض على شفتيها بقبلة مباغتة بهجوم دون إنذار، قاومته بكل ما أوتيت من قوة، دفعت صدره، حاولت الإفلات، لكنه لم يترك خصرها، بل أمسك يديها، وضمهما خلف ظهرها، مستمرًا في تقبيلها بإصرار محموم، حتى ترك شفتيها أخيرًا ليلتقط أنفاسه، وهمس بصوت يفيض شوق جارف

" ارجعي بقى… وكفاية بُعاد"


رمقته بغضب مشتعل، وتمكنت من تحرير رسغيها من قبضته، ثم دفعته بقوة في صدره، وابتعدت عنه كأنها تفر من حريق

"عشم إبليس في الجنة، مش راجعة يا يوسف، وهقولك لو خيروني ما بين جهنم ولا الجنة معاك، هختار جهنم ولا يجمعني مكان معاك تاني، شوفت بقى إنت وصلتني لإيه؟!" 


لم يتراجع، بل جذبها من ذراعها وقال بتحدي سافر

"كدابة، عيونك بتقول عكس كلامك، إحنا حصل ما بينا زمان أسوأ من كده، ومع ذلك فضلتي تحبيني سنين، وما عرفتيش تبقي لغيري، لحد ما جمعنا القدر من تاني" 


صرخت في وجهه بندم لاذع، كأنها تحاكم ذاتها قبل أن تحاكمه

"كنت غبية ومتخلفة، عيشت في وهم وصدقته، طلعِت عمية، ومع الوقت عرفت الحقيقة، وهي إن أكبر غلطة في حياتي يوم ما وافقت على جوازنا، بس ملحوقة والواحد ما بيتعلمش ببلاش" 


أمسك بكلا معصميها، وضم يديها إلى صدره، واقترب بشفتيه من أذنها، وقال بإصرار فولاذي، لا يعرف التراجع

"ولا صدقت أي كلمة من اللي قولتيهم، لأنك لسه بتحبيني، ومش عارفة ولا قادرة تكرهيني، كفاية سامع نبض قلبك، اللي ما دقش ولا هيدق لغيري أنا" 


نظر في عينيها بابتسامة انتصار، واثقًا أنه يملك مفاتيحها كلها، لكنها فاجأته بابتسامة عارمة باردة، وألقت على مسامعه قنبلة لم يتوقعها

"أنا رفعت عليك قضية طلاق يا دكتور" 


اجفلته الصدمة، كأن الكلمات صفعت روحه، ترك معصميها وتراجع إلى الخلف، غير مصدق، فأردفت بثبات قاس

"وقبل ما أرفعها، المحامي أكدلي إنها ما بتاخدش وقت، وما تقلقش ابنك هتشوفه في أي وقت" 


ابتعدت من أمامه، وجلست خلف مكتبها، وما زالت الابتسامة تعلو محياها، ثم أشارت بيدها نحو الباب في إيماءة رسمية جارحة

"شرفت يا دكتور" 


حدق بها بنظرة نارية قاتلة، ثم استدار وغادر قبل أن يُطلق شيطان غضبه، وما إن أغلق الباب خلفه، حتى انهارت الابتسامة، وتحولت ملامحها إلى وجومٍ ثقيل، تجمعت الدموع في عينيها، وانفلتت دمعة واحدة على خدها، فمسحتها سريعًا بقوة لا تمحو الألم، بل تُخفيه، وتُبقيه حي في الأعماق.


                          ❈-❈-❈


دخل من باب الشقة مسندًا إياها بيد ثابتة، يقود خطواتها المتعثرة حتى غرفتها، ساعدها لتستلقي على سريرها، عدل الوسادة تحت رأسها بحركة مقتضبة، ثم همّ بالانسحاب وهو يقول بصوت خافت يخلو من العاطفة

"نامي وريحي، هتصحي تبقي أحسن" 


امتدت يدها في اللحظة الأخيرة، تشبثت بكفه كأنها تتعلق بطوق نجاة أخير، وسألته بنظرة مثقلة بالحزن والانكسار

"إنت رايح فين؟" 


أجابها دون تردد

"مضطر أمشي، ولازم أرجع المدافن أقف مع خالتي ونحضر للعزا" 


رفعت عينيها إليه برجاء صريح، وتوسل موجوع

"ما تسيبنيش لوحدي عشان خاطري، أنا ما بقاش ليا حد" 


سحب يده من بين أصابعها ببطء متعمد، ومن غير أن ينظر إليها قال ببرود قاس

"ربنا يخلي لك خالتي" 


ابتلعت غصتها، وقالت بصوت مبحوح

"ماما مش بتكلمني، دي بتعتبرني عدوتها، وقالتلي عمرها ما هتسامحني" 


تنفس بعمق، وكأن صدره يضيق بما لا يُقال، ثم قال بحدة دفينة

"أنا مش عايز أفتح في مواضيع ولا أتكلم، لأن لو اتكلمت، كلامي هيوجعك أوي وهيكسر قلبك، فخليني ساكت أحسن" 


نهضت بوهن شديد، جسدها يخذلها وروحها تتقدم وحدها، مدت يدها محاولة الإمساك به، وهمست

"رحيم أنا.... 


رفع يده قبل أن تلمسه، ونظر إليها بحزم قاطع، لا يحمل أي مجال للتراجع، يخبرها بصوت حاسم

" خلاص يا رودينا، خلص الكلام، كل اللي ما بينا انتهى من زمان، رغم إني ما كنتش عايز أفتح في كلام، بس عايزك تعرفي حاجة واحدة، لما روحتي واتجوزتي ياسين البحيري، احترمت رغبتك، وكان ليكي مكانتك باعتبارك بنت خالتي، لكن اللي عملتيه فيا وفي الكل قطع كل الخيوط اللي كانت بتربطني بيكي"


توقف لحظة، ثم أردف ببرود جارح

"ومش زعلان منك… بالعكس أنا مشفق عليكي، لأن اللي زيك هيفضل عايش منبوذ من الكل، زي ما الناس بتعتزل الأذى والشر بالظبط" 


حدقت فيه بصدمة كأن الكلمات سُكبت نارً في عروقها، ابتسم بسخرية باردة وألقى كلماته الأخيرة كحكم نهائي

"نصيحة مني… راجعي نفسك، وياريت تغيري منها، ده علشانك انتي" 


تنفس بعمق، وقال وهو يستدير نحو الباب

"البقاء لله" 


و غادر تاركًا إياها وحيدة، غارقة في صدمة عاتية وانهيار نفسي كامل، بينما الغرفة تضيق عليها، والسرير الذي آواها قبل دقائق يتحول إلى شاهد صامت على سقوط لا قاع له.


                          ❈-❈-❈

كان الغضب يتدفق في عروقه كالحمم، حتى لم يعد صدره يتسع لزفراته المتلاحقة.

  ألقى ملف ورقي فوق مكتبه إلقاء من لفظ صبره، فارتطم الخشب بالورق ارتطام قرار حاسم، زفر بقسوة وقال بصوت أجش تتكسر عند حوافه الحروف

"إزاي حصل كل ده، وما بلغتنيش في التليفون ليه؟!" 


رفع الآخر رأسه، وقد بدت على ملامحه مسحة إنهاك ممزوجة بحدة، فرد بانفعال لا يخلو من سخرية جارحة

"أنت هاتستهبل يا ياسين؟!، إنت بقالك تقريبًا أسبوع لا بتعتب الشركة، ولا حتى بترد على تليفون مننا، حاولت على قد ما أقدر أِلِم الليلة من غير ما أزعج سيادتك، كلنا عارفين المشاكل اللي إنت فيها، واللي بسببها اتلغت عقود كتير من كذا عميل، بس المشكلة مش فيهم، المشكلة في اتفاقياتنا مع شركات المعمار اللي مضينا معاهم عقود استلام الوحدات، دول نعمل معاهم إيه؟" 


زفر الأخر مرة أخرى، وكأن الهواء نفسه صار عدو يخاصمه، وقال وهو يلوح بيده في ضيق فاض عن احتماله

"ومال العملاء ومالهم بمشاكلي الشخصية؟!، هم هيناسبوني وأنا مش عارف؟!" 


اقترب زميله خطوة، محاولاً أن يسكب المنطق في كأس مثقوب، وقال بنبرة تشرح أكثر مما تُعاتب

"جرى إيه يا ياسين؟!، أومال لو ما كنتش مدير تسويق وعارف إن سمعة أصحاب الشركات رأس مالهم و أهم من الشغل نفسه؟!، حبيبي إنت ليك فيديوهات تريند وإنت ماسك مراتك بتديها علقة، غير مدام حضرتك اللي طلعت عايشة وبتتجوز…" 

ابتلع كلماته فجأة، حين رمقه ياسين بنظرة قاتلة، نظرة لو كانت سكين لأسالت دمائه، وقال بحدة لا تقبل جدال

"عماد!، كلمة كمان وهاتخسرني، غير إني هزعلك" 


خفض الأخر بصره، وبدت نبرة صوته أكثر انكسار وهو يقول معتذرًا

"آسف، مش قصدي بس ده مش كلامي، ده كلام داير على الفيس بوك، وريلزات مصر والوطن العربي، والعالم كله شافها، عايز بقى العملاء يثقوا في شركتك إزاي؟ ويحطوا إيديهم في إيدك إزاي؟!" 


جز  على شفته بغيظ مُر، واستدعى ذاكرته ما حاول نسيانه، فتمتم بصوت خافت مشحون باللعنات

"كله بسببك يا رودينا يا بنت الـ…" 


ثم استدار فجأة، وكأن فكرة برقت في رأسه، وقال بنبرة حاسمة لا تعرف التردد

"أنا هاخليهم يتراجعوا عن إلغاء العقود، ويمضوا عقود جديدة… وهدي لهم فوقها خصومات كمان" 


اتسعت عينا زميله دهشة، وسأله غير مصدق

"وهاتعملها إزاي دي؟!" 


ابتسم  ابتسامة غامضة، وقال وهو يشير بيده نحو الباب

"هاتعرف دلوقتي، بس كل اللي عايزه منك، ستاند وتطلع تقعد بره المكتب، ما تخليش حد لا يخبط ولا يدخل عليا لحد ما أخلص" 


وبعد قليل…

ألقى نظرة سريعة على مظهره المهندم، عدل ياقة قميصه، وسوى خصلات شعره.

 ضغط زر تشغيل البث المباشر على حسابه الشخصي، فبدأت إشعارات البث تتقاطر على هواتف متابعيه وأصدقائه. 


أطل بوجه ثابت، وصوت متماسك رغم ما يغلي خلفه 

"مساء الخير، أزيكم، اللي ما يعرفنيش، أنا ياسين البحيري، اللي طلع في تريند فرح الدكتور، واللي كل البيدچات والصحافة الصفرا نشرت مقاطع عنه، وحطت فوقها عناوين ما تطلعش غير من شوية عالم زبالة، واعذروني من أسلوبي، بس أي واحد فيكم لو اتكتب في أهل بيته حرف من اللي اتكتب في حق أهل بيتي، كان هيقول كلام زي الزفت أكتر مني، عشان كده كان لازم أطلع أحكي الحكاية الصح، وطالع كمان أحذر أي صفحة من صفحات صحافة بير السلم، لو حد نشر كلمة تانية عني، أو عن أي حد من عيلة البحيري، ما يزعلش على اللي هايحصل معاه، وكله بالقانون" 

                         ❈-❈-❈


وعلى الجهة الأخرى، في قصر العائلة، تجلس ياسمين إلى جوار ابنتها الصغيرة. كانت الطفلة منهمكة في الرسم والتلوين، تنثر الألوان على الورق ببراءة تشبه ضحكتها، فيما كانت الأم شاردة الذهن، غارقة في بحر من الذكريات القريبة، تستعيد المواقف التي جمعتها بزوجها مؤخرًا، وكيف كان حبه يلتف حولها كعباءة أمان دافئة.


لاحظت الصغيرة شرود والدتها، فتوقفت عن التلوين، وضعت القلم جانبًا، ورفعت عينيها إليها قائلة بلهجة تجمع بين العتاب والدلال

"يعني أنا عمالة أكلمك يا مامي من بدري، وإنتي سرحانة وعمالة تضحكي للهوا، ولا بتفكري في بابي؟!" 


رمقتها والدتها بنظرة امتزج فيها الامتعاض بمحاولة إخفاء التوتر، وقالت بنبرة متصنعة الجدية

"بنت!، إنتي مالك؟، سرحانة ولا بفكر في بابي خليكي في اللي بتعمليه" 


لم تتراجع الصغيرة، بل تقدمت خطوة في حديثها، وقد بدا في عينيها وعي يفوق عمرها، وقالت بثقة طفولية صادقة

"مامي، أنا ما بقتش صغيرة وبفهم كل حاجة بتحصل حواليا، بابي بيحبك أوي، وأنا وهو نفسنا نرجع نعيش إحنا التلاتة في بيت واحد زي زمان، نتجمع على السفرة وإنتي تعملي لنا الأكل اللي بنحبه، وبابي في يوم إجازته كان بيشغلنا فيلم كارتون على الكمبيوتر، وانتي تعملي لنا عصير وفشار وبيتزا ونقعد نسهر، بجد يا مامي، نفسي نرجع نعيش سوا في بيتنا بليز" 


انسابت الكلمات إلى قلب ياسمين كسهام مغطاة بالحنين، شعرت بغصة حادة، لكنها خبأت حزنها خلف ابتسامة واهنة، وهزت رأسها موافقة وهي تقول

"حاضر يا حبيبتي، هانرجع زي الأول، بس ما تقوليش لحد دلوقتي، عايزة أعملها مفاجأة لبابي" 


تلألأت الفرحة في عيني الصغيرة كنجمتين في سماء صافية، وصاحت بلهفة لا تخطئها الأذن

"بجد يا مامي؟!" 


أومأت لها والدتها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة تخفي خلفها توتر عميق، كلما فكرت في القادم، وفي كيفية عودتها إليه زوجة له شرعًا، كما عادت إليه بالقانون؛ فهي لا تزال بحاجة إلى بعض الوقت لترتيب ما تبقى من الفوضى داخلها. 


اندفعت الطفلة إلى حضنها، عانقتها بقوة، وقالت بصوت مفعم بالحب

"بحبك أوي يا مامي" 


"وأنا بموت فيكي يا قلب مامي" 


وفجأة اندفع الباب على مصراعيه، ودلفت ملك وهي تمسك بهاتفها المحمول، وقد ارتسمت على ملامحها دهشة 

"ياسمين، ألحقي… ياسين طالع لايڤ" 


ومدت الهاتف إليها، فما إن وقع بصر الطفلة على الشاشة حتى هتفت بفرح تلقائي

"بابي!" 


وبالعودة إلى ياسين، كان لا يزال مسترسلًا في الحديث، صوته يحمل صدق الألم وحرارة الاعتراف، يحكي لكل من يشاهدون البث ما مر به منذ اللحظة التي علم فيها بموت زوجته، وعن العامين اللذين مرا عليه كدهر مثقل بالقسوة، أيام الفقد والاشتياق، حتى اتخذ قرار زواجه من امرأةٍ أخرى، وذكرها قولاً كالآتي، 

—شخصية لا داعي لذكر اسمها؛ لأني بعتبرها غلطة، وندمان عليها–


وسرد كيف كان ضحية خداعها، وكيف اكتشف الحقيقة بنفسه عند حضوره زفاف الطبيب، حين علم هناك أن زوجته ما زالت حية تُرزق، لكنها فاقدة للذاكرة، وتعيش بهوية شخصية أخرى، وأن ما تروجه الصفحات الكاذبة عن كونها تجمع بين زوجين ليس سوى كذب وافتراء، وفي النهاية الأمور قد عادت إلى نصابها الصحيح.


ثم قال بصوت متهدج، لكنه ثابت

"يعني أنا مريت بأحداث مش أي حد يستحملها أو يستوعبها، لو أي حد ضعيف النفس كان انهار، وممكن كان انتحر، لكن حبي لزوجتي أم بنتي، كان مصدر قوتي، كان جوايا إيمان عجيب إن القدر هايجمعني بيها تاني، سواء في الدنيا أو الآخرة، عمرها ما فارقتني لحظة، ويوم ما اكتشفت إنها لسه عايشة، كأني اتولدت من جديد، مش مصدق نفسي، و من وقتها ما بفارقهاش، لدرجة إني عايز أقفل اللايف وآخد بعضي، وأروح أطمن عليها" 


استمعت ياسمين، وشاهدت كلماته تتدفق على الملأ، وقلبها يخفق بقوة كطائر حر أطلق فجأة من قفصه.

ألهذه الدرجة يعشقها؟!

إلى هذا الحد يقول حبه صراحة، بلا خوف و لا خجل، أمام العالم كله؟!


                         ❈-❈-❈

في مكان آخر، داخل غرفة مظلمة خف ضوءها النافذ عبر زجاج الشرفة الملطخ بالغبار، جلست رودينا على حافة الكرسي، تتابع البث المباشر بعينين تندلع من النيران، ويدين ترتجف. 

 امسكت كتاب ضخم كمجلد عتيق، فتحت صفحاته بتردد،  داخله محفور بعناية، ويحوي علي كيس صغير يلمع بمسحوق أبيض. 

 مدت يدها إليه، وعيناها تتأرجحان بين اليأس والخوف، تتردد في رأسها كلمات رحيم وصداه المزلزل لما سمعته على لسان ياسين في البث، فقدان والدها، ووقوع العواقب الوخيمة، التي تتساقط فوقها كحمم بركان غاضب، لا تملك لها من حيلة سوى الفرار أو الاستسلام إلي الموت البطئ. 


همست لنفسها بصوت مبحوح

"أنا بقيت غلطة، والكل ندمان عليها؟!" 


أخذت القليل من المسحوق، وضعته على ظهر يدها، ورفعت أنفها إليه، مستنشقة جرعة من عالم زائف، يطردها من واقعها إلى سراب وهمي هربت إليه، لكنها لم تدر أن الحقيقة ستلاحقها رغمًا عنها.

وفجأة، صدح رنين جرس المنزل، مخترقًا صمت الغرفة الملبّد بالهلع والوهم، فنهضت الخادمة متثاقلة الخطى وذهبت لفتح الباب. 

 خارج المنزل، وقف رجل يحمل دفتر وقلم، ينظر بجدية، ويسأل

"ده بيت مدام رودينا مهاب؟" 


أومأت الخادمة بتوتر

"أيوه… أقولها مين؟" 


رد الرجل بصوت متزن

"أنا جاي من المحكمة ومعايا ورقة لازم تستلمها بنفسها وتمضي إنها استلمتها" 


عاودت الخادمة السير بخطى متثاقلة إلى الغرفة، وطرقت الباب، انتفضت رودينا بعد أن مدت جسدها على الكرسي، لا تدري إن الواقع يصر على سحبها من عالمها الوهمي.


"يا ست رودي… فيه واحد عايز حضرتك بره، بيقول إنه جاي من المحكمة" 

رفعت رأسها ببطء، ونطقت بصوت متثاقل

"قوليله جاية" 

وفي الخارج، ذهبت إلي الرجل، و كل خطوة منها كأنها صدى لنقطة تسقط في قلبها، تتابعها الخادمة بحزن وعيون تفيض بالقلق.


"أنا رودينا مهاب… مين حضرتك؟" 


"أنا جاي أسلم لحضرتك الورقة دي… اتفضلي امضي هنا" 

مدت يدها لتأخذ الوثيقة، وعيناها تنضح بالتوتر وهي تحاول فهم محتواها، وما إن التقت أنظارها بخطوط العنوان الرئيسي للورقة، حتى تجمد الدم في عروقها حين اكتشفت محتوى الورقة، لقد استسلمت وثيقة طلاقها!


يتبع....

#الفصل_الثاني_والثلاثون

#غرام_الذئاب

#الجزء_الرابع_من_سلسلة_صراع_الذئاب

#ولاء_رفعت_علي


عدت إليكِ مثقلًا بالخذلان، أحمل جسدًا أنهكه السهر، وروح أتعبها الهروب من الحقيقة.

ظننت أن الحضن يطفئ الذنب، وأن النوم بين ذراعيكِ كفيل بأن يُسكت ضجيج الماضي.

غفوتُ مطمئنًا، كأنني لم أترك في قلبكِ ندبة،

وكأن الخطايا تُمحى بالتعب، لا بالاعتراف.


كنان صفوت العمري

.............. 


عبر بوابة قصره بسيارته، فانكشفت أمام ناظريه الحديقة الغناء، حيث لمحت عيناه صغيريه غارقين في شجار طفولي محتدم. 

  ابنته تتشبث بلعبة شقيقها، بينما يجذبها الأخر منها عنوة، وقد علا صوته بنبرة حادة متعالية

"سيبي السكوتر بتاعي مش هاتعرفي تلعبي عليه، وهاتكسريه زي ما كسرتي بتاعك" 


رمقته بعينين تقدحان غضبًا، وردت متحدية وقد احتقن صوتها بالغيظ

"كداب!، إنت اللي كسرتلي السكوتر بتاعي، وهقول لبابي لما يرجع، أوعي من وشي!" 


ودفعته في صدره دفعة صغيرة، لكنها كانت كافية ليختل توازنه، فيتعثر ويسقط أرضًا. 

 نهض بسرعة مشتعلة، واندفع نحوها وصفعها على وجهها وهو يصيح

"يا غبية!" 


دوى الصوت في أرجاء الحديقة، وفي اللحظة ذاتها صدح صوت رجولي صارم، كالسوط، قادم من خلفهما

 "مالك؟!" 


كان والدُهما قد ترجل لتوه من سيارته، فهرعت الصغيرة إلى البكاء، قابضة على خدها، والدموع تنهمر غزيرة

"والله لأقول لبابي إنك ضربتني بالقلم" 


وانطلقت تجري نحوه، لكن خطواتها الصغيرة خانتها، فتعثرت وسقطت على وجهها. 

 انتفض قلبه فزعًا، وأسرع بخطاه نحوها، انحنى والتقطها بين ذراعيه، فوجدها تنتحب بحرقة.


"مش تاخدي بالك يا زوزو وانتي بتجري يا حبيبتي؟" 


وقعت عيناه على ركبتها، وقد شُجت بجرح صغير نازف، فرفعت وجهها إليه من بين دموعها وقالت بصوت متهدج

"لوكا يا بابي مش عايز يديني ألعب بالإسكوتر بتاعه، وكسرلي بتاعي، وضربني بالقلم" 


ضمها إليه وربت عليها بحنان أبوي دافئ، بينما ذراعيها معلقتان بعنقه

"ما تعيطيش يا حبيبتي،  تعالي الأول نغسل رجلك ونطهر الجرح" 


ورمق ابنه بنظرة حادة أجفلته، كاد الصغير أن يتكلم

"هي يا بابي اللي…


لكن والده قاطعه بصرامة لا تقبل الجدال

" اطلع على أوضتك، وما تخرجش منها"


احتج الصغير بعناد مكبوت

"يا بابي والله هي اللي زقتني الأول" 


"أنا قولت إيه؟!" 


جز صغيره على أسنانه بغيظ، ثم أذعن للأمر، فركض إلى الداخل وصعد الدرج بخطوات غاضبة.

  و في طريقه صادفته زينات التي لمحت حالته فسألته بقلق

"مالك يا لوكا؟" 


لكنه لم يجب، ومضى صاعدًا، في تلك الأثناء انتبهت إلى قصي وهو يدخل حاملاً ابنته بين ذراعيه، فشهقت حين رأت ركبتها تسيل دمًا، وبكاءها لا ينقطع. قال لها بسرعة آمرة

"هاتي شنطة الإسعافات يا داده، على ما أغسلها رجلها بسرعة" 


"حاضر" 


أسرعت لتنفيذ طلبه، بينما دخل هو الحمام، فتح الصنبور، واغترف الماء بيده، وأخذ يغسل ساق صغيرته. 

 تأوهت، واشتد بكاؤها

"آه… بتوجعني يا بابي" 


"معلش يا قلب بابي، لازم نغسلها عشان ما تتلوثش" 


أمسك بمنشفة قطنية، وجفف ساقها برفق بالغ، متحريًا موضع الإصابة بعناية وحذر. ثم خرج بها، وجلس على الأريكة، وأسندها على ساقيه، بدأ بتطهير الجرح وضمده بإتقان.


"بس خلاص… كده مش هتوجعك" 


همّ بالوقوف، لكنها أمسكت به فجأة، وسألته بقلق صادق

"إنت طالع تضرب لوكا؟، أنا خلاص سامحته" 


توقف ونظر في عينيها، فرأى خوفها على شقيقها، فقال بنبرة هادئة مطمئنة مبتسمًا

"أنا ما بضربش حد فيكم يا زوزو، أنا طالع هاتكلم معاه واتطمن على مامي" 


خفضت صوتها واخبرته

"مامي نايمة تعبانة، ومش عايزة تفطر ولا تتغدى معانا، واللي بيدخلها الأوضة تزعقله" 


تسلل القلق إلى قلبه مع كلمات صغيرته، فصعد الدرج بخطوات مثقلة، وهو يدرك أن زوجته بدأت تعاني أعراض الوحم، وأن الإعياء صار رفيقها في أغلب الأوقات، فخشي عليها كما لم يخشَ من قبل.

                          ❈-❈-❈


و بمجرد أن دخل الغرفة لم يجدها على الفراش، فانتبه إلى صوت تأوهها الخافت آت من الحمام، فاندفع نحوه سريعًا، فوجدها جالسة أمام المرحاض، تفرغ ما في جوفها، ثم تنهض بوهن، ضعيفة ومرهقة.

سندها بين ذراعيه، محاوطًا خصرها بحنان غادق

"على مهلك يا حبيبتي" 


فتح صنبور الحوض، وبدأ يغسل وجهها، فرفعت عينيها إليه، يبدو علي ملامحها الإعياء فسألها

"لسه تعبانة؟ أكلم الدكتور؟" 


هزت رأسها رافضة، وأجابته بصوت يغلبه الوهن

"دايخة شوية، بس لما هنام هابقي أحسن" 


حملها علي ذراعيه برفق وخرج بها، ووضعها على الفراش مطمئن

"طيب… تعالي ارتاحي على السرير، وأنا هاقول لزينات تخليهم  يحضروا لك الأكل، لازم تاكلي عشان ما تتعبيش أكتر" 


تنهدت وقالت بصوت خافت

"مش قادرة آكل ولا أشرب… بطني بتوجعني وبيحصلي زي ما شوفت من شوية" 


أمسك يدها بحنان واخبرها

"مش أنتي أيام حملك في مالك وزوزو، كنتي بتاخدي برشام يقلل الغثيان ده معاكي؟" 


ابتسمت ببطء، وقد ظهرت ملامح الذكرى على وجهها

"تصدق أنا كنت ناسيه البرشام ده خالص" 

ابتسم هو قائلاً

"أنا لسه فاكر وعمري ما بنسي أي حاجة تخصك يا حبيبتي، أنا هاكلم الصيدلية وهخليهم يبعتوا لك كذا علبة" 


وبينما يرسل الطلب عبر تطبيق الصيدلية، قالت هي بامتنان

"ربنا يخليك ليا يا حبيبي" 


احتضنها بحنان، وربت على ظهرها برفق، فجأة طرق الباب، فسمع صوت زينات

"الغدا جاهز يا صبا" 


أذن لها قصي بصوت واضح

"اتفضلي يا داده" 


دلفت الأخرى، فاخبرته زوجته وهي متعبة

"يا قصي، مش قادرة بجد أؤكل  أنا ما صدقت معدتي ارتاحت" 


أمسك يدها بحنان، وأخبرها بحزم رقيق

"ما ينفعش يا حبيبتي، لازم تاكلي، عشان صحتك، وعشان تقدري تقومي وتقعدي مع ولادك، أنا جيت لاقيتهم بيضربوا بعض" 


شهقت وعقبت بقلق

"تاني!، أنا تعبت مش عارفة أعمل معاهم إيه، زوزو بتستفز أخوها، ومالك بقاله فترة حاطتها في دماغه، كل ما تعمل معاه حاجة ما يسيبهاش غير لما ياخد حقه منها" 


رد هو بعينين حادتين، لكن صوته هادئ

"ما أنا واخد بالي، وحذرته كذا مرة، وحظه إنه أنا جيت شايفه وهو بيلطشها بالقلم" 

شهقت صبا فتدخلت زينة، تاركة صينية الطعام على الطاولة، وطمأنتها

"هم أطفال يا بنتي، وارد يتخانقوا، وفي الآخر بيتصالحوا، و اسم الله عليهم روحهم في بعض" 


رد قصي بصرام 

"العيال بتتربى وتتعلم يا داده، خصوصًا مالك المفروض بقي في سن فاهم بيعمل إيه، أنا محذره كذا مرة قبل كده، خلي بالك من أختك، ولو غلطت فيه، يجي يقولي وأنا هحاسبها، ومحدش يمد إيده على التاني، اللي يغلط لازم يتربي، أنا قولتله يطلع أوضته وما يخرجش منها، ولسه هروحله وأتكلم معاه" 


رفعت زوجته صوتها برجاء، محاولة تهدئته

"بالله عليك… بلاش تقسي عليه وإنت بتتكلم معاه… فهمه براحة" 


ابتسم لها بثقة وطمأنها

"صبا… أنا عارف هاعمل إيه مع ابني، أنا بربي راجل، جو الدلع بتاعك ده هيخليه لا مؤاخذة مش راجل، يلا قومي عشان تاكلي" 


تنهدت و رمقته بامتعاض قائلة بعناد

"قولتلك، مش هاكل" 


رفع حاجبه وظل يحدق بها لثوان، ثم التفت إلى زينات

"اتفضلي أنتي يا داده، روحي شوفي الولاد" 


ابتسمت وهمّت بالمغادرة

"بالهنا والشفا على قلبكم" 


وغادرت الغرفة، بينما هو خلع سترته برفق رشيق، وألقاها جانبًا، ثم فك أزرار أكمامه واحد تلو الآخر، رافعًا كليهما إلى الأعلى، قائلاً ويبتسم بلمحة من التحدي

"واضح إن العيال مش بس هم اللي عايزين يتشد عليهم" 


اقترب منها، فالتفتت إليه بعينين شعت فيهما الغضب والامتعاض، قالت بنبرة متقطعة بين الحزم والانكسار

"قصي، أنا مش فايقه بجد لهزارك، أنا متضايقة و مش طايقة نفسي، سيبني في حالي" 


ابتسم وهو يرد بهدوء يحمل طيف العاطفة والحنان في صوته

"ما أنا هاسيبك في حالك، بس بعد ما تاكلي" 

حملها بين ذراعيه، ومضى بها نحو الأريكة، فجلس ووضعها على ساقيه، وبدأ يُطعمها بعناية واهتمام بالغ، كلما رفعت يدها وقالت

"كفاية… مش قادرة" 

كان يضع في فمها ملعقة من الأرز والخضار، يليها قطعة لحم، قائلاً بنبرة صارمة 

"لازم الأطباق دي تخلص وتتغذي كويس، 

فابتسمت بتمرد طفولي 

" علي فكرة، أنت رخم"


ابتسم بزهو وفخر

"قولي حاجة جديدة يا روحي" 


تراجعت ببطء، محدقة في الملعقة التي أمام شفاها، ترفض المزيد من الطعام، حدقت زوجها بابتسامة ماكرة

"أنا شبعت الحمدلله، نيجي للتحلية" 


وفجأة، قامت وقبلته بلا مقدمات، فاخفض يده الممسكة بالملعقة، وجعلها تسقط برفق على الصينية، ابتسمت له بعينين تلمعان بالحيوية والدهشة.

نهض وهو يحملها علي ذراعيه، ولم يفصل قبلتهما، فهبطا معًا إلى الفراش بهدوء ورقة، وفصل قبلته بعد أن استقر بها. 


بدأ بفك أزرار قميصه وهو يرمقها بابتسامة ماكرة، ثم خلع القميص وألقاه جانبًا ليقترب منها من جديد.

قبل أن تنطلق بينهما رحلة رومانسية خفية، قال بدهاء يملؤه اللعب والمكر

"بعد ما نخلص التحلية، هانتغدي مع بعض، مفيش مهرب من الأكل، ده أمر إجباري مش اختياري" 

و غمز لها بعينه ثم أبحر معها في عالم آخر، يلقنها فيه قواعد العشق، حيث لا صوت يعلو سوى نبض القلوب. 


                      ❈-❈-❈


داخل سيارة فارهة تابعة لعائلة باسم، كان الصمت يخيم علي الأجواء، مختلط بنفس الترقب والقلق، حتى قطعه صوت الأم الحازم، وهي تحاول استعادة زمام الأمور

"يا بنتي، راجعي نفسك، إحنا لسه فيها، أنا مستعدة آخدك ونسيب شقتنا ونروح نشوف أي مكان نقعد فيه، لا باسم ولا الجن الأزرق يقدر يوصل له" 


ألقت ابنتها نظرة خاطفة نحو السائق الذي يراقبهما من خلال المرآة، وهمست بخفوت مشحون بالتحدي

"وطي صوتك يا ماما، وبعدين أنا أخدت قراري خلاص، وكلها أيام على فرحي" 


صاحت والدتها بنبرة يغلبها القلق والتحذير

"أنا نفسي أعرف أنتي بتفكري  في إيه، ولا بتخططي لإيه يا فجر، بس لو ناوية على شر عشان تنتقمي منه قبل ما تعمليها، هاتكوني بتدمري نفسك" 


باغت التجهم وجه الابنة، وسرعان ما امتلأت عيناها بالدموع، ومنعتهاما من الانزلاق

"وهو أنا لسه مادمرتش؟!، بس فيه فرق لما أكون متدمرة وعدوي عايش حياته، وبين العكس، أنا هادفعه التمن غالي أوي" 


نظرت الأخرى إليها بسخرية، تشعر بالقلق والخوف

"يا خوفي لتدفعي انتي التمن" 


أشاحت وجهها عن والدتها، مستترة وراء صمت يخفي آلاف الأهات، وصرخات قلب قد تحطم وأصبح أنقاض متكسرة.


لم تمضِ سوى دقائق حتى توقفت السيارة أمام منزل عائلة باسم، واستقبلهما بهدوء وأناقة. 

 

نزل السائق وفتح لهما أبواب السيارة برقي، لترتفع خطوات فجر نحو المنزل العصري الفاخر، حيث اقترب باسم منها بترحاب:

"نورتي بيتك يا حبيبتي" 


أمسك يدها وكاد يقبلها، لكنها جذبت يدها برفق وامتعاض، محدقة فيه بنظرة حازمة، بينما اخفى غضبه خلف ابتسامة هادئة

"يا أهلاً وسهلاً" 


ومد يده نحو والدة فجر، فصافحته على مضض، دلف الجميع إلى الداخل، حيث كانت في استقبالهما والدة باسم، بابتسامة دافئة

"أهلاً وسهلاً، نورتوا الفيلا" 


ردت والدة فجر بأدب

"أهلاً بحضرتك" 

تبادلتا المصافحة، وقالت الأخرى بمزح مداعبة

"و مين كان يصدق، بعد ما كنا خصوم في المحكمة، بقينا نسايب"


لم تعقب والدة الأخرى على حديثها، فكفى نظراتها التي استوعبها باسم ووالدته، فحمحم مبتسمًا وقال

"ما تيجوا نقعد في الجاردن بره، الجو حلو أوي" 


أجابت والدته

"إحنا الكبار هانقعد في الصالون، وخد أنت عروستك واقعدوا في الجاردن" 


و نظرت إلى والدة فجر قائلة لها برفق

"اتفضلي حضرتك" 


ذهبت معها الأخرى، بينما أخذ باسم فجر بيده وتقدما نحو حديقة المنزل، حيث الهواء العليل والهدوء يحيطان بهما، كأنهما في عالم وردي بعيد عن كل التعقيدات والصراعات.


                           ❈-❈-❈


وقفت تتأمل المكان من حولها، وكل زاوية وكل ركن كان يصرخ بالفخامة والرقي، مشهد يشي بالثراء والرفاهية التي تعيشها تلك العائلة. 

 تنفست ببطء، محاولة استيعاب كل التفاصيل، انتبهت إلى باسم الذي وقف بجوارها مبتسمًا، صوته يغمر المكان دفء، يسألها

"إيه رأيك في بيتنا؟، علي فكرة، هايبقى بيتك أنتي كمان" 


التفتت إليه باستفهام، وعينيها تعكس الدهشة والحيرة

"هو إحنا هانعيش هنا؟" 


ابتسم  بخفة وكأن كل شيء يسير وفق ما يشتهي قلبه

"المفروض، بس لو عايزة أخلي بابا يشتريلنا شقة برة، مش مشكلة، سهل جدًا، وشوفي عايزاها تكون فين، و أنا تحت أمرك" 


اقترب منها حتى أصبح على مقربة شديدة، واردف يمسك خصلة حائرة من شعرها، ليعيدها خلف أذنها برقة واهتمام

"المهم تكوني مرتاحة، والأهم هانكون مع بعض" 


ابتلعت ريقها وابتعدت مولية ظهرها إليه، محاولة أن تسيطر على توتر قلبها

"مش هايفرق المكان، أنا زي ما اتفقت معاك، جوازنا هايبقى على ورق، بس ياريت يكون الحوار ده ما بيني وبينك" 


ابتسم  بسخرية خفيفة، وردد وهو يمسح بخفة على ذقنه

"آه… على ورق… وماله" 


التفتت إليه، ورفعت حاجبها بتحد لا يخفي تحفظها

"لو مش عاجبك… إحنا لسه فيها، كل واحد فينا يروح لحاله" 


ضحك وصوت ضحكته يملأ المكان بهجة وحيوية، قال وهو يقترب منها بخفة

"ومين قال مش عاجبني يا فيجو يا حبيبتي؟، ده عاجبني أوي، أنا أصلاً مش مصدق نفسي إن كلها أيام وتبقى مراتي" 


قابلت رده بابتسامة تتخللها السخرية، عيناها تلمعان بتلك المزحة العابرة، لكنها أيضًا تختزن مشاعر مختلطة من الدهشة والحيرة، والحرارة التي تتسلل إلى قلبها من حضوره القريب.


                       ❈-❈-❈

 منذ أن دخل غرفته وألتزم بالمكوث داخلها كما أمره والده، أمسك اللوح الألكتروني وأخذ يلهو بالألعاب الألكترونية، ليشتت غضبه. 


 انفتح الباب بهدوء، دخل والده وأغلق الباب خلفه دون أن يصدر صوتًا.

تقدم بضع خطوات، ثم جلس على المقعد المقابل للسرير، وأسند مرفقيه إلى ركبتيه، ونظر إلى ابنه نظرة ثابتة، لا غضب فيها ولا لين.


وعندما لاحظ الصغير وجود والده ترك اللوح علي الفور واعتدل جالساً ويبلع ريقه بتوتر، يعلم مجئ والده من أجل معاقبته، لذا همّ بالدفاع عن حاله، لكن والده سبقه بصوت منخفض صارم

 "مالك، عايزك تسمعني كويس لأني لأخر مرة هحذرك"


رفع الصغير عينيه بتردد، فالتقتا بعيني أبيه، فخفض رأسه سريعًا.


"أنا ما دخلتش هنا علشان أزعق، ولا أضربك"

توقف لحظة، ثم أكمل حديثه

"دخلت علشان أفهمك غلطك وتتحاسب عليه"


تململ الصغير وقال بصوت خافت

 "هي اللي زقتني الأول يا بابي، و كانت عايزة تاخد السكوتر بتاعي"


أومأ والده برأسه، كأنه يتوقع الإجابة "حتى و لو ده حصل، هل ده يديك الحق ترفع إيدك على أختك وتضربها؟"


صمت الصغير، وهز ساقه بتوتر جلي لوالده الذي أمره بحده

"رد عليا"

 

هز رأسه نفيًا

 "لاء"


"طيب"

اعتدل قصي في جلسته، وصار صوته أعمق

"إنت عندك تسع سنين، يعني فاهم كويس الفرق بين القوة والظلم، و قبل كده مفهمك اللي يضرب بنت أضعف منه مش قوي ولا يبقي راجل"


ارتعشت شفتا الصغير 

"أنا ما كنتش قاصد أضربها بالقلم أو أوجعها"


"بس ضربتها ووجعتها"

قاطعه والده بهدوء و أردف

"والقلم اللي نزل على وشها، زعلني أنا قبل ما يزعلها هي"


نهض وسار حتي وقف أمام والده، رفع عينيه بقلق يسأله

 "حضرتك زعلان مني؟"


تنهد والده بعمق واخبره

 "زعلان من اللي عملته، مش منك

بس اسمعني كويس"


وضع يده علي كتف صغيره و بيده الأخرى يلوح بها له مزامنة مع كلماته "أختك خط أحمر، مرة تانية إيدك تفكر تتمد عليها، افتكر إنك بتزعلني أنا مش هي"


اتسعت عينا الصغير، وبدأت الدموع تتجمع في عينيه 

 "أنا آسف يا بابي… مش هكررها تاني"


 "الأسف لوحده ما يكفيش، أختك تطلع 

و تعتذر لها قدامي، ده غير أنك هتفضل ممنوع من السكوتر أسبوع حتي التابلت بتاعك محروم منه"


شهق الصغير معترضًا

 "أسبوع!"


رد والده بحسم وصرامة

"ده عقاب، علشان تفتكر إن الغلط له تمن"


ثم أضاف بنبرة أخف

 "وآخر مرة أشوفك بتمد إيدك علي أختك، و لو كررتها المرة الجاية الحساب هيبقى أكبر، ومش هيعجبك"


انحنى الصغير وانهارت دموعه

 "حاضر… مش هعمل كده تاني"


ربت علي كتفه و بيده الأخري رفع وجه صغيره

 "هو أنا بكلمك عشان تعيط؟!، أنا بتكلم مع راجل، انشف كده أنت المفروض بعدي هنا في القصر، ماشي يا صاحبي؟"


و غمز له بعينه مبتسماً حتي يجعل ابنه يتوقف عن البكاء، وهز رأسه بايماءه 

"ماشي" 


"ماشي يا إيه؟" 


ابتسم الصغير

"ماشي يا صاحبي" 

فتح والده ذراعيه له فارتمي بينهما، يعانقه والده بحنان بعدما لقنه درس تربوي يبدو في ظاهره حاد وقاسي لكنه نابع من قلب أب حنون. 


                       ❈-❈-❈


لدى والدة باسم، جلست الأم في مواجهة امرأة تُخفي خلف هدوئها الرسمي عاصفة من الهواجس. 

 ملامحها هادئة، لكن العيون تفضح ما لا يقال، قطعت هذا الصمت بصوت يحمل نبرة من التحفظ والحذر

"أنا عزمتكم النهاردة عشان كنت عايزه أقعد معاكي ونتكلم شوية لوحدنا، بس ياريت الكلام ده يكون بيني وبينك، يعني لا باسم ولا فجر يعرفوا باللي هقوله" 


حدقتها الأخرى بترقب واع، فقد أدركت جيدًا فحوى ما سيقال، وكأنهما رغم الاختلاف الذي بينهما، لكن تقفان على أرضية واحدة. 

 تنهدت والدة فجر بعمق، ثم قالت بثبات

"ما تقلقيش يا مدام.... " 


ابتسمت الأخرى ابتسامة رسمية، تخبرها بالاسم

"مدام سلمى" 


أومأت الأخرى وأعادت العبارة بنبرة أكثر اتزان

"ما تقلقيش يا مدام سلمى، اتفضلي… سمعاكي" 


حمحمت الأخرى كمن يهيئ الكلمات قبل أن يطلقها، ثم قالت بوضوح لا يخلو من ألم دفين

"أنا مش موافقة على جواز باسم من فجر، وقبل ما تفهميني غلط، عايزه أفهمك سبب رفضي، مش عشان فرق المستوى طبعًا، لأن إحنا كنا في يوم من الأيام زيكم، وبابا باسم كافح وربنا كرمه من وسع، نيجي لسبب عدم موافقتي، وهو إني مش عايزه أظلم بنات الناس مع ابني، ابني صعب، ولما بيحط في دماغه حاجة بيعملها مهما كلفه الأمر، وللأسف باباه بينفذ له كل طلباته، حتى موضوع جوازه، باباه فاكره إنه شبطان في لعبة، ومسألة وقت، ولما هيزهق منها هيرميها، وأنا عندي بنت، وخايفة يترد لها اللي بيعملوه أبوها وأخوها" 


اتسعت عينا الأخرى دهشة مما سمعت، ثم عقبت بصوت صريح يختلط فيه الخوف بالمرارة

"والله يا مدام سلمى، مخبيش عليكي، أنا زيك بالظبط، مش موافقة خالص، وبنتي هي اللي مصممة، ما تزعليش مني، أنا مش عايزه بنتي تتجوز واحد كان هيقتلها لمجرد إنها بعدت عنه أنا كنت عارفة بقصة حبهم، ومكنتش راضية على الوضع، إحنا أهلنا ربونا إن الحب والمشاعر تخرج للزوج اللي يكون حلالك، غير كده تبقى قلة أدب، بس أجيال اليومين دول بالنسبة لهم الأصول وتعاليم الدين أفكار رجعية ودقة قديمة" 


تنهدت بعمق، كأنها تُفرغ ما تبقى في صدرها من قلق دفين، ثم أكملت

"نرجع لموضوعنا، أنا مش لاقيه حل أرجع بنتي عن قرارها، وخايفة أقف قصادها أخسرها، أو ابنكم يأذيها تاني، وأنا ست بطولي، مالناش حد غير ربنا" 


مالت سلمى قليلًا إلى الأمام، ونبرتها هذه المرة تحمل يقين بارد لا يقبل التردد

"أنا عندي الحل… بس تنفذي اللي هقولك عليه بالحرف الواحد" 

"قولي وأنا معاكي في أي حاجة تكون في مصلحة ولادنا" 


                         ❈-❈-❈


عادت من السوق تثقل ذراعيها أكياس ممتلئة، تتدلى من قبضتيها كما تتدلى أعباء الأيام من روح أرهقها تحمل هذا الوضع المزري. 


ما إن وطأت عتبة الشقة حتى باغتها الظلام، ظنت إنه انقطاع مفاجئ للتيار الكهربائي. 

 تقدمت خطوتين، ثم نادت بقلق

"سالم؟… ريتاج؟… أنتم يا عيال روحتوا فين؟" 


لم يأتِها رد، وفي اللحظة ذاتها انسكب النور فجأة، فامتلأ المكان بالضوء، وأُغلق الباب خلفها بإحكام. 

 شهقت بفزع خاطف، لكن شهقتها انطفأت حين وقعت عيناها على من أغلق الباب، فها هو زوجها! 


وقبل أن تنطق بكلمة، انتبهت إلى ما أعده لها من أجواء شاعرية مصطنعة؛ مائدة يتراقص فوقها وهج الشموع الذهبية، وورود متناثرة كأنها محاولة متأخرة لرتق قلب مكسور، وأطباق طعام شهية تفوح بروائحها، وعلبة مغلفة بالمخمل الأحمر، توحي بأنها هدية محملة بالاعتذار.

في عينيه ارتسم ندم ثقيل، جلس على إحدى ركبتيه أمامها، وأمسك يدها قائلًا بصوت خرج من أعماقه

"والله العظيم ندمان ندم عمري، وطالب السماح وفرصة أخيرة، وأوعدك وعد راجل حر عمري ما هكررها تاني، أنا ماليش غيرك، وعمري ما هلاقي واحدة زيك، بنت حلال وبنت أصول، شايلاني وشايلة بيتي وولادي في عينيها، وأنا كنت غبي يوم ما فكرت أبص لغيرك، والشيطان عمال يدورلي على حجج ومبررات كانت حلولها سهلة وبسيطة، لكن أنا زي أي واحد استسهل الحرام وأنا معايا جوهرة" 

انحنى وقبّل يدها، ثم وقف وهو يقول

"أنا آسف يا شيماء، حقك عليّا، كفاية بقى بعاد وخصام، خلينا نفتح صفحة من أول وجديد، أنا بحبك أوي، ومش قادر أستحمل بعدك عني أكتر من كده" 


بينما هي تقف أمامه صامتة، لكن عينيها كانتا تصرخان بما عجز اللسان عن قوله؛ تحكيان عن وجع ثقيل عاشته الأيام الماضية، وعن خيانة نزفت قلبها وأحدثت فيه شروخ وجراح لا تلتئم. 


"بحبك أوي يا شيماء"

تفوه بالكلمات من فؤاده واقترب منها، قبّل رأسها، ثم مال نحو شفتيها، بينما عيناها لا ترى إلا المشاهد التي حفرت ذاكرتها في الغردقة، يوم رأته برفقة روميساء.

دفعته قبل أن تمس شفتيه خاصتها، وانفجرت ثورة الوجع والحزن المختزنة بداخلها صراخات في وجهه

"أنت فاكرها بالساهل كده يا ابن الشيخ سالم؟!، أنت عارف عملت فيّا إيه؟!، أنت كسرتني، خيانتك ليا عملت جوايا شرخ كبير عمال ينزف من ساعتها لحد دلوقتي، أنا وجودي معاك هنا مش علشانك، ولا علشان مش قادرة أبعد عنك، أنا سبب وجودي عشان خاطر الولاد، مالهمش ذنب أعيشهم مشتتين ما بينا لو انفصلت عنك، مضطرة أجي على نفسي وأستحمل أشوفك كل يوم في وشي عشانهم، ولو عندك ذرة عشم إني أسامحك وأرجع، يبقى أنت غلطان، أقولك عشان ترتاح، وأنا اللي بقولهالك بنفسي، روح اتجوز يا طه، روح اتجوز أحسنلك، لأنك هتفضل بالنسبة لي أبو عيالي وبس" 


ألقت كلماتها كأنها حجارة، وتركته خلفها، وأسرعت بخطوات متعثرة نحو غرفة صغارها قبل أن يرى دموعها، دوى صوت صفق باب المنزل، فاهتزت جدران الشقة ونوافذها، وارتفع صدرها يعلو ويهبط بعنف، هنا فقط انهارت، وجلست على الأرض وأجهشت في بكاء مرير، بكاء امرأة انكسر قلبها ولم يبقَ لها سوى الصبر.


                          ❈-❈-❈


صعدت درجات الشركة بخطوات واثقة، تحمل  حقائب صغيرة تتراقص داخلها روائح الطعام الدافئ، وتختبئ بينها علب الحلوى . 

لم تكن زيارتها عابرة؛ كانت نية مبيتة للفرح ومفاجأة مصنوعة على مهل، جاءت لتعيد ترتيب قلب أرهقته الدوامات.


تقدمت نحو مكتب زوجها، استقبلتها السكرتيرة بنظرة متفاجئة، فابتسمت  ابتسامة وديعة، وسألتها بثقة هادئة 

"آدم جوا؟"


لم تمضِ لحظات حتى فتحت الباب، وظهر آدم متيبسًا في مكانه بعد أن تفاجئ بها، تلاقت عيناها بعينيه، فانبثقت الدهشة على ملامحه، تلتها ابتسامة واسعة. 

"خديجة!، إيه المفاجأة الحلوة دي"


دخلت بخفة، ووضعت الحقائب فوق الطاولة، وقالت بنبرة مشبعة بالدفء "قولت اعملك مفاجأة واجيلك نتغدى سوا، أكل وحلويات بيتي هايعجبوك أوي"


اقترب منها، جذبها من كفها برفق، وحدّق فيها طويلًا 

" أحلي مفاجأة علي قلبي، و علي فكرة أنتي كنتي علي بالي، أصلك وحشاني أوي"


جلست أمامه، وأسندت كفيها إلى الطاولة، ثم تنفست بعمق، وقالت فجأة بنبرة صادقة خالية من التكلف 

  "و أنت كمان واحشني، و قبل ما انسي عايزه أقولك أنا شلت من دماغي خالص موضوع البيبي التاني زي ما قولتلك قبل كده"


تجمد للحظة، قبل أن يجلس قبالتها مصغيًا بكل جوارحه.


فاكملت حديثها

"و كمان قررت أخلي كل اهتمامي بيك إنت، و بيوسف ابننا، بس اهتمامي هايبقي بيك أكتر، هدلعك وهشبعك حب و اهتمام لحد ما تقول كفاية"


ابتسم فتابعت وقد تلألأت عينيها وهي تخبره 

 "وفيه قرار تالت، كان نفسي آخده من زمان، بس كنت خايفة إنك ترفض، أو تتريق عليا، علشان مؤهلي الدراسي أقل ومش هابقي مناسبة"


قطب حاجبيه

 "قرار إيه ده؟"


قامت ووضعت يديها علي كتفيه، مالت نحوه قليلًا، وهمست كمن يبوح بسر "عايزة أبقى سكرتيرتك الخاصة، 

نعيش جو روايات المراهقين، و مكتبي يبقي هنا جوه مكتبك"


انفجر ضاحكًا، ضحكة صافية خرجت من صدره وقال

 "إحنا كده مش هنشوف أكل عيشنا خالص!"


رمقته بمكر محبب، فسألته

 "ليه كده يا حبيبي؟"


 توجه إلى الباب، وأوصده من الداخل ثم عاد إليها بخطوات بطيئة، وصوته انخفض، واكتسى نبرة تنضح بالجرأة  "أصل ساعتها هابقى المدير السافل، 

اللي ما بيصدق ينفرد بالسكرتيرة بتاعته ويتحرش بيها"


اقترب أكثر، وقال وهو يبتسم

"بس الحمد لله…تحرشي بيكي  هايبقي حلال، حلال، حلال"


ضحكت بدلال صريح

 "بعد الضحكة دي، لازم أتحرش وأتحمرش، وعلى رأي أغنية كنت سامعها أيام 2012"


رفعت حاجبيها بدهشة

"2012؟!، إنت قديم أوي يا دومي"


ضحك واخبرها و يحرك كتفيه

 "ما أنا ما بقيتش أسمع أغاني من ساعتها يا حبيبتي، ومن يوم ما اتجوزنا بطلت اسمع خالص، الحمد لله توبت إلى الله علي ايديكي"


قهقهت وقالت بمزاح مشبع بالحب

"بارك الله فيك يا حبيبي، وينعِم عليك كمان وكمان"


احاط خصرها بين يديه 

 "المهم، الأغنية كانت بتقول، هاتي بوسة يا بت، هاتي حتة يا بت"


ثم همس جوار أذنها

 "ما تجيبي بوسة بقى"


كادت تضحك، لكنه باغتها وقبّلها قبلة دافئة، وعناق طويل تمازجت فيه الأنفاس، وتوهجت المشاعر، كأن القلوب تستعيد إيقاعها الأول كحلاوة البدايات. 


                         ❈-❈-❈


هيأت ابنائها بعناية ، عدلت ملابسهم، رغم ثقل بطنها المنتفخ بالحمل، وقالت للمربية المساعدة بصوت حازم 

"خدي بالك منهم، ولو قصي ما سمعش الكلام، اتصلي بيا فورًا وقوليلي"


أومأت المربية برأسها باحترام 

 "تمام يا مدام دنيا، ما تقلقيش"


غادرت المربية ومعها الصغار، وتلاشى ضجيجهم تدريجيًا في الممر، بينما أغلقت دنيا الباب خلفهم، واستندت إليه لحظة قصيرة كأنها تلتقط أنفاسها.

استدارت لتتجه نحو غرفتها، لكنها توقفت فجأة على رنين الجرس، 

زفرت بضيق خافت، وقالت وهي تتحرك ببطء فرضه ثقل الحمل لديها

  "شكلهم نسيوا حاجة، لازم يتعبوني يعني"


سارت على مهل، فتحت الباب، فتجمد الهواء من حولها عندما رأته يقف أمامها، ملامحه التي غابت أيامًا عنها، وبنظرة تختلط فيها الغربة بالاعتياد.

آخر عهدهما كان شجار حاد في شركته، غادر بعدها، ومنذ ذلك اليوم سكن الصمت بينهما كجدار عازل. 


نظرت إليه بعتاب ولوم، وارتسمت على شفتيها سخرية موجوعة 

 "حمد الله على السلامة يا كنان بيه"


حدق في وجهها طويلًا، لا ينكر أن الشوق اجتاحه كريح مباغتة، وأن ذراعيه اشتاقتا لاحتوائها، غير أن ما تراكم في صدره من مرارة في الأيام الأخيرة كان أثقل من أن يتجاهله؛ فهو في نهاية المطاف رجل له طاقة، وصبره مهما طال له حدود.


رد باقتضاب بارد

 "الله يسلمك"


ثم تجاوزها دون كلمة أخرى، واتجه مباشرة إلى غرفة نومهما، فتح الخزانة، أخرج بدلة جديدة وبعض الثياب، بدأ يجمعها في صمت صلد.


دخلت خلفه، وقفت عند الباب، وعيناها تراقبان حركاته بقلق متصاعد، ثم قالت بصوت مرتجف 

"إنت واخد هدوم وراجع على الشركة تاني؟، خلاص قررت تعيش في الشركة وتسيبني أنا وولادك لوحدنا؟، وكل اللي بتعمله تحولي فلوس على الكريدت وخلاص؟، طب وأنا إيه في حياتك؟!"


لم يجب و ظل منهمكًا فيما يفعل، كأن الكلمات لم تصل إليه.

اشتعل الغضب في صدرها، اقتربت منه بخطوات متوترة، التقطت الثياب التي رصها على السرير، وقذفتها أرضًا وهي تصيح

 "رد علي كلمني!"


لم يحتمل حدة صوتها، فاندفع يضرب ضلفة الخزانة بقبضته، فاهتز المكان، وصاح بانفجار مكبوت 

 "مش ده اللي إنتِ عايزاه؟!، وأنا بريحك مني"


نظرت إليه بعينين تنضح بالحزن، وقالت بصوت مكسور

  "ومين قالك إن أنا عايزة كده؟، شايف السرير بتاعنا!"


التفت بعينيه نحو الفراش، فوجده مرتبًا كما تركه منذ أيام، فأردفت بصوت خافت لكنه نافذ من قلبها إلي فؤاده

 "سريرنا زي ما هو من وقت ما قررت تبات بره وتسيبني، ما بعرفش أنام عليه وإنت مش موجود، بضطر أنام في حضن الولاد وبرضه النوم بيهرب مني"


صمتت للحظات، ثم تنهدت بألم عميق "البيت من غيرك وحش أوي، حياتي كلها من غيرك مالهاش أي قيمة، ارجع بيتك ولولادك، ارجعلي أنا، عارفة إنك زعلان، معلش اعذرني، اللي مريت بيه مكنش سهل عليا، إنت خلتني أعيش سنين بتعذب، أيوه أنت اتغيرت كتير للأحسن، بس جوايا صراع، بمر بحالة نفسية وحشة، محتاجة لك جنبي، بالله عليك ما تبعدش عننا تاني"


انهارت وأجهشت بالبكاء، فذاب ما تبقى من صلابته، اندفع نحوها وجذبها بين ذراعيه، احتضنها بقوة واشتياق، اختار أن يكون رده فعلًا أبلغ من الحديث.


ظل معانقًا لها دقائق طويلة حتى هدأت شهقاتها، أجلسها برفق على طرف الفراش، وجثى أمامها، أسند رأسه على فخذيها كطفل صغير، قائلاً بصوت مبحوح

 "أنا اللي محتاجلك أكتر ما إنتي محتاجة لي، كنت بتعذب في بعدك، وعايز أجري عليكي وأترمي في حضنك، أنا غلطت في حقك وعارف إنك مش هتسامحي بسهولة، حتى لو سامحتي الندوب اللي جواكي هتفضل تفكرك باللي عملته، 

عشان كده لجأت للبعد، كنت فاكره الحل الأنسب، مكنتش أعرف إن البعد عامل زي الموت البطيء،بيعذب أكتر ما بيريح"


رفعت يديها، ومررت أصابعها في شعره، وقالت بصوت متهدج

 "وليه تعمل فينا كده والحل بسيط…

ترجع لبيتك وولادك وليا أنا"


أمسك كفيها، قبّلهما واحدًا تلو الآخر، وضع إحداهما على خده، وأغمض عينيه: "أنا نفسي أنام، بقالي أيام ما دوقتش طعم النوم، خديني في حضنك ونيميني"


نهض وخلع حذاءه، وساعدته على خلع سترة بدلته، فكت أزرار قميصه وخلعته عنه، كادت تجلب له قميصاً قطني، لكنه

تمدد على السرير، قالت له بقلق واهتمام "خد البس حاجة بدل ما تبرد"


أمسك يدها، وجذبها لتنام بجواره، واستقر في حضنها كرضيع أنهكه البكاء، وهمس بنبرة يغلبها النعاس

"في حضنك، عمري ما حسيت ببرد"


غلبه النوم في الحال، كأنه كان يحتاج ذراعيها فقط ليغوص في سبات عميق. 

ظلت تتأمله طويلًا، حتى انتبهت إلى اهتزاز هاتفه في جيب بنطاله.

سحبته برفق، نظرت إلى الشاشة، فوجدت رسالة واردة على بريده الإلكتروني.

ترددت، ثم أمسكت يده دون أن يشعر، وضعت إصبعه على البصمة، فانفتح الهاتف.

ترددت لحظة قبل أن تفتح، لكن اسم المُرسل لفت انتباهها؛ مكتوب بحروف تشبه الإنجليزية، لغة لا تفقهها، 

غير أن الرسالة كانت مرفقة بصورة.

صورة ما إن وقعت عيناها عليها، حتى خفق قلبها بعنف، كأن شيئًا مظلمًا استيقظ فجأة في أعماقها.


                         ❈-❈-❈

داخل السيارة،  تقود على مهل، يداها ثابتتان على المقود، وعيناها تراقبان الطريق بعناية، قطعت الجالسة جوارها الصمت، وسألت بنبرة يغلبها الفضول و القلق

"ما تقولي يا ملك… إحنا رايحين على فين؟"


أبطأت الأخرى السرعة ثم التفتت إليها بابتسامة خبيثة تخفي شئ ما

 "يا بنتي ما قولتلك… عايزاكي معايا نشتري حاجة، ومحتاجة رأيك فيها

ولا انتي قلقانة وخايفة؟"


تنهدت ياسمين ونظرت من النافذة، قائلة بصوتٍ متردد 

"مش خايفة بس قلقانة، أنا ما قولتش لياسين، وكمان مش بيرد عليا، 

قولت أكيد مشغول في الشركة، خايفة يزعل إني خرجت من غير ما أستأذن"


رمقتها الأخرى بدهشة صادقة، وكأنها لا تصدق ما سمعت 

"أنا مش مصدقة وداني!، معقولة ياسمين اللي بتقول كده؟!، الله يرحم أيام ما كنتي تيجي تشتكيلي من أخويا، وتقولي إنه خانقك، وكل خطوة ليكي لازم بإذن، 

لا لا… إحنا اتغيرنا خالص، بس تغيير حلو ولذيذ بصراحة"


عقدت حاجبيها وسألت باستفهام

  "إيه ده؟ هو أنا كنت وحشة؟"


ضحكت ملك وهزت رأسها 

  "لا خالص، مين قال كده؟، يا بنتي اللي تعيش مع ياسين أخويا يبقى ليها الجنة، وتدخلها من غير حساب كمان"


قهقهت زوجة أخيها وقالت 

 "واضح إنك بتعزّي أخوكي جدًا"


تنهدت الأخرى، وتحول صوتها إلى نبرة أكثر جدية 

"بصي خلينا نتكلم جد، أنا بحب كل إخواتي من أول قصي لحد ياسين، بس ياسين أقربهم لقلبي، صحيح وإحنا صغيرين كنا بنقطع في شعر بعض، بس بعد ما كل واحد فينا اتجوز وبقى له بيت وحياة، بقينا أقرب، هو حنين قوي فوق ما تتخيلي، ومن غير مجاملة، أنا مابقولش كده علشان أخلي صورته حلوة في عينيكي، بس هو فعلًا أب وزوج وأخ حنين جداً"


ثم لحظة وأضافت بلهجة حذره 

 "بس حطي قصاد الحنية دي، كمية غباوة وغشومية لما بيتعصب، أنا كملك بترعب منه، بخاف من ردود أفعاله، ومن غيرته

غيرته عدت ليفل الوحش" 


التفتت ياسمين إليها باهتمام، فواصلت الأخرى 

 "تعرفي… السنة اللي فاتت بنتك كانت عندي، لقيت عينيها وارمة، شكلها كانت معيطة جامد، سألتها ما رضيتش تقول، بس بناتي عرفوا منها إن البيه جوزك نفخها تهزيق، كل ده ليه عشان راح النادي يجيبها، لقاها بتلعب مع ولد، وكانت هتقع وهي بتجري، الولد خاف عليها ولحقها ومسكها من وسطها، حظها الأسود أبوها شافها في اللحظة دي، وما شافش المشهد من أوله"


ابتلعت ملك ريقها وأكملت بانفعال 

 "أول حاجة اتخانق مع الولد، وكان هيضربه، وأهله اتدخلوا و الخناقة كبرت، والبوليس جه، واتلغت عضوية ياسين من النادي ولا همه كل ده، المصيبة بقى لما خد البنت وروح، طلع كله على دماغها، 

سمعها كلام، لما سمعته من مليكة، قلبي وجعني، البنت انهارت، ولما جيت أعاتبه، قلب وشه عليا وقال لي، لو سمحتِ يا ملك، سيبيني أربي بنتي زي ما أنا عايز"


هزت رأسها بأسى 

 "قولت له دي بنت، ما ينفعش معاها لا شدة ولا تسيب، كون حازم وحنين في نفس الوقت، بس أقول لمين، الكلام ده يفهمه واحد عنده عقل، مش واحد دماغه دماغ تور بينطح من غير ما يفكر"


أنهت حديثها، فلاحظت أن ياسمين شاردة، تنظر أمامها بلا تركيز لوّحت بيدها أمام وجهها 

"سرحانة في إيه؟"


التفتت إليها وقالت بحزن 

 "في كلامك…زوأنا بسمعك قلبي اتقطع على البنت، غيابي أذاها جامد، أنا عارفة إن تصرف أخوكي بدافع الخوف، بس مش للدرجة دي أنا هنبهه عليه"


انتفضت الأخرى وصاحت محذرة

 "لاء، مش وقته تنبيه خالص، ولا تقوليله إني قولتلك حاجة، ده أنا ما بصدق ينسي موضوع رودينا، ده كده ممكن يطلع لايف تاني ويقول اتبريت من ملك أختي، ومش عايز أعرفها، ومش بعيد نطلع إحنا الاتنين في برنامج المسامح كريم"


انفجرت ياسمين ضاحكة من قلبها، فضحكت ملك معها 

 "أيوه كده، عايزين الضحكة الحلوة دي، 

عايزاكي تدخلي عليه والابتسامة من ودن للودن"


نظرت إليها باستفهام

"هو مين؟"


توترت الأخرى فجأة وقالت

 "قصدي يعني، خليكي مبتسمة، 

إيه ده إحنا وصلنا!"


نظرت ياسمين من نافذة السيارة، فوجدت المكان هادئًا، فسألت بدهشة "فين المول اللي قولتيلي عليه؟، 

ده إحنا على الكورنيش"


ابتسمت ملك

 "انزلي بس… وهقولك"


ترجلتا معًا، وما إن رفعت ياسمين رأسها حتى تفاجأت بياسين يقف في انتظارهما أمام نادي خاص بالمراكب واليخوت.


قالت الأخرى بخفة

 "أظن كده أديت مهمتي بنجاح وسلمتك مراتك، أخلع أنا بقى، ألحق أرجع على القصر، زمان مصعب هيعدي ياخدني أنا والبنات"


ابتسم شقيقها وقال

 "خلي بالك من نفسك، وسلميلي على مصعب"


"أوك، رحلة سعيدة يا عصافير الحب"


انسحبت ملك، بينما بقيت ياسمين في مكانها، المفاجأة تعقد لسانها، أمسك ياسين يدها وقال مبتسمًا

 "مالك مصدومة ليه؟، قولت أعملك مفاجأة نفك بيها من الجو الكئيب، 

وبما إننا في حكم المخطوبين زي ما انتي طلبتي، قولت يا واد يا ياسين خدها واطلع بيها رحلة مركب، أهو كده حققت مقولة، المية والخضرة والوجه الحسن، 

وأنا معايا وجه ملاك"


ابتسمت بخجل، فقال ضاحكًا

 "يا لهوي على جمال خدودك لما بتتكسفي…آه منهم، لولا إننا في مكان عام، كنت كلتهم، خليها لما نروح"


نظرت إليه بتحذير 

 "ياسين!"


ضحك واخبرها بجرأة مازحًا

"ياسين إيه بس، بقولك إيه… إنتي آخرك معايا في الخطوبة خروجة النهارده، وبكرة ندخل في مرحلة الجواز"


لكزته في كتفه

 "هسيبك وأمشي"


"تمشي تروحي فين!، أنا زي خيالك يا روح ياسين"


ثم نظر إلى جسدها وقال بمكر 

 "بس مش خيالك بالظبط، إنتِي عندك تلال وهضاب، وأنا سهول مستوية"


"ياسين!، اتلم يا وقح"


قهقه وحدقها بوعيد مستمرًا في مزاحه

"أنا هوريكي الوقح ده هيعمل فيكي إيه لما نروح"


اصطحبها إلى مركب فاخرة تشق مياه النيل، والمشهد من حولهما آسر كلوحة حية.

شغل لها الأغاني وغنى معها، كلمات الحب تنساب على لسانه كما لو خُلقت لها وحدها.

تناولا الطعام وسط ضحك وموسيقى رومانسية، والتقطا صورًا كثيرة توثق تلك اللحظات.

كانت تقف في مقدمة المركب، وهو خلفها يحتضنها من ظهرها، يستغل غياب العيون، فيخطف من خدها قبلة بين الحين والآخر.

وكان كلما تشبثت خوفًا بحافة المركب، أحاط خصرها أكثر، وضمها إليه. 


كانت مشاعرها كفراشة تحلق في السماء، وكل لحظة يثبت لها كم يعشقها، وكم يسعى لإسعادها.

وتذكرت طلب ابنتها بأن يعودوا أسرة واحدة كما كانوا، فقررت أن تمنحه الضوء الأخضر.


انتهت الرحلة مع غروب الشمس، واستقلت سيارته معه، أمسك يدها وهو يقود، يقبّلها بين حين وآخر، ويتغزل فيها بنظراته التي تزيدها خجلًا. 


اخبرته بتردد 

"ياسين"


 "روحه وقلبه وكل ما ليه"


ابتلعت ريقها ثم قالت 

"أنا موافقة"


سألها بلهفة وعدم فهم مصطنع 

 "موافقة على إيه؟"


اجابت بخجل 

 "موافقة نعيش أنا وإنت وياسمينا في بيت واحد، وأكون... وأكون زوجتك"


أوقف السيارة فجأة، ونظر إليها غير مصدق 

"يعني تبقي مراتي ونعيش في بيت واحد؟"


هزت رأسها بنعم، فاكمل

"وفي أوضة واحدة؟"


هزت رأسها مرة أخرى بنعم، فسألها بجرأته المعتادة دون خجل

"وعلى سرير واحد؟"


زمت شفتيها

 "ما تبقاش ياسين غير لما كلامك يحدف شمال، خلاص أنا سحبت كلامي"


"نعم؟!، سحب إيه، أنا مش مصدق نفسي… أخيرًا رضيتي عليّا"


 "طب يلا بينا، علشان ما نتأخرش على البنت"


"تؤمري يا جميل"

غمز بعينه وانطلق بالسيارة، ثم اضطر لتغيير الطريق بسبب زحام المرور. 

وفي الطريق الهادئ، لمح رجل وسيدة بطنها منتفخ، يبدو عليها ألم الولادة، يقفان على جانب الطريق.


خفف السرعة، فسألته ياسمين بقلق "حبيبي، إنت هديت ليه؟"


"شكل الراجل مش لاقي عربية، ومراته بتولد"


"ياسين، أوعى توقف، قلبي مش مرتاح"


لكن الرجل اندفع نحو السيارة، وتحدث من النافذة 

 "معلش يا باشا، مراتي على آخرها، ومش لاقيين إسعاف ولا عربية، ممكن تاخدونا في سكتكم؟"


تردد ياسين لحظة، وفجأة تحولت ملامح هذا الرجل الغريب يكشر عن أنيابه، فتح باب السيارة بعنف، وجذب ياسين رغما عنه.


"ياسين!" 

صرخت بها ياسمين بخوف وذعر و امسكت بيده، فصاح به

"اوعي تنزلي" 


وبدأ عراكه مع الرجل مردداً

"آه يا ولاد الـ…" 


ولم يكن يدرك أو ينتبه إلي اثنين آخرين ينضما إلي زميلهم، فقام ثلاثتهم بالهجوم عليه، و السيدة التي تتظاهر بالحمل تحاول إنزال ياسمين من السيارة، بينما الأخرى همها ياسين عندما رأت الرجال الثلاثة يتكالبون عليه بالضرب. 

فظهرت سيارة قادمة تصدر صوتاً علمه علي الفور افراد العصابة، صاحت المرأة

"يلا انت وهو البوليس جاي" 


توقفوا عن ضرب ياسين الذي صاح باصرار

"والله ما هاسيبكم غير لما يجوا يقبضو عليكم يا ولاد الـ...... 

لم يستطع اكمال جملته واطلق صرخة ألم، حيث قام احدهم باخراج مديته من جيبه وقام بطعنه! 


يتبع...


تكملة الرواية بعد قليل 

جاري كتابة الفصل الجديد للروايه حصريا لقصر الروايات اترك تعليق ليصلك كل جديد أو عاود زيارتنا الليله

لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كامله من هناااااااااا

مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا

مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا


تعليقات

التنقل السريع