القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية غرام الذئاب الفصل الثاني وعشرون إلى الفصل الخامس وعشرون من الجزء الرابع بقلم ولاء رفعت (حصريه وجديده في مدونة قصر الروايات )

 رواية غرام الذئاب الفصل الثاني وعشرون إلى الفصل الخامس وعشرون من الجزء الرابع بقلم ولاء رفعت (حصريه وجديده في مدونة قصر الروايات )






#الفصل_الثاني_والعشرون إلى الفصل الخامس والعشرين 

#غرام_الذئاب

#الجزء_الرابع_من_سلسلة_صراع_الذئاب

#ولاء_رفعت_علي


ما أقسى أن يُطعن القلب لا بسيف، بل بابتسامة خبيثة كانت تُخفي وراءها خنجر الغدر.


في مدينة الغردقة، حيث البحر الأحمر يسطع كبساط أزرق يزدان بلمعان الشمس المتكسرة على صفحته، وحيث الطبيعة تفرض هيمنتها بجلال وسحر على كل ما تطاله العيون من مناظر فاتنة آسرة، كان طه واقفاً في قلب الزورق الترفيهي، مرتدياً سروال البحر القصير لا غير، كتمثال من نحت الموج والريح.

 وخلفه تقف روميساء في أبهى زينة البحر؛ ترتدي ثياب السباحة ذات القطعتين، و يعلوها وشاح شفاف يتدلى على جسدها كغلالة من الضوء، سرعان ما ألقته عنها دون أن يلاحظ ذلك.

  اقتربت حتى التصقت به، عانقته من ظهره، وهي تصرخ بمرح مبحوح يختلط بصفير الريح.


كان الزورق يشق عباب الماء بعنفوان هادر، كأنه يطارد الأفق أو ينازع الريح سرعتها. 

قالت بصوتها المندفع كأمواج المد

"أنا فرحانة أوي يا تيتو"


بينما هو غارق في عالم آخر، مسلوب الإرادة بين ذراعيها، يتردد بين أن ينسحب من هذا الحضن الجريء أو يستسلم لما أشعل جسده من رجفة حارقة توقد في أعماقه ناراً خفية.


اخبرها بصياح بسبب صوت المحرك الهادر

"طب خدي بالك عشان هنلف ونرجع، امسكي جامد لتقعي"


 تشبثت ذراعيها عليه بقوة أكبر، وأجابته بمرح واطمئنان

"أنا مكلبشة فيك جامد… ما تقلقش"


ثم فاجأته بقبلة خاطفة على عنقه، فابتلع ريقه بتوتر، وإذا به يخفف من سرعة الزورق شيئاً فشيئاً حتى أوقف المحرك.


 التفت إليها، فابتسمت بخبث ودلال

"وقفت اللانش ليه؟"


أخذ يحدق فيها، مأخوذاً بمشهدها الطافح أنوثة، وما يطل من جسدها أمامه بسخاء لا يحتمل. 

  لم يملك زمام رغبته التي استعرت كاللهب، فاجتذبها إلى ذراعيه، يقبّلها بشغف محموم، ومن بين قبلاته المتلاحقة تمتم

"إنتي حلوة أوي يا روميساء… حلوة أوي"


قهقهت بدلال خفيف، وهي تبتعد عنه بلمحة ماكرة

"خلاص كفاية يا تيتو، لو حد شافنا ممكن يصورنا… وهانبقى تريند يا بيبي"


حاول أن يستعيد سيطرته، فأبعدها بلطف متردد، والتقط الوشاح من أرضية الزورق وقدمه إليها قائلاً بلهجة آمرٍ إياها

"خدي… ألبسي البتاع ده"


ابتسمت بمكر أنثوي، متوهمة أنّه يطلب منها ارتداءه غيرة وحرص منه عليها، قامت بلف الوشاح حول جسدها برشاقة، ثم جمعت خصلات شعرها في طوق مطاطي كانت ترتديه حول معصمها. 

 نظرت إليه بعينين لامعتين وسألته بدلال سافر

 "كده حلو؟"


رمقها بنظرة ثاقبة وعضّ على شفته، مبحرً في سحرها

"إنتي تجنني في كل حالاتك"


اقتربت منه، تطوق ذراعاها حول عنقه، وهمست بجرأة لا تخفى

"بعد ما نرجع للفندق هستناك نقضي وقت جميل مع بعض، وبعدها نخرج نسهر في نايت قريب من هنا"


صمت وقد شعر بتوتر قلبه أمام دعوتها الصريحة التي تسللت إلى مسامعه كتيار مباغت.  

 لم ينبس بكلمة، ربّما عجز أو تردد، ثم التفت نحو المقود وأدار المحرك من جديد. 

  انطلق والزورق يشق الماء بسرعة متجددة، بينما  هي تشبثت به روميساء أكثر، وصاحت بمرح صاخب يذوب في أصداء البحر والريح.


                       ❈-❈-❈    


في بهو قصر البحيري، حيث الفخامة تُحاكي الصمت المهيب، جلس آسر على مقعد وثير، تتقافز في عينيه شرارات القلق، كأنّ قلبه جُرد من سكينته وأُلقي في أتون مستعر. 

  لم تزل حادثة الأمس تطنّ في أذنه كجرس لا يهدأ؛ إذ ألقى يوسف يمين الطلاق على علياء، ثم ترك الشقة مهرولاً كمن يفر من ظلال الحقيقة، دون أن يمنح نفسه أو غيره فرصة لفهم ما التبس عليه.


وفجأة،د انبجس من السكون وقع خطوات متسارعة على الدرج، فالتفت  ليبصر يوسف مندفعاً نحوه، وجهه يقطر حنق، وعيناه تفيض لظى الغضب.  

 فما إن رآه حتى زمجر بصوت يقدح الشرر

ـ"وليك عين وجاي لحد عندي يا حيوان، أنت جيت لقضاك برجليك"


اندفع يوسف نحوه، قابضاً على تلابيبه كمن يوشك أن يخنق خصمه، غير أن آسر صرخ في وجهه بثبات ممزوج بالمرارة

"مش بقولك هتفضل طول عمرك غبي!، افهم يا بني آدم لو لمرة واحدة، مراتك شريفة و محترمة، وبنت ناس"


لكن يوسف لم يترك له متنفساً للشرح، فقط قاطعه بحدة جارحة

"أيوه، بدليل إنها كانت معاك في شقة أختك!"


دفعه آسر عن صدره بقوة كسرت قيود المواجهة، وصاح بصوت تتنازعه الغصة واليقين

"ما تديني فرصة أشرحلك!، رغم إنك ما تستاهلش، بس بنتك مالهاش ذنب، أو يمكن ذنبها الوحيد إنك أبوها"


ارتعشت شفتا يوسف عند سماع ذكر ابنته، فتلقف آسر اللحظة واسترسل، صوته يقطر حزناً وصرامة

"بنتك كانت مصاحبة واحد فاهمها إنه دكتور نفسي، اتضح إنه مجرد عيل صايع شغال مع عصابة واطية، العصابة دي بتبعت الواد يقرب من البنات، يوقعهم، يصورهم، وبعدها يبتزوهم بالصور والفيديوهات، وعلى حسها بيشفطوا من أهاليهم فلوس، يا إما يفضحوهم ويشهروا بيهم"


شعر يوسف كأن دماءه تجمدت في عروقه، أطرافه ترتجف، ولسانه انعقد عن الكلام.  

 بينما أكمل آسر بوجع لا يخلو من قسوة

"للأسف، بنتك طلعت واحدة من البنات دي، بس على كلام الواد، هو ماكنش ناوي يعمل فيها حاجة، العصابة قلبت عليه ونفذت الخطة بنفسها، خدروهم وخدوهم شقة مهجورة، الله أعلم عملوا فيهم إيه، و بنتك لما فاقت، حاولت تكلمك عشان تيجي تنقذها، لقت تليفونك مشغول، ما لقتش قدامها غير إنها تتصل بيا، أنا روحتلها برجالة، خدنا الواد ورميناه في جراچ الفيلا عندي، والبنت كانت منهارة، فاخدتها على شقة أختي، كانت خايفة تيجي القصر وهي متبهدلة، وخوفت أنا عليها تعمل في نفسها مصيبة، كلمت علياء لأنها أكتر واحدة بتعرف تحتويها، ما هي علياء اللي ربتها، جت فوراً وفضلت جمبها لحد ما أنا إدّيت لبنتك إبرة مهدئ عشان كانت داخلة في هستيريا صريخ وعياط"


هنا توقف آسر ليلتقط أنفاسه، بينما كان يوسف يترنح كجبل تصدّع أمام ريح الحقيقة، وجهه يذوب كالشمع المذاب، يتمتم بارتباك أشبه بهذيان

"مستحيل… مستحيل"


فعاد آسر يواجهه بالكلمة الفصل، صوته أشبه بطعنة تُسقط الوهم

"لما جيت ولاقيت قميصي مفتوح… ده عشان كنت مغير هدومي بعد ما اتبهدلت وأنا شايل بنتك اللي خدت جرعة مخدر قلبت بطنها، يعني مش اللي حضرتك فهمته خالص، علياء في مقام أختي، غير إنها بنت خالة مراتي،  يعني برضه زي أختي بالظبط، وعمري ما كنت رخيص عشان أخون صاحبي أو أخون مراتي"


في تلك اللحظة، انحدر آدم بخطوات متسارعة على الدرج، وصدى وقع حذائه يتردد في أرجاء القصر، ثم توقف عند منتصف السلم، وشخص ببصره نحو الجمع في الأسفل، ملامحه متصلبة كالصخر، وصوته ينفجر كالرعد القاصف

"إيه اللي أنا بسمعه ده؟"


ارتجف يوسف فجأة كأن صاعقة أصابته، وحدق في صديقه بعينين محذرتين، محاولاً أن يكبته بالصمت، لكن الآخر تمرد على نظراته وأفلت زمام الكتمان.

قال بجرأة نافرة، كمن يلقي بحجر في بحيرة راكدة

"أخوك الدكتور المحترم طلق مراته عشان كان فاكر إنها بتخونه معايا، وإحنا كنا في مصيبة تانية بسبب إهماله"


اهتز الهواء من وقع العبارة، فشهق آدم في دهشة غاضبة، وصاح بصوت ارتعدت له الجدران

"أنت اتجننت يا يوسف؟!"


رمقه يوسف بنظرة دامية متقدة، وعض على شفتيه كمن يكتم بركان، ثم انفجر محتدً

"خليك في حالك يا آدم وملكش دعوة بيا"


هنا تقدم آسر بخطوة ثابتة، كأنه فارس وسط معركة محتدمة، وقال بحزم عميق

"أظن سمعت كلامي يا آدم، أنا جيت هنا مش عشان أبرر موقفي، أنا جيت عشان خاطر أفهمه إنه ظلم مراته، وبنته بتضيع"


رمقه آدم بعين فاحصة، صوته انخفض شيئاً لكنه ظل حاد النبرات، وسأله

"وهما فين؟"


أجاب آسر، وقد ارتسم على محياه قلق ثقيل

"علياء خدت البنت وروحت عند بيت أهلها، والواد مربوط في الجراچ عندي، قولت أجي أبلغكم هاتتصرفوا معاه إزاي، ولازم تتاخذوا إجراء قانوني عشان حوار الصور والفيديوهات"


انتصب آدم واقفاً، وجهه يكتسي بصرامة تشبه سيف مُشرع، وقال بلهجة قاطعة لا تحتمل جدالاً

"هانيجي معاك ناخد الولد ونروح على القسم، ونتكلم مع علياء تجيب لوچي وتقابلنا هناك، وأنا هكلم مدحت صاحبي، هاحكيله كل حاجة وهو هيتصرف، ويجيب المجرمين اللي عملوا كده"


                        ❈-❈-❈


منذ الأمس «فلاش باك» 

بعد رحلة سفر أنهكته فيها الساعات المتطاولة، وصل أخيراً إلى الفندق الكبير، فأنجز إجراءات الحجز ودفع المستحقات. وما إن انتهى، حتى استقبلته الحسناء ذات القوام الممشوق، وقد ارتسمت على محياها ابتسامة ترحاب خالطها دفء خفي، ثم مدت يدها لتصافحه 

"حمدالله على السلامة يا تيتو"


مد يده ملبياً، لكن المفاجأة باغتته حين جذبته في عناق حميمي، هامسة بجوار أذنه

"لو مكنتش جيت كنت زعلت منك أوي"


انسحب عنها ببطء، وارتسمت على شفتيه ابتسامة حرجة، قبل أن يتمتم

"ما أنا قولتلك أنا جاي… واديني جيتلك"


وفي الخارج، وصلت زوجته بعد دقائق قليلة، تقدمت إلى مكتب الاستقبال لتسجل حجزها، لكن الموظف أجابها ببرود رسمي

"للأسف يا فندم، مفيش أي غرفة فاضية حالياً، كله كومبليت"


فانفجرت شيماء غاضبة، كأن صبرها نفد

"يعني إيه فندق طويل عريض زي ده مفيهوش غرفة فاضية؟!، أبات أنا في الشارع يعني؟!"


تدخلت موظفة أخرى محاولة تهدئتها

"هو مكدبش على حضرتك، فعلاً العدد مكتمل، المفروض كنتي تواصلتي مع خدمة العملاء عندنا الأول عشان تتأكدي فيه مكان ولا لأ، ممكن حضرتك تلاقي مكان في الفندق اللي قبلنا بشوية"


لكن شيماء أصرت، وصوتها يزداد حدة ووقارها يذوب أمام انفعالها

"وأنا مش هاروح أي فندق تاني، هدفعلكوا اللي إنتوا عايزينه"


وأخرجت بطاقتها الائتمانية بعزم لا يقبل النقاش. 

 كادت الموظفة ترد عليها، فإذا بأحد النزلاء يغادر المصعد يجر حقيبته، وزوجته تتبعه بخطوات متثاقلة.  

 اقترب الرجل من المكتب قائلاً

"عايز أعمل تشيك آوت لو سمحت"


ابتسمت الموظفة فوراً

"تمام يا فندم"


ثم التفتت نحو شيماء قائلة

"حظك حلو، فيه غرفة فضيت حالاً"


ارتسمت بسمة ساخرة على فم شيماء، ورفعت شفتها العليا بازدراء خفيف وهي تتمتم

"أنا طول عمري فيا شئ لله"


عودة إلى الحاضر...


أفاقت من سبات ثقيل استغرقها ساعات طوال، بعدما أنهكها البحث العقيم عن زوجها وتلك الحية اللعينة روميساء.  

 لم تجد لهما أثراً، حتى استسلمت للإرهاق وانطرحت للنوم، والآن فتحت عينيها وقد أثقل الدمع جفنيها، وألقت نظرة إلى هاتفها؛ فإذا بالساعة الثالثة عصراً.


 فانتفضت كمن لدغته بعوضة، وغادرت الغرفة بعد لحظات، متخفية بنظارة سوداء وقبعة، كأنها تتوارى عن أنظار الخيانة حتى تضبط زوجها بالجرم المشهود.


سارت بين أروقة الفندق، والفضول يحفر في قلبها حفرً، حتى اخترق أذنها صوت ضحكات أنثوية متمايلة، يتصاعد منها عبق الدلال الفاجر. 

  فاختبأت خلف زاوية، وأطلت برأسها لترى المشهد؛ فإذا بتلك الحية تجري بخفة مصطنعة، يتبعها طه لاهثاً بين ضحكات متهالكة.


قالت وهي تتمايل بمرح مسموم

"كفاية بقى يا تيتو، أنا تعبت من الجري"


فأجابها وهو يلهث ضاحكاً

"تعبتي إيه؟ إحنا لسه ورانا خروجات وسهر ولعب!"


توقفت أمام باب إحدى الغرف، وأدخلت المفتاح في القفل بيد مرتجفة لكنها مفعمة بالجرأة

"ما تيجي تقعد معايا شوية، ساعتين كده والمفروض هبدأ تصوير الإعلان"


وقف برهة يحك رأسه، وكأن التردد يجاذب رغبته. 

  ارتسمت على شفتيه ابتسامة تحمل كل المعاني

"معلش خليها وقت تاني، أنا يا دوب هاروح أخد شاور وأنزل أتغدى، تكوني خلصتي تصوير ونخرج"


رفعت حاجبيها بدهاء

"ليه؟، مش هتيجي تتفرج عليا وأنا بصور الإعلان؟"


هز رأسه مبتسماً

"معلشي يا رومي، أصل بعد الغدا بحب أنام ساعتين وبعدين أصحى أكمل يومي، تعود بقى، وبعدين الليل طويل، نخرج ونعمل أي حاجة إحنا عايزنها، ولا إيه؟!"


غمز بعينه، فأجابت

"أوك… هستناك على الساعة 8، عدي عليا"


"حاضر"


لوحت له بيدها

"باي مؤقتاً"


ثم طبعت قبلة على خده قبل أن تنزلق إلى الداخل وتغلق الباب رويداً رويداً.  

 بينما هو فظل يلمس أثر القبلة على وجهه بيده كأنه يتذوق لذتها، وكل هذا يجري تحت ناظري زوجته، التي كادت أن تنقض عليهما كالبركان الثائر، فتغرقهما في سيل من التوبيخ واللوم، لكن قلبها خذلها.


رجعت بخطوات متثاقلة إلى غرفتها، والدموع تنهمر رغماً عنها، كالأنهار تجرف ما بقي من صبرها.  

 جلست منهارة، تنوء بروحها المثقلة بالخذلان، تغلي من القهر وهي ترى خيانة سافرة تلوح أمام عينيها، لا لبس فيها ولا مواربة.


                      ❈-❈-❈     


كانت جالسة إلى جوار نافذة غرفتها،  تدور في رأسها ذكريات أبت أن تُبارحها، تتأمل فراغ السماء وتستدعي من أعماق ماضيها أطيافاً شجية، فتهب عليها نسائم الأيام الخوالي كأنها صفعات موجعة.

 ارتسمت في ذهنها ملامح أيام الجامعة، تلك البدايات المضيئة التي ما لبثت أن أُطفئت على حين غِرة، واستحضرت ذكرى اليوم الذي جاء ليخطبها، لكنها انتظرت عبثاً، إذ غاب عن الموعد، وجاءها بدل الحضور رسالة تحمل صورة حفل زفافه بابنة خاله! 


كانت الصدمة أقسى من أن تحتملها الروح، كسيف اخترق صدرها بلا رحمة. والدها الذي كان قلبه معلق بسعادتها، لم يحتمل وقع الفاجعة، فانهار حزينً، وألمّ به مرض مفاجئ كان كالسهم النافذ؛ أزمة قلبية أودت بحياته، فخلفت في فؤادها ندبة لا تمحى.


ومضت السنون، فإذا بالقدر يجمع بينهما من جديد. 

 وبعد محاولات مضنية بذلتها لتغفر له جراح الماضي، عاشت حرباً ضارية بين عقلها الصارم وقلبها الضعيف أمام ذكراه؛ فمالت الكفة إلى الفؤاد، وقررت أن تغفر، وأضحت زوجته. 

  أنجبت منه ولدهما عز الدين، ذلك الطفل الذي حمل ملامح أبيه بوضوح، لكنه ورث منها رزانة الفكر ورصانة العقل.


غير أن السنوات تمضي ولا تترك إلا ما تُخفيه من انكسارات.

  تهاوت شعارات الحب والهيام شيئاً فشيئاً، حين تغلغل الشك إلى قلبه، وزرع في صدره هواجس كالسم الزعاف.  

 لم يُحسن التروي، بل انساق وراء أوهام قاتلة، حتى انتهى به المطاف إلى أن يخسرها.


وها هي الآن تبكي بحرقة، لكن دموعها لم تعد تنهمر من أجله، بل على حالها هي. أيقنت أن جرحها الحقيقي ليس خيانته لها بالظنون، بل خيانته لحبها الذي صانته بإخلاص نادر. 

  كيف له أن يتهمها بذلك الفعل المشين، وهي التي ظلت وفية حتى بعد أن طعنها في ماضيها، وكيف لم يدرك أنّها حين غدت زوجته لم تبخل عليه بصدق المشاعر ودفء الإخلاص، لقد كانت تعلم ما حمله قلبه من ندوب تركتها زوجته الأولى، لكنها لم تظن أن هذا الأثر سيتفاقم ويتحوّل إلى علّة مدمرة، تسوقهما إلى حافة الهاوية.


وبينما كانت دموعها تنحدر كجدول مر على وجهها، ارتج الباب بطرق متلاحق. ثم انفتح لتدخل والدتها بخطوات مترددة، تحمل في ملامحها قلق ممزوج بالعطف، وقالت بصوت متحشرج يحاول التماسك

"يلا يا حبيبتي عشان تتغدي، وتعالي خلي لوچي تاكل، أنتي وهي ما أكلتوش حاجة امبارح، وكل اللي عليكم تعيطوا، وكل ما أسأل واحدة فيكم إيه اللي حصل، تسكتوا"


رفعت ابنتها رأسها المثقل بالحزن، نظرت إلى أمها بعينين غائرتين كأنهما بئران من الأسى، ثم أجابت بصوت واهن لكنه حاسم

"لو سمحتي يا ماما، أنا عايزة أقعد لوحدي، ولو جعانة هاقوم أحط لنفسي، لوچي خليها تاكل عشان تاخد العلاج"


دخلت لوچي بخطوات مترددة كأنها تمشي على شوك ناثر في الطريق، وفي عينيها غيوم من الحزن ووميض من الندم، نظراتها كانت كسهام مرتعشة تبحث عن هدف مأمون. 

  رمقتها علياء بنظرة فاحصة، ففهمت على الفور أنّها تريد أن تُفضي إليها بسر يثقل صدرها.  

 وأدركت الأمر أيضاً والدة علياء، التي بادرت بقول حان لكنه يخفي رغبتها في الانسحاب

"هاروح أتغدى أنا وعزالدين، ولما تجوعوا قولولي"


تركت الغرفة وأغلقت الباب خلفها في هدوء، فبقي الصمت يخيّم بين الاثنتين لحظة بدت كالأبد.  

 قطعت علياء ذلك السكون بنبرة دافئة وهي تشير لها

"تعالي يا حبيبتي اقعدي"


اقتربت الأخرى بخطوات خجولة وجلست على مقعد مقابل لها، كأنها تحاول الاحتماء منه لا الاتكاء عليه، وابتلعت ريقها في تردد يفضح صراعها الداخلي.


 فأسرعت علياء تشجعها بكلمات احتواها الدفء والحنان

 "قولي اللي انتي عايزاه يا لوچي، أنا سمعاكي يا حبيبتي"


رفعت الفتاة بصرها المثقل بالأسى، وانطلقت كلماتها كاعتراف مرير

"أنا سمعت كل اللي حصل لما بابا جه، بس مكنتش قادرة أتكلم ولا أتحرك من مكاني"


تنهدت علياء تنهيدة عميقة كأنها زفرة قلب مثخن بالجراح، ودموعها تتشبث بأهدابها متمنعة عن السقوط

"باباكي كان القاضي والجلاد من غير ما يسمع كلمة مننا، وكأنه جاي ومتأكد من اللي في دماغه، ولا حتى خلاني أحكيله على المصيبة اللي حصلت، وكنت هاتضيعي مننا لولا ستر ربنا وآسر اتصرف بسرعة، معرفش كان ممكن يحصل معاكي إيه"


توقفت لتستجمع أنفاسها، وهبطت دمعة رغماً عنها كسجين يفر من قيده، ثم تابعت بنبرة ممزوجة بالقهر والخذلان

"بس أنا مش مسامحاه على كل كلمة وإهانة قالها ليا، عمري ما هسامحه أبداً، أبداً"


خفضت لوچي رأسها، تنظر إلى الأرض كأنها تبحث عن مهرب من خزيها، وقالت بصوت منكسر

 "آسفة، أنا السبب، أنا اللي دخلت في دماغه الشك من الأول، عملت حاجات عشان يتأكد من شكه فيكي إنتي وأونكل آسر"


تحولت ملامح علياء من الحزن إلى صدمة مباغتة، جحظت عيناها للحظة وهي تستمع، قبل أن تستطرد لوچي، كلماتها تنزف مرارة

"مامي زرعت في دماغي إن لو فرقتكم إنتي وبابي، فممكن يرجعها ونرجع نعيش سوا زي زمان"


ابتسمت الأخرى ابتسامة باهتة ممزوجة بسخرية مُرة، ضحكة خرجت من قلب مثقوب

"واللي نفسك فيه اتحقق.

، باباكي طلقني وطعن في شرفي وأخلاقي بعد ما سامحته على اللي عمله معايا زمان، أنا عمري ما أذيته ولا أذيتك إنتي كمان، أنا ما خطفتوش من مامتك، لما وافقت نرجع كان هو مطلقها، وأظن إنك فاكرة كل اللي حصل وقتها وسبب طلاقهم ليه"


اهتزت ذاكرة لوچي كأمواج هائجة، وعادت بها إلى تلك الليالي الحالكة، حين كانت ترى خيانة والدتها بأم عينها، وتشهد نهايتها المأساوية عندما قتلت والدتها عشيقها أمام عينيها. 

 صورة محفورة في ذاكرتها، وإن جرى علاجها لسنوات، إلا أن الندبة ما زالت غائرة في وجدانها.


قطعت علياء شرودها بصوت حنون لكن تشوبه المرارة

"أنا يا لوچي عمري ما عملتك إنك مش بنتي، بالعكس أنا حبيتك أوي وحسيت إنك مني، أنا كنت ومازلت أقرب حد ليكي من باباكي ومامتك"


هنا لم تتمالك الصغيرة اليافعة دموعها، فانتفضت واقفة وألقت بنفسها بين أحضان علياء، تبكي بحرقة كمن يطلب الغفران، وظلت تردد بصوت متهدج

"آسفة… أنا آسفة... سامحيني"


أحاطتها علياء بذراعيها، وربتت عليها بحنو أم مجروحة لكنها لا تكف عن العطاء، وقالت في نبرة دامية لكنها مشبعة بالرحمة

"وأنا مش زعلانة منك، إنتي بنتي، إنتي وعزالدين واحد وفي قلبي"


رفعت الأخرى وجهها، ملامحها مغسولة بالدموع، وحدقت في علياء بعينين طفوليتين وقد تعلقت بها بكل براءة،  همست بحرارة صادقة

 "أنا بحبك أوي يا ماما"

فعانقتها الأخرى بحنان غادق و شاركتها في البكاء وكأنها وجدت أخيراً منفذ لدموعها. 


                       ❈-❈-❈


تقف أمام السرير بعد أن تسللت بخفة  ودخلت حجرته دون أن يشعر بوجودها. ظلت تحدق في ملامحه الممددة على الوسادة، والوجع يعصف بفؤادها، يهز رأسها بأسى، وتختنق عبراتها بمرارة الغدر. 

تتحدث نفسها في صمت مكلوم

«بقى كده يا طه؟!، هونت عليك للدرجة دي؟!، رايح تخوني مع الحرباية اللي كلها نفخ وشد صناعي!، يا خسارة، ما اتعلمتش من الماضي وأنت أكتر واحد عارف إن الخيانة بالذات جرحها لسه محفور جوايا لحد دلوقتي، بس هاقول إيه مشيت ورا شيطانك، إبقى خلي شيطانك ينفعك لما تخسر قلبي اللي بيحبك، قلبي اللي رميته برجلك عشان نزوة رخيصة»


انتبهت فجأة إلى تقلبه على الفراش، فارتبكت واختبأت في الشرفة، تتحسس مكانها خلف الزجاج بحذر كمن يخشى انكشاف سره. 

 راقبته بعينين متقدتين، فرأته يمسك بهاتفه، وقد حان أوان استعداده للذهاب إلى غريمتها.


كان يقرأ رسالة، ثم شرع في الرد بصوت واثق عبر تسجيل قصير

«قدامي ربع ساعة وهعدي عليكي، تكوني جاهزة»


ضغط زر الإرسال، وارتسمت على وجهه ابتسامة مفعمة بالحماس، ثم نهض يتمطّى بأريحية كمن يستعد للقاء طال انتظاره. ظلت تراقبه، والدماء في عروقها تغلي كالمِرجل، تغلي حتى كادت تنفجر.


قبضت على هاتفها بيد مرتعشة، واتصلت به، تنتظر أن ترى رد فعله. 

 كان يوشك على دخول الحمام، فتوقف بلهفة ظناً منه أن المتصل روميساء، لكن سرعان ما خاب ظنه، إذ وجد الاسم "أم سالم". 

 أطلق زفيراً ثقيلاً ممتلئاً بالضجر، وقال بازدراء

" مش وقتك يا شيماء… لما أرجع من بره أبقى أكلمك"


ضغط على زر الرفض ببرود قاتل.

 و إذا بها تري بعينيها ذلك، غلت دمائها أكثر، وغاصت أنياب الغيظ في صدرها، فجزّت على أسنانها وقالت بوعيد

«هانت يا طه… كلها دقايق وأفرج عليكم أمة لا إله إلا الله… أنت وهي غير اللي هاعمله فيكم انتم الاتنين… يا واطي يا خاين»


ترك هاتفه جانباً ودخل ليستحم. 

 أما هي، فعادت بخطوات مترددة إلى الغرفة، التقطت هاتفه بيد مرتعشة، لكنها تذكرت أمر بصمة إصبعه. 

 زفرت بضيق، وازدحمت برأسها مئات الأفكار المظلمة. 

 جلست على طرف السرير، تفتش في عقلها عن خيط للانتقام.


فتحت تطبيق الذكاء الاصطناعي، وكتبت متوسلة الصديق الافتراضي الذي اعتادت محاورته

«واد يا شوقي»


فأجابها النص المكتوب كأنه صوت ينبعث من خلف الشاشة

«نعم يا شوشو»


كتبت بعصبية

«لو واحدة عرفت جوزها بيخونها مع واحدة، وشافتهم بعينيها، تنتقم منهم إزاي؟»


جاءها الرد

«هذا موضع حساس وشائك يا شوشو، لكن علشانك، هاقولك كذا اقتراح، وانتي تختاري الحل الأنسب:

١- الانتقام الواقعي (العقلاني):

التجاهل القاتل: ساعات أقسى انتقام، إن الزوج يلاقي مراته ما انهارتش ولا عيّطت، بالعكس… لبست أحلى لبس وعيشة حياتها.


الفضيحة الاجتماعية: من غير مشاكل قانونية، ممكن تكشفي خيانته قدام أهله أو في وسط الناس.


الانسحاب بهدوء: تطلبي الطلاق وتاخدي حقوقك كاملة (مؤخر – نفقة – حضانة). وده في عينه أقوى رسالة إنك أقوى من إنك تتبهدلي عشانه.


٢- الانتقام الدرامي (في الروايات أو الأفلام):


تستدرجيه هو والعشيقة لفخ: مثلاً تخليهم يتقابلوا في مكان، وتفاجئيهم بحاجة صادمة (صور، تسجيل، أو مواجهة قدام الناس).


قلب الطاولة: تخلي العشيقة تكتشف إنه بيلعب بيها برضه، وتسيبيهم ياكلوا في بعض.


اللعب بالنار: تدخلي علاقة ظاهرية أو مزيفة قدامه بس عشان تحرقي قلبه (لكن طبعاً في الواقع ده خطر ومش حكيم).


انتقام رمزي: زي اللي بنقراه في الروايات، ممكن تحرميه من أهم حاجة بيحبها (مكانة، سُمعة، أو حتى ولاده)»


رمقت الكلمات كأنها سهام متناثرة، فأجابت بحدة

«الحل الأولاني حلو، بس مش هيبرد نار قلبي، والتاني لو فضحته قدام أخته وعيلته، يبقى بفضح نفسي والولاد هايعرفوا ويتعذبوا، الحل التالت؟! لأ… كده أسلمه للحرباية على طبق من دهب، أما الرابع والخامس مش هاينفعوا معاهم، خصوصاً الحية دي… دي أصلاً وشها مكشوف، ولا فارق معاها فضايح هاتستغل ده تريند وتزود متابعينها، ويكبسوا لايكات… وبكده تستفيد هي بفلوس، وبجوزي"


قرأت الحل الذي يليه وعقبت

"يالهووووي! عايزني أوهمه إني بخونه؟! يخربيتك يا شوقي… ده يموتني فيها حتى لو تمثيل، لا… مش عايزة مقترحات تانية… أنا عارفة كويس هاعمل إيه وحسبي الله ونعم الوكيل»


سمعت صرير مقبض الباب، ثم صوت انفتاح الحمام، فقفزت كالغزالة المذعورة إلى الشرفة وعادت لتستتر خلف الزجاج، تختبئ في ركنها المتواري، تلتقط أنفاسها المتلاحقة في وجل وترقب. 

 مكثت ساكنة كالصنم، تتابع بعينيها كل حركة من حركاته.


خرج طه بعد أن بدل ملابسه، وقد بدا كعريس في ليلة زفافه، ينساب من مظهره بريق الغرور وبهاء الاستعداد، شعره مصفوف بعناية، وقميصه يفوح أناقة، ظلت تنظر إليه بعينين متقدتين، تتوعده في سرها وتخاطبه بغيظ بصوت خافت

" والله ما هسيبك يا طه دي نهايتك هتبقي علي إيدي، طلبتها ونولتها"


وما إن فرغ من ترتيب هيئته، حتى قبض على هاتفه، ثم خطا خارج الغرفة وأغلق الباب خلفه.  

انتظرت دقيقة أو أكثر، حتى هدأ وقع خطواته في الممر، ثم تسللت وراءه تتبعه بخطوات خافتة كالظل.


رأته يقف أمام غرفة روميساء، يطرق الباب بيده ويضغط جرس الغرفة، ينتظر فلم يأته رد، تريّث برهة ثم كرر الطرق والرنين، لكن الصمت ظل يلف المكان. وبينما يوشك أن ينصرف، لمح المفتاح معلقاً في قفل الباب من الخارج.  

 ارتسمت على وجهه علامات الحيرة، لكن الفضول تملك زمامه، فأمسك بالمفتاح وأداره، دفع الباب ببطء متوجس.


كانت شيماء تراقب المشهد من بعيد، مذهولة مما ترى، وقد خنقها الذهول حين ولج زوجها إلى داخل الغرفة. 


 همست من بين أسنانها المطبقة

«وربنا ما هرحمك»


تقدمت بخطوة نحو الغرفة، لكن صوت عجلة تصطك في أرضية الرخام أوقفها، فالتفتت لتجد عاملة النظافة تدفع عربة أدوات التنظيف. 

وقفت أمام الباب تضغط على الجرس وهي تنادي

«خدمة الغرف يا فندم»


وعندما لم يجبها أحد، دفعت العربة جانباً ودخلت، لتصطدم بعينين متسمرتين في مشهد صادم.  

كان طه واقفاً كتمثال حجري، عيناه شاخصتان نحو الحمام، حيث الأرضية غارقة في بحيرة من الدم القاني، والصدمة قد شلت أطرافه عن الحراك.


اقتربت العاملة بخوف مرتجف، فوقع بصرها على ما رآه.

 جسد روميساء مطروح على أرضية الحمام مذبوحة، وقد انحدرت الدماء من عنقها كجدول أسود.


أطلقت العاملة صرخة استغاثة مفزعة اخترقت سكون الممر، فاهتز الفندق من دويّها، وانفتحت أبواب الغرف تباعاً. تجمّع النزلاء في هرج ودهشة، وسرعان ما هرع أمن الفندق إلى المكان. 


                       ❈-❈-❈


في أروقة قسم الشرطة التي تنضح برائحة الرطوبة والرهبة، جلس يوسف وآدم وآسر على مقاعد خشبية أمام مكتب الضابط. 

 كان المكان يعج بهيبة القانون، والجدران العتيقة تصدح بصمت ثقيل كأنها شاهدة على آلاف الاعترافات وصرخات الندم.

 وخلف مازن، الذي ارتجف وجهه شاحبًا متجعد الملامح، وقف مساعد الضابط متأهبًا، وكأن ظله لا ينفك يلاحق خطواته. بدا على مازن خليط من خوف متجذر، وندم حارق، واستسلام مخز يثقل كاهله.


رفع الضابط عينيه المتقدتين، بعد أن فرغ من سماع شهادة آسر، وقال بصوت حاد كالسيف المسلول

"إيه ردك على كلام دكتور آسر يا مازن... ولا نقول يا عمر؟"


ابتلع المتهم ريقه كمن ابتلع جمرة، وأجاب بصوت مبحوح متقطع

"أنا حكيت كل حاجة لدكتور آسر ودكتور يوسف قبل ما نيجي على هنا"


فجأة، نهض الضابط بعصبية كزلزال يهز المكان، وصاح بحدة تزلزل أركان الغرفة

 "جرى إيه يا لاه؟! وأنا مالي ومال كلامك معاهم!، أنت هنا بيتحقق معاك... ولازم تقول كل كلمة بنفسك"


وما إن أنهى عبارته، حتى عاجل مساعد الضابط بصفعة على مؤخرة رأس مازن، صفعة امتزج فيها الإذلال بالوجع، فارتج رأسه واهتزت كبرياؤه المتهاوية.


تمتم مازن وهو يئن

"هقول على كل حاجة يا باشا"


وانطلق يسرد اعترافاته، كمن يفتح صدر لأشواك الحقيقة،  كيف تعرف على أفراد العصابة، وكيف يستدرجون الفتيات من أسر ثرية بعلاقات عاطفية زائفة، ثم يُوقعون بهن في شراك خادعة، فيصوروهن خلسة في أوضاع مخزية، لتبدأ بعدها رحلة الابتزاز مقابل مبالغ مالية طائلة. 

 أفضى بعلاقته بابنة يوسف، وكيف كان اللقاء الأول صدفة ملغومة، أعقبه لقاء بعد لقاء، حتى انتهى الأمر بليل مظلم في ملهى صاخب، لتتدحرج الأحداث بعده نحو الاختطاف.


ارتعشت كلماته حين قال بانفعال متوسل

"والله العظيم يا باشا ما كنت أعرف إنهم هايعملوا كده خالص... ومكنتش هاسمح لهم يقربوا من لوچي، أنا عمري ما كنت هأذيها... مفيش حد يأذي حد بيحبه"


كأن نارًا اندلعت في صدر يوسف، فانتفض من مكانه بعاصفة غضب، وصاح مكظومًا وهو يوشك أن يهوى بقبضته على وجه مازن

"بتحب مين يا ابن الـ...؟!"


لكن آدم بادره بخطوة سريعة، فأمسك بيده قبل أن يندفع، وقال بصرامة هادئة

 "ما ينفعش اللي أنت بتعمله ده خالص إحنا في قسم، وجايين ناخد حق البنت... القانون هو اللي هايتصرف معاه"


التفت آدم نحو الضابط، محاولًا تهدئة الأجواء

"معلش حضرتك... أخويا أعصابه تعبانة شوية"


ابتسم الضابط ابتسامة مقتضبة تحمل في طياتها تفهم، ورد بصوت رزين

"يا آدم بيه من غير ما تعتذر... إحنا مقدرين حالته، ما تقلقوش هنوصل للعيال النصابين دول، وناخد حق بنتكم، وحق كل بنت اتعرضت للاحتيال والابتزاز على إيديهم"


ثم أدار وجهه نحو كاتب التحقيق الذي كان ينهمك في تدوين الاعترافات، وسأله بحزم رسمي

ـ "كتبت كل اللي قاله؟"


فأجاب الكاتب بانضباط عسكري

 "كل كلمة يا فندم"


أومأ الضابط برأسه في رضا، ثم قال

 "كده فاضل نسمع الآنسة لوچي... عشان نسجل أقوالها في المحضر، زي ما حضراتكم عارفين... دي إجراءات روتينية لابد منها"


فابتسم آسر ابتسامة خفيفة، وقال بثقة واطمئنان

 "زمانها على وصول... ومعاها دكتورة علياء، طليقة دكتور يوسف" 


رمقه يوسف بنظرات متوحشة، تكاد عروقه تنفجر من الغيظ، وكاد ينهض لينقض عليه بقبضته، لولا أن آسر تعمد إطلاق تلك الكلمات ليمعن في صب الجمر على صدر صديقه ويجعله يتجرع مرارة فداحة ما فعلعه بزوجته.


وفي غمرة التوتر، جاء صوت الضابط آمراً مساعده

"اطلع قولهم بره... أول ما توصل طليقة الدكتور يوسف وبنته، يدخلوا على طول"


أجابه المساعد بانضباطٍ عسكري

"أمرك يا فندم"


ازداد يوسف احتقان، يجزّ على أنيابه كمن يودّ أن يفتك بالجميع دفعة واحدة. 

 كان الخوف ينهش صدره من مواجهة علياء بعد كل ما اقترفه، والعار يثقل لسانه، كيف سيعتذر؟، وبأي وجه سيقف أمامها وقد انكشفت الحقيقة؟


وما لبثت أن فُتح الباب، فإذا بظل نور يتقدم... إنها لوچي. 

 دخلت بخطوات مترددة، وما إن التقت عيناها بعيني والدها وعمها، حتى خفضت بصرها خجلاً ورهبة، غير أن علياء التي تبعتها كدرعٍ حان، أمسكت بكفها المرتجف، تبث فيها شيئاً من الطمأنينة وتزرع في قلبها بعض الأمان.


وحين التقت نظرات علياء بعيني يوسف، رمقته ببرود جارح، وكأنه نكرة لا شأن له ولا اعتبار، ثم جلست إلى جوار لوچي تُعرف بنفسها أمام الضابط، وقدمت بطاقة هويتها، فيما فعلت الفتاة الأمر ذاته.


قال الضابط بنبرة حازمة وهو يلتفت إلىآدم

م "لو سمحت يا آدم بيه، ممكن تاخد دكتور يوسف ودكتور آسر وتستنوا بره... عقبال ما نخلص التحقيق"


أدرك آدم فحوى الطلب، فنهض وربّت على كتف شقيقه الذي همّ بالاعتراض، وهمس له في أذنه

"يلا نستنى بره... عشان بنتك تعرف تتكلم"


استجاب يوسف مُكرهاً، فنهض بخطوات متثاقلة، وقبل أن يغادر مكتب الضابط، اقترب من أذن علياء بهمس

"اعملي حسابك... هاتطلعي من القسم معايا على القصر"


لكنها تجاهلته تماماً، كأن صوته لم يصلها، وجلست في صمت جليدي أمام مكتب الضابط، فيما جلست لوچي بجوارها.


أشار الضابط نحو الفتاة بنظرة مشجعة وقال

"ها يا لوچي... اتفضلي احكيلنا كل حاجة، من أول ما اتعرفتي على مازن اللي عرفك بنفسه إنه اسمه عمر لحد ما انقذك دكتور آسر"


رفعت وجهها المرتعش، والتقت عيناها بعيني عمر ــ مازن ــ، فغمرها شعور بالكسرة والخذلان، ثم بدأت تستعيد شريط الأحداث بصوتٍ مختنق

"صحيت من النوم... لاقيت نفسي من غير هدوم، وهو جمبي في نفس الوضع"


تلعثمت وابتلعت ريقها، وحدّقت في علياء تستنجد بها، فأومأت لها الأخيرة برفق لتكمل.


"انهارت أعصابي... وكنت خايفة أوي، اتصلت ببابي لاقيته مشغول... فكلمت أونكل آسر، وهو اللي جه خدني"


ومن دون تمهيد، ألقى الضابط سؤاله المباغت بصوت صارم

"عمل معاكي حاجة؟"


تصلبت الفتاة كأن الأرض سُحبت من تحتها، و ظلت تنظر  له بذهول، ثم انهمرت دموعها وهي تنظر إلى عمر، عاجزة عن النطق.  

 مدت علياء يدها، أمسكت بيده الأخرى المرتجفة وربتت عليها، وقالت بنبرة ثابتة

"هي حكيتلي كل حاجة بعد اللي حصل على طول... قالتلي كانت متخدرة، فطبيعي ماتعرفش إذا كان عمل فيها حاجة ولا لأ"


سارع مازن مدافعاً، وصوته يرتجف كمن يتمسك بخيط واه

"وربنا ما عملتلهاش حاجة يا باشا، كنت زيي زيها... خدرونا إحنا الاتنين"


نظر الضابط إليهم جميعاً، ثم زفر أنفاسه بتأن، ووجه أمره إلى كاتب المحضر بنبرة قانونية صارمة

"اكتب يا بني عندك... قد أمرنا نحن المقدم/ حمدي الششتاوي بعرض المذكورة على مصلحة الطب الشرعي، لتوقيع الكشف الطبي عليها لبيان مدى سلامة عذريتها، وبيان ما إذا كانت قد تعرضت لاعتداء جنسي من عدمه، وذلك لاستجلاء الحقيقة وإثبات الواقعة أو نفيها.


تحرر هذا المحضر وأُثبت بما جاء به، وجار اتخاذ اللازم قانوناً"


شهقت لوچي مصعوقة، وأطبق الصمت على المكان، فيما تجمدت علياء للحظة كأن القرار سيف هُوي على رقبتها. 

 مدّ الضابط أوراق المحضر نحو الفتاة، وأشار بإصبعه الحازم قائلاً

 "امضي هنا"


                           ❈-❈-❈


خرجت لوچي من مكتب العقيد، تتشبث بكف علياء كالغريق الذي يتعلق بخشبة نجاة، وهمست بصوت متهدج مفعم بالخوف

"أنا مش عايزة أروح القصر... أنا هارجع معاكي"


ربّتت علياء على كتفها برفق كنسمة ربيعية تبعث الطمأنينة، وقالت بنبرة حانية

"متخافيش يا حبيبتي... بابا وعمو بيحبوكي وبيخافوا عليكي"


وما إن خطوا جميعاً خارج أسوار القسم، حتى واجههم الليل الصاخب بأضوائه الكابية، ووقفوا أمام سياراتهم وقد أثقل الجو شحنات الغضب المكتوم.


اعترض يوسف طريق علياء، يحدّق فيها بعينين تشتعلان كالجمر، وقال بلهجة آمرة لا تحتمل نقاشًا

"مش قولتلك إنك راجعة معايا على القصر؟"


لكنها تجاهلته، كأن صوته سراب يتلاشى، والتفتت نحو آدم وآسر قائلة 

"معلش... مضطرة أروح عن إذنكم يلا يا لوچي"


امتدت يد يوسف في غضب جامح، فأمسك معصمها بقسوة جلية

 "هو أنا مش بكلمك؟!"


انتفضت بعزة جريحة، وانتزعت يدها من قبضته وهي تصيح

"ابعد إيدك عني! أنت خلاص بقيت بالنسبة لي غريب"


تقدّم آدم بخطوة حازمة، وصوته يقطر توبيخً

 "إنت مش ناوي تجيبها لبر؟، ولا عايز تدخلنا القسم تاني؟!"


أشار يوسف نحوها محتجًّا

 "مش شايف عمايلها معايا؟، بقولها نروح القص مطنشاني كأني هوا قدامها!"


رمقته علياء بازدراء، ثم وجهت كلامها لآدم وحده متعمدة تجاهل شقيقه

 "خليه يحكيلك يا آدم بيه عمل فيا إيه... غير إنه المفروض طلقني، يعني كل اللي ما بينا انتهى، وما يقربش مني... وأنا مش عايزة منه أي حاجة غير ورقة طلاقي"


حاول آدم أن يُخمد اشتعال الموقف، فقال بنبرة متروية

 "اهدي يا علياء إحنا في الشارع... تعالي بس معايا، وهو يروح مع نفسه وفي القصر هنتفاهم، وأنا هاجيبلك حقك منه"


رفعت علياء يدها احتجاجًا، وفي عينيها تصميمٌ لا يتزعزع

 "لو سمحت يا آدم... أنا أخدت قراري، مش هرجع للبني آدم ده... ولو على جثتي"


انفجر يوسف صارخًا، وصوته يجلجل في المكان

 "سامع بتقول إيه!"


لكن آدم قاطعه بحزم أشد

"اسكت إنت خالص، هي عندها حق في كل كلمة، معلشي يا علياء... عشان خاطري وخاطر ولادكم، عز الدين ابنك... ولوچي برضه بنتك ولا إيه؟"


تأوهت علياء بوجع دفين، وقالت بصوت متهدّج يقطر مرارة

"أرجوك ما تضغطش عليا، ربنا عالم بحالي... ووقفت لحد دلوقتي عشان أجيب حق لوچي وبس، أي حاجة تانية... قراري فيها محسوم، مش راجعة لأخوك... ولو عمل إيه، عايز يشوف ابنه... عينيا الاتنين، ييجي يشوفه في أي وقت في النادي أنا مش هاحرم ابني من أبوه"


نظرت لوچي إلى أمها بعينين دامعتين، وصوتها يرتجف بالرجاء

"و أنا يا ماما؟"


ابتسمت لها علياء رغم الدموع المحبوسة في ، وقالت بحنان لا يخلو من العزم

"إنتي هتيجي معايا"


ارتفع صوت يوسف كالعاصفة المدمّرة، فصاح بغضب جارف

"ولا إنتي... ولا هي هاتروحوا في حتة، فاهمة يا علياء؟!"


أسرع آدم يمسك بذراعه، يمنعه من الاقتراب، بينما فتحت علياء باب سيارتها، رمقته بنظرة تفيض احتقارًا وصرامة، ثم قالت لابنته

"اركبي يا لوچي... يلا بسرعة"


أسرعت الفتاة إلى المقعد الأمامي، والتحقت بها علياء بخطواتٍ واثقة.  

 وما إن استقرّتا في السيارة حتى أدارت المحرك، وانطلقت تُمزّق صمت الليل بعجلاتها، فيما كان يوسف يصرخ خلفهما، صوته يمزق الأجواء كهدير جامح

"مش هاسيبك يا علياء... مش هاسيبك"


                      ❈-❈-❈


استيقظت من سبات عميق، كأنما أغرقتها بحار النوم في لججها، فهي في هذه الأيام لا تجد راحتها إلا في الغفوة الطويلة؛ إذ يُثقل الحمل جفنيها ويسدل على عينيها ستائر الإرهاق. 

  وكان زوجها حرصاً على سكينتها يتركها تغفو كيفما شاءت، فلا يجرؤ على مقاطعة نومها خشية أن تتكدّر أجواء الهدوء التي نسجاها معاً بعناء لتظل حياتهما في مأمن من العواصف.


لكنها ما لبثت أن استقامت فجأة، وقد انتفض قلبها كعصفور اصطدم بزجاج نافذة، حين لم ترَ حولها سوى عتمة حالكة.

  مدت يدها المرتعشة تتحسس سطح الكومود الصغير بجوارها، تتلمس الأشياء في قلق، حتى عثرت على هاتفها.  


 انبثق ضوء الكشاف، يخترق سواد المكان، ارتدت معطف طويل يلف جسدها كعباءة، وخرجت من الغرفة منادية بصوت مشوب بالحيرة

 "قصي؟!… داده زينات؟!"


كررت النداء، متوجسة أكثر وقد قابلها الصمت الممتد مع الظلام.  

خطت خطواتها على مهل، مسترشدة بوميض الهاتف، ثم هبطت على الدرج وقد ارتجف قلبها ارتجاف ورقة في مهب ريح خريفية.


نادت مرة أخرى بصوت مرتعش، يتهدج كوتر مثقوب

"قصي؟!… حد يرد عليا!"


وما إن وقفت في بهو القصر الفسيح، تتلفت بعينيها الواسعتين كظبية مذعورة، حتى انسكب النور فجأة في كل الأرجاء. وإذا بالظلام ينقشع كغمامة متمردة، ويُستبدل بأضواء متلألئة وموسيقى الفرح، ومعها دوى تهليل وتصفيقٌ؟ حار، وصوت واحد انطلق من الحناجر مجتمعة

«Happy Birthday Seba!»


جمدت في مكانها لحظة، تحدّق بذهول وبهجة تتقاسمان ملامحها، فإذا بها ترى زوجها واقفاً وعلى وجهه ابتسامة عريضة، وصغيريها يقفزان من الفرح، ووالدها وزوجته بجواره، وزينات أيضاً تشاركهم الموقف.


ركضت صغيرتها إليها، فاتحة ذراعيها كما تفتح الأزهار بتلاتها عند إشراق الصبح، فأسرعت الأخرى لتبادلها العناق وهي تهتف ببراءة الطفولة

«هابي بيرث داي مامي»


ضحكت صبا، وقد تلألأت الدموع في عينيها كحبات لؤلؤ، وأجابت بفرحٍ غامر

ـ«وإنتي طيبة يا روحي… وحشاني يا زوزو أوي»


ردّت الصغيرة بلغتها الطفولية الممزوجة بالإنجليزية

«I miss you too!»


ثم التفتت صبا نحو صغيرها الذي كان يقف متردداً، يترقب لحظة احتضان تخصه، فأشارت إليه بحنو

«تعالى يا لوكا… واحشني أوي يا حبيبي»


انطلق الطفل إليها مسرعاً، وانغمس بين ذراعيها الدافئتين وهو يهمس بلسان ملائكي

«I miss you too, Mamy!»


ثم رفع رأسه وطبع قبلة على خدها، فما لبثت شقيقته أن هتفت بحماسة

«وأنا كمان»


وهرعت لتقلد أخاها، فارتفعت على أطراف قدميها وطبعت قبلة صغيرة على خد والدتها الآخر، فارتسمت على وجه صبا ابتسامة مشعة، كابتسامة قمر اكتمل بعد ليال من الغياب.


نهضت  وأمسكت بيدي صغيريها، كل منهما في يد، كأنها تخشى أن تفلت لحظة من هذا الدفء الأسري. 

 تقدّمت بخطوات خفيفة نحو والدها، فطوقته بذراعيها بعناق حان، ثم مالت نحو جيهان، فبادلتها العناق ذاته. 

عندئذ همست لها الأخيرة بنبرة مازحة

ـ«إحنا مكناش عايزين نخضك… بس جوزك اللي أصر إننا نعمل كده»


التفتت صبا نحو قصي، فإذا به يتصنع البراءة، رافعاً حاجبيه كطفل بريء، وقال مداعباً

«أنا مقولتلهمش يطفوا النور… باباكي هو اللي قال اطفوا النور، وهي هاتصحى على طول»


هزت رأسها مبتسمة، وقالت متوعدة في رفق

«هردهالكم… ما تقلقوش»


وما إن وقع بصرها على زينات، التي كانت تضحك بحرارة، حتى رمقتها بمرح قائلة

«حتى إنتي كمان يا دادة… متفقة معاهم!»


توقفت زينات عن الضحك في حياء، وأجابت بابتسامة رقيقة

 «قولنا نعملهالك مفاجأة… ونفرحك»


أطلقت صبا زفرة طويلة مصحوبة بضحكة صغيرة، ثم قالت

«لاء… إنتو رعبتوني بس»


اقترب منها قصي، ووضع ذراعه على ظهرها بحميمية، ثم قال في لهجة دافئة

«طب يلا… نطفي الشمع قبل ما التورتة تسيح»


التفتت صبا نحو المائدة، فإذا بالتورتة تنتظرها كلوحة مضيئة، وقد زُيّنت بعبارة التهنئة بعيد الميلاد، وطُبعت عليها صورتها من يوم افتتاح شركتها. 

 تأملتها بعينين تتلألآن فرحاً، ثم نظرت إلى قصي متسائلة، فبادرها ق

يسألها

«عاجباكي؟»


أومأت برأسها والابتسامة تعلو ثغرها

«عاجباني أوي… ربنا يخليك ليا يا حبيبي»


ثم التفتت إلى صغيريها، وأبيها وجيهان، وزينات، قالت بصوت متهدّج بالامتنان

«ربنا ما يحرمني منكم أبداً»


بدأ الجميع ينشدون معاً أنشودة عيد الميلاد الشهيرة، وقد اختلطت أصواتهم في نغم واحد، ملأ القصر بهجة وحبور.

 وما إن انتهت الأغنية، حتى انحنت صبا وأطفأت الشموع، وسط تصفيق وضحكات.

اقتربت الصغيرة بحماس، تحمل بين يديها هدية ملفوفة بعناية، وقالت

«اتفضلي يا مامي… أنا ولوكا اشتركنا مع بعض، وبابي ساعدنا، وجبنا لك ده… افتحيها»


فتحت صبا الغلاف برفق، لتجد علبة مخملية بلون الزمرد، وما إن رفعت غطائها حتى انبثق منها بريق ذهبي، فإذ هي سلسلة من الذهب الخالص، يتوسطها اسمها منقوش بالإنجليزية. 

 شهقت من الدهشة، وقالت بسعادة «الله… حلوة جداً»


ابتسم قصي وهو يومئ نحو الصغيرين

«دي فكرتهم هم»


انحنت صبا على ولديها، تطبع قبلة على جبين كل منهما، فتلألأت السعادة في عينيها.


ثم تقدم والدها وقدم لها علبة كبيرة، قائلاً في دفء

 «اتفضلي يا حبيبتي… كل سنة وإنتي طيبة وافتحيها بعدين»


وتبعته جيهان وهي تسلمها علبة أخرى بحنو مماثل

 «كل سنة وإنتي طيبة»


رفعت صبا العلبتين إلى صدرها، وقالت بعاطفة فياضة

 «حبيبي يا بابا أنت وچيچي… مش عارفة أقولكم شكراً على المفاجأة الجميلة ولا الهدايا… ولا إن ده أول عيد ميلاد ليا يتجمع فيه كل الناس اللي بحبهم وأقربهم لقلبي، ناقصنا بس ولاد خالي وتكمل فرحتنا»


ابتسمت جيهان وقالت 

«فرحتنا هاتكمل إن شاء الله في الويك إند… كلنا هانتجمع في قصر البحيري»


فصاحت الصغيرة زينب بحماسة

«وهنروح إحنا كمان يا نناه؟»


ربّتت جدتها على شعره

 «طبعاً يا قلب نناه… هتيجوا مع بابي ومامي»


عندها تدخل عابد، معترضاً بغيرته الظاهرة

 «وإشمعنا في قصر البحيري؟!، ما أنا أعزمهم عندي في القصر بتاعي»


ابتسمت جيهان، وقالت محاولة تهدئته

«عندك أو عندنا واحد يا عابد، مالك مضايق ليه؟»


قطّب حاجبيه وأجاب بنبرة حادة

 «شوفي إنتي بتقولي إيه… عندك أو عندنا؟!، إنتي ناسية إن مكانك هو مكان جوزك؟!»


وقف كل من  صبا وقصي يتابعان النقاش من بعيد، يتبادلان نظرات ضاحكة، فمال قصي نحوها هامساً

«ألحقي… باباكي شكله غيران»


ضحكت في صمت، وقالت له مداعبة

«إنت كده شوفت حاجة، لما كنت قاعدة معاهم كنت بسمعهم يتناقروا كل شوية، بصراحة بابا مهما كان غيور بس عمره ما هيبقى زيك يا حبيبي»


رفع قصي حاجبه متسائلاً

«ليكون مش عاجبك غيرتي عليكي إن شاء الله؟»


أجابته وهي تتأمل ملامحه بشغف

 «أنا أقدر أقول حاجة؟، ده أنا بموت فيك وفي غيرتك اللي كانت هاتودينا في داهية، لما كسرت للراجل التركي مناخيره»


قطّب قصي جبينه وقال محتد في لهجة مرحة

«يستاهل، محدش قاله يعمل فيها مهند ويمسك إيدك، لأء و كمان يبوسها، يحمد ربنا إني سيبتله بوقه سليم»


قهقهت صبا وقالت مازحة

«ييي… مش هنخلص ياريتني ما فتحت السيرة، وبعدين تعالي هنا، الكل جابلي هدايا، وأنا ما شوفتش منك حاجة، ولا إنت عشان مشارك في هدية ولادك؟!»


نظر إليها بمكر، وابتسامة خبيثة ترتسم على شفتيه، ثم قال وهو يحرك يده على ظهرها صعوداً و هبوطاً

«اتفضلي دي هديتك، رغم إني كنت عايز أديهالك فوق عشان عارفك متهورة، وهاتقعدي تبوسي فيا قدامهم»


مدَّ قصي يده نحوها بورقة مطوية بعناية، فتناولتها صبا بشغف يخالطه فضول، فتحتها رويداً رويداً، وأخذت تقلب السطور بعينيها اللامعتين، بينما هو يرمقها بنظرة واثقة، وقال بنبرة تتشح بالفخر

«عقد خط إنتاج دولي لشركتك… تقدري تصدري في أي مكان في العالم براحتك»


وبينما كان صوته ينساب إليها كنسيم دافئ، غمز لها غمزة ماكرة، وأتبعها بتربيتة خفيفة على أسفل ظهرها.

 فشهقت في خفوت، وجزّت على شفتها السفلى وهمست بحرج ممزوج بالمرح

«بطل قلة أدب… إحنا مش لوحدنا»


ابتسم بمكر عذب، ورد هامساً

«محدش واخد باله مننا»


أخفضت بصرها إلى الورقة مجدداً، ثم رفعت عينيها إليه في غمرة من الانفعال، وقالت بصوت متهدّج تغلفه السعادة

«مش عارفة أقولك على كم الفرح اللي أنا حاسة بيه… ده أنا مش عايزة أبوسك بس، أنا عايزة…»


قاطعها قبل أن تُكمل، بنظرات خبيثة تحمل أكثر مما تحتمله الكلمات

«وأنا كمان عايز… بس بعد ما الولاد يناموا، وبابا وجيجي يكملوا خناقتهم في بيتهم»


وكزته بخفة مازحة، وقالت في لهجة تحذير رقيقة

 «بس بقى ليسمعونا»


انفجر ضاحكاً، ثم سكنت ضحكته وهو يتأمل ملامحها المتوردة، وعينيها المضيئتين، وانحناءات جسدها التي برزت قليلاً بفعل الحمل، فوهبتها مسحة أشد أنوثة.  

 لم يتمالك نفسه حتى قال، وعيناه تُعلن اعجابه

«ألا قوليلي… مالك بقيتي حلوة أوي كده ليه؟»


فتحت فمها باندهاش مصطنع، وردت مازحة

«يعني أنا كنت وحشة ولا إيه يا سي قيصو؟!»


لوح بيده نافياً، وقال بعاطفة صادقة تكسوها الدعابة

«أنا قصدي… عمالة تحلوي يا روح قلبي، فيه حاجات… قصدي يعني… بصي هفهمك برضه لما نطلع فوق»


ابتسمت ابتسامة عذبة، وقد أدركت المعنى الضمني فيما وراء كلماته؛ فحديثه لم يكن مجرّد مزاح، بل كان يضمر حكاية أخرى ستروى بغير الألسنة.


وعاد كلاهما بعد لحظات مترعة بالدفء يتابعان مشاجرة عابد وجيهان، تلك المشادة ذات الطابع الكوميدي، التي تحولت إلى مشهد مضحك يجذب الضحكات من الحاضرين. 

 

                         ❈-❈-❈

في صباح اليوم التالي، ظلت تنتظر أمام بوابة قسم الشرطة، قلبها يخفق كطبول حرب، والقلق ينهش صدرها. 

 الهواء كان مثقلاً بصخب المدينة، وضوضاء العابرين تتلاشى أمام صخب أفكارها المشتعلة.  

 لم يطل وقوفها حتى خرج إليها أحد العاملين بالداخل، بصوت جاف مقتضب

 "الظابط المختص في قضية جريمة قتل روميساء وصل من شوية، وبدأ التحقيق مع جوز حضرتك"


تجمدت الدماء في عروقها، واستشعرت أن كل خفقة من قلبها تسير نحو المجهول.

وفي الداخل، كان طه يقف منهك القوى، عيناه غائرتان في محجريهما كمن سُلب النوم والراحة، يواجه الضابط بنبرة يائسة

"و ربنا ما قتلتها"


رفع الضابط حاجبيه وهو يقلب في الأوراق، ونبرته تقطر بالشك

"أومال كنت بتعمل إيه جوه؟، ده البت بتاعت خدمة الغرف مسكتك متلبس، وبصماتك على باب الأوضة والحمام"


تنفس طه بصعوبة وصوته يختنق بين الحروف

 "ما أنا قولت لحضرتك... أنا شوفت المفتاح محطوط بره، والمفروض كنت هعدي عليها قبل ما نخرج، ولما دخلت لاقيتها مقتولة"


أطرق الضابط رأسه قليلاً نحو التقرير أمامه، ثم رفع عينيه بنظرة صارمة

 "التقرير الجنائي اللي قدامي بيقول إنها اتقتلت قبل ساعتين من دخولك عليها... تقدر تقولي كنت فين في الوقت ده؟"


رد طه بسرعة، محاولاً التشبث بأي خيط نجاة

"كنت نايم... وقبلها كنت بتغدى في مطعم الفندق"


وما إن أنهى عبارته حتى دوّى طرق على الباب، دخل على إثره العسكري وأدى التحية قائلاً

 "فيه واحدة يا فندم بتقول إنها جاية تشهد في جريمة قتل البلوجر... دي بطاقتها"


مدّ البطاقة للضابط، الذي ألقى نظرة سريعة عليها، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة مشوبة بالتشفي، التفت نحو طه وقال ببرود لاذع

 "خليها تتفضل"


أشار العسكري بيده وهو يفتح الباب

 "اتفضلي يا مدام"


دخلت بخطوات ثابتة، غير أن قلبها كان يرتجف بين أضلعها. 

  وبمجرد أن وقعت عين طه عليها، تجمد في مكانه؛ كانت الصدمة أول رد فعل، تلتها نظرة ندم عميق، نظرة فضحت خيانته التي أدمت قلبها يوماً، وأكدت كل لحظة ضعف هشمت ثقتها فيه.


لكنها اليوم لم تقف كخصم أو عدو، بل كظل للحق، كسند في محنة لا يقدر على مواجهتها وحده. جلست على مقعد الشاهد، ملامحها مشدودة بالعزم، وعينيها تحملان قوة متقدة، غير أن في أعماقها شعاع صامت من الدعم.


في تلك اللحظة، أدرك طه أن ندمه مهما بلغ لن يقارن بقوة حضورها، ولا بعظمة قلبها الذي وقف بجواره رغم انكساراته.


نطقت بصوت حاسم، متماسك

"أنا جاية أقول وأشهد إن طه أبو ولادي بريء، وعمره ما يعمل كده أبداً"


قهقه الضابط ساخرًا، وهو يتكئ للخلف في مقعده

 "طب حضرتك ما سألتيش نفسك ليه هو المتهم الوحيد؟، غير إنه كان جوه الأوضة بعد ما اتقتلت؟"


كان سؤاله طعنة أكثر منه استفساراً، كأنه يُسلط السكين على جرح مفتوح، تمالكت نفسها وأجابت بنبرة واثقة

 "يا فندم... أنا وجوزي جايين نغير جو، وعرفنا بالصدفة إن مدام روميساء جارتنا هنا... عشان بتصور إعلان"


انحنى الضابط قليلاً للأمام، صوته مشبع بالريبة

"متأكدة؟"


وما إن أومأت برأسها حتى باغتها بقوله، كمن يكشف سر مدفون

"واللي بتسافر مع جوزها... توصل بعده وتاخد أوضة لوحدها، بعد ما تفضل تتخانق مع موظفين الريسيبشن؟!، ولا كنتي جاية تقفشي جوزك مع جارتكم؟!"


تساقطت كلماته كالرصاص، تفضح ما حاولت دفنه في صمتها، وما أرادت أن تنكره أمام الجميع، لكنها تماسكت، متشبثة بالحقيقة التي جاءت من أجلها، حتى ولو تكسّرت روحها تحت ثقل الإهانة.

رمقته شيماء بعينين تلمعان بالقهر و الألم، ثم ألقت نظرة عابرة على طه الذي لم يقوَ على مواجهة عينيها؛ إذ انكفأ بصره أرضاً كمن يختبئ من سوط ضميره، غارقاً في احتقار نفسه. 

  عادت ببصرها إلى الضابط، وتكلمت بصوت يحمل خليطاً من التماسك والوجع

 "وليه حضرتك ما تقولش إني كنت بعمله مفاجأة بمناسبة عيد جوازنا؟!، وهو أساس مجيته هنا كان شغل تبع شركة ولاد عمه"


ارتد الضابط بظهره إلى مقعده، يتفحص هيئتها ويقرأ لغة جسدها، كأنما يسبر أغوار ما تخفيه عيناها

 "هاعمل نفسي مصدقك يا مدام شيماء... بس تقدري تقوليلي جوزك كان فين من ساعتين وقت ارتكاب الجريمة؟"


ردت بسرعة بديهة، تقطع الشك بسيف الاستفهام

"وهو حضرتك مفيش كاميرات في المكان توضحلكم مين خرج ومين دخل؟!"


ابتسم الضابط ببرود، قائلاً

 "الكاميرات اتعطلت في المكان ده قبل ارتكاب الجريمة بساعتين"


أسرعت بالكلام كأنها تسابق الزمن لتثبت براءته

"جوزي في الوقت ده كان نايم فعلاً، وأنا كنت معاه في الأوضة لحد ما خرج يروح  للقتيلة"


وما إن أنهت عبارتها حتى طرق الباب، فدخل مساعد الضابط، يحمل بين يديه هاتف روميساء وأجهزة صغيرة أشبه بأن تكون أدوات تجسس. 


 "اتفضل يا فندم... دي كاميرا لقيناها مزروعة في التابلوه اللي على الحيطة قدام سرير القتيلة، متوصلة بتطبيق على موبايلها، ومصورة من وقت الجريمة لحد ما اكتشفنا وجودها"


ضغط الضابط زر التشغيل، فإذا بالمقطع يعرض مشهد مرعب. 

روميساء تركض في الغرفة بفزع، يتبعها شاب ذو ملامح متجهمة مريبة، يجذبها من شعرها بعنف ويكيل لها اللكمات.  

 حاولت التشبث بالهاتف الأرضي لتستنجد، غير أن القاتل جرها على الأرض كأنها دمية، ثم دفعها عنوة إلى الحمام.  

 لحظات وخرج وجهه خائف، يحمل في يده مدية ملطخة بالدماء، دسّها في جيب بنطاله، وفتح الباب ليغادر متسللاً قبل أن يلحظه أحد.


تقدم المساعد قائلاً

 "وكمان لقينا عقود جواز عرفي على فترات متقاربة... ودي تقارير بكل حاجة.... وبعد التحريات عرفنا إن القاتل طلع أخوها"


تنفس طه الصعداء كمن بُعث من قبره، وشاركت شيماء زفرة الارتياح، لكن سرعان ما انقبض صدرها مجدداً حين رفع الضابط رأسه من الأوراق، يعلق بلهجة لا تخلو من مرارة السخرية

"الظاهر إن القتيلة ماكنتش بتضيع وقت... والكاميرا المزروعة دي كانت ناوية على ليلة فرفشة مع أستاذ طه، وبعدها تهدده يتجوزها يا إما تبلغ المدام، وبعد ما يرضخ لها، كانت هتاخد اللي وراه وقدامه، شوفت يا طه كنت هاتقع في مصيبة مالهاش آخر إزاي؟"


رفع الأخر رأسه نحو الضابط، لسانه انعقد ولم تسعفه الكلمات، ثم حول نظره نحو شيماء علّه يقتنص منها الغفران، لكنها لم تكلف نفسها حتى نظرة واحدة.


أغلق الضابط الملف بإحكام وهو يتلو قراره بصوت صارم

"وبعد الاطلاع على التقارير والتحريات ومعرفة الجاني، لقد قررنا نحن العقيد سيف العزاوي، الإفراج عن المدعو طه سالم يحيى البحيري"


وبعد أن انتهت الإجراءات وأُطلق سراحه من ذلك الوحل، عادت شيماء بخطى حاسمة إلى الفندق عازمة على المغادرة.  

لحق بها طه يتوسل بصوت متهدج

"شيماء... أرجوكي اسمعيني، أنا جيت أتفسح يومين بس، مش زي ما فهمتي من الظابط، ولو كنت عملت معاها حاجة، كانت تسجيلات الكاميرا جابتني، والله يا شيماء...


توقفت فجأة، استدارت نحوه بعينين تقدحان ناراً

"إياك تحلف كدب... عشان ما تنزلش من نظري أكتر من كده... ووقوفي جنبك في القسم ده ماكانش عشانك... كان عشان خاطر ابنك محدش يعايره من أصحابه... ولا أعمله هو وأخته فضايح مالهمش ذنب فيها"


كاد يتكلم، فأوقفته بإشارة صارمة من يدها، ثم أردفت بكلمات كسيوف تخترق صدره

"الخيانة مش مجرد علاقة في سرير... الخيانة إنك تفكر في واحدة تانية... تبص لواحدة غير الست اللي شايلاك جوه عينيها وصاينة بيتك في غيابك قبل وجودك... أنا مش بعاتبك... لأن العتاب للأحباب... وإنت ما بقيتش حبيب... إنت بقيت مجرد أبو عيالي وبس"


ألقت كلماتها كالعاصفة، مزلزلة أركانه، تاركة إياه يغرق في ظلام روحه، بلا سند، بلا غفران، وبلا رجاء.


يتبع...

#الفصل_الثالث_والعشرون

#غرام_الذئاب

#الجزء_الرابع_من_سلسلة_صراع_الذئاب

#ولاء_رفعت_علي


بعد مرور أيام، قد جاء اليوم المنتظر، ذلك اليوم الذي طالما رنَّ في ذهنها كصدى يُثير في قلبها مزيج من الترقب والرهبة. جلست أمام شاشة هاتفها، تحدق في الدعوة المدونة بعناية، وميعاد حضور الزفاف مكتوب بأحرف صغيرة لكنها ثخينة في وقعها على قلبها، حفل الزفاف اليوم! 


زاد توترها، وانتشر شعور بألم خفيف في رأسها، وكأن ثقل السماء قد استقر على جبهتها. 

  هناك صوت ما زال يتردد في ذهنها منذ اللحظة الأولى، صوت يهمس ويأمرها بما يمليه عليها ضميرها، و هو أن تخبر زوجها و الجميع بالحقيقة التي تخفيها. 


و إذا بها تنتفض عندما فاجأها صوته  يقطع التفكير الدائر في رأسها

"سرحانة في إيه؟"


التفتت لتجد زوجها قد خرج من الحمام للتو، يغطي جسده بمنشفة قطنية خلعها ليرتدي ثيابه الأنيقة استعداداً للذهاب إلي العمل. 


  ابتلعت ريقها، وأجابته بنبرة مختصرة

"دماغي مصدعة شوية"


أخذ ثيابه من الخزانة وبدأ يرتديها، بينما يلتقط من حوله عابثًا بأزرار قميصه

 "شكلك سهرتي انتي وياسمينا امبارح"


"يعني… بس أنا كان عندي أرق، غير الصداع ودايخة شوية"


أغلق أزرار قميصه وقال بابتسامة مائلة للحنان

 "مستنية إيه؟، روحي اكشفي واطمني على نفسك"


هنا شعرت أنها أمام فرصة سانحة لاستغلال طلبه، فأخبرته

 "ما أنا كنت بكلم ماما من شوية، قالتلي أقابلها ونروح عند الدكتور"


أمسك بمحفظته 

"تمام… روحي وهاعدي عليكي، عشان ماما مجمعانا كلنا النهاردة في القصر"


انتفضت بتوتر، وشرحت له مخاوفها

"لاء… خليك أنت أصل الدكتور اللي رايحين عنده، عيادته بتبقى زحمة على طول، وكمان مش هاينفع آخد ياسمينا هناك… لتتعدى من حد من العيانين وهي يا حبيبة قلبي مناعتها ضعيفة وما بتستحملش... فأنا ممكن أخدها في طريقي وأطلعها لملك تروح معاهم"


اقترب منها، أمسك يدها بلطف وقبّل ظهرها بامتنان

"ربنا يخليكي لينا يا أحن قلب"


ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهها، وكلما لاحظت معاملته الحسنة، وهي في المقابل تخطو بخطوات أبشع، ازداد شعورها بتأنيب الضمير، حتى انتصر شيطانها في نهاية المعركة.

"ويخليك لينا يا حبيبي"


اقتربت بشفتيها لتكاد تقبله، لكنه انحنى ليلتقط البطاقة الائتمانية التي سقطت من يده

"اتفضلي… خلي معاكي الكريدت، الرقم السري 1997"


ضحكت بمزاح ساخرة

"رقم سري ده ولا تاريخ ميلاد؟"


أجابها بمسحة من الحزن

"تاريخ ميلاد ياسمين… الله يرحمها"

غادر علي الفور تاركًا وراءه كلمات تعيدها هي في رأسها، يزيدها شعورًا بالحقد والمرارة.  

 نظرت إلى صورته فوق طاولة الزينة، وراحت تهمس لنفسها

"وعمرك ما هتنساها… ولا تنسي أي حاجة تخصها… وأنا مش هفرط فيك مهما كان التمن"


                          ❈-❈-❈


أخذت من الخزانة ثوبً أنيق، أبيض كالثلج المتلألئ في ضوء الصباح، متعمدة أن يكون اللون رمزًا للنقاء والمظهر البهيّ، وكأنها تريد أن تفرض حضورها في هذا اليوم المنتظر بأبهى صورة.


توجهت إلى غرفة ياسمينا لتوقظها، وكانت الصغيرة تتصنع النوم، تحاول التملص من مواجهة زوجة أبيها.

 أزاحت الدثار عنها، وربتت بخفة على كتفها

"اصحي يلا يا ياسمينا، عشان هانروح لعمتك"


وصلت إلى أنفها رائحة نفاذة، أقرب ما تكون إلى القذارة، فبحثت بعينيها عن مصدرها، فوجدت بنطال نوم الصغيرة مبتلاً، والفراش أسفلها أيضًا مبتل.

 شهقت بازدراء

"نهار أبوكي أزرق، عملتي حمام على نفسك!"


فتحت الطفلة عيونها بخجل وخوف، فلم تستطع كبح دموعها، وانهارت بالبكاء. وبختها الأخرى بصياح هادر

"انتي لسه هاتعيطلي؟!، قومي فزي يا غبية، شيلي الفرش واقلعي هدومك المبلولة ارميها في الغسالة"


ازدادت الصغيرة بكاءً، وازداد معه غضب زوجة الأب القاسية التي صاحت بحدة صارمة

"هاتفضلي تعيطي كده كتير؟!، طب قدامك نص ساعة، لو معملتيش اللي قولتلك عليه، هامشي واقفل عليكي الباب، خليكي لوحدك هنا"


أسرعت الصغيرة بخوف لتنفيذ ما أمرتها به، واخذت حماماً علي عجلة من أمرها، ارتدت ثوب أنيق استعدادًا للذهاب معها إلى عمتها، كما أمرتها الأخرى.


وقفت أمام مرآة الزينة، وبدأت زوجة الأب تمشط شعرها وتجمعه في جديلة بشكل فوضوي، نظرت الطفلة إليها بحزن ورفض

"ما بحبش الضفيرة… عايزة أعمل تسريحة سندريلا اللي كانت مامي بتعملهالي"


نفخت الأخرى بضجر، وقالت بحدة

"وأنا مش فاضية لك، ولا فاضية لدلعك، عندي حاجات أهم"


رمقتها الصغيرة بسخط وثارت بغضب

"أنا بكرهك ومش بحبك… وكل يوم بدعي لربنا وأقوله يارب رجعلي مامي وخد طنط رودينا الوحشة"


شهقت الأخرى بصدمة وثار غضبها كالبركان، فقدت السيطرة على أعصابها، وصاحت في الوقت ذاته، مصحوبة بصفعة قوية هبطت بها على وجه الصغيرة

"بتدعي عليا يا قليلة الأدب وبتغلطي فيا كمان؟!"


تسمرت الطفلة في مكانها، تراقب رودينا فداحة ما حدث، وتشعر بحرارة أناملها المتوهجة على خد الطفلة المسكينة. 


 انهارت الأخرى في البكاء، دنت رودينا نحوها لتعانقها، محاولة تهدأتها

"حقك عليا يا ياسمينا… مكنتش أقصد خالص أمد إيدي عليكي، انتي اللي عصبتيني… بقي بتدعي عليا أموت؟! وتقوليلي بكرهك و انتي وحشة؟!، تعرفي بابي لو عرف إنك قولتيلي كده، هايعمل فيكي إيه؟"


نظرت الطفلة إليها، مصدقة كل كلمة ببراءة، فأردفت الأخرى بدهاء شديد

"هايدخلك مدرسة داخلية ومش هيخليكي تعيشي معانا تاني... هو كان قايلي لو فضلتي ما تسمعيش الكلام كده كتير هايوديكي هناك... وأنا قولتله لاء ياسمينا شطورة وبتسمع الكلام… هاتسمعي الكلام ولا أقول لبابي؟"


تفوهت الصغيرة على الفور بخوف ورعب

"هاسمع الكلام… بليز ما تقوليش لبابي"


ابتسمت الأخرى بدهاء أفعى سامة 

"تمام… مش هقوله، بس تعتذري"


ظلت الصغيرة تنظر لها في صمت تأبى داخلها الاعتذار، لكن لم تجد مفر من ذلك، تفوهت بصوت يكاد تسمعه الأذن 

"sorry" 


                          ❈-❈-❈


حل المساء وتلألأت الأضواء في أرجاء حديقة منزل عائلة رحيم، كأن النجوم قد هبطت إلى الأرض لتزين المكان. 

 وفي داخل أحد الغرف تجهيز العروس، أنتهت الفتاة بوضع اللمسات الأخيرة على وجه أميرة المغمضة عينيها، كأنها لوحة فنية مكتملة الألوان والضياء.


قالت لها الفتاة بصوت دافئ

"افتحي عينيكي يا عروسة"


فتحت الأخرى عينيها، لترى انعكاسها في المرآة؛ كانت حقًا أميرة، ملامحها الهادئة الجميلة قد اكتسبت وهجً مضاعفً، إلا أن شعور غريب بالضيق ألم بها، كما لو أن قلبها يئن تحت وطأة انتظار غامض.


دخلت رجاء من الباب، ووقفّت متأملة أميرة بإعجاب

"ما شاء الله، اللهم بارك… إيه القمر والجمال ده كله يا عروستنا"


ابتسمت أميرة

 "شكرًا يا طنط"


ضحكت الأخرى

 "طنط إيه يا ميرو قوليلي رجاء عادي، أو جوجو، أي دلع… لكن طنط دي تقوليها لواحدة عجوز شمطاء"


ضحكت أميرة 

"حاضر يا جوجو… بس أنا كنت عايزة الفستان مقفول شوية وألبس حجاب… مش متعودة حد يشوفني من غير حجابي"


قالت حماتها بحزم ودهشة

"فستانك إحنا جايبينه من برّه، من أفخم دور الأزياء في فرنسا، وحجاب إزاي مع فستان من الدانتيل والجوبير وفتحة الرقبة واسعة لحد اكتافك؟!، النهاردة انتي عروسة، وستايلك لازم يكون مميز"


وفي الأسفل جلس المدعوون في انتظار قدوم العريس وعروسه. 

 كانت رودينا في حالة توتر، تقضم أظافرها، ولاحظت والدتها ما تفعله

"قاعدة مش على بعضك ليه؟، وفين جوزك اللي عمالة تقوليلي جاي؟، عيب ابن خالتك يعزمه وهو ما ييجيش، دي اسمها قلة ذوق"


مال زوجها نحوها 

"مالك يا شاهيناز بتزعقي لبنتك ليه؟، جوزها مش عايز ييجي هاتجيبه يعني بالعافية، ولا هاتفرحي لما تلاقيهم متخانقين؟!"


"ملكش دعوة أنت يا مهاب، أنا بتكلم مع بنتي" 

و نظرت إلي ابنتها

"قومي تعالي" 


ذهبا إلي زاوية هادئة، فسألتها والدتها  "قوليلي الحقيقة وما تخبيش عليا"


اتسعت عينا  ابنتها التي تشعر بالتوتر والقلق يملأ قلبها

"أقولك إيه يا ماما؟"


"اللي انتي مخبياه عليا"


ابتلعت ريقها، وأجابت بانكار

"مش مخبية حاجة"


"مخبية بس مش عليا… علي جوزك"


خفق قلب الأخرى بقوة، حتى أضافت والدتها

"مش قايلاله إنك في فرح ابن خالتك، ونفس الأمر حصل في الخطوبة، صح؟"


تنفست رودينا الصعداء، لكنها خشيت من كشف السر الحقيقي

"اه يا ماما… جوزي ما يعرفش إني هنا، ويا ريت تفهمي بابا كده بدل ما يقع بلسانه قدام ياسين… اللي لو عرف هايطلقني"


نظرت والدتها إليها بحدة

"و بالنسبة للصحفيين المرشقين في كل مكان، لما يشوفوا صورتك هاتقوليله إيه؟!"


"ياسين تقريبًا مقاطع السوشيال ميديا وما بيفتحش النت إلا على شغله وبس"


رمقتها والدتها بغضب

"وليه تكدبي على جوزك وتجي من وراه وإنتي عارفة دماغه؟"


أجابت رودينا بكذبة محكمة

"وخالتي وابنها لو سألوكي بنتك مجاتش ليه هاتقوليلهم جوزها مش طايقكم ومانعها تيجي!، وخالتي تشمت فيّا؟!"


قالت لها والدتها بحدة وتهديد

"على راحتك يا رودينا… بس ما تجيش تشتكيلي وتقوليلي الحقيني يا ماما، لأن لو كان عليا نفسي يطلقك النهاردة قبل بكرة"


رمقتها رودينا بغضب وقالت بتحدٍ

"ولما تطلقيني منه هتستفادي إيه؟!، الأمل اللي حضرتك كنتي عايشة عليه… فرحه النهاردة يعني خلاص أحلامك بقت سراب"


تنهدت والدتها فقالت

"لما أروح أقعد مع باباكي، لأن الكلام معاكي بيرفعلي الضغط"


تركت ابنتها وذهبت لتخبر زوجها بعدم علم زوج ابنته بحضورها حفل الزفاف.


                        ❈-❈-❈


في قصر البحيري، اجتمع أفراد العائلة، كل يحمل في صدره مشاعره، فمنهم من يسكن قلبه سعادة مكتومة، ومنهم من يحمل أعباء الأحزان والهموم الثقيلة.


كارين جلست جوار زوجها، عيناها تتبعان كل حركة في الصالون بصمت كأنها مراقبة هادئة، تحاول أن تحفظ حضورها دون أن تتدخل. 

  

بينما خديجة فاختارت الجلوس بين حماتها و بين شيماء، كأنها تبحث عن الأمان بين أحضان الألفة العائلية. 

وملك وصبا، يتبادلان الاحاديث والضحك.


آدم جلس متأملاً بين طه وقصي، وبجانبه مصعب الذي لم يحتمل الصمت، فارتفع صوته متسائلاً:

"فين يوسف وياسين؟"


تذكر آدم وعده لشقيقه، ألا يفشي سر أمره مع علياء أمام أي من أفراد العائلة، إلى أن يلتزم شقيقه بالتصالح ويعود كما كان، أو هكذا يتوهم! 


أجاب آدم بهدوء محسوب

"يوسف في المستشفى عنده شوية حالات، وعلياء مامتها تعبانة وقاعدة معاها، أما ياسين... 


لم يكمل الحديث، إذ قاطعه صوت مألوف يتردد في أرجاء القصر

"السلام عليكم يا عيلة البحيري"


دخل ياسين مبتسمًا، حاملاً في عينيه إشراقة المشاكس الدافئ، رد الجميع التحية. 

 قام بمصافحة الجميع، وقد لاحظت والدته إنه بمفرده فسألته

"رودينا ماجتش معاك ليه؟"


في تلك اللحظة، اندفعت ابنة ملك نحو خالها، وتلحق بها شقيقتها، تصيح الصغيرة محذرة

"بلاش يا مليكة، ياسمينا لو عرفت إنك قولتي لخالو هتخاصمك ومش هاتكلمك تاني"


انتبه ياسين للحديث وابتسم بخفة، ثم أشار إلى مليكة قائلاً

"تعالي يا ملوكه قوليلي، مالها ياسمينا؟"


نظرت الطفلة إلى والدتها أولاً، ثم حولت بصرها إلى الحضور، قبل أن تتوقف عند ياسين فاخبرته

"ياسمينا لما جت عندنا كانت عماله تعيط، وقالتلنا أنا ونور إنها طنط رودي ضربتها بالقلم…"


صمتت الطفلة، وانسكبت كلماتها في فضاء القصر. 

شهق الجميع واعتلت الصدمة وجوههم، وانحشرت الكلمات في حناجرهم، بينما ساد الصمت المطبق لحظة قصيرة، قبل أن يكسرها صوت ياسين الهادئ، الذي كان يسبق العاصفة

"رودي ضربت مين؟"


أجابت الطفلة ببراءة طفولية، كأنها لا تدرك حجم ما تقول

"ضربت ياسمينا بالقلم عشان بتعيط، وقالتلها باباكي قالي لو مسمعتيش الكلام هيوديكي في مدرسة داخلية ومش هاتعيشي معانا تاني"


تردد اسم ياسمينا على شفتيه بغضب ماجن

"ياسمينا؟، ياسمينا؟"

جاءت الصغيرة في الحال والخوف يسيطر على ملامحها، ترتجف وتتكتم عن الحديث، كأنها تبحث عن منقذ يحررها من الرعب الذي دبّ في قلبها.


تدخلت والدته، بصوت حنون ووقار

"وطي صوتك يا ياسين، البنت مرعوبة منك"


نظر ياسين إلى ابنته بعينين يغمرهما الحنان، وتمعن في خديها المشتعلين بالحرارة والخوف، وسألها بنبرة حانية

"قوليلي يا حبيبتي، رودينا مدت إيدها عليكي؟"


نظرت له الطفلة بخوف متردد، مسترجعة كلمات زوجة أبيها، ثم اندفعت مبتعدة، واختبأت في حضن ملك، تتهاوى في عناقها وتعتصره بالدموع

"أنا خايفة يا عمتو، خديني من هنا"


وقف ياسين مشدوداً، يشاهد حال ابنته التي كانت بمثابة طعنة حادة في قلبه، تتلوى بين الخديعة والخيبة، وتساءل في نفسه، هل كنت بالفعل منخدعاً إلى هذا الحد من تلك الأفعى الخبيثة؟

الجميع حول الطفلة، شعروا بثقل الموقف، وتبادلوا الهمسات المثقلة بالحزن والأسى، تعاطفاً مع براءة الطفلة الصغيرة.


قالت جيهان لابنتها بحزم

"طلعيها يا ملك فوق، وأنا جايلكم"


أطاعت ملك ما أمرتها به والدتها، وارتفعت إلى الطابق الأعلى، بينما ياسين يقف مشدوداً، وشرار الغضب يندفع من عينيه، راغباً في إحراق الأخضر واليابس.


وفي لحظة مفاجئة، غادر القصر مسرعاً، صاحت جيهان خلفه

"ألحقه يا مصعب، قبل ما يعمل في مراته حاجة"


وقبل أن يلحق به مصعب، قال له قصي بحذر

"مصعب، لو هيتهور أنت عارف هاتعمل إيه؟"


أجابه مصعب بثقة

"ما تقلقش، أنا عارف هعمل إيه"


ركب ياسين سيارته، وانطلق بسرعة مخيفة، فيما ركب مصعب سيارته وشرع في مطاردته قبل أن يرتكب أي جريمة.


خلال الطريق، اتصل ياسين برودينا، فكان الهاتف ربما مغلقاً أو خارج الخدمة، فقرر الاتصال بالهاتف المنزلي لعائلتها، وانتظر حتى ردت الخادمة، وسألها بحدة

"رودينا عندكم؟"


أجابته الخادمة مترددة

"حضرتك ياسين بيه، صح؟"


رد بغضب كامن

"أيوه، أنا حضرة الزفت، رودينا عندكم؟"


أجابت الخادمة

"هي وست شاهي ومهاب بيه كلهم في فرح دكتور رحيم"


توقف ياسين فجأة حينما انكشف أمامه كذبها الصريح، وانطلقت أسئلته النارية

"الفرح ده فين؟"


أجابته الخادمة بعد تردد

"في فيلا الست رجاء، في زايد..."


استمع ياسين إلى تفاصيل العنوان، حفظها عن ظهر قلب، وأطلق محرك سيارته على الفور، متبعه مصعب، يتجهان صوب موقع الحدث، حيث ستنطلق مواجهة لن يرحم فيها الغضب، ولن يعرف فيها العقل سبيلاً إلا بعد أن تصدح الحقيقة بصوت عال وواضح.


                        ❈-❈-❈

ها قد بدأت مراسم الزفاف، والجميع يترقب خروج العروس من باب المنزل إلى الحديقة المزينة بالأضواء، كأن السماء نفسها قد أُضيئت احتفاء بهذه اللحظة.


تطل أميرة، كملكة في يوم تتويجها، وقد عمدت إلى إلقاء وشاح الثوب على وجهها، خجلًا من النظرات الموجهة إليها، وكأنها تخفي بين خيوط الوشاح شغف قلبها المرتبك.


وينتظرها رحيم، كملك ينتظر قدوم ملكته، ومع كل خطوة تخطوها يختلط في قلبها خفقان الرهبة بشعور غامض لا تدري له سببًا، وكذلك هو يخفق قلبه من السعادة الغامرة.


وها هي وقفت أمامه، تنظر له مبتسمة من خلف نسيج الوشاح الشفاف، وظل يتأملها، غير مصدق، متسائلًا: هل هذا الملاك سيصبح حقًا ملكه وله وحده؟


قال لها بصوت يملؤه الحنان

" ألف مبروك يا روح قلبي"


ردت بخجل وتضغط على باقة الزهور في يدها

"الله يبارك فيك" 


فأمسك يدها، واتجها معًا نحو المنصة المخصصة لعقد القران. 

 همس في أذنها بلهجة مليئة بالمزاح والطمأنينة

"كلها دقايق ونكتب الكتاب وهتبقي حرمي المصون" 


نظرت إلى الجهة الأخرى بخجل، فابتسم وضحك على خجلها

" هخليكي تودعي الكسوف ده خالص، بس هابقي أقولك لما نطلع أوضتنا فوق"


جلسا معًا خلف الطاولة، جاء المأذون وألقى عليهم تحية السلام، وبدأ في إلقاء الخطبة قبل عقد القران. 

  وذلك بالتزامن مع وصول ياسين للتو، والشر يفيض من عينيه، فرآه حماه ونهض مسرعًا ليلحق به قبل أن يتشاجر مع ابنته أمام الحضور.


"أهلاً وسهلاً يا حبيبي، نورت الفرح" 


حاول ياسين التماسك

"أهلاً يا عمي، هي فين رودينا؟" 


رد حماه بنبرة حازمة

"تعالي بس الأول نكتب كتاب دكتور رحيم، وبعدين نتكلم أنا وإنت" 


اعترض ياسين بغضب

"وأنا مالي بكتب الكتاب؟!، أنا جاي أخد مراتي وهامشي" 


أجابه حماه بحزم ودبلوماسية

"تعالي أنت ابن حلال، كنا لسه بندور علي الشهود، تعالي اشهد معانا وبارك للعريس والعروسة، وهنقعد أنا وإنت وبنتي نتكلم بس مش هنا، عندي في البيت مش دي الأصول برضه يا أستاذ مصعب؟" 


كانت نبرة حماه توحي لياسين وكأنه يعلم أمرًا ما فعلته ابنته.


أومأ مصعب

"صح طبعًا وعين العقل" 


"طيب يلا عشان المأذون مستني" 


جلس كل من مصعب وياسين على الجهة الأخرى للمأذون، وكان ياسين يبحث بعينيه عن رودينا، وقلبه يخفق، ليس من التوتر، بل من شعور آخر مجهول، كإشارات لا يعي سببها.


وفي الداخل، كانت رودينا واقفة أمام الحوض، تغسل وجهها، وتحدق في صورتها في المرآة، محاولة تصم أذنيها عن صوت المأذون.

"مش هاينفع… اللي بيحصل ده كله غلط في غلط… أعمل إيه! … لو قولتلهم هخسر ياسين وهخسر رحيم وأهلي كمان… مش عارفة أعمل إيه… أنا تعبت" 


"رودينا، يا رودينا" 

صوت والدتها وتفتح باب الحمام، فوجدت ابنتها لتخبرها بالكارثة التي ستهبط فوق رأسها

"جوزك جه بره وشكله ناوي على مصيبة… الشغالة كانت مكلماني ولسه قالتلي إنه اتصل علينا في البيت… وقالت له إحنا في فرح ابن خالتك و الغبية اديتله العنوان… وطبعًا لما اكتشف كدبتك جاي ينكد عليكي وعلينا، ربنا يستر و ما يقلبلناش الفرح" 


سمعت رودينا حديث والدتها وكأن الدنيا تدور حولها، والشئ الذي تهابه قد حدث بالفعل؛ سيرى زوجته، ويفتضح أمرها أمام الجميع.


قالت والدتها بحزم

"واقفة مكانك وسرحانة في إيه؟، يلا تعالي ما تخافيش… باباكي خد جوزك ومعاه مصعب جوز ملك يشهدوا على كتب الكتاب" 


اتسعت عينا رودينا، ورددت بصوت خافت

"يشهد على إيه؟!، خلاص أنا كده ضعت… بيتي اتخرب، ياسين ممكن... لاء ده أكيد هايقتلني" 


لم تفهم والدتها من همهمتها الخافته شئ

"إنتي بتقولي إيه؟! يلا قدامي وماتبقيش جبانة كده… يبقى يقرب منك وأنا اللي هقف له… هو ناسي ليكي أهل ولا إيه؟" 


وفي الخارج، وضع المأذون الأوراق أمام كلا من ياسين ومصعب ليوقع الأول اسمه على عجل، فهو يريد أن ينتهي من هذا كله ويأخذ تلك اللعينة ليأخذ حقه ويلقنها عقاب قاسي.

بينما خرجت رودينا برفقة والدتها على وقع صوت المأذون، الذي يردد بطمأنينة روحانية

"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير، إن شاء الله" 


أطلقت رجاء الزغاريد بسعادة، تملأ المكان صخبً وفرحً، بينما التقط ياسين بعينيه رودينا التي اختبأت خلف والدتها، تلقي نظرة نحو منصة عقد القران، فإذا بها قد اختفت من أمامه.  


بينما هي ظلت تلتفت من حولها باحثة عن مأواها الآمن، فلم تجد سوى داخل منزل خالتها. 


و لدى العروسين... أمسك رحيم يد زوجته، ونهض الاثنان واقفا أمام بعضهما، رفع الوشاح ليكشف عن وجهها، وقبّل جبينها برقة وحنان

"وأخيرًا بقيتي حبيبتي ومراتي" 


بدأت الموسيقى تعزف أنغامها، وأمسك يدها متقدمًا بها إلى ساحة الرقص، بينما أغنية فستانك الأبيض بصوت حسين الجسمي الذي يصدح في الأرجاء، يملأ الجو بهجة وغرامً.


وفي زاوية بعيدة، كان مصعب يبحث عن ياسين بعينين حذرتين، غير مكترث بما يحدث حوله؛ فكل همه أن يمنع ياسين من ارتكاب حماقة أو فعل يندم عليه مع رودينا، التي لم تجد ملجأ سوى الاختباء داخل منزل خالتها، تركض وقلقها يخنق أنفاسها.


وقبل أن تخطو قدمها داخل المنزل، شعرت بيد تجذبها بعنف، وصياح هادر

"بتهربي على فين يا هانم؟!" 


التفتت إليه، عيناها مليئتان بالخوف والصدمة

"استني بس وهافهمك كل حاجة، تعالي ندخل جوه الأول" 


رآه مصعب من بعيد، وفي طريقه إليه لمح شاشة العرض، حيث الكاميرا مصوبة على العروسين، ولا سيما على العروس.


 تسمر مكانه، يفتح ويغلق عينيه ليتأكد مما يراه، لكنه تذكر اسم العروس الذي ذكره المأذون، فهي تدعي أميرة… لكن من تكون تلك؟!، ربما شبيهة لها ليس أكثر. 


هيهات ولفت انتباهه صراخ رودينا، رآى ياسين يجرها من عضدها خلفه كالشاه، تصرخ برفض قاطع 

"قولتلك مش رايحة معاك في حتة" 


صاح كالوحش الكاسر

"اخرسي مش عايز اسمع صوتك… حسابي معاكي لما نروح" 


اقترب مصعب منه

"ما ينفعش اللي أنت بتعمله يا ياسين" 


رد الأخر بكل تحد ثائرً

"أنا عارف بعمل إيه، مراتي وأنا حر فيها، أجرها، أولع فيها، محدش يتدخل" 


صاحت رودينا و تحاول نزع ذراعها من قبضته بقوة ودفعه عنها 

"تولع فيا؟!، انت فاكر نفسك مين يا حيوان، ابعد عني" 


جن جنونه من كلماتها، وغضبه انفجر كالبركان الذي يحرق كل ما يقابله من الأخضر واليابس، رفع يده عليها

"أنا حيوان يا زبالة، مش مكفيكي اللي عملتيه في بنتي، ولا كذبك عليا تقوليلي عيانة و اتاريكي هنا من ورايا، ده أنا همرمط بكرامتك الأرض يا وسخة" 


مع كل كلمة كانت تتلقي صفعة تلو الأخرى، حاول مصعب فض الاشتباك، ورأت شاهيناز ما يحدث، فركضت لتنقذ ابنتها من قبضة هذا الثائر، وتبعها زوجها مسرعًا.


انتبهت رجاء إلى ما يحدث، فذهبت نحوهما وصاحت

"إيه اللي بيحصل ده يا شاهيناز؟، بنتك وجوزها جايين يخربوا فرح ابني!" 


رمقتها شقيقتها بامتعاض، ثم ألتفتت وصاحت في ياسين وتدفعه عن ابنتها

"ابعد إيدك عنها يا همجي يا متخلف" 


فاطلق الآخر لسانه الذي لم يعرف الخجل والأدب في تلك المواقف

"لمي لسانك يا وليه أحسنلك، بدل ما أقل منك قدام الناس، طالما مش عارفين تربوا بنتكم، أنا هاربيهالكم وبعدين هرميها عندكم زي الكلبة اشبعوا بيها" 


تدخلت رجاء وصاحت بصوت يحمل القوة والحزم

"اتلم أنت يا اسمك إيه؟، خد مراتك وغوروا من هنا، بدل ما اندهلكم الأمن يرميكم بره" 


بينما كان رحيم وأميرة لم ينتبها لما يحدث بسبب الموسيقي و الأغنية، ارتفع صخب المدعوين ونهض بعضهم من مقاعدهم ليشهدوا المشاجرة، واستغل المصورون والصحفيون هذا الحدث لالتقاط الصور والفيديوهات، فامتزجت الفوضى بالتعجب.


توقفا عن الرقص، سألت أميرة بقلق

"هي الناس بتقوم و بتجري ليه؟" 


نظر رحيم نحو وجهتهم فرأي ما يحدث، فقال لعروسه

"روحي اقعدي في الكوشة وأنا هاروح أشوف إيه اللي بيحصل" 


"لاء أنا جاية معاك مش هاسيبك" 

توجه رحيم نحو المشاجرة، وتتبعه  أميرة  دون أن تحصل علي موافقته، و مع كل خطوة لها، يخفق فؤادها، وضعت يدها علي موضع قلبها، اكملت السير حتي توقفت بقرب الحدث. 


صدح صياح ياسين وهو يوبخ السيدة رجاء وشقيقتها

"خليكي في حالك يا وليه منك ليها… أنا جاي أخد مراتي...  أنا ماسك لساني عنكم بالعافية...  غوروا من وشي" 


لم يشعر رحيم بنفسه و يندفع نحو الثور الهائج الذي يمسك بابنة خالته و يطيح في كل من يقابله أو يعترض طريقه

"انت مين إدالك الحق تتهجم علينا في بيتنا وتقل أدبك على خالتي وأمي يا بني آدم أنت؟!" 


حدقه ياسين بشرر وهجوم

"وأنت مالك أنت كمان، ابعد لأقل منك قدام معازيمك وعروستك" 


اندفع رحيم بغضب، صوته يملؤه التهديد والحزم

"لاء، ده انت قليل الأدب ومش لاقي حد يوقفك عند حدك" 

وجّه له لكمة خاطفة، شهق الجميع من شدتها، فدفع ياسين رودينا أرضًا ليتثنى له الرد على رحيم، تحت صياح والدته

"ابناااي" 


التفتت رجاء من حولها صارخة

"فين السكيورتي؟، تعالوا خدوا الحيوان ده من هنا" 


ركضت أميرة نحو رحيم عندما تشابك ياسين معه، يقبض علي تلابيبه و إذا به يطرح رحيم علي الأرض، ليكيل له اللكمات،فصاحت بخوف على زوجها

"ابعد عنه حرام عليك" 

لم يكن يسمعها و مستمر في ضرب رحيم، تدخل مصعب و لم ينجح في ابعاد ياسين، تجرأت أميرة من هذا المعتدي علي زوجها وتحاول دفعه عنه وتصرخ

"وحضرتك فاكر نفسك كده راجل لما تتهجم على بيوت الناس وتمد إيدك عليهم؟!، ابعد عنه" 

ختمت حديثها بدفعة من يديها، جعلته توقف فجأة و يلهث، رفع رأسه فانقشعت غيمة الغضب من علي عينيه وحينما تحقق من رؤيتها، حدق فيها بعينين جاحظتين، وكأن الزمن تجمّد من حوله حين رآها ، ترتفع دقات قلبه فجأة، وكأنها تعيد له الحياة، تردد شفتاه اسمها بتعجب ودهشة، كأنه لا يصدق ما يراه

"ياسمين!" 


يتبع.....

#الفصل_الرابع_والعشرون_الجزء_الأول

#غرام_الذئاب

#الجزء_الرابع_من_سلسلة_صراع_الذئاب

#ولاء_رفعت_علي


ركضت أميرة نحو رحيم عندما تشابك ياسين معه، يقبض علي تلابيبه و إذا به يطرح رحيم علي الأرض، ليكيل له اللكمات، فصاحت بخوف على زوجها

"ابعد عنه حرام عليك" 

لم يكن يسمعها و مستمر في ضرب رحيم، تدخل مصعب و لم ينجح في ابعاد ياسين، تجرأت أميرة  واقتربت من هذا المعتدي علي زوجها وتحاول دفعه عنه وتصرخ

"وحضرتك فاكر نفسك كده راجل لما تتهجم على بيوت الناس وتمد إيدك عليهم؟!، ابعد عنه" 

ختمت حديثها بدفعة من يديها، جعلته توقف فجأة و يلهث، رفع رأسه فانقشعت غيمة الغضب من علي عينيه وحينما تحقق من رؤيتها، حدق فيها بعينين جاحظتين، وكأن الزمن تجمد من حوله حين رآها ، ترتفع دقات قلبه فجأة، وكأنها تعيد له الحياة، تردد شفتاه اسمها بتعجب ودهشة، كأنه لا يصدق ما يراه

"ياسمين!" 


لحظة لم يتخيلها يومًا، وقف مشدوهًا، يختنق صوته داخل صدره وهو يراها عروسً لغيره. 

الزوج ليس هو، قلبه يصرخ باسمها لكنها لا تسمع، لا تعرف، لا تذكر! 

ذاكرة غائبة سلبتها ماضيها وسرقتها منه.

 والأشد قسوة أن العريس البريء لا يعلم أن عروسه تحمل في قلبها اسم رجل آخر، رجل هو زوجها الحقيقي. 

  لحظة ارتجف فيها كل من حضر، لحظة صدمة لم يتوقعها أحد، لم يكن أشد كوابيسه قسوة ليتخيل تلك اللحظة… يقف بين الناس، وعيناه لا تصدقان ما تراه.  

 حبيبته، زوجته، تُزف لآخر وكأنها لم تعرفه يوم. 


نهض مترنحاً، كأن أنين قلبه يُثقل خطاه، ويرتفع صوته المرتجف وهو يردد اسمها مرة أخرى بحروف متكسرة

"ياسمين!" 


اقترب منها بخطوات مثقلة بالحنين والخذلان، فتراجعت مذعورة، تلوذ بخوفها، لا تعي ما يقول، بل خُيِّل إليها أنه سيُمعن في إيذائها عقاباً على ما تفوهت به.


انتفض رحيم سريعاً كالصاعقة، هرولت هي واحتمت وراءه كطفلة مفزوعة، فدفعه رحيم إلى الأمام ويهدده بصوت جهوري

"لو قربتلها أو جيت جنبها… هادفنك مكانك"


لكن التهديد لم يُفلح في زعزعته؛ إذ كان قلبه يختنق من مرأى محبوبته مرتعدة منه، وهي التي لأجلها ذرف الليالي دموعاً مُرة. 

 ها هي الآن أمامه، تختبئ وراء رجل آخر، تحدق إليه من خلف كتفه، بينما زمجر رحيم بغضب

"إنت واقف متنح ليه؟!، قولنالك امشي من هنا"


مازال يقف و لم يحد ببصره عن عينيها، يكرر اسمها بشغف مجنون

"ياسمين"


تبادلت الأعين نظرات الحيرة، فانبرى رحيم يسأله بدهشة لم تخلُ من السخرية

"ياسمين مين؟!"


بينما هي تتشبث بظهر رحيم وتشعر بشئ غريب، ارتجف صوتها بهمس بالقرب من أذن رحيم تسأله

"هو ماله بيبصلي كده ليه؟، أنا خايفة أوي"


التفت إليها رحيم مُشيراً بعينيه وبنبرة حاسمة

"ادخلي جوه… لحد ما أشوف صرفة مع المجنون ده"


لكن الآخر أخرج هاتفه بعجلة، كمن يُمسك دليل دامغ، ولوح بالشاشة أمامهما، فانكشفت صورة واضحة لا لبس فيها؛ صورة تجمعه بياسمين بلا نقاب.  

 وصوته يصدع باليقين

"ياسمين… مراتي"


ارتعشت الأرض تحت قدميها، واهتزّ قلبها كعصفور اصطدم برياح عاتية. 

 تقدمت بخطوات وئيدة غير مصدقة، اقتربت تحدق بالصورة، فإذا بها هي وهو يحتضنها في تلك اللقطة الآسرة. 

  تجمدت الدماء في عروقها، وانفجرت الصدمة ككارثة حلت على رؤوس الجميع.


صاح رحيم بصدمة كأن الصاعقة هوت فوق رأسه

"إنت بتخرف بتقول إيه؟!"


فجاء صوت والدته نافذاً كالسهم، مفعم بالحدس القديم الذي طالما تجاهله ابنها

"كان قلبي حاسس… وقولتلك يا رحيم، البت دي وراها حوار كبير"


بينما لا تزال ياسمين جامدة في مكانها، عيناها تتأرجحان بين شاشة الهاتف التي تُظهر صورتها وبين ملامح ياسين الملتهبة بالصدق.  

 نظرتها مترددة، كأنها تسير على حافة هاوية، فتهز رأسها رافضة الانصياع لما تراه وتسمعه، ثم تنطق بصوت متحشرج بالكاد يخرج من بين شفتيها المرتعشتين

"إنت مين؟"


أعاد ياسين هاتفه إلى جيبه بحركة بطيئة، ثم خطا نحوها خطوة واحدة، لكنها ارتدت بخوف كمن لامسته النار، فتوقف مكانه كي لا يزيد رعبها. 

  انفجر صوته المتوسل، يحمل في طياته نزيف الحنين وألم الفقد وصرخة قلب ممزق منذ شهور طالت حتى غدت دهراً

"معقول! … ماتعرفنيش إزاي؟!"


وهنا استيقظ في داخله إدراكٌ صاعق، كبركان يتأهب للانفجار، فالتفت بعنف إلى رودينا، التقت عيناه بعينيها، فارتعدت وسرت في جسدها قشعريرة، كأنها انكشفت أمام الحقيقة العارية. 

 سألها بصوت خافت خطير بهدوء الذي يسبق العاصفة

"إنتي كنتي عارفة؟"


ابتلعت ريقها، وبدت كمن يختنق بكلمة لا مفر من قولها. 

 ارتفع صوته صارخاً كالسوط ينزل على جسد مذنب

"ردي عليا؟"


أومأت برأسها في ارتباك خانع، كأنها تعترف بجريمة كبرى

"أيوه"


تسمرت الأنظار جميعها عليها، وكل العيون اتقدت غضب وحيرة، حتى اخترق صوت خالتها المكان صارخاً بمرارة وحسرة

"يا مصيبتي!، كنتي عارفة إنها ضُرتك ومخبية علينا كلنا؟!"


وفجأة ومضات كاميرات الصحفيين شقت العتمة كوميض البرق، انعكست على وجه رودينا المتوتر، فاستفاقت رجاء على وقع الفضيحة المدوية، وصاحت غاضبة بهم

"إنتم بتصوروا إيه؟!، اطلعوا بره، مفيش فرح خلاص، اطلعوا كلكم بره"


هرع المدعوون يخرجون في همسات وسخط، وضجيج متلاحق، بينما هي تقف في مركز الدوامة، تحاول أن تلم شتات الموقف، وتلتفت إلى الآخرين بحزم متحجر النبرة

"تعالوا ندخل جوه… نشوف المصيبة اللي حلت علينا"


                         ❈-❈-❈


في الداخل، تلوح الوجوه كأعلام مقلوبة؛ ثمة شدّ وجذب، وحبال تشد من كل اتجاه.  

 صاح أحدهم في رودينا

"ما تنطقي يا رودينا ساكتة ليه؟"


تمنى رحيم في صدره لو أن ما يجري سوء تفاهم سيزول، أو أن ما يدعيه غريمهُ ليس إلا تشابهًا بين أميرة وبين زوجتهِ ياسمين. 

 

لكن الواقع صار أمامهم كلوحة لا تُمحى، 

وفجأة ارتفعت نبرة شاهيناز بصوت حاد

"ما تردي علينا، كلام جوزك صح؟"


انقضت جملة الاعتراضِ على صدر رودينا، فعلا صوتُها مخرجا تأكيدًا كما لو أنه سكين غائر في قلب ابن خالتها

"ايوه، اميرة تبقي ياسمين مراته"


التفتت صوب زوجها كمن يلقي عبئً ثقيلاً على مفاصل الليل، وقالت بما يشبه التبرير الموجع

"و بالمناسبة مراتك فاقدة ذاكرتها نتيجة حادثة، فما تستغربش من رد فعلها"


انبلجت على وجه ياسين ملامح ازدراء مبطن، رمق رودينا بأبشع النظرات

"هي وصلت بيكي الوساخة للدرجدي؟!"


وقف رحيم، وقلبه يخفق بشدة غير مصدق ما سمع، صوته انبعث مملوءًا بالألم واللوم

"يعني أنتي عارفة من وقت ما اتقابلنا هي مين، و ساكته؟!، اتاريكي أول ما عرفتك عليها مكنتيش علي بعضك و أنا فهمت رد فعلك علي محمل تاني خالص"


لم تتأخر رجاء في الاقتحام؛ نطقت بنبرة مُتحيزة، ونظرة ازدراء لم تخفِ مرها

"و من جبروتها حضرت الخطوبة، و لا تنطق بكلمة، طول عمري بقول عليكي اخبث خلق الله"


اقترب ياسين بخطوات تهديدية، وكأن الأجواء كلها قد تحولت إلى منصة محاكمة

"ده طلع الحوار بقاله فترة، و طلعتي عارفة إنها عايشة و مش بعيد أنتي السبب في إنك تقربيها من ابن خالتك عشان تخلصي منها"


صارت الأنظار كلها على رودينا؛ خلعت قناع البراءة الزائف، واظهرت وجهها الحقيقي دون رادع

"خلاص؟!، كلكم ملايكة وطلعت انا الشيطانة في الأخر؟!"


التفتت إلى رحيم، ونطقت بصوت مرتطم بكل ما في صدرها من مرارة واحتقان

"ايوه، كنت عارفة و متأكدة انها ياسمين، و قبل ما تجيبوا اللوم عليا، لوم نفسك يا دكتور، ياللي المفروض كنت اقل حاجة عملتها لما قابلتها و عرفت إنها فاقدة الذاكرة، كنت روحت بلغت البوليس وهم كانوا هايعرفوا يوصلوا لأهلها، لكن أنت ما صدقت لاقيت البديل اللي يعوضك عني بعد مارفضتك وروحت إتجوزت غيرك"


ما أن نطقت حتى علت في الجو كلمة واحدة خاطفة 

"اخرسي"


 لحظة وثقت بصفعة قوية هبطت على وجه رودينا كصدمة صارخة. 

 قبضت شاهيناز على يدها، وأردفت بأمر قاطع

"امشي قدامي"


وقف ياسين أمامهن كقاضي متهدج

"تمشي تروح فين، بنتك مش هاتتحرك في حتة، بنتك لازم تتحاسب عن كل حاجة عملتها، وحسابها علي ضربها لبنتي ده كوم"


اتسعت عينا شاهيناز وشقيقتها من وقع الكلام؛ أما ياسمين فكانت تقف كمن سحقت تحت ضربة توالت عليها، تستمع إلى ما يدار حولها، تشعر أنها داخل حلم ثقيل لا يستجيب له عقلها، وأن الحقيقة المريرة لا تخرج من أفواهِ الآخرين إلا لتنهش قلبها.


أضاف ياسين بصوت يعج مزيد من التُهم

"و حوار إنها عارفة مراتي عايشة و مخبية عليا لحد ما تجوزها لابن خالتها ده كوم تاني خالص"


ردت رودينا بجرأة سافرة

"مخبية عشان أنت أول ما هاتعرف إنها مماتتش ولسه عايشة، هاتيجي تطلقني و ترميني و لا كأن كان ليا لازمة في حياتك"


هنا بعدما تلاه المشهد كله وتبدت الحقائق، تفوهت ياسمين أخيرًا وقالت بصوت متصدع، بعينين تلمعان كأنهما على وشك الانهيار

"ليه؟، ليه عملتي فيا كده؟"


نظرت إلى رحيم ثم إلى رودينا مرة أخرى، والسؤال يترنح من بين شفتيها

"ليه بتعملوا معايا كده، أنا أذتكم في إيه؟"


أجابتها رودينا بلا مراعاة للعواقب؛ كانت الكلمات كالرصاص القاتل

"انا لو خبيت عليكي حقيقتك، هيبقي أرحم من اللي ياسين عملوا فيكي و بسببه حياتكم كانت كلها خناقات وأخر ما زهقتي طفشتي منه"


انقض ياسين بقسوة، دمائه تغلي كالمرجل في عروقه

"اخرسي، وربنا لأقتلك"


وامتلكته الرغبة في الاندفاع نحوها، كمن يطلب اجتثاث جذور فاسدة، فامسك به مصعب في اللحظة المناسبة، وأوقفه قبل أن يرتكب جريمة.

 فصرخ ياسين وهو يشتعل غضباً

"سيبني يا مصعب، أخلص عليها بنت الكلب"


 وقفت رودينا في منتصف الغرفة، عينيها تحاولان إخفاء ارتجاف لم يستطع الحقد أن يخففه عنه. 

 كلامها انبثق حادً، متقدً مثل رصاصة تقطع صدر السكون

"إيه الحقيقة وجعتك؟!، و لا خايف إنها تندم لما تعرف حقيقة جوزها؟!"


كانت تحنو نظراتها على ياسمين حين التفتت إليها؛ ياسمين تمسك برأسها كما لو أن العالم ينهار عليه، وقد خنقتها الدهشة والعار. 

 نهضت رودينا كمن يهمس بالحكم، فأكدت بما فيه من قسوة مصوغة بكلمات لا ترحم

"انتي كنتي حتة خدامة في قصر عيلة البحيري، و ما صدقتي ياسين بيه يبصلك وفضلتي تقربي منه لحد ما اغوتيه و اعتدي عليكي، و البيه قلبه حنين مهنتيش عليه، فاتجوزك شفقة و يصلح غلطته قبل ما اهلك كان يخلصوا منك و من عارك"


ما أن تردت تلك الجملة حتى انفلت ياسين من قبضة مصعب، وكأن في صدره نارً لا تُطفأ؛ فصدر صفعة لم تتوانَ عن إصابة رودينا علي خدها. 

"اه يا بنت الكلب"

ارتعدت الجموع، وتدخلت والدتها  كطير يحوم لحماية صغيره، وصرخت بلهجة  مشحونة بالألم والدفاع


"ايدك يا حيوان، ما تمدش ايدك عليها لاقطعهالك"


بينما كان الكلام يتقاذف كسهام، لم يلحظ السيد مهاب الجالس على الكرسي منذ البداية، قلبه يختنق ويضع يده عليه، عاجزًا عن النطق. 


  بينما ياسين فكان مكبوتً بغضب متفجر، ففرغ شحنتهُ دفع واعتداء؛ دفع شاهيناز علي الأرض

"اوعي من وشي يا وليه"


ثم أمسك رودينا من خصلات شعرها وهبط علي خديها بصفعة تلو الأخرى، 

تدخل رحيم الذي لوحِظ أنه ينهشه الامتعاض من أفعال ابنة خالته، خاول دفع ياسين إلي الخارج

"اطلع بره"


قوة الموقف لم تردع ياسين، فزيح قبضتي رحيم عنه، وقال بلهجة مقطوعة من الحسم

"مش خارج من هنا غير و في ايدي ياسمين، مراتي"


وانحنى صوب ياسمين التي تشتتت رؤيتها، فجذبها كأنها دمية في يده

"يلا قدامي يا هانم"


تدخل رحيم ثانية ليقف في وجهه، فتصاعد التوتر، وقبل أن تنطق تلم المسكينة، لم يجد مصعب مفر سوى التفاهم بالعقل، فوقف بينهما يختار لغة الحوار لا الاشتباك، محاولًا أن يهبط عن شفا الإنفجار


"العنف مش هيحل المواضيع، تعالو نتفاهم و اظن الأمور بقت واضحة يا دكتور رحيم و سمعت بودانك كلام بنت خالتك و كلام ياسين عن مدام ياسمين مراته"


رد رحيم بصراخ من داخل صدع الصدمة، رافضًا أن تقتلع الحقيقة مكانها في الذاكرة؛ صرخ متشبثً بما بقي لديه من يقين

"أميرة مش هاتخرج من هنا، و ما اسمهاش ياسمين، اسمها أميرة، مراتي اللي لسه كاتب كتابي عليها، مليش دعوة بكل اللي اتقال"


أمسك يد ياسمين بقوة، وخبأها خلف ظهره، ونظراته تحولت إلى تحد قد يحرق القلوب؛ قال لخصمه بلهجة تخالطها مرارة الجرح

"و أنت بقي روح اثبت إنها مراتك يا ياسين يا بحيري"


لم يتحمل ياسين ذلك الاستفزاز؛ ارتفعت نبرته حتى هزت جدران البيت

"بتقول إيه يا دكتور البهايم، ده أنا أخلص عليك و علي اللي يتشددلك، وهاخدها غصب عنك و عن أي حد"


في تلك اللحظة، لمح سلاح مصعب المكدود على خصره، فانتهز الفرصة، هب إليه وشدهُ باندفاع، ثم دوى صوت طلقة في الهواء . 

 لم يكتف بذلك؛ بل أسقط فوهة السلاح على رأس رحيم قائلاً بتهديد يتخطى الحدود


"حافظ الشهادة و لا اسمعهالك"


 صاحت رجاء بصوت ممزوج بالدموع والذهول

"ابناااي!"


تفاقمت الصدمة، وصرخ مصعب وهو يحاول نزعه السلاح من يد ياسين


"نزل السلاح يا ياسين"


لكن الأخر وقد رُسخت في قلبه فكرة واحدة لا غير، و عقد النية بعزم

"قسماً بالله مش هامشي من هنا، و هاخد مراتي يعني هاخدها"


المنزل يضج بأنفاس متقطعة كأن الجدران تختنق من فرط التوتر، والهواء يئن بما يحمل من رائحة البارود وخوف مسموم. 

 وقف رحيم في مواجهة ياسين، يده تمسك معصمه بقبضة فولاذية، ونبرته تتفجر بعناد كالليث الجامح، متحدياً بلا وجل

"و حلفان علي حلفانك اللي بتقوله مش هايحصل، و أعلي ما في خيلك اركبه"


ثم غمز بعينه غمزة ساخرة، فاشتعل وجه ياسين غيظاً، واشتعلت عيناه كجمر يُذرى عليه وقود.

  صاح بصرخة تهتز لها الأبدان، وإصبعه يقترب من الزناد اقتراب الهاوية

"يبقي قول علي نفسك يا رحمن يا رحيم!"


ارتجت القلوب مع هدير صوته، وانفجرت صيحات الجميع، تندفع بين الخوف والرجاء. 

 وفجأة اندفعت ياسمين، بما تبقى لها من قوة مهترئة، كغريق يشق طريقه بين الموج، قبضت على يد ياسين التي تشد السلاح، ووجهته نحو جبهتها بجرأة يائسة، تقول بثبات هش وصوت تتكسر فيه النبرة

"يبقي خلص عليا الأول"


صرخ رحيم كالمطعون في قلبه، عاصفً بصوت مشوب بالذهول

"أميرة ابعدي"


لكن الذي وقف أمامها لم يُصدق عينيه؛ اتسعت حدقتاه بصدمة أخرى لا تقل عن نار الموقف، هل حقاً أحبت غريمه؟! أهو حب خفي أم تضحية تجرح كبرياءه؟!


ثم باغته صوتها المنخفض، يقطر كالسكين في قلبه، كأنه نذير لا يُرد

"اضرب… ما تضرب"


تراجع الزمن لحظة، قبل أن ينقض عليه بالكارثة؛ شعرت ياسمين بسائل دافئ ينحدر من أنفها، لم يلحظه غير ياسين.


 عيناه حدقتا أنفها بخوف مفاجئ وقلق غامض، يداها المرتجفتان التقطتا الدليل، فإذا بأناملها  تضعها وتلمس السائل فوجدتها ملوثة بالدماء.  

 نظرت إليه للحظة خاطفة، ثم داهمها غشاوة كثيفة، وباغتتها العتمة، فسقطت أرضاً فاقدة وعيها، كزهرة اقتلعت من جذورها.


وفي اللحظة ذاتها، دوى صراخ ياسين وهو يناديها باسم اختلط بالذعر

"ياااسمين"


وتلاحقت الصرخات، فإذا بشاهيناز تشق الصمت المذعور وهي تصرخ اسمًا آخر، كأنه سهم في صدرها

"مهااااب!"


وتزامنت معها صرخة ابنتها المرتعشة، وقد انكسرت روحها في نداء مفجوع

"بابااا!"

                        ❈-❈-❈


في قصر البحيري، جلست العائلة متحلقة في مجلس متخم بالترقب؛ كان الصمت أثقل من الرصاص، يتخلله خفقانُ القلوب القلقة. 

 جلست جيهان على مقعدها، يكسو وجهها شحوب متعب، كأن الروح تغادر مرافئها ببطء، وفجأة انتفضت من مكانها، لا يقيدها إلا الذعر

"أنا لازم أروح لابني، أنا عارفاه متهور و مجنون، و ممكن يعمل في مراته حاجة يودي نفسهم في داهية"


تقدمت ملك بخطوات حثيثة، وقفت أمام والدتها محاولة تهدئتها، عينيها تعكسان رجاء واهن

"اهدي يا ماما، مصعب زمانه معاه و مش هايسيبه، و إن شاء الله خير"


وقف عابد بجوار جيهان، كجبل يحاول أن يصد زوابع الفزع، وربت على كتفها بلمسة تحمل طمأنينة 

"ملك معاها حق، و كلها مسألة وقت و هانعرف كل حاجة… أو نتصل على مصعب و نعرف عملوا إيه"


كان قصي يجلس متوجساً، قبضته مشدودة حول هاتفه، رفع عينيه إلى البقية، وصوته يغلفه الإصرار

"أنا هاتصل عليه"


ضغط الأزرار، وجاء الصمت ينهش الدقائق، لم يُجب مصعب.

  همّ أن يعاود الاتصال، فإذا بالهاتف يهتز بين يديه، تنهمر فيه رسائل عديدة من حسابات متفرقة، كلها تسأله في لهجة مريبة، مشفوعة بروابط لمقاطع و فيديوهات

«مش دول ياسين أخوك و مصعب جوز أختك؟»


ارتجف قلبه كطبلة حرب، لمست أصابعه الرابط وقد توزعت أنفاسه بين الخوف والفضول؛ هيهات… وانفتح المقطع أمامه.


 خفض الصوت سريعاً خشية أن تنفجر الكارثة في مسامع الجميع. 

 تسارعت عيناه تتفحصان المشهد، كان الحفل ماثلاً ببهائه البائس، ووسط الأضواء المتكسرة تشابك ياسين ورحيم بالأيدي، ضربات تتطاير كأنها سهام ثأرية، وحولهما وقفت رودينا وعائلتها في فوضى عارمة. 


والعنوان المثبت أعلى المقطع يخفق له الفؤاد من الصدمة

«شاهد قبل الحذف… ابن عائلة البحيري يحضر حفل زفاف ويشهد على عقد القران ليكتشف أن العروس زوجته!»


ارتعشت يداه، أغلق المقطع بسرعة كمن يغلق باب الجحيم قبل أن تنفلت منه ألسنة النار. 

  كتم السر المعلن في صدره، وابتلع غصة جارحة، ولم ينبس بحرف واحد. و

 قرر أن ينتظر ليفهم الحقيقة من مصعب قبل أن تنكشف الفضيحة ويهوي سقف القصر على رؤوسهم جميعاً.


#يتبع


#الفصل_الرابع_والعشرون_الجزء_الثاني

#غرام_الذئاب

#الجزء_الرابع_من_سلسلة_صراع_الذئاب

#ولاء_رفعت_علي


يقف مصعب إلى جوار ياسين في الرواق العلوي من منزل عائلة رحيم، متوترين كأنما يتأهبان لزلزال لم يقع بعد. 

 السكون مشوب بأنفاس متقطعة، والباب المغلق أمامهما تحرسه سواعد رجال شداد، لا تسمح نظراتهم بأي مرور.


في الداخل، كان المشهد يشي بجلال غريب يجمع بين المأساة والرهافة؛ أرض الغرفة مغطاة ببتلات ورد بيضاء وحمراء متناثرة كأشلاء قصيدة لم تكتمل، وعلى الطاولات شموع صغيرة تتقد في ترتيب محسوب كأنها نقاط نور في عتمة اليأس.


 وعلى الفراش الوثير، تمددت ياسمين شبه غائبة عن الوعي، محياها يطفو بين الحياة والعدم. 

 جلس رحيم عند رأسها، يعلق لها محلول مغذي، يقيس نبض معصمها بأصابعه الدقيقة، ويقارب بين نظراته ووجه ساعته في ترقب طبيب وحبيب.


بينما والدته، فقد اتخذت الجانب الآخر مقعداً لها، تردد بمرارة دعاء أشبه بالعتاب

"كان مستخبيلنا فين كل ده يا ربي؟، ابني اتجوز واحدة على ذمة راجل تاني، ولا جوز أختي اللي ما استحملش عمايل بنته وجاتله أزمة قلبية والإسعاف جت خدته... ناقص مصيبة إيه تاني تحصل؟!" 


ارتجفت نبرتها، فانتبه ابنها الجالس جوار ياسمين، يزيح برفق خصلاتها المبعثرة عن وجهها الشاحب، ويمسك يدها كأنما يتمسك بالحياة ذاتها. 


عيناه تحبس دموعاً عصية، صوته يخرج خافت مرتجف

"متخافيش أنا جمبك، أنا مش هاسيبك للمجنون ده أبداً، يلا فوقي واصحي شوفي احنا في أوضتنا اللي كنت محضرهالك وعملهالك مفاجأة"


شهقت والدته فجأة، ولطمت صدرها بقوة يائسة

"إنت اتجننت؟!، مش هاتسيب مين؟، دي متجوزة! فاهم يعني إيه على ذمة راجل؟! وكمان عندهم بنت صغيرة"


زمجر رحيم من بين أسنانه، صوته حاد كالنصل

«كفاية بقى... مش عايز أسمع حاجة تاني، قولتلك مش هاسيبها... وهاخدها ونسافر أنا وهي»


ارتفع صوت الأم بنحيب أشبه باستغاثة

«ألحقوني يا ناس!، ابني اتجنن وفيوزات مخه ضربت خلاص، منك لله يا رودينا الكلب... اللهي ياخدك لهو خفي زي ما ضيعتيلي ابني»


                    ❈-❈-❈


بينما في الخارج... فقد هاج ياسين على الحراس بعنف، عروقه نافرة وصوته كالرعد

«اوعوا من وشي يا حيوان أنت وهو»


لكن أحد الحراس أجابه بلطف مصطنع

«ممنوع يا باشا... دي أوامر دكتور رحيم»


فصرخ ياسين مزمجراً

«افتح الباب يا رحيم، بدل ما أكسره فوق دماغك ودماغ الخرفان اللي موقفهملي على الباب»


لم يُعره رحيم أي اهتمام، بل ظل ساكناً في الداخل كمن أغلق قلبه مع الباب.  


ولدي مصعب، كان الهاتف يرن للمرة الرابعة وربما أكثر، لكنه خشي أن ينشغل فيغفل عن ياسين الذي يكاد يرتكب جريمة بحق أحد الحراس. 

 ومع تكرار الرنين، اضطر أخيراً أن يجيب.


«ألو... يا قصي»


جاءه صوت قصي متوتراً

«إنتوا فين؟»


«إحنا في بيت خالة رودينا... والحوار كبير، وأخوك مش راضي يمشي»


قال قصي في حيرة

«أنا جايلي كمية رسايل وفيديوهات على الفيس باللي حصل معاكم هناك، أنا مفهمتش حاجة... إيه اللي حصل؟!»


رد مصعب باقتضاب كأنما يقتطع الجواب من قلب النار

«الحكاية طويلة... بس ملخصها إن ياسمين طلعت عايشة... وفاقدة الذاكرة»


ساد الصمت لوهلة، قصي يحاول أن يستوعب الصاعقة ويربط ما يسمعه بما يقرأه في عناوين الفيديوهات المتداولة.

 عقد حاجبيه، قبل أن يقطعه صوت مصعب مسرعاً

«معلش مضطر أقفل... أخوك مش هيجيبها لبر... لما نرجع نبقى نحكيلكم كل حاجة سلام»


أنهى المكالمة، وبقي قصي محاط بأعين ترقبه، تنتظر منه الخبر. 

سألته صبا بلهفة

«قالك إيه يا قصي؟»


لم يسعفه الوقت للإجابة، فإذا بهواتفهم جميعاً تصدح بتنبيهات متلاحقة، رسائل واردة على تطبيقات الدردشة. 

 فتحوا الروابط في عجلة، وبمجرد أن انكشفت أمامهم الصور والفيديوهات، اعتلت الدهشة وجوههم كمن صُفع بيد الحقيقة.


قالت جيهان بنفاد صبر

«في إيه؟!، ما تفهموني إيه اللي بيحصل»


نظرت ملك لوالدتها بذهول، وصوتها يرتجف

«ياسمين... طلعت عايشة وفرحها كان النهاردة»


                        ❈-❈-❈


في بهو منزل عائلة رحيم، جلست رودينا منحنية على مقعدٍك بجانب المدخل، عيناها تبلغان نصف انطفاءٍك، وذاكرتها تتلو ما حدث منذ لحظات كشرائط متقطعة تُعيد نفسها. 

سيارة الإسعاف التي أتت لتقل والدها إلى المستشفى، صعود والدتها مع زوجها، وبصيص من الأمل أن تصعد هي معهم. لكن نظرة واحدة من أمها أوقفتها في محلها.


نظرت والدتها  إليها بازدراء؛ عيناها نار وصوتها قسوة متجمدة

"رايحة فين؟!، مش مكفيكي اللي عملتيه فينا؟!"


أجابتها ابنتها بصوت أثقله الوجع

"أنا كنت بدافع عن بيتي وحياتي"


فتحت أمها فكها كالسيف، وألقت عليها كلمات كالحجارة

"تقومي تدمري حياة اللي حواليكي؟!، وباباكي اللي وقع من طوله ولو حصله حاجة هتبقي إنتي السبب، عمري ما هاسامحك أبدًا، وهافضل غضبانة عليكي ليوم الدين"


وقفت الأخرى مصدومة من قسوة الكلام، ترى رجل المسعف يغلق باب العربة، وتنطلق السيارة.

عودة إلى الوقت الحالي...


 توقفت عن البكاء، وارتسمت في عينيها نظرة سوداء قاتمة، صاعدة مع صعود الدرج، غاضبة معتقل في صدرها قوة على وشك الانفجار.


حين رأى ياسين رودينا متجهة نحوه، تراجع عن مهاجمته للحراس، والتفت إليها. 

توقفت على بُعد مسافة منهما؛ كانت شجاعتها تُغلي من الداخل، لكن مشهده وحده وكأن النيران تندلع من عينيه، فارتعشت وصاحت بلهجة تهديد متقدة

"بابا لو جراله حاجة مش هاسيبك، وهادفعك التمن غالي يا ياسين"


رد عليها بشماتة قاسية

"وليكي عين تتكلمي!؟، لاء وجاية تهدديني؟!، ده انتي عديتي ليڤل الوساخة بمراحل"


قاطعته بنفس مقبوض

"احترم لسانك أحسنلك"


فزادها استهزاء غاشم

"اشجيني من بجاحتك كمان وكمان... أنا نفسي أعرف حاجة بس، أنا عملتلك إيه عشان تعملي فيا كدة؟!، ليه لما شوفتي ياسمين ماجتيش تقوليلي؟"


اجابت عليه بصراحة مرة، وكأنها تريد أن تطيح به بكلمة واحدة

"مكنتش هقولك، يا كنت هتطلقني أو هتركني على الرف ويخلى لكم الجو بينك وبين الهانم... وبعدين أنا مأذيتهاش... دي كانت هتبقى زوجة لواحد أحسن منك مليون مرة... طلع راجل وجدع معاها مش زيك لا مؤاخذة"


تعمدت إهانته تبتغي الانتقام؛ ولم تُدرك أنها تُسكب وقودًا على نار لا تُطفأ بسهولة. فقد جُن ياسين، قفز كمن يستيقظ من سبات مظلم، وجذبها بعنف؛ تلتها صفعات متتالية على وجهها.


صاحت تسطرد كلماتها السابقة بين يديه باكية ومستهجنة

"ما أنت ما بتتشطرش غير على الستات"


هتف بصوت هادر

"اخرسي يا وسخة، أنا مش هاعتقك النهاردة، ومش عايزك تنسي خالص اللحظة دي؛ القلم ده اللي رزعتيه لبنتي وتخويفك ليها، عشان تبقي تعرفي تكرهيها فيا كويس"


كانت الصرخات مدوية، ومصعب يحاول التدخل، يفرق بينهما ويكبح ذاك الوحش، لكن ياسين كان كالسيل الجارف؛ كفيه لم يبرحا خدي رودينا من الضرب. 

 

 التقط أنفاسه ثم أطلق عليها وابلًا من الكلام كالرصاص

"إنتي أقذر بني آدم شُفتها في حياتي، خايفة أطلقك؟!... للدرجادي، الغل والحقد مالي قلبك!"


دنا منها، أمسك خصلاتها ليجبرها على رفع وجهها والنظر إليه، صوته قاس كحد سيف

"ده أنا بندم على كل لحظة عملتك فيها بما يرضي الله... وكنت أقول يا واد حرام عليك ما تظلمهاش؛ طلعتي شيطانة... وطول الفترة اللي فاتت منيماني في العسل، أنا هخلي حياتك جحيم" 


ترك خصلاتها، فتعثرت وهي تحاول النهوض بوهن، تحلت بشجاعة واهية، وقالت في تحد

"إنت واحد مجنون ومعقد نفسيًا، وحلال اللي بيحصل فيك... ولو رجع بيا الزمن هكرر اللي عملته فيك مرة واتنين ومليون مرة... وابقي قابلني لو مراتك وافقت ترجعلك بعد ما عرفت اللي عملته فيها زمان"


اقترب نحوها فحاولت أن تتراجع، وحاول مصعب منعه أن يقترب أكثر، ولم ينجح في ذلك، وأخذ يصفعها

"انتي طالق يا زبالة، انتي طالق... طالق...  طالق" 

و مع كل طلقة يصفعها و تتراجع إلي الخلف غير مدركة للدرج، تعثرت وأطلقت صرخة عندما وقعت وجسدها يتدحرج على الدرجات.


خرج على إثرها كل من رجاء، ورافقها رحيم، وخلفهما الحارسان، وأوقفا خطواتهما على عتبة الدرج ليروا ما حل. 

أمام الدرج أسفل، كان جسد رودينا ساكنًا، ملقىً دون حراك.

  ارتعشت الألسنة، وتعالت الأصوات

"أنت اللي عملت فيها كده؟" 

صاحت رجاء في ياسين المتجمد، الذي وقف ينظر بصدمة لا تُصدق ما يراه أسفل قدميه.


هبط رحيم علي الدرج ليحملها على ذراعيه، صرخ في العاملين  

"حد يجي يفتحلي العربية بسرعة"


ظنت والدته أنها ستذهب معه  

 "استني يا بني، أنا جاية معاك"


أوقفها ابنها بنبرة صارمة حازمة

 "خليكي يا ماما، اطلعي اقعدي مع أميرة، خدي بالك منها لحد ما أرجع"


أعلي الدرج، وعلى بُعد غير بعيد، ظل ياسين يكرر كمن يحاول إقناع نفسه بواقعه

"معملتش حاجة... مقتلتهاش، مقتلتهاش"


هزه مصعب بقوة ليرده إلى المنطق، وقال له بسلاسة عملية

 "فوق من اللي انت فيه، يلا نمشي من هنا ونبدأ نتصرف في الكوارث اللي حصلت.... أحسن ما تلاقي البوليس طب علينا"


كأن الكلام قد أفاقه عن غيبوبته، لحظات عاد فيها إدراكه، ونظر إلى رحيل رحيم بامتزاج من الحيرة والغضب. 

 حدق مصعب فيه بنظرة تحمل قراراً اتخذه، وعيناه تلمعان بعزم لا يخبو.

 

 التفت خلفه ليرى أمام الغرفة فراغًا؛ لم يجد أحدًا، تسلل إلى الداخل. 

 ومع أول خطوة له عبر العتبة، لمح الزينة والشموع، والورود متناثرة ، فطن فورًا أنه أمام غرفة العروسين.


جز على أسنانه محاولًا كبح غضبه، حتى وصل إلى جوار السرير وأخذ يحدق في ملامحها. 

فُتحت عيناها فوجدته أمامها، فانتفضت جالسة

"أنت دخلت هنا إزاي؟"


أجابها بصوت يفوح بدلالة طائشة

"دخلت عشان آخدك يا حبيبتي ونروح القصر"


استقامت على مهل، جذبت أنبوب المحلول من يدها، وتركت الفراش قائلة بتهديد 

"لو قربت مني هصوت، ورحيم هييجي يشوف شغله معاك"


ابتسم بسخرية قاسية، ونادى بصوت جهوري مدوّي

 "يا رحيم! يا رحيم!"


ثم التفت إليها بتهكم أدهى وقال

"تحبي أناديلك عليه تاني؟!"


ابتلعت ريقها، فنادت بذعر

"يا رحيم! رحيم... ألحقني يا رحيم!"


ضحك الآخر قهقهة قصيرة

"مش هيسمعك... راح ينقذ بنت خالته بعد ما وقعت على السلم"


شهقت رودينا ببراءة مختلطة بخوف

"أنت... أنت وقعتها؟"


لعب لعبة الخداع، فقام بكذبة باردة هدفها إرهابها وإخضاعها لأوامره

"أه وقعتها... يلا بالذوق معايا بدل ما أخليكي تحصليها"


هزت رأسها بصلابة رافضة

"مش جاية، ولو قربت مني هارمي نفسي من البلكونة"


مدت يدها لتلتقط هاتفها من على وحدة الأدراج قبل أن يلاحظ، وركضت بخطوات متعثرة نحو باب الشرفة. 

 

وقبل أن تلمس يدها المقبض، حملها على كتفه بعنف، اخفت الهاتف فورًا دون أن يراها، صرخت بألم ورعب

"ألحقوناااي... نزلني يا مجنون"


رد عليها ساخرًا وهو يغادر الغرفة

"إنتِ لسه شوفيتي حاجة... لما نروح ويتقفل علينا الباب هوريكي المجنون ده هيعمل فيك إيه... يا عروسة!"


تبعه مصعب من خلفه بنبرة انتقادية مرهقة

"المفروض كنا مشينها قانوني أحسن يا ياسين"


 "بلا قانون، بلا زفت... أنا هوديهم في داهية كلهم، وخلي دكتور الحمير يفكر يقرب منها حتى"


وفي طريقه لمغادرة المنزل، اعترضته رجاء بعينين متقدتين 

 "انت واخدها على فين؟، نزلها!"


توقف عن خطوته، ورمقها بنظرة نارية

 "اخرسي يا وليه، بدل ما أخليكي تحصلي بنت أختِك"


كاد حراس الأمن أن يقتربوا ليمنعوا تصاعد الموقف، لكن رجاء صاحت في وجههم 

"محدش يقرب منه، سيبوهم يمشوا"


                        ❈-❈-❈


كان مصعب يقبض على عجلة القيادة بيد ثابتة، والليل ينساب على الطريق كسيل أسود يتلألأ بأنوار متقطعة، فيما ينعكس ضوء المصابيح على الزجاج الأمامي كأنها خيوط برق عابرة.

  عيناه بين المرآة الداخلية والطريق الممتد، يتفحص المقاعد الخلفية، حيث يجلس ياسين وبجواره ياسمين، تلك التي انكمشت في مكانها قسراً، غير أن روحها لم ترضخ، إذ كانت تنتفض وتصرخ، متشبثة بمقبض الباب تحاول فتحه في يأس.


قال ياسين، ونبرات السخرية تتسلل من حنجرته

"متحاوليش... الباب مش هيفتح معاكي، ولا حتى الشباك، كله مقفول"


رمقته بنظرة حادة كالسهام المشتعلة، وصاحت بحنق

"أنت فاكر كده صح؟!، رحيم زمانه عارف إنك خطفتني... وهايجي ياخدني"


ارتسمت على وجه ياسين ابتسامة تحمل خليط من الغيظ والتهكم، كلما مر أمامه طيف رحيم اشتعل في صدره نزاع الغيرة والرغبة في الفتك، فأجابها ساخراً

"يا أهلاً وسهلاً بيه... بس يا ترى عارف العنوان؟، ولا أبعتله اللوكيشن في مسدچ؟"


قضمت أسنانها بعنف، وغلي الدم في عروقها حتى احمرت وجنتاها، وقالت باحتقار

"إنت مش طبيعي... إنت مجنون"


أطلق ضحكة وبدت أسنانه اللامعة كوحش يكشر عن أنيابه، قائلاً في خبث

"مقولتيش جديد يا روحي"


مد يده نحو وجهها، فانتفضت ممسكة معصمه بصرامة وهي تصرخ

"ابعد إيدك عني"


لكنها لم تلبث أن لمحت الطريق من خلال الزجاج، حيث المارة يعبرون بلا مبالاة، فانفجرت بالاستغاثة، تضرب على النافذة وتصرخ

"الحقوني، أنا مخطوفة... حد يلحقني"


ضحك ياسين واخبرها بثقة

"محدش شايفك ولا سامعك... الإزاز فاميه وعازل للصوت"


في تلك اللحظة، دوّى رنين هاتف مصعب، فابتسم ساخراً مما يراه ويشهد. 

 نظر إلى الشاشة، فإذا بالاسم يسطع أمامه مدام جيهان.


قال ياسين على الفور

"رد عليها... وقولها إننا جايين في الطريق"


التفت مصعب بعينه في المرآة نحو ياسمين التي لا تزال تصرخ وتستغيث، فأشار ياسين برأسه أن يمضي ويترك الأمر له، ثم زمجر في وجه ياسمين قائلاً بحدة

"اسكتي بقى! ما تعبتيش؟!"


رفعت رأسها متحدية، وردت بانفعال

ـ "لأ... مش هاسكت!، رحيم هايجي يوديك في داهية!"


هنا انقض عليها بيده، كمم فاها بعنف، واقترب حتى كاد صوته يخترق أذنها بهمسه

"لسانك لو نطق اسمه تاني... مش هاقولك أنا ممكن أعمل فيكي إيه... اتقي شري أحسنلك"


أنهى مصعب المكالمة وعاد صوته هادئاً

 "تقريباً العيلة عرفت من السوشيال ميديا... الدنيا مقلوبة هناك"


أجاب ياسين وهو لا يزال قابضاً على فمها، بينما هي تتلوى جواره وتطلق همهمات مكتومة

 "طز في أي حاجة... المهم رجعتلي ياسمينتي... حبيبتـ... آآآآخ


صرخة مباغتة أفلتت منه بعدما غرست أسنانها في يده كأنها ذئبة صغيرة، فنفض يده متألماً وصاح

"يا بنت العضاضة!، بقت كده؟! طيب..."


اندفع نحوها، فحاولت الرد بحزم

"إياك تقرب مني تانـ..."


لكنها لم تكمل الكلمة، إذ ابتلع صوتها حينما أسكتها بقبلة جموح، قوية باغتتها كالصاعقة، فارتج جسدها وتسمرت عينها من هول الصدمة، بينما مصعب اكتفى بالنظر إلى الطريق، وقد أطبق عليه صمت ضاحك يخفي وراءه الكثير.


دفعت ياسمين صدره بكل ما تملك من قوة، واستعادت أنفاسها المضطربة، فألقى ياسين إليها بنظرات مزيج من التحدي والافتتان

 "ابقي صوتي... أو قوليلي ما تقربش مني تاني... كرريهم... وأنا هافهم إنك عايزه"


ثم مال بجسده قليلاً، وأرسل إليها قبلة في الهواء متعمداً إصدار صوت القُبلة من بين شفتيه، كأنه يجلجل في أذنها بالتهديد واللعب معاً.


                        ❈-❈-❈


وقف رحيم في بهو المستشفى، والقلق يلتف حول عنقه كحبل مشدود، يراقب الممرضة وهي تدخل وتخرج كأنها ظل متسارع، حتى انفرج الباب أخيراً وظهر الطبيب المسؤول عن حالة ابنة خالته. كان وجهه ملبداً بتجاعيد التعب، ونظراته تفيض بما يثقل الروح.


تقدم رحيم خطوة، وصوته يكاد يتلعثم

"خير يا دكتور؟"


أجاب الطبيب ونبرته جادة كمبضع الجراحة

"حضرتك دكتور وعارف... مخبيش عليك، حالتها كانت حرجة جدًا... بعد ما عملنا ليها فحص شامل، لاقينا رضوض في الضلوع، وكدمات متفرقة في الكتفين والوجه... للأسف حصلها نزيف... وكان لازم نختار يا إما حياتها، يا إما حياة الجنين"


توقف الطبيب لحظة ثم أضاف بصوت خافت كأنه اعتراف مؤلم

"اضطرينا نضحي بالجنين... عشان ننقذ الأم"


اتسعت عينا رحيم فجأة، كمن أصابته صاعقة، وتوقف قلبه لوهلة وهو يعي أنها كانت حاملاً. 

 

امتدت يده المرتجفة نحو هاتفه، حاول الاتصال بخالته ليبلغها بما جرى، لكن الخط ظل يرن دون إجابة. 

  أرسل لها رسالة صوتية قصيرة، أخبرها فيها عما حدث لابنتها وعن اسم المستشفى، ثم ألقى الهاتف في جيبه بأنفاس متلاحقة.


لم تمض ثوانٍ حتى اهتز الهاتف من جديد، وهذه المرة ظهر على الشاشة اسم أحد حراس أمن منزله. 

ضغط زر الإجابة بسرعة، فجاءه الصوت متلهف مضطرب

"ألحق يا دكتور رحيم... ياسين البحيري خطف مدام أميرة ومشي"


ارتفع صوته كبركان يتفجر

 "وإنتم كنتوا فين؟!"


تردد صوت الحارس بتوتر

"كنا هانمنعه... بس رجاء هانم قالتلنا سيبوه"


أطبق رحيم على الهاتف بقوة، حتى كاد يحطمه من شدة الغيظ، ثم أنهى المكالمة بوجه متجهم وعروق نابضة، وأطلق عبارته التي تشي بغيوم العاصفة

"أنت اللي جبته لنفسك يا ياسين يا بحيري"


                         ❈-❈-❈


اقتربت السيارة شيئاً فشيئاً من أسوار القصر المهيب، عند تلك اللحظة، أدار ياسين رأسه نحو صهره قائلاً بنبرة آمرة

"اركن يا مصعب على جنب"


رفع مصعب حاجبيه متسائلاً

"فيه حاجة ولا إيه؟"


هز ياسين رأسه في هدوء مقصود، وأجابه

"معلش... عن إذنك ثواني"


أومأ مصعب برضا وهو يقول

"تمام"


فتح الباب ونزل، ثم أغلقه خلفه.


 عندها ارتجف قلب ياسمين، التي لم يفوتها أن تلتقط بعينيها المشهد؛ نظرت بطرف عينيها فإذا بياسين يفك أزرار قميصه واحداً تلو الآخر. 

 شهقت بفزع، وتقهقرت إلى الخلف حتى التصق جسدها بباب السيارة، وصاحت

"إنت... إنت هتعمل إيه؟!"


ابتسم ساخراً وهو يواصل حركته

"إنتي شايفة إيه بعينيكي؟"


وما هي إلا لحظات حتى انكشف صدره، فتعالت صرختها في وجهه

"إنت مش بس مجنون... إنت كمان مغتصب ومتحرش، وكلام رودينا طلع صح، أنا دلوقتي فهمت ليه طفشت منك"


كلماتها كانت كالسياط، تشق قلبه المشتعل وتترك فيه ندوباً غائرة، لكنه تمسك بصبر يبرر قسوة عباراتها بحالتها الممزقة. 

 

مد يده إليها فجذب ذراعها، ووضعها قسراً في كم قميصه وهو يقول بحنق مكظوم

"أنا بخلع القميص عشان تستري بيه نفسك يا هانم... بدل ما رقبتك وكتافك باينين، وأكمام الفستان الشفافة مبينة دراعاتك... الظاهر فقدتي الذاكرة... ومعاها حاجات تانية كمان"


حدقت فيه بدهشة، ثم اندفعت تصيح بعفوية دفاعية وهو يُلبسها قميصه

"على فكرة أنا محجبة... ولبسي محترم"


ابتسم رغم ثقل اللحظة، وبدت على محياه لمحة إعجاب ببراءتها، ثم أخذ يُعدل وضع المشبك الذي يعلق وشاحها في خصلات شعرها، فشهقت من ألم مفاجئ. 

 تأوهت وقالت بسخط

"اي، إيه الغباء ده؟"


ثم رفع رأسه وهو يرمقها بصرامة

 "أنا غبي آه... بس عندي نخوة... ما أقبلش حد يشوف شعر مراتي ولا حتة من جسمها... ويوم ما خرجتي من عندي... كنتي منتقبة"


أطلقت ضحكة مريرة وهي تحدق فيه بازدراء

 "آه طبعاً... ونخوتك وغيرتك دي شغالة عليّ أنا بس؟! وبالنسبة لست رودينا... فاصلة معاها؟!"


لم يجبها، بل طوى الوشاح على هيئة مثلث وأحاط به وجهها، فأخفى شعرها ورقبتها، ثم ربط أطرافه بعقدة محكمة أسفل ذقنها. 

  وبعد أن فرغ، أسند نظره إلى عينيها، فارتجفت، إذ كان بصره يلمع بشيء يزلزلها من الداخل.  

 قال بصوت خفيض يقطر صدقاً

"اسألي قلبك وهو هيجاوبك على كل حاجة... عقلك يمكن ناسي... بس قلبك عمره ما هينسى"


غاصت في كلماته، وبقيت تحدّق في عينيه، فوجدت فيهما وهج عاشق يذوب فيها حتى الثمالة.


نهض ياسين فجأة، وضغط على زمور السيارة، فانتفض مصعب ودخل سريعاً، أدار المحرك وأكمل المسير نحو الداخل.


 دقائق معدودة، ودلفت السيارة من البوابة الحديدية حتى استقرت في باحة القصر، حيث كان أفراد العائلة مجتمعين في الحديقة، يرتقبون المشهد بلهفة ووجل، كأنهم بانتظار معجزة.


"افتح القفل يا مصعب"

ضغط مصعب على زر القفل، فانفتح الباب، انحنى ياسين، وأطل عليها قائلاً بابتسامة 

"حمد الله على السلامة... نورتي قصر العيلة"


نظرت ياسمين من خلال زجاج السيارة، فرأت الحديقة الواسعة والقصر الشامخ، فارتجف قلبها، وغمرها شعور بالرهبة والفزع.  

 التفتت نحوه بعينين واجمتين

 "أنا عايزة أمشي من هنا"


ابتسم ببرود، ورد

"هتمشي تروحي فين؟!، هنا مكانك... مع جوزك وأهلك وبنتك... يلا انزلي"


تعالى صوتها المذعور

"بقولك مشيني من هنا، مش نازلة... ولا رايحة معاك في حتة"


تحطم قلبه أمام صراخها، لكنه لم يجد سبيلاً لاحتوائها سوى بقبضة أشد، فهتف بنبرة ضيقة

 "شكلك هتتعبيني معايا كتير"


ثم جذبها بين ذراعيه وحملها على كتفه رغم صرخاتها المتصاعدة

"نزلني، بقولك نزلني"


تقدم بها نحو الداخل، وأعين العائلة تلاحقه بدهشة، والذهول يسري في وجوههم. 

  تمتمت شيماء بذهول وهي تحدّق في ياسمين

"هي بعينها المرحومة، طب إزاي؟! أومال تبقى مين اللي اندفنت وياسين قعد سنتين حزنان عليها؟!"


رمقها طه بامتعاض، فأجابته بنظرة مستعلية مشوبة بالازدراء.


واصل ياسين طريقه إلى الدرج، وهناك فوجئ بمديرة الخدم وقد وقفت مشدوهة، ترمق ياسمين التي تتخبط وتصرخ فوق كتفه، تضربه بيديها الضعيفتين على ظهره العاري. أدار وجهه نحوها وأمرها بحدة

"قولي لخديجة... عايز طقم وحجاب بسرعة"


أومأت سميرة مطيعة

"حاضر"


ثم هرولت في الحال، بينما هو يواصل الصعود بخطوات ثابتة، وياسمين لا تزال تولول وتصرخ

"نزلني! بقولك نزلني!"


وكل ضربة من يديها فوق ظهره، لم تزده إلا عناد وإصرار. 


                        ❈-❈-❈


وصل أمام غرفته، فمد يده إلى الباب، وأدار المفتاح في قفله، فأنفتح على مهل ثم ولج بخطوات مشوبة بالحدة، ودفع الباب خلفه حتى ارتد وأوصده بالمفتاح.


وقفت أمامه شامخة الرأس، وإن تزينت بثوب التحدي، تُخفي خوفها في ثنايا جرأتها، غير عابئة بوعيده السابق.

"لعلمك بقي، رحيم مش هايسكت، وزمانه جاي ياخدني"


اقترب منها، تتأجج عيناه كجمر متقد، وقبض على تلابيب قميصه الذي ترتديه، يهزها بعنف يقطر غضب

 "رحيم واللي جابوا رحيم، لو راجل بجد ييجي قدامي ويوريني نفسه... وأنتِ يا بت.. ما قولتلك لسانك ما ينطقش اسمه تاني؟.. قولت ولا ما قولتش؟!"


ارتجفت وهزت رأسها برهبة، ورفعت كفها في وضع دفاعي يائس، تخشى بطشه وضرب يده.  

 فعض على شفته السفلى، يطوي قبضتيه بجواره، ثم أردف مهدداً

"هعدّي لك المرة الأولى والتانية… التالتة هرميكي من الشباك، وأرمي نفسي وراكي"


رمقته مذعورة، كأنها ترى أمامها مختلاً، فزاد هو في تخويفها، ليقطع عليها تكرار اسم غريمه

 "أيوه… أنا مجنون وعلى الله حكايتي... فخلي ليلتك تعدي على خير… آمين؟"


صاح بتهكم

 "مش سامع صوتك الحلو اللي كان من شوية ملعلع"


هزت رأسها مذعورة، وهمست مرتجفة

"آمين… آمين"


وإذا بطرقات على الباب تقطع لحظة التوتر، فتركها وفتح، فوجد سميرة  تعطيه ثياباً مرتبة.


"اتفضل… محتاجين أي مساعدة؟"


 "شكراً… عن إذنك"


وأغلق الباب ثانية بالمفتاح، ثم التفت إلى زوجته، فإذا هي ما زالت ترمقه بعين يختلط فيها الخوف بالحذر.


أمرها بصرامة

"اقلعي"


شهقت مذعورة، وصاحت مترددة

"إنت قليل الأدب"


انتفخت أوادجه، وزفر بنفاد صبر، واقترب خطوة

"اقلعي الفستان وهاتيه… وإلبسي الهدوم دي"


فاندفعت بحدة

 "مش قالعة ولا هلبس حاجة وابقي ارميني من الشباك المرة دي"


تفجر غضبها بعفوية ساذجة، جعلته يبتسم رغماً عنه من بساطتها التي تكشفها ردودها. 

 فألقى الثياب فوق الفراش خلفها، وقال بوجه متعمد الصدق ونظرة خبيثة

"ما أنتي لو مقلعتهوش بالذوق… أنا اللي هقلعهولك بنفسي... ها… تختاري إيه؟"


ومد يده إلى مقدمة قميصها، كأنما سيخلعه، فصرخت وهي تُبعد يديه

 "خلاص! خلاص! هغيره، بس أنت هاتعمل إيه بالفستان"


صاح كالبركان

"هولع فيه" 


وإذ به يلمح وهج ضئيل يضيء خلف فتحة صدرها، فهتف متسائلاً

 "إيه ده؟"


تظاهرت بالجهل

 "في إيه؟"


قال بجرأة فاضحة

"إنتِ مخبية تليفون في صدرك؟"


شهقت من جرأته، وردت بثورة

"ملكش دعوة، اطلع بره عشان أغير" 


اقترب بصرامة، وقال بأمر قاطع

"هتلاقي الحيوان بيرنّ عليكي… هاتي التليفون"


أجابت بإصرار عنيد

 "لاء"


زمجر وهو يخطو نحوها

" بتقوليلي أنا لاء؟!، أنا على آخري والتليفون يا ياسمين لو ما طلعتيهوش حالاً وادتهولي… همد إيدي وآخده بنفسي، وياريت تفضلي رافضة"


وحين أدركت قصده من جملته الأخيرة، صاحت بخجل

"إنت سافل"


دنا منها حتى ارتدت على ظهرها فوق الفراش، واقترب حتى غمر أنفاسها بأنفاسه، وهمس بوقاحة متعمدة

 "أيوه… أنا قليل الأدب وعربجي، وسافل… ووقح"


لكن عينيه رغم ذلك، تخفيان شوق ولهفة متأججة، يكبحها خشية أن يزرع فيها رعباً أعظم.

  فقال بصوت مائل إلى الجد

"أنا جوزك… يعني أنتي حلالي و أنا حلالك... أنا مراعي ظروفك الصحية وذاكرتك اللي اتفرمتت... بس عايزك من دلوقتي تفضلي تحفظي جملة وتردديها أنا ياسمين مرات ياسين البحيري... كرريها… عايز أسمعها"


امتنعت عن النطق، فزمجر غاضباً

"مش سامع صوتك ولا إنتِ عايزة أكرر اللي عملته معاكي في العربية؟"


غمز لها بخبث، فاتسعت عيناها وهي تستعيد ذكرى قبلته المباغتة، فأطبقت كفها على فمها مذعورة

 "حاضر… حاضر هقول"


 "سمعيني"


قالت بتردد

"أنا ياسمين… مرات ياسين البحيري… يلا قوم بقى وابعد عني"


ابتسم منتشياً بانتصاره، لكنه تذكر الهاتف، فأردف

 "مش هابعد غير لما تديني الموبايل"


 "قوم… وأنا هديهولك"


نهض عنها، فاستوت جالسة، وأخرجت الهاتف من موضعه وأعطته له في ضيق

"خُد"


أمسكه وهو يقول متعمداً

"اسمها اتفضل يا حبيبي"


رمقته بغضب صامت، ولم تجبه، فأمسكت بالثياب الملقاة على الفراش

 "يلا… اتفضل اطلع بره"


أغلق الهاتف، ووضعه في جيب بنطاله، ثم أشار بيده نحو باب خشبي جانبي

 "عندك الحمام غيري فيه، وأنا قاعد هنا مستنيكي"


زفرت بضيق، ورمقته بنظرة نافذة، ثم رفعت طرف ثوبها وذهبت نحو الحمام.


بينما هو فتح الخزانة، وأخذ قميص قطني بأكمام نصفية، وقام بارتدائه. 


                        ❈-❈-❈


توقفت ثلاث سيارات سوداء فاحمة عند بوابة القصر، ترجل منها رحيم، متأبطاً السلاح، يخبئه خلف ظهره بحذر محسوب، وتبعه رجال عظام الأجساد، متراصون كأنهم جدران متحركة. 

 ساروا بخطوات صارمة، تتهادى الأرض تحتها في ارتعاد صامت، حتى بلغوا البوابة الحديدية.


أوقفهم أحد الحراس وقد بدا على وجهه التوجس، وكاد يرفع سلاحه في وجوههم، فأشار إليه رحيم بحدة آمرة

"رجع سلاحك مكانه… أنا جاي آخد مراتي وامشي"


لكن حارساً آخر التقط الهاتف على عجل، وصوته يتقطع بين القلق والإنذار

"ألحق يا آدم بيه… في واحد بره معاه رجالة وسلاح، وبيقول جاي ياخد مراته"


أشار رحيم بيده ورأسه إلى رجاله، فاندفعوا نحو البوابة، يحاولون فتحها عنوة. 

 تسلق أحدهم السياج العالي، وتشابك مع الموظف القائم على جهاز الفتح الآلي، بينما اندفع الآخرون يزاحمون رجال الأمن اشتباكً وصدامً، فتعانقت الأيدي بالأكتاف، وتلاطمت الأجساد كأمواج هادرة، كأنما الميدان تحول إلى ساحة نزال شرس.


وفي غمرة المعمعة، تسلل رحيم بخطوات سريعة متحفزة، يشق الطريق بين الأجساد المتلاحمة حتى بلغ عتبة القصر.

 وقف شامخاً أمام بابه العريض، يزمجر صوته بغضب عارم، كأنه صاعقة تنفجر في جوف الليل

"يا ياسين يا بحيري؟"


ردد النداء ثانية، بصوت أشد صلابة، حتى ارتجت جدران القصر، فخرج إليه أبناء عزيز البحيري، يعلو وجوههم الذهول والاستنفار. 

  وقبل أن ينطق قصي، أخذ يتأمل ملامح الرجل الواقف أمامه، فتذكره على الفور، ذاك هو الطبيب العريس الذي انقلب عرسه رأساً علي عقب، والعروس التي زُفت إليه إنها زوجة شقيقه ياسين! 


قال قصي بحدة ساخرة، وشيء من الاستنكار يقطر من نبراته

"جاي تتهجم علينا برجالة وسلاح يا دكتور؟!"


أجابه رحيم بصوت كالصخر المحطم

"الكلام ده تقوله لأخوك… اللي جه اتهجم علينا، وآخرها يخطف مراتي من قلب بيتي"


فتدخل مصعب بنبرة صارمة متزنة، تحمل في طياتها رائحة الحزم والقطع

"أنا مقدر الصدمة اللي إنت فيها، بس ياسمين تبقى مرات ياسين… و كنت سامع بودانك كلام بنت خالتك وجوزها"


رمقه رحيم بعينين تقدحان شرراً، وتطاير من نظراته لهب الغيظ، وهو يصرخ متحدياً

"وأنا مش ماشي من هنا، يا ياسين يا بحيري… لو راجل انزللي"


في الأعلى، كانت ياسمين قد أنهت ارتداء ثيابها وحجابها، خرجت لتجد ياسين يطل من النافذة، فإذا بصوت رحيم يصل إلى مسامعها، يليه صوت ياسين الذي عاد إلى الداخل وفتح درج المكتب، وأخرج سلاحه وهو يتمتم بصوت مقطوع

"نازلك يا..."


فتح الباب وخرج؛ فلم تستطع ياسمين إلا أن تلحق به خلفه، قدماها تسيران كأنهما على جذع مهتز.


أمام القصر وقف قصي وإخوته في مواجهة مع رحيم، فيما توقفت زوجاتهم وأبناؤهم ملتزمين الداخل . 


قال آدم كمحاولة لتهدئة الوضع بنبرة رسمية

"خد رجالتك وامشي من هنا، بدل ما نطلبلكم البوليس"


عقب قصي على رحيم بنبرة استعلائية

 "شكلك يقول إنك ابن ناس ومتربي، فبلاش الجو اللي بتعمله ده لأنك مش قده، ونصيحة مني ابعد عن ياسين لمصلحتك"


رد رحيم باستهزاء 

"والمفروض بعد كلامكم أخاف؟!، أنا ما بتهددش"


رد ياسين الخارج لتوه من الباب بصوت محتد ووجه منشق بغضب قاتل

"آه، لازم تخاف لأن مش هخليك تخرج من هنا غير على قبرك"


لما تلاقت عيناه بعيني رحيم، حركت ياسمين قدميها لتدنو من الأخير، لكن قبضة عنيفة منعهُا أن تتحرك خطوة واحدة فهدر ياسين بها من بين أسنانه

"خطوة كمان وأصفيه قدام عينيكي"


نظرت إليه تمنعُ دموعها، ثم صوبت عيناها إلى رحيم تلتمس منه لطفً وشفقة، فما كان من رحيم إلا أن دنا إليها أمسك يدها الأخرى وقال ببساطة حانية

"تعالي معايا"


صرخ ياسين وقد فقد ما تبقى عنده من عقل رزين

"شيل إيدك من عليها يا وسخ"


و سدد له لكمة مفاجئة، تدخل آدم وطه ويونس ليفصلا الشجار، لكن قصي أشار بيمناه قائلاً بلهجة حاسمة

 "ياسين هيعرف يتصرف معاه"


هجم رحيم على ياسين، واحتدم الاشتباك؛ لكمات وركلاتٌ وتبادل للتهديدات، وكانت ياسمين تصرخ بخوف ورعب

 "كفاية بقى، كفاية"


وعندما أدرك التعب كلا الرجلين من كثرة الضرب والاشتباك، رفع ياسين سلاحه في آن واحد مع رحيم الذي رفع سلاحه أيضاً، ونطق الأخير بإصرار وتحد

"مش خارج من هنا غير يا قاتل يا مقتول"


رد ياسين ببرود قاتل

"يبقى تخرج مقتول"


شد أجزاء سلاحه بإحكام، فصرخت ياسمين باسم رحيم واندفعت نحوه، تحاول أن تبعده  عن مرمى سلاح ياسين بكل ما أوتيت من قوة. 

 

 كاد ياسين أن يضغط على الزناد، وفي ذاك التوقيت بالذات تدخل قصي ومصعب فرفعا ذراع ياسين إلي أعلى، فأُطلقت الرصاصة في الهواء كصوت إنذار مفزع.


نظر ياسين إلى زوجته التي تدافع عن غريمه بألم مزلزل، وسمعها تتوسل وتترجى

"امشي من هنا يا رحيم، أرجوك"


انزل رحيم سلاحه جانبه وقال بصمت فيه قسوة واشتياق

"مش هامشي غير لما آخدك معايا"


قالت له وهي تستسلم لحقيقة رغم مُرّها

"مابقاش ينفع… وأنا خايفة عليك... أنت متستاهلش تضيع نفسك عشاني"


سألها الأخر بصدمة وهي تمر كطعنة في صدره

"إنتي بتقولي إيه؟!"


أجابت بهدوء مرير

"بقول الحقيقة اللي لازم نعترف بيها"


لم يتحمل ياسين رؤية هذه المسرحية التي تنهار فيها صوره، وطار غضبه فأندفع دافعاً شقيقه ومصعب عنه، وجذب ياسمين بعنف إلى الداخل، وهو يدفعها صارخاً

"اخرجي تاني عشان اقتله وأقتلك"


خرج ياسين عاقد العزم أن يذيق رحيم مرارة الإيذاء، فتشابك الاثنان مرة أخرى حتى انقطع صوت الاشتباك بقدوم رجال الشرطة. 

 خرج الجميع من الداخل، ومن بينهم ياسمين التي خرجت غير مبالية بتهديد زوجها، وقد تصاعد صوت الضابط الذي وقف أمامهم مستفسراً بصرامة

 "من فيكم ياسين البحيري؟"


ابتعد ياسين عن رحيم وأجاب الضابط بصوت مُماثل

 "أنا ياسين البحيري"


أخبره الضابط

"انت متهم بمحاولة قتل زوجتك مدام رودينا" 

ثم أمر رجاله 

"خدوه على العربية، وفين عروسة الدكتور اللي في زايد؟"


التفت رحيم إلى الضابط وسأله هادئاً

"أنا أبقى دكتور رحيم اللي حضرتك تقصده، بتسأل عنها ليه؟"


أجاب الضابط بصوت جاف 

 "والدة حضرتك قدمت بلاغ إنك اتجوزتها وهي على ذمة راجل تاني من غير علمك... يعني المدام متهمة بالجمع بين زوجين"

نظر إلي بقية رجاله 

"خدوها" 


يتبع

#الفصل_الخامس_والعشرون

#غرام_الذئاب

#الجزء_الرابع_من_سلسلة_صراع_الذئاب

#ولاء_رفعت_علي


كيف أصفكِ دون أن أُخطئ الأدب... ودون أن أكذب على النار التي تسكنني منذ عرفتكِ؟! 

في حضوركِ تختلط أنفاسي بالهواء الذي يمر من بين شفتيكِ... وأشعر كأن قلبي يُخلع من صدري كلما اقتربتِ.


تمهلي... تمهلي.. يا لوقع خطواتكِ في روحي و فؤادي

كل التفاتة منكِ توقظ فيّ ألف رغبة نائمة... وكل نظرة تسكب في عروقي خمراً لا يُعرف مصدرها إلا من عينيكِ.


إنكِ أنثى من نوع لا يرحم... تغوين الصبر بابتسامة... حين تتحدثين أسمع الكلمات تئن بين شفتيكِ... فما بال وقعها علي قلبي الذي أصبح لسطو عشقك أسير.


ما بيني وبينكِ ليس حب عابر بل احتراق بطيء... يشبه انتظار المطر في ليل عطش... أشتهي قربكِ لا ليهدأ الشوق... بل ليزداد اشتعالًا

فبعض المسافات لا تُطفئ النار... بل تزيدها و تجعلها كيف تتوهج دون رماد... فأريد أن أمسك بيديكِ وادفعكِ نحو صدري لتشعرين بنبضات قلبي... تلتقي أعيننا بنظرات يتداولها الناس في أساطير العشاق.

اقتربِ... اقتربِ يا امرأتي... و علي ثغري اعزفي بخاصتكِ أجمل الألحان... أتذوق عسل شفتيكِ... و صدري يشعر بحرارة ودفء نهديكِ... وأنتِ بين ذراعاي في عناق فتان. 

أحبكِ... أحبكِ... بل أنا تعديت مرحلة الحب و الجنون بكِ يا ياسمينة قلبي حتي أصبحتِ في حرم مملكة فؤادك عاشق ولهان. 


ياسين البحيري


بدأت تستعيد وعيها شيئاً فشيئاً، تهادى إلى أنفها رائحة المعقم، تلك الرائحة التي لا يخطئها من ذاق مرارة المكوث في المستشفيات.

  حاولت أن تحرك يدها، فشعرت بوخز حاد في معصمها، فتلمست بأصابعها الأنبوب الشفاف، واستشعرت برودة الإبرة المغروسة في جلدها، فعلمت أنها موصولة بالمحلول.


تقلبت أنفاسها باضطراب، وبدأت خيوط الذاكرة تتسلل إلى ذهنها ببطء، كمن يُعاد إليه شريط حياته من فوهة جرح لم يندمل. 

آخر ما تذكرته كان وقع الصفعات التي انهالت على وجهها، وصدى صوته الجارح وهو يصرخ بها 

«إنتي طالق...طالق»


تذكرت لحظة سقوطها بعدها، وجسدها يهوي كريشة مثقلة بالألم، ثم ظلمة كاملة ابتلعت كل شيء إلى أن أيقظها صوت فتح باب الغرفة.


كانت والدتها التي تحمل على ملامحها صلابة تُخفي خلفها خليط من الغضب والخذلان. 

وقفت أمام السرير تحدق في ابنتها بنظرة متوترة تتجاذبها مشاعر متناقضة، لكن الغضب كان أعتاها وأغلبها، فانفجر من بين شفتيها بصوت يقطر حنق

"عاجبك اللي عملتيه في نفسك وفينا؟، استفادتي إيه؟، عاجبك رقدة أبوكي في العناية المركزة بين الحيا والموت؟!"


عند ذكر والدها، ارتجفت ملامحها، واتسعت عيناها بخوف مباغت، ورددت بصوت مبحوح أقرب إلى الرجاء

"بابا... عايزة أروح له"


حاولت أن تنهض، لكن جسدها الواهن خانها، فهوت مرة أخرى على الوسادة، لتأمرها أمها بصرامة لا تلين

"ما تتحركيش، أبوكي مانعين الزيارة عنه، وبعدين إنتي قدامك لبكرة على ما تقومي"


عادت الأخرى تحاول أن تستقيم، إلا أن الألم باغتها في خاصرتها، فشهقت وأنَّت ثم صرخت من شدة الوجع. 

  هرعت الممرضة إلى الغرفة بخطى مسرعة بقلق

"بتقومي ليه؟، لازم تريحي جسمك شوية"


ردت رودينا بين شهقاتها

"مش قادرة... حاسة بوجع شديد هنا"


وأشارت بيد مرتعشة إلى موضع رحمها، فاقتربت الممرضة منها بلطف مهني واخبرتها

"طبيعي الوجع اللي حضرتك حاساه، ده كان إجهاض... وإنتي نزفتي كتير"


ساد صمت كثيف للحظات، توقف معه أنينها، ثم رفعت رأسها نحو والدتها بعينين زائغتين تستفهمان عما حدث. هزت شاهيناز رأسها ببرود قاتل وقالت بنبرة تقطر قسوة

"كنتي حامل... وعمايلك السودة خلتك تخسري اللي في بطنك"


اتسعت حدقتاها كمن صُفع للمرة الثانية، إذ كانت تلك أول مرة تسمع فيها عن حملها، وأول مرة تدرك أنها فقدته في الوقت نفسه. 

خُيل إليها أن الأرض تميد من تحتها، وأن الهواء حولها يختنق بها.


لكن والدتها تابعت حديثها بلا ذرة شفقة، بصوت غليظ جاف كالحجر

"الدكتور لسه مبلغني إن فرصتك في الحمل شبه مستحيلة... شوفتي وصلتي نفسك لفين؟، خسرتي نفسك، وخسرتي أهلك، وكل اللي بيحبوكي، عشان أنانيتك وغباءك... حتى إنك تكوني أم... دي كمان خسرتيها"


تجمد الزمن للحظة، وسكنت أنفاس الغرفة ، ارتجفت رودينا وكأن كلمات والدتها اخترقت صدرها كسهام من نار.

حاولت أن تنطق، أن تدافع، أن تبكي، لكن الدموع سبقتها، وانفجرت في نوبة صراخ هستيري، يتناوب فيها الألم مع الندم.


هرع الطبيب والممرضات على الفور، والقلق باد في وجوههم، فصرخ الطبيب بحدة وهو يلوح بيده

"حقنة مهدئ بسرعة"


اندفعت الممرضة بالإبرة، وغرزتها في ذراعها بإتقان سريع، بدأ الصراخ يخبو شيئاً فشيئاً، صوتها يتلاشى، أنفاسها تهدأ، حتى أُطبقت جفونها، وعادت إلى سبات عميق مرة اخري. 


                        ❈-❈-❈


أمام مكتب الضابط، كانا جيهان وعابد يقفان متجاورين، يحملان ملامح القلق والرهق، وبرفقتهما قصي الذي يحاول السيطرة على توتره بثبات مصطنع.

وعلى الجهة المقابلة، وقف ياسين مكبل المعصم بقيد معدني  وجواره ياسمين التي غمرتها دموعها، تبكي في صمت يقطع نياط القلب.


قال ياسين بنفاذ صبر، وصوته يخالطه الغضب المكتوم

"ممكن تبطلي عياط بقى؟"


رفعت إليه نظرة حادة تفيض بالازدراء 

"خليك في حالك ومالكش دعوة بيا، اللي بيحصلي دلوقتي إنت السبب فيه"


جز على شفته السفلى محاولاً كبح ثورة تكاد تشتعل في عروقه، لكن نظرة حازمة من والدته أوقفته عند حده، كأنها تأمره بالصمت دون أن تنطق حرف واحد.


وفي تلك اللحظة، كان رحيم يتقدم نحوهم بخطوات واثقة، يحمل في يده حقيبة جلدية أنيقة، وعيناه لا تريان أحد سوى ياسمين.


اقترب منها وهمس بقلق واضح وصوت يغمره الحنان

"ما تخافيش يا حبيبتي، مش هايقدروا يتخذوا أي إجراء قانوني ضدك عشان حالتك الصحية، أنا جايب معايا كل التقارير الطبية اللي تثبت كده، وكلمت المحامي وزمانه جاي"


لكن كلماته أشعلت بركان الغضب الكامن في صدر ياسين، فصاح بصوت هادر  يجلجل بين جدران الرواق

"حبيبة مين يالاه يا....، ما تتلم بدل ما أخليك ترقد جنب بنت خالتك"


رد رحيم بحدة لم يتوقعها أحد

"اغلط كمان، عشان أزودلك قايمة المحاضر اللي متقدمة فيك، وبنت خالتي حقها القانون هو اللي هاياخده منك"


أطلق ياسين كلمة اعتراضية بذيئة، ختمها باستهزاء جارح

"عليك وعليها وعلى القانون بتاعك، نخلص التحقيق وأفضالك يا دكتور البهايم"


تدخل قصي فوراً، وقد ارتسمت على وجهه ملامح التوبيخ والضيق

"ما تتلم يا ياسين واحترم نفسك، إحنا في القسم مش في بيتنا، ولا عايزهم يرموك في الحجز تحت مع البلطجية والشمامين؟!"


صرخ الأخر مُحتجاً

"يعني يرضيك اللي بيقوله الزفت ده ليها كأني قرطاس لب واقف ما بينهم؟!"


تقدمت جيهان بخطوات متوترة، ونظرت إلى ابنها بنبرة تجمع بين العتاب والصرامة

"مش وقته خالص، إحنا في مصيبة، والمفروض نحكم عقلنا ونركن العصبية والجنان على جنب"


ثم التفتت نحو رحيم، وقالت بصوت هادئ لكنه يحمل حدً واضح

"والكلام برضه لحضرتك، أظن الأمور كلها بقت واضحة قدامك، فمفيش داعي لكلام مالوش لازمة"


قهقه ياسين ساخرًا وقال بنبرة لاذعة

"ولا وجوده هنا مالوش لازمة... زيه كده بالظبط"


تجاهل رحيم سخرية ياسين تماماً، وأجاب السيدة جيهان بنبرة جادة

"أنا هنا بصفتي زوج أميرة، والدكتور المسئول عن حالتها"


كاد ياسين ينفجر، لكن قصي رفع يده محذراً إياه بالصمت، ثم تقدم نحو رحيم واقترب منه حتى كاد أن يلامس وجهه، وقال بحزم صارم

"بُص يا دكتور رحيم، أنا مقدر حالتك النفسية، والموقف اللي مريت بيه مش سهل ولا عادي، شكلك ابن ناس وعارف الأصول، وفاهم الصح من الغلط، فبلاش تكرر كلام عيب يطلع من دكتور محترم زيك"


وربّت على كتفه بخفة لكنها كانت تحمل إنذار واضح.

  فهم رحيم مغزى تلك اللمسة، لكنه لم يجد وقت لاستيعابها، فإذا أضاف ياسين ساخرًا

"معلش يا قصي... أصلي معلم عليه مرتين، الأولى لما بنت خالته نفضتله واتجوزتها، والتانية لما عروسته طلعت مراتي، ضربتين في الراس بتوجع أوي"


في تلك اللحظة، تجمدت ملامح رحيم واشتعلت عيناه بشرر الغضب، ثم اندفع نحو سليط اللسان  ولكمه بقوة في وجهه، 

صرخ ياسين وقد انفجرت حممه المكبوتة

"يا ابن الـكلب يا.... "


وكاد يرد اللكمة، لكن العساكر تدخلوا سريعاً لفض الاشتباك بينهما، بينما صاحت ياسمين في رعب وهي تنتحب

"كفاية بقى!، حرام عليكم"


لم يلبث أن دوى في المكان صوت جهوري من خلف الباب منادياً علي ثلاثتهم. 


دلفوا إلى المكتب، حيث جلس الضابط خلف مكتبه العريض، يتفحص بطاقاتهم بنظرة متفحصة لا تخلو من السخرية.


ابتسم بتهكم وقال موجهاً حديثه إلى ياسمين

"أهلاً يا عروسة"


أجهشت بالبكاء مجدداً، ونظرت نحو رحيم برجاء خافت، بينما كانت عينا ياسين تشتعلان كالجمر.   

فقال الضابط بنبرة حادة ساخرة

"دموع التماسيح دي ما بتدخلش عليا، ولا شاطرة بس رايحة تتجوزي وانتي على ذمة جوزك الأولاني؟"


قالت ياسمين من بين دموعها بصوت متقطع

"والله العظيم ما كنت أعرف"


اسرع ياسين يخبره

"هي حضرتك فاقدة الذاكرة" 


تدخل رحيم متجاهلاً ياسين وهو يفتح حقيبته الجلدية ويُخرج منها ملف ورقي

"هي فعلاً ماكنتش تعرف يا فندم، لأنها فاقدة للذاكرة من سنتين تقريباً بسبب حادثة حصلتلها، ودي التقارير والأشعة اللي بتثبت حالتها"


تناول الضابط الملف وألقى عليه نظرة متفحصة، ثم قال بنبرة متهكمة

"وأنت بقي دكتور رحيم، جوز المدام وصاحب الفرح اللي مصر كلها بتتكلم عنه؟!"


قلب الأوراق، ثم أردف وهو ينظر إليه بحدة متعمدة

"ولنفترض صحة كل اللي في التقارير دي... مش المفروض يا دكتور، لما تلاقي حاجة ضايعة تسأل عن صاحبها، و لا ما صدقت تاخدها ليك؟!"


لم يتأثر رحيم بالسخرية، بل أجاب بهدوء يخفي وجع دفين

"هو فيه حد يا فندم يلاقي في الزمن ده كنز لا يقدر بتمن ويسيبه؟!، أول ما شوفتها قلت دي هدية ربنا بعتهالي"


صرخ ياسين منفجراً

"نعم يا روح أمك؟!"


فما كان من الضابط إلا أن زأر فيه بغضب

"لو فتحت بوقك تاني، هخليهم يرموك في الحجز حالاً، ليك عين تتكلم قدامي من غير إذن؟!"


عض ياسين على أسنانه وكتم غيظه، ثم قال من بين شفتيه

"ما أنت سامع بيقول على مراتي إيه؟!"


صرخ الضابط بصرامة قاطعة

"وأنا بقولك اخرس"


ثم التفت إلى رحيم وأردف بجد رسمي

"بص يا دكتور، أنا مش هاعتمد على أي تقرير طبي دلوقتي، حالة مدام ياسمين لازم تتعرض على الجهة المختصة تبعنا، وهم اللي يحددوا إذا كانت فعلاً فاقدة الذاكرة ولا لأ، لحد ما يجيلنا تقرير رسمي منهم، كل الكلام ده بالنسبالي مالوش أي اعتبار... مفهوم؟"


ناول الملف إلى رحيم، الذي ابتلع ريقه في قلق ظاهر، ثم سأل في الوقت نفسه مع ياسين بصوت واحد

"طيب إيه اللي هايحصل معاها دلوقتي؟"


رد الضابط بهدوء رسمي

"هتشرف معانا الليلة دي في القسم، وبكرة هانبعتها تعمل الفحوصات والأشعة المطلوبة"


ثم التفت نحو ياسين قائلاً بنبرة حاسمة

"وبالنسبة لك إنت... هاتشرف معانا لحد ما تتعرض على النيابة بتهمة محاولة قتل مراتك"


احتقن وجه ياسين وقال مدافعاً

"هي اللي وقعت من على السلم، مجتش جنبها"


ابتسم الضابط ابتسامة ساخرة وقال

"دي الفيديوهات مالية الفيس والسوشيال ميديا، وإنت عمال تلطش فيها في فرح ابن خالتها، ولا إيه يا دكتور؟"


تدخل رحيم قائلاً بثبات

"حصل يا فندم... ولما وقعها من على السلم، حصلها نزيف وفقدت الجنين"


شهقت ياسمين في صدمة مروعة، رمقت ياسين بامتعاض ووجع، بينما هو تجمّدت

ملامحه كمن تلقى صفعة قاصمة، وقال بصوت مبحوح

"أنا مكنتش أعرف إنها حامل"


فقال الضابط بلهجة صارمة حادة

"تعرف أو ما تعرفش... ده يديلك الحق تمد إيدك عليها؟!"


صرخ يائساً محاولاً التبرير

"حضرتك ما تعرفش هي عملت إيه، دي كانت ناوية تجوز ابن خالتها لمراتي اللي أنا كنت فاكرها ميتة، وهي عارفة إن مراتي عايشة ولولا إني روحتلها الفرح، كان زماني زي الأهبل"


رد الضابط ببرود قاتل كمن ينطق بالحكم الأخير

"فيه حاجة يا أستاذ اسمها طلاق... وكل واحد يروح لحاله، لكن مش شروع في قتل، واديك قتلت ابنك اللي لسه ما شافش الدنيا، يعني جريمتين مش جريمة واحدة"


خارج الغرفة، جلس قصي وعابد وزوجته جيهان في صمت ثقيل، فقطعت جيهان السكون بصوت مرتجف والقلق ينهش فؤادها

"أنا خايفة أوي يا عابد... ياسمين هاتطلع منها إن شاء الله عشان فاقدة الذاكرة، لكن ياسين موضوع مراته هايخليه يدخل السجن"


ربت عابد على يدها محاولاً تهدئتها

"اهدي يا حبيبتي... بإذن الله ياسين مش هيتسجن وهايطلع منها علي خير"


تدخل قصي قائلاً

"هم لسه ماخدوش أقوال رودينا، ده اللي عرفته من المحامي، كان هناك في المستشفى بيتابع حالتها... أهو جه"


واتجهت الأنظار نحو المحامي الذي دخل مسرعاً يلهث من التعب، وقال وهو يلتقط أنفاسه

"آسف جداً على التأخير، بس كان لازم أعدي على المستشفى وأعرف حالة مدام رودينا الأول، لما فاقت جالها انهيار عصبي، والدكتورة إدلها إبرة مهدئ، وعرفت كمان إن اللي قدم البلاغ ابن خالتها الدكتور رحيم"


سألته جيهان بلهفة تكاد تخرج روحها معها

"كده موقف ياسين ابني إيه يا متر؟"


أجاب المحامي بثقة مطمئنة

"ما تقلقيش يا مدام، أنا هاطلب من الظابط أقعد مع ياسين وأفهم منه كل حاجة، بس غالباً هيبات الليلة دي في القسم، لحد ما تفوق مدام رودينا وياخدوا أقوالها"


                        ❈-❈-❈


تنتظر داخل الغرفة المغلقة من الخارج كالعادة كل ليلة، في انتظاره كما أمرها و عليها أن تطيعه بدلاً من تركها في قبو القلعة حتي تتعفن، حيث حكم عليها أن تصبح عشيقته كالجارية لا تملك أمرها. 


سمعت صوت المفتاح فعلمت أنه قد أتي، ابتلعت ريقها و حاولت أن تخفي توترها، امسكت الفرشاة وأخذت تمشط خصلاتها. 


فتح الباب وسبقته رائحة عطره المميز، اغمضت عينيها ثم ألتفت لتجده قد دخل ويقف واضعاً يديه في جيبي بنطاله، يحدق بها في صمت و نظرته حادة. 


"ظننت إنك نائمة، كما تدعين كل ليلة" 


تركت الفرشاة من يدها و ابتسمت إليه، اقتربت منه حتي وقفت أمامه، وضعت يديها إلي مقدمه قميصه

"كيف أنام و أنا اشتاق إليك حبيبي" 


و بدأت في فك أزرار قميصه بإغواء، 

عقد ما بين حاجبيه واخبرها بثقة

"ماذا تدبرين من وراء ظهري سيلينا؟" 


ابتلعت ريقها و اتسعت ابتسامتها

"أدبر لك كل شئ يجعلك تغفر لي كل اخطائي، و يجعل قلبك يخفق بعشقك لي من جديد" 


كادت تقبل صدره فقام بجذب خلصتها من الخلف ينظر في عينيها ليكشف خبايها 

"أخطائك لا تغتفر، وقلبي اللعين قد أصبح رماد، فأنا ليس سوى سيدك و أنتِ هنا مجرد جارية، عليكِ طاعتي فقط" 


تحملت الألم و مازالت ترسم تلك الابتسامة الخبيثة

"كذب، كل ما ذكرته للتو مجرد أكاذيب تخبرني بها من وراء قلبك الذي مازال حي و ينبض كلما تراني" 


وضعت يدها علي موضع قلبه تشعر بنبضاته و اردفت

"ها هو ينبض لي، و أرى العشق  في عينيك، وأشعر به في لمساتك" 

تمسك بكفه لتضعه علي خدها وتغمض عينيها

"و حينما تُقبلني وتضمني بين ذراعيك، أشعر بحرارة جسدك رغم الجليد الذي تتعمد إظهاره لي" 


حرر خصلاتها من قبضته، فاسرعت بعناقه ووضعت رأسها علي صدره بحميمية 

"أرجوك فلاد سامحني، أنا اعترف ببشاعة كل ما كنت سأفعله، و اكتشفت كم كنت حمقاء و غبية، أعلم أنك لن تسامحني" 


رفعت وجهها عن صدره و حدقت في عينيه بنظرة أسرت فؤاده

"لكن لدي أمل أن تُعطي لي فرصة أخرى، و أعدك سأكون مثل ظلك، كُلي لك، طوع أمرك و رهن إشارتك" 


بالرغم أن عقله يلح عليه بأن لا يصدقها فقلبه لن يجعله يسمع صوت الناقوس، فإذا به يبادلها العناق بقوة و سيل من القبلات علي عنقها و كتفها العاري مع ترديد تلك الجملة

"أحبك سيلينا... أعشقك يا امرأتي" 


بادلته القبلات بنهم و تخبره

"و أنا أيضاً فلاد" 


أمسك بوجهها بين كفيه، يسألها كالغريق في بحور العشق والرغبة

"و أنتِ ماذا؟" 


همست من بين شفتيها شديدة الإحمرار من أثر التقبيل

"أنا احبك فلاديمير، احبـ... 


ابتلع الكلمة بداخل جوفه، حملها من خصرها وألقاها علي فراشه الوثير و مازال يقبلها ويديه تحررها من الغلالة الحريرية السوداء، يقبل كل إنش في وجهها، شفتيها، خديها، ذقنها، جبهتها، ليهبط مجدداً إلي عنقها ثم جيدها فكتفها، بينما هي تئن من ما يفعله بها، تخللت أناملها خصلات شعره، رفع وجهه ليستمتع برؤيتها تحت سطوته وعنفوانه. 


مازال صوت عقله يحذره و قلبه يفعل النقيض، نهض عنها وداخل رأسه صراع أهوج، صدره يعلو و يهبط و صوت أنفاسه مسموع، وقف يحدق بها و هي تنظر إليه بعدم فهم و ينضح من عينيها الشبق، فكلما ينظر إلي عينيها التي تسحره يضعف أمامها، جز علي فكه وشد علي قبضة يده حتي برزت عروقه. 


لاحظت الأخري ما يحدث فسألته

" ما بك حبيبي؟"


استقامت ووقفت أمامه، تتحسس وجهه وسألته بدهاء

"هل تشعر بالتعب أم أنت غير قادر علي فعل شئ الليلة؟، فلنؤجلها لوقت آخر" 


"ما الذي تهذي به يا امرأة؟!، هل تعِ إلي حديثك جيداً؟" 


كانت نبرته حادة، و نظرته قاتمه، ابتلعت ريقها وأجابت بإنكار

"لم أقصد شئ حبيبي، أنك اسأت الفهم،  حين رأيتك تلتقط أنفاسك بصعوبة، فشعرت بالقلق عليك، أنا في النهاية أهتم لأمرك ليس إلا" 


رفع جانب شفتيه بابتسامة ساخرة، فقد عزم أمره وعلي حين غرة ارغمها علي الإلتفاف ليصبح ظهرها مواجه إليه، ودفعها علي وجهها علي الفراش آمراً إياها بلهجة جعلتها تنتفض من الخوف

"علي ركبتيكِ الآن" 


فسألته بحذر

"ما الأمر فلاد؟" 


جمع خصلاتها في قبضته و دنا فوقها ليكمم فاها بكفه الأخر ويخبرها من بين أسنانه 

"لا أريد سماع صوتك و ألا لم أتركك حتي تنقطع أنفاسك، اسمعتِ يا امرأة؟" 


هزت رأسها بأنين مكتوم أسفل كفه، فأخبرها بثقة و فخر

"جيد، إذن سأريكِ هل أنا قادر أم لا" 


اتسعت عينيها عندما ادركت ما وراء حديثه! 


                      ❈-❈-❈


تمسك بالفرشاة تغمسها في الألوان الزيتية وتبدأ في رسم امرأة غائمة الملامح، تحتضن نفسها في ركن شبه مظلم من اللوحة، كأنها تلوذ بذاتها من صخب لم يُسمع، أو تفر من وجع لم يُروَ. كانت تُفرغ في تلك اللوحات ما لا تجرؤ على قوله، تصب فيها ما يعج به صدرها من شعور خانق وحنين موجع وذكريات لا تموت.


وبينما يعم السكون غرفة المرسم، تسلل إلى أذنيها صوت الباب يُفتح في هدوء. لم تلتفت، لكنها أحست بحضوره قبل أن تنظر إليه. 

دخل زوجها حاملاً صينية صغيرة يتوسطها كوب من مشروب ساخن، يتصاعد منها بخار تعبق رائحته في المكان.


قال برقة متناهية وهو يضع الصينية على المنضدة

"كارين حبيبتي، عملتلك كوباية هوت شوكليت هتعجبك"


التفتت إليه، وعلى شفتيها ابتسامة شاحبة خلت من الحياة، وقالت بصوت خفيض

"شكرًا"


كان يحاول أن يبدو ثابتًا، غير أن الحزن الذي يتسلل من عينيها كاد يزلزل قلبه. يعلم كم قاومت، وكم خاضت حرب طويلة مع نفسها بعد أن نجاها القدر من بين أنياب ذلك المختل المريض الذي ترك في روحها ندوب لا تُرى. 

وبالرغم من تكرار زياراتها للطبيب النفسي، ظل الألم فيها مقيمًا لا يبرح داخلها.


وقف يتأملها في صمت حنون، يشعر أن مجرد رؤيتها أمامه نعمة لا تقدر. 

كلما تذكر أنه كاد يفقدها، انتُزع الهواء من رئتيه. 

ومع ذلك ها هي الآن أمامه ترسم، وتتحرك، وتبتسم، حتى وإن كان بريق ابتسامتها لا يزال باهت.


نظر إليها بعينين تشتعلان بالشوق، يتلهف إلى دفء حضنها وصوتها الذي قلما يسمعه. 

وضع الصينية برفق على الطاولة واقترب منها، يطوقها بذراعيه من الخلف في عناق حان مفعم بالحنين، وهمس في أذنها

"وحشاني أوي يا حبيبتي"


ارتجف جسدها تحت لمسته، وسقطت الفرشاة من يدها. 

  أغمضت عينيها في محاولة بائسة لتجميد المشهد داخلها، تتنفس بصعوبة وهي تحاول احتمال عناقه. 

لقد تعافت نعم، لكنها لم تُشفَ تمامًا. 

فما زالت ترفض التلامس، حيث تعود إليها ذكرى تلك الليالي المظلمة التي سُلبت فيها إنسانيتها على يد مهند. 

كل لمسة تذكرها بأسره، وكأنها تعيش الكابوس من جديد.


قالت بصوت مرتجف متوسل

"يونس، لو سمحت ابعد"


لكنه لم يتوقف، ظل يُقبّل عنقها بحنين عارم قائلاً بشغف 

"حبيبتي انتي وحشاني، ومش قادر أبعد عنك أكتر من كده"


صمتت، بينما توتر جسدها يُفضح خوفها، أزاح عن كتفيها قميصها القطني وقبّل كتفًا ثم الآخر، مر بشفتيه على عنقها ثم مؤخرة رأسها، وحين التفت ليواجهها، وجد الدموع تسيل على خديها في صمت موجع، كأنها تستسلم لما يحدث، لكنها تحترق من الداخل مع قبلة ولمسة منه.


تجمد في مكانه، وابتعد عنها سريعًا، وقد انعقد في صدره وجع لا يوصف. 

قال بتلعثم

"أنا… أنا آسف، والله ما كان قصدي أضايقك كده… أنا غبي وحمار، شوقي ليكي غلبني ونساني إنك لسه ما اتجاوزتيش نفسياً اللي حصل معاكي"


رفع يده ليمسح دموعها، لكنه توقف في اللحظة الأخيرة، كأن يده تخشى أن تجرحها. 

شد قبضته على نفسه بقهر وعجز فاضح.


تحدثت هي أخيرًا من بين دموعها المنهمرة

"أنا اللي آسفة، عارفة إني مقصرة في كل حاجة، معاك ومع الولاد، قلبت حياتكم كلها حزن ونكد"


اقترب منها وقال بحرقة صادقة، وقد اغرورقت عيناه بالدموع

"بالله عليكي، ماتقوليش كده، عمرك ما قصرتي معايا ولا مع الولاد، كل همك تسعديني وتخليني مرتاح، أنا مش عايز أفتكر اللي حصل لأني بعتبره كابوس وعدى، بس يوم ما رجعتيلي، كنت حاسس إن روحي اللي كانت راحت مني رجعتلي تاني"


أخفضت رأسها وقالت بصوت واهن

"أنا مش قادرة أتجاوز ولا أنسى اللي حصلي، بقيت بخاف أنام، كل ما أنام أشوف كل حاجة من الأول وكأنها بتحصل تاني، مش عارفة أحضن ولادي، ومش قادرة أكون معاك زي زمان…


وضع كفه برفق على شفتيها لمنعها من إكمال الجملة التي كانت تمزق قلبه، وقال بصوت متهدج

"إياكِ تقولي كده تاني، وجودك بخير كفاية عندي… النظرة في عينيكي دي لوحدها بالدنيا كلها"


ابتسمت من بين دموعها 

"أنا كل يوم بحبك أكتر وأكتر، وببقى خايفة أحسد نفسي عليك"


ضحك بخفة محببة وقال بمزاح

"لاء ده أنا كده هتغر في نفسي"


أفلح مزاحه في انتزاع ضحكتها الدافئة، فالتقط الكوب ومده نحوها 

"الضحكة الحلوة دي تستاهل الهوت شوكليت"


تناولت الكوب، استنشقت رائحته ثم قطبت حاجبيها وقالت بدهشة

"إيه ده؟!"


أجابها ببراءة طفولية

"هوت شوكليت يا حبيبتي، وحطيت لك عليه شوية لبن، بس ريحة الكاكاو غريبة شوية وطعمه حراق شويه"


نظرت إليه بتهكم مازحة

"حبيبي، إنتَ عاملي قرفة باللبن، وأنا ما بحبش القرفة"


حكّ فروة رأسه في حرج وضحك 

"يا خبر!، وأنا عمال أقول لنفسي، هو الكاكاو بقى محوج ولا إيه؟!"


ارتشفت قليلاً منه، ثم ضحكت 

"على فكرة طعمه حلو أوي، تسلم إيدك"


قبّلت خده برقة فابتسم ، يرمقها بصره صوب عينيها الغارقتين بالعاطفة، وقال بهمس

"تسلميلي إنتِ، وربنا يباركلي فيكي يا حبيبتي وروحي، مراتي وبنتي وأختي وكل حاجة ليا"


ثم أرسل لها قبلة في الهواء 

"دي على إيدك"


وأتبعها باثنتين وهو يضحك

"ودي على راسك، والتانية على شفايفك"


أدركت كم يخشى أن يلمسها ثانية، فبادرت بتغيير الحديث لتكسر وطأة الموقف

"شوفت؟، كنت هانسى أسألك، كلمت چيچي أو ياسين شوفتهم عملوا إيه في القسم؟ وياسمين هايعملوا إيه معاها؟"


تنهد قائلاً

"لسه كنت قافل مع قصي من شوية، عشان أروحلهم قالي إن الموضوع بسيط، ياسمين هايعملولها شوية فحوصات وإجراءات علشان يتأكدوا إنها فعلاً فاقدة الذاكرة، وساعتها تهمة تعدد الأزواج هتسقط من عليها، بس حوار ياسين متوقف على رودينا لما تفوق وياخدوا أقوالها"


قالت وهي تهز رأسها غير مصدقة

"حوار ياسمين ده أنا مش قادرة أستوعبه، كنا بنشوف الحاجات دي في الأفلام، بس تحصل في الحقيقة دي معجزة"


أجابها بابتسامة صافية

"أي كان اللي حصل المهم إنها عايشة، فرحان أوي لياسين، شايف بريق عينيه رجعله زي زمان، كان ميت وبقى حي"


ضحك فجأة وهو يتذكر شيئًا وقال

"بس بجد اللي مش قادر أمسك نفسي من الضحك عليه، لما راح الفرح يدور على مراته عشان يحاسبها، لقى نفسه شاهد على كتب كتابها، يعني لو ما كانش راح، كان بعد تسع شهور ممكن يتعزم على سبوع ابنها"


لكزته على كتفه وهي تضحك

"أخوك في مصيبة وإنت بتضحك عليه؟!، والله صعبانين عليا، خصوصًا بنته، وفي نفس الوقت فرحانة ليها، فقدان الأم حاجة توجع أوي، خصوصًا إنها عاشت ست سنين فاكرة كل لحظة معاها"


تأملت لوحة معلقة على الجدار، تُظهر سيدة جميلة تشبهها كثيرًا، وقالت بصوت مفعم بالشجن

"صدقني، اللي فقد أمه وهو كبير بيتوجع أكتر من اللي اتولد وما شافهاش، مهما كان عنده ناس تحبه مش هيعوضوه عن حضنها، الأم دي أول حضن بيطمنك، وأول صدر بتبكي عليه"


كان يستمع إليها وعيناه تلمعان بالحزن، ثم قال ممازحًا وهو يحاول انتزاع ابتسامتها

"عندك حق، بس أنا زعلان منك، عايزة مامتك ومحتاجاها وأنا موجود؟!"


نظرت إليه بدهشة

"وإيه علاقتك بكده؟"


"لأننا متفقين من زمان، أنا مش جوزك بس… أنا جوزك وأخوكِ وابنك وباباكِ ومامتك كمان"


رفعت حاجبيها وضحكت 

"وماما كمان؟!"


"أيوه، مش الأم بتدخل على بنتها وهي بتذاكر بكوباية عصير أو شوكليت زي اللي أنا عملتهولك ؟!، يبقى أنا زيها"


قهقهت واخبرته بمزاح

"بس الماميز عارفين الفرق بين الكاكاو وبين السينامون"


أشار إليها بإصبعه وهو يتظاهر بالحزن

"مش هتبطلي تذليني بيها يا فنانة؟، طب بصي من هنا ورايح اكتبي على كل برطمان في المطبخ اسم اللي جواه إيه"


"حاضر، بس بشرط ما تدخلش المطبخ تاني"


زمت شفتيه كطفل غاضب، فقال بدلال

"كده؟ أنا زعلان"

همّ بالمغادرة، توقف عند الباب  

"إيه ده؟ مش هتصالحيني؟"


"هو أنا زعلتك عشان أصالحك؟!، بس عشان خاطر كوباية الهوت شوكليت اللي عاملة نفسها قِرفة باللبن هاصالحك، قولي نفسك في إيه و عيوني ليك"


أشرق وجهه بابتسامة عريضة، وقال بحماس 

"عايزك ترسميني"


ابتسمت بدهشة

"ما أنا رسمتك كتير قبل كده، قول حاجة جديدة"


قال بمكر

"أيوه رسمتيني بس دايمًا بتعمليلي بورتريهات وأنا نايم أو نص وشي بس، المرة دي عايز فورمة كاملة"


"يعني إيه فورمة كاملة؟"


خلع قميصه القطني واتجه نحو الأريكة، وهمّ بخلع بنطاله وهو يقول بثقة ضاحكة

"هاخلع البنطلون وهاقعدلك بالبوكسر، عايز لوحة بـ الفورمة الجديدة، شايفة عضلات الـ six باكس، ابدعي فيهم، عايز أشوفك رسماني بيج يونس"


قذفت عليه قميصه ضاحكة 

"إلبس هدومك يا حبيبي، التكييف شغال على ١٨ وهاتبرد، وإنت لما بتاخد برد بتقلبها إنفلونزا، وساعتها لا هتبقى محصل بيج رامي ولا حتى بيج ياسمين"


انفجر يضحك واقترب منها في حركة تمثل الهجوم، فركضت وهي تضحك بأعلى صوتها، يطاردها بين أركان المرسم في مشهد طفولي رائع.


                       ❈-❈-❈


وقفت الخادمات تُقاسم الأحادي على نحوٍ لا يخلو من همسات وضحكات مكتومة، ضحكات تبدو وكأنها تتشدق بالأمنيات، حين تسمع صرخات سيلينا المتتالية.


فقالت إحداهن بحزن لا يُخفي 

"يا لها مِن مسكينة، كل يوم تبقي تصرخ طوال الليل"


فتابعت أخرى 

"بالطبع تصرخ؛ فإن السيد فلاد لا يرحمها"


ونطقت الثالثة تسألهن بتعجب

"يا إلهي، كيف لإنسانة ضعيفة مثلها أن تتحمل الضرب والإهانة يومًا بعد يوم!، كلما كنت أضع لها الطعام في الزنزانة رأيت آثار أصابع السيد فلاد على عنقها ورسغيها، وكدمات صغيرة متناثرة على نحرها وكتفيها"


ضحكت الأخريات بسخرية، فأجابت إحداهن بصوت خفيض

"ضرب وإهانة أيتها البلهاء الساذجة؟!"


فسألتها أخرى بدهشة ساخرة

"أجل، وإن كان ذلك، فماذا يفعل بها سيدي ليجعل من بالداخل والخارج يسمع صوت صراخها؟!"


تبادلن الضحكات وهن ينظرن إلى بعضهن البعض، فأجابت إحداهن بصوت مرح 


"عندما تتزوجين ستعرفين الإجابة بنفسك"


وهنا، بينما تتلاشى الضحكات وتنخفض الأصوات، انقطع التيار الكهربائي عن القلعة في آن واحد، داخلها وخارج أسوارها؛ فعم السكون الحالك، ثم ارتفعت صيحات الدهشة

"ما الذي يحدث؟"


صاحت إحداهن، ثم جاء من بعد ذلك دوي انفجار مصدره إحدى البوابات الخلفية، اهتزت جدران القلعة،  فصرخت الخادمات، وانتشر الهرج في كل مكان.


بينما في الطابق الأعلى، فكانت الغرفة منيرة بضوء بديل يعمل ذاتياً عند انقطاع التيارِ؛ كان فلاد قد ابتعد عن سيلينا وهو يرتدي بنطاله على عجل، وسرعان أن تحدث في الهاتف اللاسلكي الخاص بالحراسة. 

"اللعنة، ما الذي يحدث؟" 

وصل إلى مسامعه أصوات صراخ رجاله و طلقات نيران متبادلة. 

أتاه صوت أحد الحراس وهو يلهث بفزع 

"سيدي، هناك هجوم مباغت على القلعة؛ قُتل الكثير منّا في الانفجارِ، وتبادلنا إطلاق الرصاص"


صاح فلاد بغضب جامح

"أنا قادم الآن"


أمسك قميصه وارتداه على عجلة؛ وقعت عيناه على تلك النائمة في وضع الجنين، تبكي بقهر لا يُخفيه ثغرها، وحينما اقترب منها، تراجعت للوراء بخوف.


"انهضي وارتدي ثيابك، ولا تتحركي من هنا"


هزت رأسها بطاعة، فتح درج مكتبه وأمسك بسلاحه، أخذ خزينة رصاصات احتياطية. 

وقبل أن يغادر الغرفة، دنا منها وقبلها واخبرها

"لن اتأخر عليكِ"


انصرف بخطى مسرعة، فبصقت هي في أثره بغضب مكتوم؛ نهضت بضعف، لملمت خصلاتها المبعثرة، وتوجهت إلى الخزانة بسرعة،امسكت بثوب أزرق بنصف أكمام، ارتدته على عجل. 

ألتفت يمينًا ويساراً لتطمئن أن المكان آمن بما يكفي. 

عادت إلى الفراش ومدت يدها أأسفله أخرجت سكين صغير وسلاح ناري، ثم فتحت درج الكمود  وأخذت طوق مطاطي. 


رفعت طرف ثوبِها إلى أعلى، ارتدت الطوق حول كاحلها ثم رفعته حتى صار على فخذها، وضعت السكين والسلاح بين الطوق وفخذها، انزلت ساقها وأعادت ترتيب ثوبِها بهدوء. 

أخذت حقيبة صغيرة تحمل على الظهر، جمعت بعض الثيابِ وأوراقًا خاصة بها، ثم فتحت الضلفة المخصصة لملابس فلاد؛ وقفت أمام الخزنة الرقمية الخاصة به، نقرت الأرقام التي تحفظها، فانفتحت الخزنة وظهرت داخلها الأوراق والنقود وقرص صلب صغير (فلاشة).  

جمعت كلّ ذلك ووضعت داخل الحقيبة، أدخلت المال أيضًا.


خرجت من الغرفة تسحب قدميها بحذر، تلفتتمن حولها رغم الظلام، لكنّ الحذر واجب دومًا. 

  استغلت انشغال فلاد ورجاله في صد الهجوم المباغت على القلعة، فخرجت من باب صغير تُرك مفتوح عن عمد.


ركضت بكل ما في جسدها من قوة حتى وصلت إلى طريق السيارات، وقفت جوار نافذة سيارة سوداء متوقفة على الرصيف؛ طرقت النافذة، فُتح لها الباب، ولجت للداخل تتنفس الصعداء.


التفتت إلى جانبِها فوجدت رجل ذا هيبة وملامح تشي بالإجرام، حدق بها بنظرة خبيثة ثم قال لها 

"كما وعدتك يا شقراء، ها أنا قد حررتك من سجن هذا الأحمق"


ابتسمت له بدلال يشوبه امتنان


"لن أنسى لك هذا المعروف عزيزي، لقد جلبت لك كلّ ما تريده مقابل ما فعلته من أجلي، لكني لم اعطيهم لك إلا بعد أن أُؤخذ بقية ما وعدتني به"


ضحك وأخرج من جيبِ سترته الداخلي ظرف ورقي قائلاً 


"جواز سفرك إلى أوروبا؛ تتنقلين كما شئت، ومعه مبلغ من المال، وعندما تستقرين في البلد الذي تريدينه سأبلغ رجالي يلحقون بكِ لحمايتك ريثما أُنهي أمر فلاد وأعود إليكِ يا حلوتي"


ابتسمت بدلال وثقة 


"حسناً، تفضل يا سيد روبين، كل ما طلبته بين يديك" 


أخرجت له الملفات الورقية والقرص الصلب، أخذها بيده، ابتسامة النصر تشق وجهه من الأذن إلى الأذن الأخرى.  

قال بلهجة انتقامية 

"و أخيرًا، جاء اليوم الذي سأنتقم فيه من عائلة رومانوف، واجعلهم مجرد ذكرى"


                      ❈-❈-❈


بعد صدور توصية خاصة من أحد معارفهم إلى الضابط المسؤول، قرر أن يبقى كليهما في غرفة مكتبه إلى صباح اليوم التالي، غير أن تلك الليلة بدت أطول من أن تنقضي بسهولة، ولا سيما على تلك التي وقفت عند النافذة، تحدق عبر القضبان الحديدية إلى البعيد.  


"هاتفضلي واقفة عندك كده كتير؟، تعالي كولي لك لقمة عشان تاخدي علاجك"

قالها ياسين وهو يجلس على أحد المقاعد الجلدية أمام منضدة تفترشها أطباق الطعام الجاهز


فأجابته دون أن تلتفت إليه، بنبرة واهنة تغلفها المرارة

"مليش نفس ولا عايزة آخد أدوية"


ابتسم في فتور وقال محاولاً التودد

"تعالي بس اقعدي جمبي وأنا هافتح نفسك، هتلاقيكي جعانة أوي، خصوصاً إنك ملحقتيش الأوبن بوفيه اللي كان في الفرح"


شعرت بسخريته تخترق صبرها، فاستدارت نحوه ترمقه بازدراء، وقالت بحدة

"مش فايقه لك ولا فايقه لتلميحاتك السخيفة"


فأعد لها شطيرة محشوة بقطع اللحم المشوي، ونهض مقترباً منها  

"أنا مقدر الصدمة اللي أنتي فيها، وعارف دماغك عمالة تحدف يمين وشمال عشان تستوعب اللي بيحصل معاكي، بس المفروض تفرحي لكذا سبب... أولهم إنك عرفتي أنتي مين، وإنك متجوزة ياسين البحيري، وعندك منه أحلى وأجمل بنوته، أول ما هنرجع بالسلامة، هتشوفيها وهتعرفيها بنفسك"


تسارعت دقات قلبها، وحنين الأمومة الذي ظنته مات، استيقظ في قلبها من رقدة طويلة.

  سألته بصوت مرتجف

"هي عندها كام سنة؟"


اقترب منها وقال بثبات عاطفي خافت

"8 سنين، واسمها ياسمينا، أنا اللي سميتها على اسمك من عشقي فيكي"


رفرفت أهدابها كالفراشة، بينما عيناه تفيض بالصدق حتى كاد قلبها يخفق لوقع نظراته.  

ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم همست

"حصلها إيه لما افتكرتني موتت؟"


ساد الصمت لحظة، ثم رفع بصره إليها وقد تلبدت عيناه بغيم الذكرى، وقال بصوت خافت كأنما يتحدث إلى نفسه

"كانت أصعب لحظة مرت عليّا وعليها، روحي اتسحبت مني وفضلت عايش وميت في نفس الوقت، هي حالها ما يقلش عن حالي، يمكن مكنتش مستوعبة إن الموت يعني فقدان للأبد، لكن عشان متعلقة بيكي جدًا وفجأة مالقتكيش جمبها، ده أثر فيها جامد، مابقتش عارف أعملها إيه ولا أعمل لنفسي إيه"


ثم أطلق زفرة طويلة خرجت معها أنفاسه المثقلة بالحزن، واستطرد قائلاً

"يوم ما انتي مشيتي كان يوم عيد ميلادها، وبدل ما تبقى ذكرى حلوة، بقت أصعب ذكرى بتعدي علينا، كنت باخدها ونزور القبر المدفون فيه اللي كنت فاكر إنك هي"


كانت تنصت إلى حديثه بتركيز يعتصر روحها، ثم سألته بصوت شاحب

"ومين اللي دفنتوها وافتكرتوها أنا؟"


أجابها

"لما مشيتي، افتكرتك هاتشمي هوا وترجعي تاني، خصوصاً لما سيبتي البنت قبل ما تخرجي من البوابة"


رمقته باستفهام خافت

"وإيه اللي حصل وخلاني مشيت؟"


ظل صامتاً لحظات، كأنه يغوص في قاع الذكرى، ثم أجاب بندم ثقيل

"كنت متخانق معاكي بسبب ابن مدير الشركة اللي كنتي بتشتغلي فيها، كان عينه منك، وأنا لما عرفت حذرتك، وحلفت عليكي ما تخرجيش من الأوضة، ونفذت حلفاني لأسبوعين... لحد ما جه يوم عيد ميلاد ياسمينا، شدينا مع بعض، واتعصبت وقولتلك كلام ماينفعش يتقال، فأنتي ما استحملتيش ومشيت"


سألته في حذر ممزوج بوجع

"وإيه الكلام اللي قولته ليّا؟"


تهرب من نظراتها وتاه في ماضيه، فبدأت الذكرى تعود كأنها تُعرض أمام عينيه...... 


"سبيها يا ملك تمشي، خليها توريني هتروح فين"


أتى صوته غاضباً، فانتبه الاثنان إليه، حاولت ملك تهدئة الموقف، ولكزت ياسمين خفية دون أن يراها شقيقها، وقالت متلعثمة

"تمشي فين!، دي ياسمين كانت بتوصلني، عشان مصعب جاي دلوقتي ياخدني"


لكن ياسمين، رغم العبرات التي تخنق عينيها، رمقته بتحد وإصرار 

"لاء يا ملك، أنا ماشية، هاروح أقعد في الشقة القديمة، خلي ياسين بيه يرتاح مني"


نظر إليها بازدراء قاس، وتفوه بكلمات لو علم أنها ستظل تجرحهما إلى الأبد، لما نطق بها

"هو إنتِ ما تعرفيش؟، مش الشقة أنا بيعتها، شوفي بقى هتروحي فين؟، ولا ناوية ترجعي على بلدكم عند عمك وابنه اللي كانوا هيقتلوكي؟، فاكرة كان هيقتلوكي ليه؟!، ولولا إني جيت وجبتك وطلبت إيدك، كان زمانك يا متجوزة من البغل ابن عمك وتبقي خدامة لأمه ومراته، يا إما كان عمك تواكي بعد ما يخلص عليكي في أي صحرا"


ابتلعت إهانته والدم يغلي في عروقها، بينما ملك صاحت في وجهه غاضبة

"أي الهبل اللي بتقوله ده يا ياسين، اتفضل صالح مراتك وخدها في حضنك واطلعوا على أوضتكم"


لكنه وقف جامداً، لا يقوى على النطق، إلى أن قالت زوجته بصوت يقطر مرارة

"شكرًا يا ياسين بيه، إنك أنقذتني من القتل على إيد أهلي... وأنت كنت السبب لما اعتديت عليّا بالغصب، مش عارفة أشكرك على جميلك ده إزاي إنك سترت عليّا!"


وضع كفيه على وجهه وتمنى لو ابتلعته الأرض، فالكلمة حين تخرج لا تعود، كالرصاصة التي لا تُرد وتترك جرحاً لا يندمل.


اقتربت منه ملك تضربه في عضده وتقول بحدة

"تصدق بالله؟، مراتك خسارة فيك، أنا لو مكانها كنت سيبتك من بدري، أنت بنفسك عارف إن الموضوع ده مأثر فيها، وما صدقنا بدأت تنساه، وانت جيت دلوقتي فتحت الجرح وضغطت عليه بالقوي"....... 


عاد من ذكراه تلك إلى الحاضر، يلجأ إلى الكذب مخافة أن تنفر منه قبل أن يسترد قلبها

"مش فاكر بالظبط أنا قولت إيه، بس أنا لما بتعصب ما بشوفش قدامي وبقول كلام زي الزفت"


قالت بسخريةٍ ظاهرة

"واضح واضح"


تنحنح وتابع

"فضلت أدور عليكي وقتها ومعرفتش أوصلك، موبايلك كان مقفول، لحد ما جالي خبر الوفاة في حادثة على الطريق، لقوا جثة وشها مشوه، نفس لبسك، ولقوا شنطتك وتليفونك"


ثم أخفى حزنه بابتسامة خافتة وأردف

"إحنا لسه هانقعد مع بعض ونتكلم كتير، تعالي ناكل الأول، نلحق الأكل وهو سخن، وتاخدي علاجك وتنامي، لسه وراكي مشاوير كتير بكرة، وأظن سمعتي الظابط قال إيه، ربنا يباركله آدم أخويا كلم صاحبه العقيد مدحت وخلاه يوصي علينا بدل ما كان زمانا مرميين في الحجز تحت مع المجرمين والبلطجية"


قالت ساخرة

"روح كُل أنت، عشان حضرتك غالباً مشرف كتير في السجن"


ابتسم وسألها في قلق مبطن

"هو أنتي صدقتي إن أنا رميت رودينا من على السلم؟"


ترددت وفي داخلها صوت خافت يدافع عنه، فقالت وهي توليه ظهرها

"الله أعلم، أنا مشوفتش حاجة عشان أحكم، بس زي ما الظابط قال، الكل شافك بتضربها وتسحلها، ومهما كان السبب ملكش حق تمد إيدك على واحدة ست"


ثم التفتت نحوه، وحدقت في عينيه قائلة

"مش يمكن ده نفس اللي عملته معايا يوم ما سيبتك ومشيت؟"


غص قلبه باتهامها، فأجاب مسرعاً

"عمري ما عملتها غير مرة واحدة بس، وندمت بعدها، ووعدتك عمري ما أكررها، ده أنا بخاف عليكي من الهوا"


حدقت في وجهه دون رد، فاستغل شرودها، أمسك بيدها واقتادها نحو المنضدة قائلاً برفق فيه صرامة

"قولنا الكلام جاي كتير، ولازم تاكلي، وشك شاحب وشكلك ماكلتيش حاجة بقالك فترة"


جلست مترددة واخبرته

"أنا هاقعد على الكرسي اللي هناك"


كادت تبتعد فجذبها فجأة وجعلها تجلس على فخذيه، تجمدت في مكانها وصاحت بخفوت

"اوعي، سيبني"


"لاء مش هاسيبك، ده أنا ما صدقت لاقيتك ورجعتلي روحي"


تحاول التماسك

"اللي بتعمله ده ماينفعش، راعي أنا لسه بحاول أستوعب إني مراتك، ده غير إننا في القسم، لو حد دخل علينا يقول إيه؟، مش بعيد ناخد تهمة تانية"


ضحك قائلاً بسخرية

"تهمة تانية ليه؟!، هو إحنا قالعين؟!"


لكزته بغضب

"اتلم وبطل قلة أدب"


"توء، ما أوعدكيش، نخلص بس من الحوارات اللي إحنا فيها ونروح على شقتنا وهناك بقى...

وضعت كفها على شفتيه لتمنعه من التمادي، لكنه قبّل باطن كفها في رقة أربكتها، فارتجف جسدها. 

أغمض عينيه كمن يتذوق ذكرى قديمة بينهما ثم فتحهما وغمز بعينه.

أبعدت يدها سريعاً بخجل لكنه لم يعرها اهتماماً، بل قربها أكثر قائلاً بصوت خافت 

"مش هاتتحركي من هنا غير لما تاكلي، وأنا اللي هأكلك بنفسي كمان، وإلا...


همس بجوار أذنها بكلمات جعلت عينيها تتسعان، ووجنتيها تشتعلان، صاحت توبخه

"أنت سافل"


سألها ضاحكاً

"وإيه كمان؟"


"أنا هنادي على العساكر وأقولهم يبلغوا الظابط إنك بتتحرش بيا!"


اصابته نوبة من الضحك حتى دمعت عيناه، فصاحت فيه

"هو أنا بقولك نكتة؟!"


قال وهو يحاول كبح ضحكه

"هي فعلاً نكتة، بتخيّل لما تقولي للظابط ألحقني يا سيادة الظابط، جوزي بيتحرش بيا"


سددت له لكمة في صدره وقالت بغضب

"غلس ورخم ومعندكش دم، ولو ما بطلتش حركاتك دي المرة الجاية البوكس هيبقي في وشك"


"و ماله، ده حتي ضرب الحبيب زي أكل الزبيب"


زمتت شفتيها كطفلة غاضبة، فناولها الشطيرة قائلاً

"الساندوتش اللذيذ ده رايح على فين؟"


فتحت فمها لتوبخه، لكنه وضعها فيه ضاحكاً، فاستسلمت أخيراً وأخذت تقضم لقيماتها على استحياء.

  وكلما قالت إنها شبعت، دس في فمها قطعة لحم صغيرة أو مقبلات كاللذي يُطعم طفلته.


ثم ناولها زجاجة الماء ،فسألته بتعجب 

"أنت عرفت الأدوية بتاعتي إزاي؟"


اختفت ابتسامته، وأجاب بجمود

"عرفناها من الزفت، وأخويا بعت حد جابهالك مع الأكل"


رددت بحده

"زفت؟!"

ثم أدركت أنه يقصد رحيم، فنهضت ملوحة بإصبعها أمام وجهه بتحذير

"لو سمحت اتكلم على رحيم باحترام"


رمقها بنظرة جعلت الدم يتجمد في عروقها، وصاح بصوت ارتج له المكان

"مش أنا محذرك ما تنطقيش اسمه على لسانك تاني يا بت؟!"


ارتجفت وقالت بصوت مرتجف

"أنا مش قصدي حاجة، أنا بس بنبهك... عيب تتكلم على حد في غيابه"


"أنا أتكلم وأشتم عليه وعلى أهله براحتي، وإياكي أسمع اسمه تاني على لسانك، ده آخر تحذير ليكي"


لم تجرؤ على الرد، شعرت بالعجز وهي في غرفة مغلقة لا مهرب منها، أشار إليها بيده آمراً إياها

"تعالي هنا"


ترددت، فصاح مهدداً

"أجي أجيبك؟"


فأسرعت نحوه، وقفت أمامه كطفلة تنتظر العقاب، أمسك بيدها وأمرها بحزم 

"اقعدي وخدي الدوا ونامي"


جلست في نهاية الأريكة، تناولت الأقراص مع الماء، ثم شهقت وهي تراه يخلع قميصه.

"أنت بتعمل إيه؟"


"هنام، مش بعرف أنام غير كده"


ثم أطفأ الأنوار وأبقى على ضوء خافت يعلو المكتب، وعاد نحوها قائلاً

"يلا نامي"


"أنا هنام مكاني"


نظر إليها نظرة طويلة، فجلس جوارها، وأسند رأسه على فخذيها، مدد جسده على الأريكة.


شعرت بالتوتر فقالت بتردد

"لو سمحت، ممكن تشيل راسك من على رجلي؟"


أمسك بيدها ودسها في خصلات شعره 

"اعمليلي مساچ في راسي عشان أعرف أنام، بدل ما أسيبك تنامي وهافضل أنا صاحي، وهاستغل نومك أحسن استغلال"


اتسعت عيناها من وقاحته، وبدأت تدلك فروة رأسه على مضض.

ابتسم دون أن تراه، فقال لها

"أنتي بتحسسي على كلب؟! دلكي بضمير، وإلا أنتي حرة"


زفرت بضيق، فأمرها بتهديد

"وما تنفخيش بدل ما أنفخك"


ضحك في صمت على ردود أفعالها الطفولية التي تعيد إليه الحياة، لحظات و أغمض عينيه أخيراً، يعد أن غلبه النعاس، بينما هي ظلت أصابعها تعبث بخصلاته حتى استسلمت هي الأخرى للنوم. 


                     ❈-❈-❈


جلست شاهيناز أمام باب العناية المركّزة، تتلو آيات الذكر الحكيم بصوت متقطع تختلط أنفاسه بالرجاء، ودموعها تهطل كالغيث. 

عيناها معلقتين بتلك البوابة الزجاجية التي تفصلها عن نصفها الآخر الراقد في صراع بين الحياة والموت، تترجى الله أن يرزقه العافية وأن يُعيده إليها كما كان. 


لكن المشهد انقلب فجأة، حين لمحت الطبيب يهرع ومعه مساعدتاه من الممرضات، يندفعون إلى داخل الغرفة بخطوات مسرعة، يسبقهم القلق ويتبعهم الصمت.

نهضت شاهيناز مرتجفة، تبعتهم بخطوات متعثرة، وحين دخلت رأت الطبيب يمسك بجهاز إنعاش القلب، يضعه على صدر زوجها، وصوت الصفير المزعج يملأ الأرجاء كإعلان بائس لنهاية محتومة.

كانت تحدق في المشهد بعينين زائغتين لا تصدق ما تراه، إلى أن رأت الطبيب يترك الجهاز بأسى، ووجهه يكتسي بلون الحزن، قائلاً بصوت خافت يخنقه العجز

"دوني الوقت والتاريخ"


سحبت الممرضة الأجهزة، وغطت وجه المريض بالدثار الأبيض. 

اقترب الطبيب منها مواسياً

"البقاء لله يا مدام شاهيناز"


                           ❈-❈-❈


و لدي ابنتها، قد استيقظت مبكراً، تقف خلف الزجاج بوجه شاحب، تحدق في الخارج بصمت أثقل من الكلام. 


طرق أحدهم الباب، ففتحت الممرضة وقالت بصوت هادئ

"مدام رودينا، حضرة الظابط عايز يدخل لحضرتك عشان ياخد أقوالك، حالتك تسمح بالتحقيق؟"


أجابت الأخرى بوجه خالي من الحياة، بصوت أجوف لا يحمل سوى الإرهاق

"خليه يتفضل"


دخل الضابط و يتبعه مساعده الذي أمسك بدفتره وأعد قلمه، جلس الجميع ثم بدأ الضابط حديثه بلطف 

"ألف سلامة على حضرتك، إحنا مش هانطول عليكي نظراً لظروفك الصحية، بس امبارح وردنا بلاغ باللي حصل معاكي، واللي عمل المحضر الدكتور رحيم ابن خالتك، قدمهولنا ضد جوزك ياسين البحيري، وبيتهمه إنه رماكي من فوق السلم، والنتيجة إنك اتعرضتي لرضوض وكدمات... وفقدتي الجنين"


رفعت عينيها إليه، وقالت بنبرة متهدجة امتزج فيها الألم بالانكسار

"أنا فقدت كل حاجة"


تبادل الضابط ومساعده النظرات، فسألها مجدداً

"يعني حضرتك بتتهمي زوجك المدعو ياسين البحيري إنه تعمد يوقعك للتخلص منك؟"


في تلك اللحظة، فُتح الباب ودخلت شاهيناز بوجه باهت أنهكته الصدمات، فأسرعت لتجيب قبل أن تتكلم ابنتها

"جوزها مجاش جنبها، هي اللي وقعت من على السلم، أنا كنت شايفة اللي حصل"


حدقت فيها رودينا بصدمة كأنها تسمع صوتاً لا تعرفه.

تابعت الأم بثبات مصطنع

"أنا مامتها، وابن أختي ماشافش حاجة، هو بس افتكر اللي حصل جوزها السبب فيه و جه بلغكم، عشان كان في بينهم مشكلة بسيطة زي أي اتنين متجوزين... واتصالحوا بعدها"


جف حلق رودينا، ولم تستطع أن تنطق، كأن كلمات والدتها كانت سكين تخترقها بلا رحمة.


سألها الضابط بصوت حازم

"كلام والدتك صح؟"


حدقت والدتها بها بنظرة حادة فهمت منها الرسالة، فابتلعت غصتها، ثم همست بصوت بالكاد يُسمع

"أيوه"


لم يبد على الضابط الرضا، فقال متابعاً

"طيب، واعتداء جوزك عليكي بالضرب اللي تم تصويره وانتشر على السوشيال ميديا؟"


تدخلت شاهيناز سريعاً، محاولة إنهاء الأمر

"قولت لحضرتك، دي كانت مشاكل عائلية وخلصت، واتصالحوا، والصحفيين دول محدش أدالهم الإذن لا بالتصوير ولا بالنشر، وإحنا هنرفع عليهم قضية قريب"


نهض الضابط وهو يغلق دفتره وقال باقتضاب

"تمام، عن إذنكم"


غادر هو ومساعده الغرفة، ولحقت بهما شاهيناز لتغلق الباب من الداخل، ثم التفتت إلى ابنتها التي كانت تنظر إليها بعينين متقدتين من الغضب، وصاحت بصوت مرتعش

"ليه مش عايزاني أخد حقي وحق ابني اللي راح مني؟!"


اقتربت الأم منها، ووقفت بثبات بارد، وقالت بجمود

"مفيش حد مذنب في اللي حصلك غيرك، وبعدين خلاص ما بقاش ينفع نقف قدام عيلة جوزك، لا أنا ولا إنتِ نقدر نقف قصادهم لو ابنهم اتسجن"


صرخت رودينا بعنف وكراهية

"مش عايزة وقفتك جمبي ولا عايزة منك حاجة، أنا ماليش غير بابا، هو اللي هايجيبلي حقي وحق ابني"


وهنا لم تحتمل شاهيناز عنادها وحماقتها، فصرخت بها وهي تلقي بالقنبلة التي مزقت سكون الغرفة

"خلاص، اللي كنتِ معتمدة عليه وواقف في ضهرك، راح... راح خلاص"


تجمدت ملامح ابنتها وسكن كل شيء فيها، حتى أنفاسها. 

تمتمت بصوت مرتجف، تسألها

"راح؟! تقصدي إيه؟"


أجابت الأخرى بوجه تكسوه الدموع

"أبوكي... تعيشي إنتي"


بدت الكلمات كالسكاكين، اخترقت روحها قبل أن تصل إلى سمعها، تراجعت خطوتين إلى الخلف، تترنح كأن الأرض تميد بها، ثم تمتمت بتلعثم

"بابا... بابا مـ... بابا مات؟! بابا مات؟!"


نظرت إلى والدتها بعينين دامعتين، كأنها تتوسل تكذيب الخبر

"انتي بتكدبي عليا، صح؟!"


لكن والدتها هزت رأسها بيأس ، تخبرها بالدموع ما عجز اللسان عن وصفه

"أبوكي مات وإنتي السبب، عمري ما هسامحك أبداً، وياريت لما تخرجي من هنا، ما أشوفش وشك تاني"


ألقت كلماتها كاللعنات، ثم غادرت الغرفة تاركة ابنتها تصرخ في ظلمات الألم، تنادي والدها كمن ينادي الحياة نفسها. 

هرعت الممرضات إليها، حقنتها احداهن بمهدئ حتى هدأت أنفاسها، واستسلمت لسبات عميق غارقة في الحزن.


يتبع...



تكملة الرواية من هناااااااا 


لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كامله من هناااااااااا

مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا

مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا


تعليقات

التنقل السريع