رواية غرام الذئاب الفصل الحادي وعشرون 21من الجزء الرابع بقلم ولاء رفعت (حصريه وجديده في مدونة قصر الروايات )
#الفصل_الحادي_والعشرون_الجزء_الثاني
#غرام_الذئاب
#الجزء_الرابع_من_سلسلة_صراع_الذئاب
#ولاء_رفعت_علي
ـــــــــــــــ
وقف طه أمام المرآة يُصلح من هيئته، يعدّل ربطة عنقه ويهندم سترته، كأنه فارس يستعد لمغادرة حصنه نحو معركة غامضة.
وبينما هو مأخوذ بانعكاس صورته، أتت زوجته من خلفه بخطوات هادئة، وقالت بصوت مفعم بالحنان
"كده شنطتك جاهزة يا حبيبي"
التفت إليها، وفي عينيه بريق امتنان، ثم أمسك يدها برفق وقبّلها قائلاً
"تسلم إيدك يا أحلى شوشو في الدنيا"
ارتسمت على شفتيها ابتسامة وسألته بنبرة مترددة
"معرفتش هتقعد قد إيه برضه؟"
أجابها وهو يشد على يدها بحنو
"قولتلك يا حبيبتي على حسب الشغل... وأنا هاكون على تواصل معاكي طول الوقت... عشان أطمن عليكي إنتي والولاد... ألا صح هم فين ماشفتهمش من وقت ما صحيت"
اجابت مبتسمة
"راحوا تمرين السباحة"
تنهد بأسى وهو يتمتم
"هايوحشوني حبايبي... سلميلي عليهم وقوليلهم هاجيب لهم هدايا... وأنتي كمان يا شوشو... هاجيبلك هدية"
هزّت رأسها بحب قائلة
"يا حبيبي، إنت عندي أغلى هدية... روح إنت وارجعلنا بالسلامة وخد بالك من نفسك"
ربّت على يدها بمحبة، لكنه فجأة توقف متأملاً مظهرها، وتعجب فسألها
"إيه ده يا شوشو؟"
ردت بسؤال مماثل
"فيه إيه يا حبيبي؟"
"لابسة روب ليه؟، ده الجو حر حتى"
ابتسمت بخفة وهي تشرح
"أصل بعيد عنك يا سي طه... لما قومت الفجر وصليت حسيت ببرد في عضم جسمي... أخدت دش ميه فاترة ولبست الروب... وشربت ينسون قولت شكله دور برد... وأنت عارف برد الصيف أرخم منه مفيش"
رمقها بقلقٍ شفيف وقال بتوجس
"ألف سلامة عليكي يا حبيبتي، خدي بالك من صحتك"
أجابته بضحكة عذبة تكاد تلامس أطراف أذنيها
"واخدة بالي منها أوي أوي... خد بالك إنت من نفسك الأول"
نظر إلى ساعته بجدية وقال
"طيب يا شوشو... مضطر أمشي عشان ما اتأخرش"
وعند باب الشقة، وقف لحظة يسترق النظر إليها كمن يودّع قطعة من روح
"هتوحشيني يا شوشو... هاتي تصبيرة عقبال ما أرجعلك"
اقترب ليقبّلها، لكنها أوقفت اندفاعه بلطف
"بلاش يا قلب شوشو... لتتعدي مني... بقولك عندي دور برد... خاف على نفسك وصحتك لتتعدي... وإنت محتاج صحتك للشغل"
ابتسم وهو يحك ذقنه بخفة
"عندك حق، يلا مع السلامة"
ردت وهي تودّعه بلهفة مكبوتة
"الله يسلمك"
خرج من الباب، فأغلقته خلفه برفق، ثم هرولت إلى الشرفة، وقفت تلوّح له بيدها حتى لمحته يركب سيارته وينطلق بعيداً، يذوب من مرآها شيئاً فشيئاً.
وما إن غاب عن ناظريها، حتى تحررت من قناعها؛ أسرعت إلى غرفتها، نزعت المعطف الثقيل الذي كانت تختبئ خلفه، لتكشف عن ثوب أنيق تحت سترته.
تناولت حجابها من فوق المشجب وارتدته على عجل، ثم أمسكت حقيبة صغيرة أعدّتها مسبقاً، وجمعت متعلقاتها.
دون تردد، غادرت المنزل بخطوات متسارعة، كمن يُلقي بنفسه في مغامرة لا رجعة فيها.
❈-❈-❈
وما إن خطت قدماها إلى الشارع، حتى لمحت سيارة أجرة متوقفة تنتظرها بصبر صامت، كأنها كانت تعلم موعد قدومها.
دخلت السيارة بسرعة، وأمرت السائق بلهجة حادة مختلطة بالارتباك
"اطلع يا سطا"
أخرجت هاتفها من حقيبة اليد الصغيرة، وأمعنت النظر في صورة كانت قد التقطتها من هاتف آخر قبل ساعات، فاسترجعت المشهد برجفة قلبية.
تذكرت حينها كيف استيقظت لصلاة الفجر وأدت فرضها بخشوع، ثم عادت إلى فراشها، لكن ضوء هاتف زوجها لفت انتباهها.
كان الضوء صامت بلا رنين، لكن صدى الخطر بدا واضحاً.
أمسكت الهاتف ووجدت رسائل مرسلة من اسم غامض يدعى «الشغل»، تلعثمت يداها حين ظهرت أمامها كلمات من الرسالة
«تيتو مش مصدقة نفسي إننا أخيراً هنبقى مع....»
حاولت فتح الهاتف عن طريق الرقم السري، لكن دون جدوى، فأمسكت باصبعه السبابة على موضع البصمة، فانفتح الهاتف على الفور.
تقلبت على جانبها في المقعد، وانخلع قلبها وجلاً، أعطت ظهرها لزوجها، وخفضت إضاءة الشاشة، ثم بدأت تقرأ رسائل الدردشة بين زوجها وبين الجارة الحسناء.
عودة إلى الحاضر... كانت الكلمات كالسهام، تخترق قلبها، تذكرها بخيانة لم تبدأ فعلياً لكنها بدأت بالنبض في قلبه، بالكلمات والهمسات.
لم تستطع منع دموعها، تبكي بحرقة على الثقة التي منحتها له بلا حدود، وهي تكتشف أنّه ليس أهلًا لهذه الثقة.
تذكرت ماضيه المؤلم، وما كان يمر به من صراعاته الداخلية، وكيف ترك نفسه لشهوات النفس والهوى، دون رادع.
لم يكتفِ بالنظر أو التفكير في أخرى، بل تجاوز حدود الخيانة إلى تبادل الأحاديث، والآن يخطو خطوة أخرى، يذهب إليها ليصبح الخيانة قولاً وفعلاً، وما كان خفياً أعظم وأعظم، يغلفه السر والخيبة في آن واحد.
❈-❈-❈
وصل آسر ومعه ثلاثة رجال ذوي بنية جسدية قوية، إلى المكان الذي حددته خريطة الموقع بدقة.
أخرج هاتفه واتصل، محاولاً التأكد من رقم العمارة والطابق.
"لوچي، أنا وصلت تقريبًا تحت البيت، بس معرفش أي عمارة بالظبط، كل العماير شبه بعضها.
، لو فيه بلكونة أو شباك في أوضتك بيطل على الشارع، شاوريلي منها"
أجابت بخفوت، حتى لا يسمعها عمر الذي يصرخ خارج الغرفة، ما زال يلح عليها
"اه فيه"
صوتها كان يختنق بالخوف، لكنها لم تهتم له، ورفعت يدها مُلوحة إلى أسفل، حيث وقف آسر، يترقب كل حركة منها.
"أنا هنا يا أونكل، بسرعة بالله عليك… أنا خايفة أوي"
أمرها بحزم
"خليكي زي ما إنتي، أنا طالع وأوعي تفتحي باب الأوضة غير لما أقولك، يلا بينا"
أنهى المكالمة، وأشار للرجال الثلاثة الذين كانوا خلفه
"خدوا بالكم أنا عايز الواد سليم من غير أي إصابات، وحرسوا ما يفلتش منكم، ورايا يا رجالة"
ردوا جميعًا بطاعة
"أمرك يا دكتور، اعتبره حصل"
وفي الأعلى، ما زال عمر يطرق الباب بعنف، غير مدرك أن المخدر الذي تم حقنه به بدأ يؤثر على قواه تدريجيًا.
"افتحي يا لوچي عشان خاطري، افتكري كل لحظة حلوة كانت بينا، لوچي"
توقف عن الطرق حين سمع صوت فتح باب الشقة من الخارج، ارتجف من الخوف، ليس على نفسه بل عليها، ظن أن أفراد العصابة عادوا من جديد
"أوعي تفتحي يا لوچي"
انفتح الباب على مصراعيه، فظهر آسر من بين الرجال الثلاثة، وارتسم على وجه عمر مزيج من الخوف والقلق.
"انتم مين؟"
اقترب آسر منه، تأمل ملامحه، ثم سأل بهدوء وقوة
"انت الواد اللي كنت معاها في العربية يوم فرح عمها؟"
ابتلع عمر ريقه، وأدرك أنه وقع في الفخ لا محالة
"حضرتك تبقي مين؟"
لكمه آسر على غفلة، لكمة أفقدته وعيه على الفور، فأشار إلى الرجال
"خدوه على المكان اللي قولتلكم عليه، وزي ما اتفقنا"
نفذوا أمره بسرعة وبدقة، وعندما تأكد من مغادرتهم، طرق الباب مرة أخرى
"لوچي افتحي، أنا آسر"
فتحت القفل، وما إن رأته، ارتمت على صدره، وانهارت بالبكاء.
تردد آسر في وضع يده عليها، غاضبًا منها، فقد أدرك جزء كبير من الأحداث لكنه لم يعلم بعد عن مؤامرة العصابة.
غلب شعور الأبوة داخله؛ اعتبرها كابنته وتخيل لو كانت كارما ابنته، فكيف سيكون شعوره في مثل هذا الموقف!
ربت عليها قائلاً
"ما تخافيش… أنا موجود معاكي، يلا نمشي من هنا"
وفي السيارة، قاد آسر وهو عاقد بين حاجبيه، سائلًا بجدية
"إيه اللي حصل وإزاي الواد ده خطفك؟"
حاولت تهدئة أنفاسها، وبدأت تحكي له كل ما جرى منذ أن ذهبت إلى الملهى الليلي برفقة عمر حتى اختطافهم، وصولًا إلى المشهد الذي استيقظت عليه وهي مفزوعة.
بعد أن أنهت سردها، أمسك آسر هاتفه قائلاً
"لازم باباكي يعرف اللي حصل ويقرر هنعمل إيه… نبلغ البوليس ولا نفهم إيه علاقة عمر بالعصابة وإيه اللي عملوه فيكي؟"
نظرت له بخوف، وأمسكت يده متوسلة
"بليز يا أونكل، ما تقولش لبابي حاجة… بابي ممكن يقتلني أو يعمل فيا زي ما عمل في مامي… أرجوك ما تقولهوش، أنا كنت هاكلمه و لاقيته مشغول و حمدت ربنا ماردش عليا"
تردد في الرد، فهي مسؤولية كبيرة، وكان لابد من التصرف بحكمة.
وجد لا حل سوى إرسال رسالة عاجلة إلى علياء، ليقررا معًا الخطوة التالية بحذر.
❈-❈-❈
انتهت لتوها من أداء صلاة الظهر، وهمّت بخلع حجابها، إذ بصوت جرس المنزل يرن بتقطع.
رفعت صوتها منادية مساعدتها
"معلشي يا أم بدوي افتحي الباب"
لكن لم تلتفت الأخرى، وما زال الجرس يزأر بإلحاح. خرجت أميرة، ووجهها يحمل مزيجًا من الفضول والتوتر، لتفتح الباب فوجدت أم بدوي جالسة أمام التلفاز، منكبة على نشرة أخبار بالفرنسية، عيونها تتبع كلمات الترجمة بلا اكتراث.
هزت رأسها بسأم، وفتحت الباب على مصراعيه، وإذا برحيم يقف أمامها في أبهى حُله، مرتديًا بدلة سوداء أنيقة، تناسبه وحده دون غيره.
في يده باقة من الورود الحمراء القانية، وفي الأخرى حقائب كبيرة.
ابتسم لها، وصوته ينساب كنسيم دافئ
"اتأخرت عليكي؟"
بادلته أميرة ابتسامة رقيقة، مليئة بالدفء
"مواعيدك مظبوطة يا دكتور"
دخل بخطوات واثقة، ومد يده محملاً بالحقائب
"خدي الحاجات دي… وقدامك نص ساعة تجهزي"
رفعت حاجبها، ساخرة قليلًا
"مش هاتقولي إحنا خارجين فين؟"
أجابها بلا تردد، وابتسامة مرحة ترتسم على وجهه
"هخطفك"
ضحكت بحرارة، تنساب كلماتها كأغنية فرحة
"ما أنت خاطفني من يوم ما شوفنا بعض في إسكندرية"
مد يده للإشارة على الوقت، صارمًا وودودًا معًا
"طب بطلي لماضة وروحي اجهزي، عشان ما نتأخرش"
أومأت برأسها، ثم نظرت صوب أم بدوي بحذر
"حاضر، هجهز عقبال ما تتفرج على النشرة الفرنسية اللي بتتفرج عليها أم بدوي، بس خد بالك منها، لتعملنا قفلة في الكهربا زي إمبارح، ويحصلها حاجة المرة دي"
ضحك متذكرً ما حدث الأمس بسخرية دافئة.
دخلت أميرة غرفتها لتجهز نفسها، بينما لوح رحيم للسيدة بيده مودعًا
"منورة يا أم بدوي"
انتبهت إليه، وأجابت بابتسامة هادئة
"بنورك يا دكتور"
وفي الداخل، أفرغت أميرة محتويات الحقائب على السرير، وعيناها تتسعان بانبهار، قلبها يرفرف أمام جمال ما تراه، غير مصدقة تفاصيل الروعة أمامها.
وفي الخارج، توجه رحيم إلى غرفة أخرى، مسك هاتفه، وبدأ في إجراء اتصال، صوته هادئ لكنه حازم، كمن يخطط لأمر بالغ الأهمية.
❈-❈-❈
وفي مكان آخر، كانت تجلس أمام حاسوبها، عيناها متسعتان على الشاشة، وأعصابها متوترة منذ زمن.
كل محاولة منها لنسيان أمر ضرتها، وسر بقائها على قيد الحياة، كانت تصطدم بما يذكرها بهذا الأمر بلا هوادة.
اهتز هاتفها بجوار الحاسوب، وارتسم على الشاشة اسم شخص لم تكن تتمنى رؤيته في هذه اللحظة.
نهضت متسلّحة بفضول خفي، وسحبت نفسها إلى الغرفة الصغيرة، فإذا بها تجد ابنة زوجها تلعب وتلهو بالأشياء الجديدة التي اشتراها لها والدها في نزهة الأمس، عيونها تلمع بالفرح البريء.
عادت إلى هاتفها، أمسكت به بإحكام، وقلم في يدها تضغط عليه لتبدد التوتر الذي تشعر به
"ألو، إزيك يا رحيم؟"
"الحمدلله، أخبارك إيه؟"
لاحظت نبرته الرسمية، فردت ببرود يحاول التغطية على خوفها
"الحمدلله بخير… فيه حاجة؟"
"أه… معلش لو عملتلك إزعاج، بس كنت بتصل عشان أقولك لو فاضية بعد ساعة، ابعتلك عنوان مكان خطوبتي أنا وأميرة"
وقع القلم من يدها، قلبها يخفق بعنف، والأمر أصبح حقيقة لا يمكن إنكارها.
حاولت المزاح لتخفف من صدمة قلبها
"بالسرعة دي؟"
"والفرح بعد أسبوع… هنتجوز وهاخدها ونسافر إنجلترا"
"ألف مبروك!"
همست، والفرحة الممزوجة بالصدمة تتصارع في صدرها.
"ألف مبروك دي تيجوا أنتي وأستاذ ياسين تقولوا ليا ولأميرة… ومعلش لو تديني رقمه أعزمه بنفسي"
انتفضت من حديثه، وكأن الكلمات صاعقة
"لاء... قصدي أنا هقوله… وبعدين أنا وهو مش محتاجين عزومة… إحنا أهل في الأول والأخر"
"أه طبعًا… تمام هابعتلكم دعوة الفرح… وهستناكم النهاردة تحضروا الخطوبة"
"إن شاء الله"
بعد تبادل السلامات، أنهت المكالمة وزفرت بقوة، يدق ضميرها ناقوس الخطر في رأسها، وصوت يتردد في مسامعها
«لازم تقولي لياسين ياسمين عايشة… لازم تقوليله إنها عايشة… عايشة»
صرخت، وهي تلقي بكل ما أمامها
"خلاص بقي… كفاية!"
وقفت تلتقط أنفاسها، فإذا باب الغرفة يفتح، وتخرج ابنة زوجها ممسكة بمربع أُحجية، اقتربت منها بكل براءة
"ممكن تركبي معايا قطع البازل دي؟، مش عارفة أعملها لوحدي"
نظرت لها زوجة أباها لثوان، تأملت ملامح الفتاة الصغيرة، فشعرت وكأنها ترى ياسمين أمامها، لا ابنتها.
زفرت بنفاد صبر، وأمرت الصغيرة بحدة
"ادخلي دلوقت ألعبي بأي حاجة تانية، أنا مش رايقة لك خالص"
رمقتها الصغيرة بانزعاج، والحزن يلمع في عينيها
"أنتي وبابي على طول مش فاضيين ليا… مامي لو كانت موجودة كانت زمانها لعبت معايا"
وفي هذه اللحظة، نفذ صبر زوجة الأب بالكامل، جذبت الصغيرة من ذراعها بعنف وصاحت في وجهها
"مش أنا قولتلك قبل كده تبطلي تجيبي سيرة مامتك قدامي!، كل شوية مامي، أنا عايزة مامي، قرفتوني أنتي وأبوكي بسيرتها، ما تنسوها بقي"
وحين أدركت قبضتها على ذراع الصغيرة، تركته سريعًا، وحاولت أن تتصنع نقيض ما كانت عليه للتو بصوت أخف
"سوري يا ياسمينا، أعصابي تعبانة، روحي كملي لعب، وأنا شوية كده و هاجي أركب معاكي البازل"
حدقتها الصغيرة بامتعاض وسخط، ثم ذهبت إلى غرفتها دون أن تتفوه بكلمة، وعينها وحدها كانت تحكي كل ما تشعر به من قهر وخذلان.
❈-❈-❈
انتهت للتو من فحص السيدة الحامل، وأصدرت تعليماتها لمساعدتها بصوت واثق
"خليهم يعملولي قهوة مظبوط ويجيبوهالي على مكتبي"
"تمام يا دكتور"
توجهت إلى غرفة الاستراحة، وجلست خلف مكتبها، أخرجت الهاتف وإذا بسيل من إشعارات المكالمات الواردة من زوجها يغمر الشاشة.
نظرت بضيق، وابتسمت ابتسامة مُرهقة ثم قالت في نفسها
"أنا بقي هريحك خالص مني يا يوسف… وأدي. البلوك... وريني هاتتصل عليا تاني إزاي!"
لم يهدأ قلبها طويلاً، إذ لاحظت إشعار رسالة واردة من آسر، محتواها كالسهم المخترق للهدوء
«علياء… تعالي على العنوان اللي هابعتهولك ضروري… لوچي في مصيبة ولازم تكوني موجودة»
أسفل الرسالة، كان العنوان مكتوب.
دون تردد، قامت بالاتصال به على الفور، بينما آسر عيونه تراقب ابنة صديقه، التي كانت في حالة صمت، غارقة في دهشة خفية.
أجاب علي الإتصال، وصوته ينضح بالإلحاح
"مش هعرف أحكيلك كل حاجة دلوقتي… معلشي تعالي على العنوان اللي بعتهولك ضروري… لوچي معايا… اطمني"
أومأت برأسها على الرغم من أنه لم يرها، وقالت بسرعة
"تمام… أنا جاية"
أنهت المكالمة، ودخلت الممرضة لتبلغها بأمر الحالات المنتظرة، فأجابتها علياء على عجل
"ألغي أي مواعيد النهارده، واعتذري لهم بالنيابة عني"
"حاضر يا دكتور"
أمسكت حقيبتها، وتحركت بخطوات واثقة نحو الباب، واندفعت سيارتها في الطريق، متجهة بسرعة نحو العنوان الذي أرسله لها آسر، قلبها يخفق بتوتر وحذر.
وفي المقابل في مكان آخر، كان زوجها يحتسي قهوته في هدوء، حتى لمحت عيناه إشعارًا على هاتفه.
ارتسمت على وجهه صدمة عندما أخبره الإشعار بأنها تحركت وغادرت مسارها المعتاد، لا عائدة إلى منزل والدتها ولا إلى القصر، بل اتجهت إلى مكان آخر مجهول.
فكر مليًا، محاولًا استيعاب السبب الذي جعلها تترك عملها فجأة، وتسلك هذا الطريق غير المتوقع.
ترك القدح، وانطلق مغادرًا القصر على الفور، عزم على اللحاق بها، مهما كلفه ذلك من جهد ووقت، حيثما تذهب.
❈-❈-❈
فتح آسر باب الشقة، وأشار للُوچي بحركة هادئة
"اتفضلي"
كانت واقفة بصعوبة، جسمها يرتجف كغصن رطب تهزه الرياح.
اقترب منها، مسك ذراعها برفق، ووضعه على رقبته لتتكئ عليه، كي لا تقع في غمرة ضعفها.
سألته بصوت وهن
"إحنا فين؟"
أجابها بهدوء وحزم، وهو ينظر إلى وجهها المتيبس بالتوتر
"في شقة أختي… هاتقعدي هنا لحد ما تيجي علياء، ونشوف هانعمل إيه"
حدّقت فيه بعينين متسعتين، قلبها يخفق بالقلق
"قولتلها ليه؟"
رد عليها متضايقًا، وكأن ضيق صدره لم يُخفيه
"لأنها أكتر واحدة بتحبك وبتخاف عليكي"
شهقت، وكأن الكلمات تقطعها، وقالت بصوت خافت محمّل بالمرارة
"أنا محدش بيحبني… محدش بيـ…
توقفت بسبب حالة الغثيان.التي داهمت معدتها، فافرغت كل ما في جوفها.
أخذها على الحمام، بينما هو توجه إلى حمام آخر، ليغسل قميصه الذي اتسخ خلال الأحداث المضطربة.
خرجت من الحمام بعد أن انتهت من غسل وجهها وفمها، استندت على الحائط، وارتجفت مرة أخرى حتى كادت أن تسقط.
ركض نحوها آسر، حملها برفق، وأدخلها إحدى الغرف، وضعها على الفراش بحذر، وتركها تهدأ، بينما انتظر في الخارج، حيث الردهة لحين وصول علياء.
❈-❈-❈
"مش هوصيكي يا أم بدوي… طول ما إحنا بره أوعي تيجي جمب الكهربا"
قالها رحيم، فرفعت الأخرى وجهها إليه، ووضعت يدها على أذنها مستفسرة
"بتقول إيه يا بني؟"
اقترب منها بالقرب من أذنها
"بقولك… أوعي تلعبي تاني في الكهربا"
نظرت إليه، وصوتها يمزج الجد بالمرح
"وإيه اللي هيخليني أتنطط على المصطبة؟، ده أنا صحتي على قدي، ورُكبي شايلاني بالعافية"
رفع رحيم بصره إلى الأعلى، وتنهد قائلاً
"صبرني يا رب"
ثم عاد إليها بالنظر إليها بنصف عين، وكأنها لا تسمعه
"شكلك بتسمعي أحسن مني وعمالة تمثلي علينا"
ردّت عليه بدهاء
"إن بعد الظن إثم يا دكتور"
"اديكي وقعتي بلسانك يا أم بدوي… طلعتي مش سهلة أنتي"
ردّت بخفة
"أنا يا بني؟!، ده أنا غلبانة وعيانة وصاحبة مرض"
كاد يرد بمزاح، لكنه تفاجأ بصوت فتح باب الغرفة، ورأي التي آسرت حواسه بالكامل.
خرجت أميرة، مرتدية ثوبًا من الدانتيل الأحمر القاني، مطابقًا للون باقة الأزهار، ينساب برقة على جسدها، يجعلها تبدو كالملكة.
حجابها بلون حبات السكر يضيف إلى طلتها صفاء ورقة.
شفتيها تزينهما حمرة وردية خفيفة، ولم تحتاج إلى أي مستحضرات أخرى، فجمالها الخلاب كان من صنع الخالق البديع.
انتابها خجل خفي وهي تراه متأملاً في ملامحها، نظراته تخترق قلبها، وتجعل نبضه يتسارع في صدرها.
تفوهت بصوت رقيق وعذب
"أنا جاهزة"
اقتربت أم بدوي منها، وعيناها تفيض بالفرح والدعاء
"اللهم صل وسلم عليك يا نبي… عيني عليكي باردة... ربنا يحميكي ويحفظك يا بنتي"
نظرت إليها أميرة بفرح وامتنان
"تسلمي يا أم بدوي"
ابتسمت الأخرى، مؤكدة
"أنتم الاتنين... اللهم بارك… ربنا يحرصكم… خدوا بالكم من نفسكم وخدوا معاكم المفتاح عشان لما ترجعوا ابقوا افتحوا… لأني ما بسمعش وأنا نايمة"
رد الاثنان بصوت واحد مازح
"ولا حتى وإنتي صاحية"
ابتسم رحيم لأميرة وضحكا الاثنان معًا، ثم فتح باب الشقة، حاملاً باقة الزهور
"اتفضلي"
مد يدَه لها، وقالها بود ونعومة
"سيدتي الجميلة"
وضعت يدها على ساعده، وانطلقا معًا خارج المنزل.
قلبها يتراقص من الفضول والحماس، ربما استنتجت المفاجأة، لكنها اختارت أن تستمتع بكل لحظة.
❈-❈-❈
وصلت علياء إلى العنوان المرسل إليها، وصعدت الدرج بخطوات متثاقلة، والقلق يعتصر قلبها كأنفاس عاصفة في ليلة شتوية باردة.
عند وصولها إلى الطابق المنشود، استقبلها آسر بنظرة متوترة، وما أن لمحته حتى ارتجفت أعصابها، سألته والهلع يختلط بقلق الأمومة في صوتها
"حصل إيه يا آسر؟، وفين لوچي؟"
أجاب محاولًا أن يطوّق التوتر بهدوء مصطنع
"تعالي اقعدي خدي نفسك الأول، واهدي خالص، لوچي بخير ومريحة جوه الأوضة، بس قبل ما تدخلي تشوفيها، لازم تعرفي كل اللي أنا عرفته… لأن فيه لعبة كبيرة حصلت وبتحصل وربنا يستر ما يكونش اللي في بالي صح"
همست علياء، وقد استقرت على مقعدها لكنها لم تستطع تهدئة دقات قلبها
"سمعاك"
بدأ يسرد لها أحداث سابقة، منذ اللحظة التي شاهد فيها عمر بصحبة لوچي في مرآب السيارات التابع للفندق الذي أُقيم فيه حفل زفاف شقيق زوجها، مرورًا بالاتصال الذي تلقاه من ابنة صديقه لإنقاذها، وانتهاء بكل ما كشف له عن مصير الأمس وما يحيط به من أسرار ومؤامرات.
نهضت علياء فجأة، وبدت على وجهها صدمة غائرة، وقالت بصوت يكاد يختنق من الندم
"أنا مش مستوعبة اللي أنت بتحكيهولي… بس دي غلطتي... ياريتني فضلت قريبة منها... وكنت لحقتها من قبل ما يحصل كل ده"
أخبرها الأخر بنبرة ملؤها التعاطف والحزم معًا
"بالعكس، أنتي كنتي بتحاولي على قد ما تقدري تعلميها الصح من الغلط، اللوم على يوسف نفسه، الأستاذ عمره ما قرب من بنته ولا فهم دماغها، هو مش عارف أصلاً يفهم نفسه، وشاطر يقعد يشك في اللي حواليه، لأ ومش لاقي حد يشك فيه غير أعز صاحب ليه، ومراته أكتر واحدة استحملته"
كانت علياء تائهة في وادي آخر من التفكير، والأفكار تتصارع في رأسها، حتى انتبهت فجأة إلى حديث آسر، وسألته بصوت خافت
"هي فين؟"
"دخلتها تاني أوضة على إيدك الشمال، قولتلها ترتاح لأنها كانت تعبانه جدًا وجابت كل اللي في بطنها… اللي خطفوهم أدولها حقنة مخدر غير كمية الخمرة اللي شربتها"
"معلش يا آسر، هطلب منك شوية حاجات تجيبها لي من الصيدلية وأنا داخلة أطمن عليها وهاتكلم معاها"
تركته وذهبت بخطوات سريعة، حتى فتحت باب الغرفة فوجدتها ممددة على الفراش في حالة يرثى لها، جسدها يرتعش كما لو أن الرياح الباردة قد غطت قلبها، وركضت نحوها واحتضنتها بقلب أم تتألم من أجل ابنتها.
فهي لم تلدها، لكنها ربَّتها منذ الصغر، حتى صارت فتاة مراهقة، هشة من الداخل، ضحية أفكار والدتها التي غرستها في عقلها، لتزرع شعورًا بأن والدها وزوجة أبيها لم يحبونها ولم يهتموا بها أبدًا.
❈-❈-❈
صف رحيم سيارته أمام بوابة النادي المطل على النيل، حيث زُيّنت البوابة بالزينة والبالونات، ووقف رجلان في استقبال العريس والعروس، يلوحان بابتسامة ودية تعكس بهجة المناسبة.
فتح رحيم لها باب السيارة، ومد يده برفق، فأمسكت بيده ونزلت، عيناها تتأملان هذا الاستقبال البهيّ، قلبها يرفرف بين رهبة المكان وبهجته.
رمقها رحيم بعينين مشرقَتين
"ألف مبروك يا حبيبتي"
ثم بسط يده لتقبيل يدها برقة، ووضعها على ساعده، وسارا معًا إلى الداخل.
عبرا جسر صغير يؤدي إلى داخل مركب فاخر، أُعد مسبقًا خصيصًا لهذا الحفل، حيث يزخر الفضاء بالألوان والأضواء الذهبية التي تعكس ضوء الشمس على مياه النيل الهادئة.
صعد كليهما الدرج المكسو بالسجاد الأحمر، تشعر بالرهبة والانبهار من هذا المشهد الرائع، وكل خطوة تكتنزها لحظة من السعادة المتوهجة.
وعندما وصلا إلى أعلى المركب، حيث منصة الحفل والطاولات المزدانة، ارتفعت الموسيقى تلقائيًا بمجرد حضورهما، معلنة بدء الاحتفال.
استقبلتهما السيدة رجاء بابتسامة مشرقة وعناق دافئ لابنها، قالت له بفرح يغمر قلبها
"ربنا يحميك ويحفظك، ألف مبروك يا حبيبي"
رد رحيم وهو يبتسم بحب وامتنان
"حبيبتي يا ماما، الله يبارك فيكي"
ثم نظرت رجاء إلي أميرة وقالت
"أنا عارفة أنك واخدة موقف مني، بس أنا في النهاية أم، وكل اللي يهمني سعادة ابني، وطول ما شايفاه مبسوط معاك عندي بالدنيا كلها… عشان كده يشرفني تكوني له زوجة على سنة الله ورسوله، وربنا يتمم لكم على خير يا حبيبتي"
اقتربت منها وقبّلت خدي أميرة وعانقتها بسعادة، نظرت أميرة إلى رحيم الذي غمز لها بمرح، فبادلت حماتها العناق قائلة
"الله يبارك في حضرتك"
"ناخد بقى اللقطة الحلوة دي للعروسة ومامت العريس"
كان صوت المصور الفوتوغرافي قطع اللحظة،
ألتقط عدة صور، صورة لأميرة ورجاء معًا، صورة لرجاء مع العروس، ثم صورة للثلاثة حيث وقفت رجاء بينهما.
وبعدها التقط صورًا للعروسين معًا، في أجواء مشحونة بالبهجة والفرح.
ثم أمسكت رجاء بيد أميرة وقالت لها
"تعالي لما أعرفك على خالة رحيم وجوزها وبنتها"
كانت شقيقتها تجلس حول الطاولة برفقة زوجها وابنتها، لتجنب أي شكوك تجاهها.
أشارت رجاء نحو شقيقتها لأميرة
أختي شاهيناز"
ردت أميرة بترحاب
"أهلاً وسهلاً بحضرتك"
مدت أميرة يدها لشقيقة حماتها، التي تردت أولاً في تقييمها بالنظر، ثم صافحتها بتكبر، ولاحظت أميرة ذلك.
ثم أضافت رجاء
"و مهاب بيه جوز أختي"
مد مهاب يده لأميرة قائلاً
"ألف مبروك يا آنسة أميرة"
ردت أميرة بابتسامة راقية
"الله يبارك في حضرتك"
أشارت رجاء إلى ابنة شقيقتها
"و بنت أختي رودينا"
ابتسمت أميرة وقالت
"دكتورة رودينا، طبعًا عارفاها اتقابلنا قبل كده أنا وهي ورحيم"
ابتسمت رودينا ابتسامة صفراء، وقالت ببرود
"ألف مبروك يا عروسة"
شعرت أميرة بإحساس غريب يتخلل صدرها، لكنها ردت بنقاء وصفاء نية
"الله يبارك فيكي"
جاء رحيم من خلفها، أمسك بيدها وسأل رودينا بمرح
"أومال أستاذ ياسين مجاش معاكي ليه؟"
ابتلعت رودينا ريقها بتوتر، وأخفَت شعورها خلف ابتسامة باهتة، وقالت
"معرفش يجي… بنته تعبانة واضطر يقعد معاها"
ردت أميرة بابتسامة رقيقة
"ألف سلامة عليها"
أجابتها رودينا
"الله يسلمك"
ابتعد رحيم قليلًا عن الطاولة، وقال لأميرة ممسكًا يدها
"عن إذنكم، ممكن أخد خطيبتي عشان ألبسها الشبكة؟"
تقدم رجل حاملاً صينية مزينة، عليها علبة مخملية سوداء مفتوحة، يظهر منها عقد رقيق من الألماس، وسوار، وخاتم الخطبة.
وضع رحيم العقد حول عنق أميرة المغطى بالحجاب، ثم السوار حول معصمها، وأخيرًا الخاتم في إصبعها، وسط أجواء من الفرح والسعادة التي ملأت المكان نورًا وبهجة.
❈-❈-❈
لاحظت رجاء رد فعل رودينا، وظنت أنها تشعر بالغيرة من خطيبة ابنها، و لا تعلم الكارثة الكبري التي تخفيها عن الجميع.
ابتسمت بفخر وقالت
"شوفتي يا شاهيناز، خطيبة ابني زي القمر وقمة الأدب والاحترام، ابني ابن حلال وربنا رزقه ببنت الحلال اللي تستاهله"
رمقت شاهيناز ابنتها من طرف عينيها، فيما شعرت رودينا بالاختناق والضيق، فاصطفت نفسها بعيدًا عن هذا الموقف، وجلست في ركن منعزل، كأنها غريبة في حضرة الحفل.
سألت شاهيناز شقيقتها بحذر
"و بنت الحلال فين أهلها؟، من وقت ما جينا، مفيش غيرنا إحنا أهل العريس"
أجابت رجاء بابتسامة دافئة، وذكاء يختلط بالحكمة و حيلة كاذبة
"ما هي وحيدة أهلها، وباباها كان رجل أعمال، ومامتها سيدة أعمال، كانوا عايشين بره وتوفوا، هي عايشة لوحدها، واتعرف عليها رحيم في إنجلترا، والتعارف قلب لحب، وأنتي عارفاني من نظرة واحدة بفهم اللي قدامي، واديكي شايفة الله أكبر عليهم، لايقين على بعض أوي"
لوت شاهيناز شفتيها جانبًا، وأخذت تبحث بعينيها عن ابنتها، بين طاولات الحفل وأضواء الزينة، بينما ارتفعت الموسيقى في أرجاء المكان، تعلن بداية مرحلة جديدة من الفرح والابتهاج.
أمسك رحيم يدين أميرة، التي وقفت بخجل، وطلبت منه برجاء
"بلاش رقص بالله عليك"
ضحك رحيم واخبرها
"وأنا كمان ما بعرفش أرقص، بس أنا فرحان أوي وعايز اتنطط… اتنططي معايا"
لم يمهلها التفكير طويلاً، فأخذ يرقص معها بحركات عشوائية وأضحكتها، رقصت معه علي الموسيقي، بينما المصور يوثق تلك اللحظات المضيئة، في صورة من السعادة والبهجة الصافية.
لاحظت أميرة ابتعاد رودينا عن دائرة الاحتفال، فتركت يد رحيم وذهبت إليها برقة
"قاعدة لوحدك ليه؟، تعالي شاركينا في جنان ابن خالتك"
ابتسمت رودينا رغماً عنها، فأمسكت أميرة بيدها وجذبتها إلى الساحة، فبدأ الثلاثة يرقصن معًا، كأن هذه اللحظة جاءت لتخفف عن رودينا همومها، ولتوقف ذهنها عن التشويش وضميرها عن التأنيب.
رقص الجميع تحت أضواء الحفل المتلألئة، وأضواء آلة التصوير التي التقطت لحظات الفرح الصافية، لتزين السعادة وجوه الحاضرين.
رغم هذا البهاء، ظل قلب أحدهم يحمل أسرارًا دفينة، لا يريد البوح بها، رغم تعدد الفرص أمامها، و مازالت لم تتعظ.
❈-❈-❈
كانت علياء تمسك يد لوجي بحنان وعطف، تداعب رأسها بحنو عميق، وتهمس في أذنها بصوت متردد يحمل بين ثناياه القلق والشفقة
"برضه مش عايزة تقولي مين عمر، وعمل فيكي إيه؟"
أجابتها لوجي بنظرة مثقلة بالألم والندم، وكأن قلبها يئن تحت وطأة ذنب اقترفته تجاه زوجة أبيها، وذاك عندما أقنعت والدها مرارًا بأن هناك علاقة بين آسر وعلياء.
"لو مش قادرة تتكلمي خلاص، بس عايزة أعرف منك حاجة بصراحة، وماتخافيش أنا جنبك ومش هاسيبك"
تنهدت بحرج واردفت، كأن كل كلماتها حُشرت في حلقها، ثم سألت بخجل خافت
"أنتي وعمر حصل ما بينكم حاجة؟"
لفت لوچي وجهها بعيدًا، ودموعها تلمع كحبات الندى على أوراق الصبح، ثم همست أخيرًا بصوت خافت، مليء بالحيرة والخوف
"معرفش… أنا صحيت ولاقيته جمبي، ولاقيت نفسي…
لم تتمكن من إكمال حديثها، فانفجرت بالبكاء الهستيري، إذ تسللت دموعها كجداول مياه جارية، حين دخل آسر الغرفة حاملاً كيس مليئ بمحتويات من الصيدلية.
عانقتها علياء على الفور، وصاحت بخوف
"آسر… جهزلي حقنة المهدأ بسرعة"
لم يتردد في تنفيذ ما طلبته، وأمرها
"امسكي دراعها كويس، وأنا هديهلها"
ثم غرز الإبرة، فبدأ بكاء لوجي يخفت تدريجيًا، حتى استقر على همسات متقطعة، فوضعتها علياء برفق على الفراش، وارتجف قلبها أمام حالتها المؤلمة.
"التواليت فين؟"
سألته وهي تحاول كتم دموعها، فأجابها
"في آخر الطرقة"
ركضت سريعًا إلى الحمام، وغرقت وجهها بمياه الصنبور، مسحت دموعها بيد مرتجفة، واضعة كفها على فمها حتى لا يسمع أحد أنينها.
وفي الوقت نفسه، دخل آسر الغرفة الخاصة بشقيقته وزوجها المتوفي، وبدأ يبحث في الخزانة عن قميص نظيف ليبدله عن القميص المتسخ من قيء ابنة صديقه.
وجد قميص مناسب، وهمّ بإغلاق أول زر، فإذا بصوت جرس المنزل يرن بعنف.
خرج على عجلة من أمره
"ده مين اللي بيخبط بالغباء ده؟!"
وما إن فتح الباب، حتى وجد يوسف ذاته واقفً أمامه، رمقه آسر بصدمة وهو يدرك عقلية صديقه المتهورة جيدًا.
"إيه يا صاحبي مالك مصدوم لما شوفتني؟!، مكنتش متوقع إن هاعرف بتتقابلوا امتي وفين؟!، مش دي برضه شقة أختك؟، المفروض هي سيبالك الشقة أمانة لحد ما ترجع من السفر، ماتعرفش إنك هتقلبها وكر لتقابل فيه عشيقتك الخاينة"
وفي نفس لحظة الحدث، ظهرت علياء وهي تجفف وجهها بالمنشفة، مرتدية قميصًا مفتوح أزراره العليا، بينما سترة البدلة النسائية التي كانت ترتديها ملقاة على الأريكة.
وقف آسر بقميص مفتوح أزراره أيضًا!
جالت عين يوسف في تلك التفاصيل، وضحك بسخرية
"أهلاً أهلاً… سبحان الله، طلعتي على سيرتك"
وبخه آسر بغضب
"وطي صوتك يا يوسف وعيب اللي بتقوله، أنت مش فاهم حاجة، ادخل وأنا هافهمك كل حاجة"
"هتفهمني إيه؟!، كل حاجة واضحة، الهانم ما صدقت تعملها خناقة معايا وتغضب، وبكدة تبقى خدت حريتها وتقدروا تتقابلوا براحتكم"
صاحت علياء، وقد امتلأ صدرها بالغضب والصدمة من اتهاماته الباطلة
"أنت أغبى واحد شوفته في حياتي، وندمانة على اليوم اللي رجعتلك فيه بعد ما كنت بتتحايل عليا عشان أسامحك وأوافق تتجوزني"
اقترب يوسف منها بعينيه التي تقذف الشر كالشرر المتطاير
"ما أنا فعلاً غبي، ها… أنا غبي!"
وفجأة، وجه لها صفعة قوية أطاحت بها على الأرض.
لم يستطع آسر تحمل ما فعله صديقه، فاندفع نحوه ولكمه قائلاً
"ماتمدش إيدك عليها يا حيوان"
وبالرغم من إصابة يوسف والخدش الذي في وجهه، لم يُظهر ألمًا، و رد الضرب لصديقه
"وأنت مالك يا و…، ولا عشان الو… تبقى عشيقتك؟!"
زمجر آسر بغضب، وسدد العديد من الضربات ليوسف حتى ساد التفوق لآسر.
ابتعد يوسف فجأة، وأخرج مسدسه من خلف ظهره، وأطلق رصاصة في الهواء.
صرخت علياء، واضعة كفيها على أذنيها، تهز رأسها باستنكار، وكأن عينيها ترفضان تصديق ما تراه.
صاح آسر وهو يلتقط أنفاسه
"نزل المسدس يا غبي… والله لهتندم على كل كلمة وفعل قولته وعملته يا يوسف"
رمقه الأخر بازدراء، وحدق علياء بنفس نظرات الازدراء و الاشمئزاز قائلاً
"وأنا مش هلوث إيدي بدمكم القذر، ومش هودي نفسي في داهية عشان واحد و… زيك، ولا واحدة و… وقذرة زيها، ولا حتى هي تستاهل تكون على ذمتي ثانية واحدة"
ثم نظر لها بازدراء من أسفل إلي أعلي، وألقي عليها قوله الذي كان كالرصاص القاتل
"أنتي طالق"
يتبع...
جاري كتابة الفصل الجديد للروايه حصريا لقصر الروايات اترك تعليق ليصلك كل جديد أو عاود زيارتنا الليله
لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كامله من هناااااااااا
مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا

تعليقات
إرسال تعليق
فضلا اترك تعليق من هنا