القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية غرام الذئاب الفصل الثاني والثلاثون32 بقلم ولاء رفعت (حصريه وجديده في مدونة قصر الروايات )

 رواية غرام الذئاب الفصل الثاني والثلاثون32 بقلم ولاء رفعت (حصريه وجديده في مدونة قصر الروايات )



رواية غرام الذئاب الفصل الثاني والثلاثون32 بقلم ولاء رفعت (حصريه وجديده في مدونة قصر الروايات )


#الفصل_الثاني_والثلاثون

#غرام_الذئاب

#الجزء_الرابع_من_سلسلة_صراع_الذئاب

#ولاء_رفعت_علي


عدت إليكِ مثقلًا بالخذلان، أحمل جسدًا أنهكه السهر، وروح أتعبها الهروب من الحقيقة.

ظننت أن الحضن يطفئ الذنب، وأن النوم بين ذراعيكِ كفيل بأن يُسكت ضجيج الماضي.

غفوتُ مطمئنًا، كأنني لم أترك في قلبكِ ندبة،

وكأن الخطايا تُمحى بالتعب، لا بالاعتراف.


كنان صفوت العمري

.............. 


عبر بوابة قصره بسيارته، فانكشفت أمام ناظريه الحديقة الغناء، حيث لمحت عيناه صغيريه غارقين في شجار طفولي محتدم. 

  ابنته تتشبث بلعبة شقيقها، بينما يجذبها الأخر منها عنوة، وقد علا صوته بنبرة حادة متعالية

"سيبي السكوتر بتاعي مش هاتعرفي تلعبي عليه، وهاتكسريه زي ما كسرتي بتاعك" 


رمقته بعينين تقدحان غضبًا، وردت متحدية وقد احتقن صوتها بالغيظ

"كداب!، إنت اللي كسرتلي السكوتر بتاعي، وهقول لبابي لما يرجع، أوعي من وشي!" 


ودفعته في صدره دفعة صغيرة، لكنها كانت كافية ليختل توازنه، فيتعثر ويسقط أرضًا. 

 نهض بسرعة مشتعلة، واندفع نحوها وصفعها على وجهها وهو يصيح

"يا غبية!" 


دوى الصوت في أرجاء الحديقة، وفي اللحظة ذاتها صدح صوت رجولي صارم، كالسوط، قادم من خلفهما

 "مالك؟!" 


كان والدُهما قد ترجل لتوه من سيارته، فهرعت الصغيرة إلى البكاء، قابضة على خدها، والدموع تنهمر غزيرة

"والله لأقول لبابي إنك ضربتني بالقلم" 


وانطلقت تجري نحوه، لكن خطواتها الصغيرة خانتها، فتعثرت وسقطت على وجهها. 

 انتفض قلبه فزعًا، وأسرع بخطاه نحوها، انحنى والتقطها بين ذراعيه، فوجدها تنتحب بحرقة.


"مش تاخدي بالك يا زوزو وانتي بتجري يا حبيبتي؟" 


وقعت عيناه على ركبتها، وقد شُجت بجرح صغير نازف، فرفعت وجهها إليه من بين دموعها وقالت بصوت متهدج

"لوكا يا بابي مش عايز يديني ألعب بالإسكوتر بتاعه، وكسرلي بتاعي، وضربني بالقلم" 


ضمها إليه وربت عليها بحنان أبوي دافئ، بينما ذراعيها معلقتان بعنقه

"ما تعيطيش يا حبيبتي،  تعالي الأول نغسل رجلك ونطهر الجرح" 


ورمق ابنه بنظرة حادة أجفلته، كاد الصغير أن يتكلم

"هي يا بابي اللي…


لكن والده قاطعه بصرامة لا تقبل الجدال

" اطلع على أوضتك، وما تخرجش منها"


احتج الصغير بعناد مكبوت

"يا بابي والله هي اللي زقتني الأول" 


"أنا قولت إيه؟!" 


جز صغيره على أسنانه بغيظ، ثم أذعن للأمر، فركض إلى الداخل وصعد الدرج بخطوات غاضبة.

  و في طريقه صادفته زينات التي لمحت حالته فسألته بقلق

"مالك يا لوكا؟" 


لكنه لم يجب، ومضى صاعدًا، في تلك الأثناء انتبهت إلى قصي وهو يدخل حاملاً ابنته بين ذراعيه، فشهقت حين رأت ركبتها تسيل دمًا، وبكاءها لا ينقطع. قال لها بسرعة آمرة

"هاتي شنطة الإسعافات يا داده، على ما أغسلها رجلها بسرعة" 


"حاضر" 


أسرعت لتنفيذ طلبه، بينما دخل هو الحمام، فتح الصنبور، واغترف الماء بيده، وأخذ يغسل ساق صغيرته. 

 تأوهت، واشتد بكاؤها

"آه… بتوجعني يا بابي" 


"معلش يا قلب بابي، لازم نغسلها عشان ما تتلوثش" 


أمسك بمنشفة قطنية، وجفف ساقها برفق بالغ، متحريًا موضع الإصابة بعناية وحذر. ثم خرج بها، وجلس على الأريكة، وأسندها على ساقيه، بدأ بتطهير الجرح وضمده بإتقان.


"بس خلاص… كده مش هتوجعك" 


همّ بالوقوف، لكنها أمسكت به فجأة، وسألته بقلق صادق

"إنت طالع تضرب لوكا؟، أنا خلاص سامحته" 


توقف ونظر في عينيها، فرأى خوفها على شقيقها، فقال بنبرة هادئة مطمئنة مبتسمًا

"أنا ما بضربش حد فيكم يا زوزو، أنا طالع هاتكلم معاه واتطمن على مامي" 


خفضت صوتها واخبرته

"مامي نايمة تعبانة، ومش عايزة تفطر ولا تتغدى معانا، واللي بيدخلها الأوضة تزعقله" 


تسلل القلق إلى قلبه مع كلمات صغيرته، فصعد الدرج بخطوات مثقلة، وهو يدرك أن زوجته بدأت تعاني أعراض الوحم، وأن الإعياء صار رفيقها في أغلب الأوقات، فخشي عليها كما لم يخشَ من قبل.

                          ❈-❈-❈


و بمجرد أن دخل الغرفة لم يجدها على الفراش، فانتبه إلى صوت تأوهها الخافت آت من الحمام، فاندفع نحوه سريعًا، فوجدها جالسة أمام المرحاض، تفرغ ما في جوفها، ثم تنهض بوهن، ضعيفة ومرهقة.

سندها بين ذراعيه، محاوطًا خصرها بحنان غادق

"على مهلك يا حبيبتي" 


فتح صنبور الحوض، وبدأ يغسل وجهها، فرفعت عينيها إليه، يبدو علي ملامحها الإعياء فسألها

"لسه تعبانة؟ أكلم الدكتور؟" 


هزت رأسها رافضة، وأجابته بصوت يغلبه الوهن

"دايخة شوية، بس لما هنام هابقي أحسن" 


حملها علي ذراعيه برفق وخرج بها، ووضعها على الفراش مطمئن

"طيب… تعالي ارتاحي على السرير، وأنا هاقول لزينات تخليهم  يحضروا لك الأكل، لازم تاكلي عشان ما تتعبيش أكتر" 


تنهدت وقالت بصوت خافت

"مش قادرة آكل ولا أشرب… بطني بتوجعني وبيحصلي زي ما شوفت من شوية" 


أمسك يدها بحنان واخبرها

"مش أنتي أيام حملك في مالك وزوزو، كنتي بتاخدي برشام يقلل الغثيان ده معاكي؟" 


ابتسمت ببطء، وقد ظهرت ملامح الذكرى على وجهها

"تصدق أنا كنت ناسيه البرشام ده خالص" 

ابتسم هو قائلاً

"أنا لسه فاكر وعمري ما بنسي أي حاجة تخصك يا حبيبتي، أنا هاكلم الصيدلية وهخليهم يبعتوا لك كذا علبة" 


وبينما يرسل الطلب عبر تطبيق الصيدلية، قالت هي بامتنان

"ربنا يخليك ليا يا حبيبي" 


احتضنها بحنان، وربت على ظهرها برفق، فجأة طرق الباب، فسمع صوت زينات

"الغدا جاهز يا صبا" 


أذن لها قصي بصوت واضح

"اتفضلي يا داده" 


دلفت الأخرى، فاخبرته زوجته وهي متعبة

"يا قصي، مش قادرة بجد أؤكل  أنا ما صدقت معدتي ارتاحت" 


أمسك يدها بحنان، وأخبرها بحزم رقيق

"ما ينفعش يا حبيبتي، لازم تاكلي، عشان صحتك، وعشان تقدري تقومي وتقعدي مع ولادك، أنا جيت لاقيتهم بيضربوا بعض" 


شهقت وعقبت بقلق

"تاني!، أنا تعبت مش عارفة أعمل معاهم إيه، زوزو بتستفز أخوها، ومالك بقاله فترة حاطتها في دماغه، كل ما تعمل معاه حاجة ما يسيبهاش غير لما ياخد حقه منها" 


رد هو بعينين حادتين، لكن صوته هادئ

"ما أنا واخد بالي، وحذرته كذا مرة، وحظه إنه أنا جيت شايفه وهو بيلطشها بالقلم" 

شهقت صبا فتدخلت زينة، تاركة صينية الطعام على الطاولة، وطمأنتها

"هم أطفال يا بنتي، وارد يتخانقوا، وفي الآخر بيتصالحوا، و اسم الله عليهم روحهم في بعض" 


رد قصي بصرام 

"العيال بتتربى وتتعلم يا داده، خصوصًا مالك المفروض بقي في سن فاهم بيعمل إيه، أنا محذره كذا مرة قبل كده، خلي بالك من أختك، ولو غلطت فيه، يجي يقولي وأنا هحاسبها، ومحدش يمد إيده على التاني، اللي يغلط لازم يتربي، أنا قولتله يطلع أوضته وما يخرجش منها، ولسه هروحله وأتكلم معاه" 


رفعت زوجته صوتها برجاء، محاولة تهدئته

"بالله عليك… بلاش تقسي عليه وإنت بتتكلم معاه… فهمه براحة" 


ابتسم لها بثقة وطمأنها

"صبا… أنا عارف هاعمل إيه مع ابني، أنا بربي راجل، جو الدلع بتاعك ده هيخليه لا مؤاخذة مش راجل، يلا قومي عشان تاكلي" 


تنهدت و رمقته بامتعاض قائلة بعناد

"قولتلك، مش هاكل" 


رفع حاجبه وظل يحدق بها لثوان، ثم التفت إلى زينات

"اتفضلي أنتي يا داده، روحي شوفي الولاد" 


ابتسمت وهمّت بالمغادرة

"بالهنا والشفا على قلبكم" 


وغادرت الغرفة، بينما هو خلع سترته برفق رشيق، وألقاها جانبًا، ثم فك أزرار أكمامه واحد تلو الآخر، رافعًا كليهما إلى الأعلى، قائلاً ويبتسم بلمحة من التحدي

"واضح إن العيال مش بس هم اللي عايزين يتشد عليهم" 


اقترب منها، فالتفتت إليه بعينين شعت فيهما الغضب والامتعاض، قالت بنبرة متقطعة بين الحزم والانكسار

"قصي، أنا مش فايقه بجد لهزارك، أنا متضايقة و مش طايقة نفسي، سيبني في حالي" 


ابتسم وهو يرد بهدوء يحمل طيف العاطفة والحنان في صوته

"ما أنا هاسيبك في حالك، بس بعد ما تاكلي" 

حملها بين ذراعيه، ومضى بها نحو الأريكة، فجلس ووضعها على ساقيه، وبدأ يُطعمها بعناية واهتمام بالغ، كلما رفعت يدها وقالت

"كفاية… مش قادرة" 

كان يضع في فمها ملعقة من الأرز والخضار، يليها قطعة لحم، قائلاً بنبرة صارمة 

"لازم الأطباق دي تخلص وتتغذي كويس، 

فابتسمت بتمرد طفولي 

" علي فكرة، أنت رخم"


ابتسم بزهو وفخر

"قولي حاجة جديدة يا روحي" 


تراجعت ببطء، محدقة في الملعقة التي أمام شفاها، ترفض المزيد من الطعام، حدقت زوجها بابتسامة ماكرة

"أنا شبعت الحمدلله، نيجي للتحلية" 


وفجأة، قامت وقبلته بلا مقدمات، فاخفض يده الممسكة بالملعقة، وجعلها تسقط برفق على الصينية، ابتسمت له بعينين تلمعان بالحيوية والدهشة.

نهض وهو يحملها علي ذراعيه، ولم يفصل قبلتهما، فهبطا معًا إلى الفراش بهدوء ورقة، وفصل قبلته بعد أن استقر بها. 


بدأ بفك أزرار قميصه وهو يرمقها بابتسامة ماكرة، ثم خلع القميص وألقاه جانبًا ليقترب منها من جديد.

قبل أن تنطلق بينهما رحلة رومانسية خفية، قال بدهاء يملؤه اللعب والمكر

"بعد ما نخلص التحلية، هانتغدي مع بعض، مفيش مهرب من الأكل، ده أمر إجباري مش اختياري" 

و غمز لها بعينه ثم أبحر معها في عالم آخر، يلقنها فيه قواعد العشق، حيث لا صوت يعلو سوى نبض القلوب. 


                      ❈-❈-❈


داخل سيارة فارهة تابعة لعائلة باسم، كان الصمت يخيم علي الأجواء، مختلط بنفس الترقب والقلق، حتى قطعه صوت الأم الحازم، وهي تحاول استعادة زمام الأمور

"يا بنتي، راجعي نفسك، إحنا لسه فيها، أنا مستعدة آخدك ونسيب شقتنا ونروح نشوف أي مكان نقعد فيه، لا باسم ولا الجن الأزرق يقدر يوصل له" 


ألقت ابنتها نظرة خاطفة نحو السائق الذي يراقبهما من خلال المرآة، وهمست بخفوت مشحون بالتحدي

"وطي صوتك يا ماما، وبعدين أنا أخدت قراري خلاص، وكلها أيام على فرحي" 


صاحت والدتها بنبرة يغلبها القلق والتحذير

"أنا نفسي أعرف أنتي بتفكري  في إيه، ولا بتخططي لإيه يا فجر، بس لو ناوية على شر عشان تنتقمي منه قبل ما تعمليها، هاتكوني بتدمري نفسك" 


باغت التجهم وجه الابنة، وسرعان ما امتلأت عيناها بالدموع، ومنعتهاما من الانزلاق

"وهو أنا لسه مادمرتش؟!، بس فيه فرق لما أكون متدمرة وعدوي عايش حياته، وبين العكس، أنا هادفعه التمن غالي أوي" 


نظرت الأخرى إليها بسخرية، تشعر بالقلق والخوف

"يا خوفي لتدفعي انتي التمن" 


أشاحت وجهها عن والدتها، مستترة وراء صمت يخفي آلاف الأهات، وصرخات قلب قد تحطم وأصبح أنقاض متكسرة.


لم تمضِ سوى دقائق حتى توقفت السيارة أمام منزل عائلة باسم، واستقبلهما بهدوء وأناقة. 

 

نزل السائق وفتح لهما أبواب السيارة برقي، لترتفع خطوات فجر نحو المنزل العصري الفاخر، حيث اقترب باسم منها بترحاب:

"نورتي بيتك يا حبيبتي" 


أمسك يدها وكاد يقبلها، لكنها جذبت يدها برفق وامتعاض، محدقة فيه بنظرة حازمة، بينما اخفى غضبه خلف ابتسامة هادئة

"يا أهلاً وسهلاً" 


ومد يده نحو والدة فجر، فصافحته على مضض، دلف الجميع إلى الداخل، حيث كانت في استقبالهما والدة باسم، بابتسامة دافئة

"أهلاً وسهلاً، نورتوا الفيلا" 


ردت والدة فجر بأدب

"أهلاً بحضرتك" 

تبادلتا المصافحة، وقالت الأخرى بمزح مداعبة

"و مين كان يصدق، بعد ما كنا خصوم في المحكمة، بقينا نسايب"


لم تعقب والدة الأخرى على حديثها، فكفى نظراتها التي استوعبها باسم ووالدته، فحمحم مبتسمًا وقال

"ما تيجوا نقعد في الجاردن بره، الجو حلو أوي" 


أجابت والدته

"إحنا الكبار هانقعد في الصالون، وخد أنت عروستك واقعدوا في الجاردن" 


و نظرت إلى والدة فجر قائلة لها برفق

"اتفضلي حضرتك" 


ذهبت معها الأخرى، بينما أخذ باسم فجر بيده وتقدما نحو حديقة المنزل، حيث الهواء العليل والهدوء يحيطان بهما، كأنهما في عالم وردي بعيد عن كل التعقيدات والصراعات.


                           ❈-❈-❈


وقفت تتأمل المكان من حولها، وكل زاوية وكل ركن كان يصرخ بالفخامة والرقي، مشهد يشي بالثراء والرفاهية التي تعيشها تلك العائلة. 

 تنفست ببطء، محاولة استيعاب كل التفاصيل، انتبهت إلى باسم الذي وقف بجوارها مبتسمًا، صوته يغمر المكان دفء، يسألها

"إيه رأيك في بيتنا؟، علي فكرة، هايبقى بيتك أنتي كمان" 


التفتت إليه باستفهام، وعينيها تعكس الدهشة والحيرة

"هو إحنا هانعيش هنا؟" 


ابتسم  بخفة وكأن كل شيء يسير وفق ما يشتهي قلبه

"المفروض، بس لو عايزة أخلي بابا يشتريلنا شقة برة، مش مشكلة، سهل جدًا، وشوفي عايزاها تكون فين، و أنا تحت أمرك" 


اقترب منها حتى أصبح على مقربة شديدة، واردف يمسك خصلة حائرة من شعرها، ليعيدها خلف أذنها برقة واهتمام

"المهم تكوني مرتاحة، والأهم هانكون مع بعض" 


ابتلعت ريقها وابتعدت مولية ظهرها إليه، محاولة أن تسيطر على توتر قلبها

"مش هايفرق المكان، أنا زي ما اتفقت معاك، جوازنا هايبقى على ورق، بس ياريت يكون الحوار ده ما بيني وبينك" 


ابتسم  بسخرية خفيفة، وردد وهو يمسح بخفة على ذقنه

"آه… على ورق… وماله" 


التفتت إليه، ورفعت حاجبها بتحد لا يخفي تحفظها

"لو مش عاجبك… إحنا لسه فيها، كل واحد فينا يروح لحاله" 


ضحك وصوت ضحكته يملأ المكان بهجة وحيوية، قال وهو يقترب منها بخفة

"ومين قال مش عاجبني يا فيجو يا حبيبتي؟، ده عاجبني أوي، أنا أصلاً مش مصدق نفسي إن كلها أيام وتبقى مراتي" 


قابلت رده بابتسامة تتخللها السخرية، عيناها تلمعان بتلك المزحة العابرة، لكنها أيضًا تختزن مشاعر مختلطة من الدهشة والحيرة، والحرارة التي تتسلل إلى قلبها من حضوره القريب.


                       ❈-❈-❈

 منذ أن دخل غرفته وألتزم بالمكوث داخلها كما أمره والده، أمسك اللوح الألكتروني وأخذ يلهو بالألعاب الألكترونية، ليشتت غضبه. 


 انفتح الباب بهدوء، دخل والده وأغلق الباب خلفه دون أن يصدر صوتًا.

تقدم بضع خطوات، ثم جلس على المقعد المقابل للسرير، وأسند مرفقيه إلى ركبتيه، ونظر إلى ابنه نظرة ثابتة، لا غضب فيها ولا لين.


وعندما لاحظ الصغير وجود والده ترك اللوح علي الفور واعتدل جالساً ويبلع ريقه بتوتر، يعلم مجئ والده من أجل معاقبته، لذا همّ بالدفاع عن حاله، لكن والده سبقه بصوت منخفض صارم

 "مالك، عايزك تسمعني كويس لأني لأخر مرة هحذرك"


رفع الصغير عينيه بتردد، فالتقتا بعيني أبيه، فخفض رأسه سريعًا.


"أنا ما دخلتش هنا علشان أزعق، ولا أضربك"

توقف لحظة، ثم أكمل حديثه

"دخلت علشان أفهمك غلطك وتتحاسب عليه"


تململ الصغير وقال بصوت خافت

 "هي اللي زقتني الأول يا بابي، و كانت عايزة تاخد السكوتر بتاعي"


أومأ والده برأسه، كأنه يتوقع الإجابة "حتى و لو ده حصل، هل ده يديك الحق ترفع إيدك على أختك وتضربها؟"


صمت الصغير، وهز ساقه بتوتر جلي لوالده الذي أمره بحده

"رد عليا"

 

هز رأسه نفيًا

 "لاء"


"طيب"

اعتدل قصي في جلسته، وصار صوته أعمق

"إنت عندك تسع سنين، يعني فاهم كويس الفرق بين القوة والظلم، و قبل كده مفهمك اللي يضرب بنت أضعف منه مش قوي ولا يبقي راجل"


ارتعشت شفتا الصغير 

"أنا ما كنتش قاصد أضربها بالقلم أو أوجعها"


"بس ضربتها ووجعتها"

قاطعه والده بهدوء و أردف

"والقلم اللي نزل على وشها، زعلني أنا قبل ما يزعلها هي"


نهض وسار حتي وقف أمام والده، رفع عينيه بقلق يسأله

 "حضرتك زعلان مني؟"


تنهد والده بعمق واخبره

 "زعلان من اللي عملته، مش منك

بس اسمعني كويس"


وضع يده علي كتف صغيره و بيده الأخرى يلوح بها له مزامنة مع كلماته "أختك خط أحمر، مرة تانية إيدك تفكر تتمد عليها، افتكر إنك بتزعلني أنا مش هي"


اتسعت عينا الصغير، وبدأت الدموع تتجمع في عينيه 

 "أنا آسف يا بابي… مش هكررها تاني"


 "الأسف لوحده ما يكفيش، أختك تطلع 

و تعتذر لها قدامي، ده غير أنك هتفضل ممنوع من السكوتر أسبوع حتي التابلت بتاعك محروم منه"


شهق الصغير معترضًا

 "أسبوع!"


رد والده بحسم وصرامة

"ده عقاب، علشان تفتكر إن الغلط له تمن"


ثم أضاف بنبرة أخف

 "وآخر مرة أشوفك بتمد إيدك علي أختك، و لو كررتها المرة الجاية الحساب هيبقى أكبر، ومش هيعجبك"


انحنى الصغير وانهارت دموعه

 "حاضر… مش هعمل كده تاني"


ربت علي كتفه و بيده الأخري رفع وجه صغيره

 "هو أنا بكلمك عشان تعيط؟!، أنا بتكلم مع راجل، انشف كده أنت المفروض بعدي هنا في القصر، ماشي يا صاحبي؟"


و غمز له بعينه مبتسماً حتي يجعل ابنه يتوقف عن البكاء، وهز رأسه بايماءه 

"ماشي" 


"ماشي يا إيه؟" 


ابتسم الصغير

"ماشي يا صاحبي" 

فتح والده ذراعيه له فارتمي بينهما، يعانقه والده بحنان بعدما لقنه درس تربوي يبدو في ظاهره حاد وقاسي لكنه نابع من قلب أب حنون. 


                       ❈-❈-❈


لدى والدة باسم، جلست الأم في مواجهة امرأة تُخفي خلف هدوئها الرسمي عاصفة من الهواجس. 

 ملامحها هادئة، لكن العيون تفضح ما لا يقال، قطعت هذا الصمت بصوت يحمل نبرة من التحفظ والحذر

"أنا عزمتكم النهاردة عشان كنت عايزه أقعد معاكي ونتكلم شوية لوحدنا، بس ياريت الكلام ده يكون بيني وبينك، يعني لا باسم ولا فجر يعرفوا باللي هقوله" 


حدقتها الأخرى بترقب واع، فقد أدركت جيدًا فحوى ما سيقال، وكأنهما رغم الاختلاف الذي بينهما، لكن تقفان على أرضية واحدة. 

 تنهدت والدة فجر بعمق، ثم قالت بثبات

"ما تقلقيش يا مدام.... " 


ابتسمت الأخرى ابتسامة رسمية، تخبرها بالاسم

"مدام سلمى" 


أومأت الأخرى وأعادت العبارة بنبرة أكثر اتزان

"ما تقلقيش يا مدام سلمى، اتفضلي… سمعاكي" 


حمحمت الأخرى كمن يهيئ الكلمات قبل أن يطلقها، ثم قالت بوضوح لا يخلو من ألم دفين

"أنا مش موافقة على جواز باسم من فجر، وقبل ما تفهميني غلط، عايزه أفهمك سبب رفضي، مش عشان فرق المستوى طبعًا، لأن إحنا كنا في يوم من الأيام زيكم، وبابا باسم كافح وربنا كرمه من وسع، نيجي لسبب عدم موافقتي، وهو إني مش عايزه أظلم بنات الناس مع ابني، ابني صعب، ولما بيحط في دماغه حاجة بيعملها مهما كلفه الأمر، وللأسف باباه بينفذ له كل طلباته، حتى موضوع جوازه، باباه فاكره إنه شبطان في لعبة، ومسألة وقت، ولما هيزهق منها هيرميها، وأنا عندي بنت، وخايفة يترد لها اللي بيعملوه أبوها وأخوها" 


اتسعت عينا الأخرى دهشة مما سمعت، ثم عقبت بصوت صريح يختلط فيه الخوف بالمرارة

"والله يا مدام سلمى، مخبيش عليكي، أنا زيك بالظبط، مش موافقة خالص، وبنتي هي اللي مصممة، ما تزعليش مني، أنا مش عايزه بنتي تتجوز واحد كان هيقتلها لمجرد إنها بعدت عنه أنا كنت عارفة بقصة حبهم، ومكنتش راضية على الوضع، إحنا أهلنا ربونا إن الحب والمشاعر تخرج للزوج اللي يكون حلالك، غير كده تبقى قلة أدب، بس أجيال اليومين دول بالنسبة لهم الأصول وتعاليم الدين أفكار رجعية ودقة قديمة" 


تنهدت بعمق، كأنها تُفرغ ما تبقى في صدرها من قلق دفين، ثم أكملت

"نرجع لموضوعنا، أنا مش لاقيه حل أرجع بنتي عن قرارها، وخايفة أقف قصادها أخسرها، أو ابنكم يأذيها تاني، وأنا ست بطولي، مالناش حد غير ربنا" 


مالت سلمى قليلًا إلى الأمام، ونبرتها هذه المرة تحمل يقين بارد لا يقبل التردد

"أنا عندي الحل… بس تنفذي اللي هقولك عليه بالحرف الواحد" 

"قولي وأنا معاكي في أي حاجة تكون في مصلحة ولادنا" 


                         ❈-❈-❈


عادت من السوق تثقل ذراعيها أكياس ممتلئة، تتدلى من قبضتيها كما تتدلى أعباء الأيام من روح أرهقها تحمل هذا الوضع المزري. 


ما إن وطأت عتبة الشقة حتى باغتها الظلام، ظنت إنه انقطاع مفاجئ للتيار الكهربائي. 

 تقدمت خطوتين، ثم نادت بقلق

"سالم؟… ريتاج؟… أنتم يا عيال روحتوا فين؟" 


لم يأتِها رد، وفي اللحظة ذاتها انسكب النور فجأة، فامتلأ المكان بالضوء، وأُغلق الباب خلفها بإحكام. 

 شهقت بفزع خاطف، لكن شهقتها انطفأت حين وقعت عيناها على من أغلق الباب، فها هو زوجها! 


وقبل أن تنطق بكلمة، انتبهت إلى ما أعده لها من أجواء شاعرية مصطنعة؛ مائدة يتراقص فوقها وهج الشموع الذهبية، وورود متناثرة كأنها محاولة متأخرة لرتق قلب مكسور، وأطباق طعام شهية تفوح بروائحها، وعلبة مغلفة بالمخمل الأحمر، توحي بأنها هدية محملة بالاعتذار.

في عينيه ارتسم ندم ثقيل، جلس على إحدى ركبتيه أمامها، وأمسك يدها قائلًا بصوت خرج من أعماقه

"والله العظيم ندمان ندم عمري، وطالب السماح وفرصة أخيرة، وأوعدك وعد راجل حر عمري ما هكررها تاني، أنا ماليش غيرك، وعمري ما هلاقي واحدة زيك، بنت حلال وبنت أصول، شايلاني وشايلة بيتي وولادي في عينيها، وأنا كنت غبي يوم ما فكرت أبص لغيرك، والشيطان عمال يدورلي على حجج ومبررات كانت حلولها سهلة وبسيطة، لكن أنا زي أي واحد استسهل الحرام وأنا معايا جوهرة" 

انحنى وقبّل يدها، ثم وقف وهو يقول

"أنا آسف يا شيماء، حقك عليّا، كفاية بقى بعاد وخصام، خلينا نفتح صفحة من أول وجديد، أنا بحبك أوي، ومش قادر أستحمل بعدك عني أكتر من كده" 


بينما هي تقف أمامه صامتة، لكن عينيها كانتا تصرخان بما عجز اللسان عن قوله؛ تحكيان عن وجع ثقيل عاشته الأيام الماضية، وعن خيانة نزفت قلبها وأحدثت فيه شروخ وجراح لا تلتئم. 


"بحبك أوي يا شيماء"

تفوه بالكلمات من فؤاده واقترب منها، قبّل رأسها، ثم مال نحو شفتيها، بينما عيناها لا ترى إلا المشاهد التي حفرت ذاكرتها في الغردقة، يوم رأته برفقة روميساء.

دفعته قبل أن تمس شفتيه خاصتها، وانفجرت ثورة الوجع والحزن المختزنة بداخلها صراخات في وجهه

"أنت فاكرها بالساهل كده يا ابن الشيخ سالم؟!، أنت عارف عملت فيّا إيه؟!، أنت كسرتني، خيانتك ليا عملت جوايا شرخ كبير عمال ينزف من ساعتها لحد دلوقتي، أنا وجودي معاك هنا مش علشانك، ولا علشان مش قادرة أبعد عنك، أنا سبب وجودي عشان خاطر الولاد، مالهمش ذنب أعيشهم مشتتين ما بينا لو انفصلت عنك، مضطرة أجي على نفسي وأستحمل أشوفك كل يوم في وشي عشانهم، ولو عندك ذرة عشم إني أسامحك وأرجع، يبقى أنت غلطان، أقولك عشان ترتاح، وأنا اللي بقولهالك بنفسي، روح اتجوز يا طه، روح اتجوز أحسنلك، لأنك هتفضل بالنسبة لي أبو عيالي وبس" 


ألقت كلماتها كأنها حجارة، وتركته خلفها، وأسرعت بخطوات متعثرة نحو غرفة صغارها قبل أن يرى دموعها، دوى صوت صفق باب المنزل، فاهتزت جدران الشقة ونوافذها، وارتفع صدرها يعلو ويهبط بعنف، هنا فقط انهارت، وجلست على الأرض وأجهشت في بكاء مرير، بكاء امرأة انكسر قلبها ولم يبقَ لها سوى الصبر.


                          ❈-❈-❈


صعدت درجات الشركة بخطوات واثقة، تحمل  حقائب صغيرة تتراقص داخلها روائح الطعام الدافئ، وتختبئ بينها علب الحلوى . 

لم تكن زيارتها عابرة؛ كانت نية مبيتة للفرح ومفاجأة مصنوعة على مهل، جاءت لتعيد ترتيب قلب أرهقته الدوامات.


تقدمت نحو مكتب زوجها، استقبلتها السكرتيرة بنظرة متفاجئة، فابتسمت  ابتسامة وديعة، وسألتها بثقة هادئة 

"آدم جوا؟"


لم تمضِ لحظات حتى فتحت الباب، وظهر آدم متيبسًا في مكانه بعد أن تفاجئ بها، تلاقت عيناها بعينيه، فانبثقت الدهشة على ملامحه، تلتها ابتسامة واسعة. 

"خديجة!، إيه المفاجأة الحلوة دي"


دخلت بخفة، ووضعت الحقائب فوق الطاولة، وقالت بنبرة مشبعة بالدفء "قولت اعملك مفاجأة واجيلك نتغدى سوا، أكل وحلويات بيتي هايعجبوك أوي"


اقترب منها، جذبها من كفها برفق، وحدّق فيها طويلًا 

" أحلي مفاجأة علي قلبي، و علي فكرة أنتي كنتي علي بالي، أصلك وحشاني أوي"


جلست أمامه، وأسندت كفيها إلى الطاولة، ثم تنفست بعمق، وقالت فجأة بنبرة صادقة خالية من التكلف 

  "و أنت كمان واحشني، و قبل ما انسي عايزه أقولك أنا شلت من دماغي خالص موضوع البيبي التاني زي ما قولتلك قبل كده"


تجمد للحظة، قبل أن يجلس قبالتها مصغيًا بكل جوارحه.


فاكملت حديثها

"و كمان قررت أخلي كل اهتمامي بيك إنت، و بيوسف ابننا، بس اهتمامي هايبقي بيك أكتر، هدلعك وهشبعك حب و اهتمام لحد ما تقول كفاية"


ابتسم فتابعت وقد تلألأت عينيها وهي تخبره 

 "وفيه قرار تالت، كان نفسي آخده من زمان، بس كنت خايفة إنك ترفض، أو تتريق عليا، علشان مؤهلي الدراسي أقل ومش هابقي مناسبة"


قطب حاجبيه

 "قرار إيه ده؟"


قامت ووضعت يديها علي كتفيه، مالت نحوه قليلًا، وهمست كمن يبوح بسر "عايزة أبقى سكرتيرتك الخاصة، 

نعيش جو روايات المراهقين، و مكتبي يبقي هنا جوه مكتبك"


انفجر ضاحكًا، ضحكة صافية خرجت من صدره وقال

 "إحنا كده مش هنشوف أكل عيشنا خالص!"


رمقته بمكر محبب، فسألته

 "ليه كده يا حبيبي؟"


 توجه إلى الباب، وأوصده من الداخل ثم عاد إليها بخطوات بطيئة، وصوته انخفض، واكتسى نبرة تنضح بالجرأة  "أصل ساعتها هابقى المدير السافل، 

اللي ما بيصدق ينفرد بالسكرتيرة بتاعته ويتحرش بيها"


اقترب أكثر، وقال وهو يبتسم

"بس الحمد لله…تحرشي بيكي  هايبقي حلال، حلال، حلال"


ضحكت بدلال صريح

 "بعد الضحكة دي، لازم أتحرش وأتحمرش، وعلى رأي أغنية كنت سامعها أيام 2012"


رفعت حاجبيها بدهشة

"2012؟!، إنت قديم أوي يا دومي"


ضحك واخبرها و يحرك كتفيه

 "ما أنا ما بقيتش أسمع أغاني من ساعتها يا حبيبتي، ومن يوم ما اتجوزنا بطلت اسمع خالص، الحمد لله توبت إلى الله علي ايديكي"


قهقهت وقالت بمزاح مشبع بالحب

"بارك الله فيك يا حبيبي، وينعِم عليك كمان وكمان"


احاط خصرها بين يديه 

 "المهم، الأغنية كانت بتقول، هاتي بوسة يا بت، هاتي حتة يا بت"


ثم همس جوار أذنها

 "ما تجيبي بوسة بقى"


كادت تضحك، لكنه باغتها وقبّلها قبلة دافئة، وعناق طويل تمازجت فيه الأنفاس، وتوهجت المشاعر، كأن القلوب تستعيد إيقاعها الأول كحلاوة البدايات. 


                         ❈-❈-❈


هيأت ابنائها بعناية ، عدلت ملابسهم، رغم ثقل بطنها المنتفخ بالحمل، وقالت للمربية المساعدة بصوت حازم 

"خدي بالك منهم، ولو قصي ما سمعش الكلام، اتصلي بيا فورًا وقوليلي"


أومأت المربية برأسها باحترام 

 "تمام يا مدام دنيا، ما تقلقيش"


غادرت المربية ومعها الصغار، وتلاشى ضجيجهم تدريجيًا في الممر، بينما أغلقت دنيا الباب خلفهم، واستندت إليه لحظة قصيرة كأنها تلتقط أنفاسها.

استدارت لتتجه نحو غرفتها، لكنها توقفت فجأة على رنين الجرس، 

زفرت بضيق خافت، وقالت وهي تتحرك ببطء فرضه ثقل الحمل لديها

  "شكلهم نسيوا حاجة، لازم يتعبوني يعني"


سارت على مهل، فتحت الباب، فتجمد الهواء من حولها عندما رأته يقف أمامها، ملامحه التي غابت أيامًا عنها، وبنظرة تختلط فيها الغربة بالاعتياد.

آخر عهدهما كان شجار حاد في شركته، غادر بعدها، ومنذ ذلك اليوم سكن الصمت بينهما كجدار عازل. 


نظرت إليه بعتاب ولوم، وارتسمت على شفتيها سخرية موجوعة 

 "حمد الله على السلامة يا كنان بيه"


حدق في وجهها طويلًا، لا ينكر أن الشوق اجتاحه كريح مباغتة، وأن ذراعيه اشتاقتا لاحتوائها، غير أن ما تراكم في صدره من مرارة في الأيام الأخيرة كان أثقل من أن يتجاهله؛ فهو في نهاية المطاف رجل له طاقة، وصبره مهما طال له حدود.


رد باقتضاب بارد

 "الله يسلمك"


ثم تجاوزها دون كلمة أخرى، واتجه مباشرة إلى غرفة نومهما، فتح الخزانة، أخرج بدلة جديدة وبعض الثياب، بدأ يجمعها في صمت صلد.


دخلت خلفه، وقفت عند الباب، وعيناها تراقبان حركاته بقلق متصاعد، ثم قالت بصوت مرتجف 

"إنت واخد هدوم وراجع على الشركة تاني؟، خلاص قررت تعيش في الشركة وتسيبني أنا وولادك لوحدنا؟، وكل اللي بتعمله تحولي فلوس على الكريدت وخلاص؟، طب وأنا إيه في حياتك؟!"


لم يجب و ظل منهمكًا فيما يفعل، كأن الكلمات لم تصل إليه.

اشتعل الغضب في صدرها، اقتربت منه بخطوات متوترة، التقطت الثياب التي رصها على السرير، وقذفتها أرضًا وهي تصيح

 "رد علي كلمني!"


لم يحتمل حدة صوتها، فاندفع يضرب ضلفة الخزانة بقبضته، فاهتز المكان، وصاح بانفجار مكبوت 

 "مش ده اللي إنتِ عايزاه؟!، وأنا بريحك مني"


نظرت إليه بعينين تنضح بالحزن، وقالت بصوت مكسور

  "ومين قالك إن أنا عايزة كده؟، شايف السرير بتاعنا!"


التفت بعينيه نحو الفراش، فوجده مرتبًا كما تركه منذ أيام، فأردفت بصوت خافت لكنه نافذ من قلبها إلي فؤاده

 "سريرنا زي ما هو من وقت ما قررت تبات بره وتسيبني، ما بعرفش أنام عليه وإنت مش موجود، بضطر أنام في حضن الولاد وبرضه النوم بيهرب مني"


صمتت للحظات، ثم تنهدت بألم عميق "البيت من غيرك وحش أوي، حياتي كلها من غيرك مالهاش أي قيمة، ارجع بيتك ولولادك، ارجعلي أنا، عارفة إنك زعلان، معلش اعذرني، اللي مريت بيه مكنش سهل عليا، إنت خلتني أعيش سنين بتعذب، أيوه أنت اتغيرت كتير للأحسن، بس جوايا صراع، بمر بحالة نفسية وحشة، محتاجة لك جنبي، بالله عليك ما تبعدش عننا تاني"


انهارت وأجهشت بالبكاء، فذاب ما تبقى من صلابته، اندفع نحوها وجذبها بين ذراعيه، احتضنها بقوة واشتياق، اختار أن يكون رده فعلًا أبلغ من الحديث.


ظل معانقًا لها دقائق طويلة حتى هدأت شهقاتها، أجلسها برفق على طرف الفراش، وجثى أمامها، أسند رأسه على فخذيها كطفل صغير، قائلاً بصوت مبحوح

 "أنا اللي محتاجلك أكتر ما إنتي محتاجة لي، كنت بتعذب في بعدك، وعايز أجري عليكي وأترمي في حضنك، أنا غلطت في حقك وعارف إنك مش هتسامحي بسهولة، حتى لو سامحتي الندوب اللي جواكي هتفضل تفكرك باللي عملته، 

عشان كده لجأت للبعد، كنت فاكره الحل الأنسب، مكنتش أعرف إن البعد عامل زي الموت البطيء،بيعذب أكتر ما بيريح"


رفعت يديها، ومررت أصابعها في شعره، وقالت بصوت متهدج

 "وليه تعمل فينا كده والحل بسيط…

ترجع لبيتك وولادك وليا أنا"


أمسك كفيها، قبّلهما واحدًا تلو الآخر، وضع إحداهما على خده، وأغمض عينيه: "أنا نفسي أنام، بقالي أيام ما دوقتش طعم النوم، خديني في حضنك ونيميني"


نهض وخلع حذاءه، وساعدته على خلع سترة بدلته، فكت أزرار قميصه وخلعته عنه، كادت تجلب له قميصاً قطني، لكنه

تمدد على السرير، قالت له بقلق واهتمام "خد البس حاجة بدل ما تبرد"


أمسك يدها، وجذبها لتنام بجواره، واستقر في حضنها كرضيع أنهكه البكاء، وهمس بنبرة يغلبها النعاس

"في حضنك، عمري ما حسيت ببرد"


غلبه النوم في الحال، كأنه كان يحتاج ذراعيها فقط ليغوص في سبات عميق. 

ظلت تتأمله طويلًا، حتى انتبهت إلى اهتزاز هاتفه في جيب بنطاله.

سحبته برفق، نظرت إلى الشاشة، فوجدت رسالة واردة على بريده الإلكتروني.

ترددت، ثم أمسكت يده دون أن يشعر، وضعت إصبعه على البصمة، فانفتح الهاتف.

ترددت لحظة قبل أن تفتح، لكن اسم المُرسل لفت انتباهها؛ مكتوب بحروف تشبه الإنجليزية، لغة لا تفقهها، 

غير أن الرسالة كانت مرفقة بصورة.

صورة ما إن وقعت عيناها عليها، حتى خفق قلبها بعنف، كأن شيئًا مظلمًا استيقظ فجأة في أعماقها.


                         ❈-❈-❈

داخل السيارة،  تقود على مهل، يداها ثابتتان على المقود، وعيناها تراقبان الطريق بعناية، قطعت الجالسة جوارها الصمت، وسألت بنبرة يغلبها الفضول و القلق

"ما تقولي يا ملك… إحنا رايحين على فين؟"


أبطأت الأخرى السرعة ثم التفتت إليها بابتسامة خبيثة تخفي شئ ما

 "يا بنتي ما قولتلك… عايزاكي معايا نشتري حاجة، ومحتاجة رأيك فيها

ولا انتي قلقانة وخايفة؟"


تنهدت ياسمين ونظرت من النافذة، قائلة بصوتٍ متردد 

"مش خايفة بس قلقانة، أنا ما قولتش لياسين، وكمان مش بيرد عليا، 

قولت أكيد مشغول في الشركة، خايفة يزعل إني خرجت من غير ما أستأذن"


رمقتها الأخرى بدهشة صادقة، وكأنها لا تصدق ما سمعت 

"أنا مش مصدقة وداني!، معقولة ياسمين اللي بتقول كده؟!، الله يرحم أيام ما كنتي تيجي تشتكيلي من أخويا، وتقولي إنه خانقك، وكل خطوة ليكي لازم بإذن، 

لا لا… إحنا اتغيرنا خالص، بس تغيير حلو ولذيذ بصراحة"


عقدت حاجبيها وسألت باستفهام

  "إيه ده؟ هو أنا كنت وحشة؟"


ضحكت ملك وهزت رأسها 

  "لا خالص، مين قال كده؟، يا بنتي اللي تعيش مع ياسين أخويا يبقى ليها الجنة، وتدخلها من غير حساب كمان"


قهقهت زوجة أخيها وقالت 

 "واضح إنك بتعزّي أخوكي جدًا"


تنهدت الأخرى، وتحول صوتها إلى نبرة أكثر جدية 

"بصي خلينا نتكلم جد، أنا بحب كل إخواتي من أول قصي لحد ياسين، بس ياسين أقربهم لقلبي، صحيح وإحنا صغيرين كنا بنقطع في شعر بعض، بس بعد ما كل واحد فينا اتجوز وبقى له بيت وحياة، بقينا أقرب، هو حنين قوي فوق ما تتخيلي، ومن غير مجاملة، أنا مابقولش كده علشان أخلي صورته حلوة في عينيكي، بس هو فعلًا أب وزوج وأخ حنين جداً"


ثم لحظة وأضافت بلهجة حذره 

 "بس حطي قصاد الحنية دي، كمية غباوة وغشومية لما بيتعصب، أنا كملك بترعب منه، بخاف من ردود أفعاله، ومن غيرته

غيرته عدت ليفل الوحش" 


التفتت ياسمين إليها باهتمام، فواصلت الأخرى 

 "تعرفي… السنة اللي فاتت بنتك كانت عندي، لقيت عينيها وارمة، شكلها كانت معيطة جامد، سألتها ما رضيتش تقول، بس بناتي عرفوا منها إن البيه جوزك نفخها تهزيق، كل ده ليه عشان راح النادي يجيبها، لقاها بتلعب مع ولد، وكانت هتقع وهي بتجري، الولد خاف عليها ولحقها ومسكها من وسطها، حظها الأسود أبوها شافها في اللحظة دي، وما شافش المشهد من أوله"


ابتلعت ملك ريقها وأكملت بانفعال 

 "أول حاجة اتخانق مع الولد، وكان هيضربه، وأهله اتدخلوا و الخناقة كبرت، والبوليس جه، واتلغت عضوية ياسين من النادي ولا همه كل ده، المصيبة بقى لما خد البنت وروح، طلع كله على دماغها، 

سمعها كلام، لما سمعته من مليكة، قلبي وجعني، البنت انهارت، ولما جيت أعاتبه، قلب وشه عليا وقال لي، لو سمحتِ يا ملك، سيبيني أربي بنتي زي ما أنا عايز"


هزت رأسها بأسى 

 "قولت له دي بنت، ما ينفعش معاها لا شدة ولا تسيب، كون حازم وحنين في نفس الوقت، بس أقول لمين، الكلام ده يفهمه واحد عنده عقل، مش واحد دماغه دماغ تور بينطح من غير ما يفكر"


أنهت حديثها، فلاحظت أن ياسمين شاردة، تنظر أمامها بلا تركيز لوّحت بيدها أمام وجهها 

"سرحانة في إيه؟"


التفتت إليها وقالت بحزن 

 "في كلامك…زوأنا بسمعك قلبي اتقطع على البنت، غيابي أذاها جامد، أنا عارفة إن تصرف أخوكي بدافع الخوف، بس مش للدرجة دي أنا هنبهه عليه"


انتفضت الأخرى وصاحت محذرة

 "لاء، مش وقته تنبيه خالص، ولا تقوليله إني قولتلك حاجة، ده أنا ما بصدق ينسي موضوع رودينا، ده كده ممكن يطلع لايف تاني ويقول اتبريت من ملك أختي، ومش عايز أعرفها، ومش بعيد نطلع إحنا الاتنين في برنامج المسامح كريم"


انفجرت ياسمين ضاحكة من قلبها، فضحكت ملك معها 

 "أيوه كده، عايزين الضحكة الحلوة دي، 

عايزاكي تدخلي عليه والابتسامة من ودن للودن"


نظرت إليها باستفهام

"هو مين؟"


توترت الأخرى فجأة وقالت

 "قصدي يعني، خليكي مبتسمة، 

إيه ده إحنا وصلنا!"


نظرت ياسمين من نافذة السيارة، فوجدت المكان هادئًا، فسألت بدهشة "فين المول اللي قولتيلي عليه؟، 

ده إحنا على الكورنيش"


ابتسمت ملك

 "انزلي بس… وهقولك"


ترجلتا معًا، وما إن رفعت ياسمين رأسها حتى تفاجأت بياسين يقف في انتظارهما أمام نادي خاص بالمراكب واليخوت.


قالت الأخرى بخفة

 "أظن كده أديت مهمتي بنجاح وسلمتك مراتك، أخلع أنا بقى، ألحق أرجع على القصر، زمان مصعب هيعدي ياخدني أنا والبنات"


ابتسم شقيقها وقال

 "خلي بالك من نفسك، وسلميلي على مصعب"


"أوك، رحلة سعيدة يا عصافير الحب"


انسحبت ملك، بينما بقيت ياسمين في مكانها، المفاجأة تعقد لسانها، أمسك ياسين يدها وقال مبتسمًا

 "مالك مصدومة ليه؟، قولت أعملك مفاجأة نفك بيها من الجو الكئيب، 

وبما إننا في حكم المخطوبين زي ما انتي طلبتي، قولت يا واد يا ياسين خدها واطلع بيها رحلة مركب، أهو كده حققت مقولة، المية والخضرة والوجه الحسن، 

وأنا معايا وجه ملاك"


ابتسمت بخجل، فقال ضاحكًا

 "يا لهوي على جمال خدودك لما بتتكسفي…آه منهم، لولا إننا في مكان عام، كنت كلتهم، خليها لما نروح"


نظرت إليه بتحذير 

 "ياسين!"


ضحك واخبرها بجرأة مازحًا

"ياسين إيه بس، بقولك إيه… إنتي آخرك معايا في الخطوبة خروجة النهارده، وبكرة ندخل في مرحلة الجواز"


لكزته في كتفه

 "هسيبك وأمشي"


"تمشي تروحي فين!، أنا زي خيالك يا روح ياسين"


ثم نظر إلى جسدها وقال بمكر 

 "بس مش خيالك بالظبط، إنتِي عندك تلال وهضاب، وأنا سهول مستوية"


"ياسين!، اتلم يا وقح"


قهقه وحدقها بوعيد مستمرًا في مزاحه

"أنا هوريكي الوقح ده هيعمل فيكي إيه لما نروح"


اصطحبها إلى مركب فاخرة تشق مياه النيل، والمشهد من حولهما آسر كلوحة حية.

شغل لها الأغاني وغنى معها، كلمات الحب تنساب على لسانه كما لو خُلقت لها وحدها.

تناولا الطعام وسط ضحك وموسيقى رومانسية، والتقطا صورًا كثيرة توثق تلك اللحظات.

كانت تقف في مقدمة المركب، وهو خلفها يحتضنها من ظهرها، يستغل غياب العيون، فيخطف من خدها قبلة بين الحين والآخر.

وكان كلما تشبثت خوفًا بحافة المركب، أحاط خصرها أكثر، وضمها إليه. 


كانت مشاعرها كفراشة تحلق في السماء، وكل لحظة يثبت لها كم يعشقها، وكم يسعى لإسعادها.

وتذكرت طلب ابنتها بأن يعودوا أسرة واحدة كما كانوا، فقررت أن تمنحه الضوء الأخضر.


انتهت الرحلة مع غروب الشمس، واستقلت سيارته معه، أمسك يدها وهو يقود، يقبّلها بين حين وآخر، ويتغزل فيها بنظراته التي تزيدها خجلًا. 


اخبرته بتردد 

"ياسين"


 "روحه وقلبه وكل ما ليه"


ابتلعت ريقها ثم قالت 

"أنا موافقة"


سألها بلهفة وعدم فهم مصطنع 

 "موافقة على إيه؟"


اجابت بخجل 

 "موافقة نعيش أنا وإنت وياسمينا في بيت واحد، وأكون... وأكون زوجتك"


أوقف السيارة فجأة، ونظر إليها غير مصدق 

"يعني تبقي مراتي ونعيش في بيت واحد؟"


هزت رأسها بنعم، فاكمل

"وفي أوضة واحدة؟"


هزت رأسها مرة أخرى بنعم، فسألها بجرأته المعتادة دون خجل

"وعلى سرير واحد؟"


زمت شفتيها

 "ما تبقاش ياسين غير لما كلامك يحدف شمال، خلاص أنا سحبت كلامي"


"نعم؟!، سحب إيه، أنا مش مصدق نفسي… أخيرًا رضيتي عليّا"


 "طب يلا بينا، علشان ما نتأخرش على البنت"


"تؤمري يا جميل"

غمز بعينه وانطلق بالسيارة، ثم اضطر لتغيير الطريق بسبب زحام المرور. 

وفي الطريق الهادئ، لمح رجل وسيدة بطنها منتفخ، يبدو عليها ألم الولادة، يقفان على جانب الطريق.


خفف السرعة، فسألته ياسمين بقلق "حبيبي، إنت هديت ليه؟"


"شكل الراجل مش لاقي عربية، ومراته بتولد"


"ياسين، أوعى توقف، قلبي مش مرتاح"


لكن الرجل اندفع نحو السيارة، وتحدث من النافذة 

 "معلش يا باشا، مراتي على آخرها، ومش لاقيين إسعاف ولا عربية، ممكن تاخدونا في سكتكم؟"


تردد ياسين لحظة، وفجأة تحولت ملامح هذا الرجل الغريب يكشر عن أنيابه، فتح باب السيارة بعنف، وجذب ياسين رغما عنه.


"ياسين!" 

صرخت بها ياسمين بخوف وذعر و امسكت بيده، فصاح به

"اوعي تنزلي" 


وبدأ عراكه مع الرجل مردداً

"آه يا ولاد الـ…" 


ولم يكن يدرك أو ينتبه إلي اثنين آخرين ينضما إلي زميلهم، فقام ثلاثتهم بالهجوم عليه، و السيدة التي تتظاهر بالحمل تحاول إنزال ياسمين من السيارة، بينما الأخرى همها ياسين عندما رأت الرجال الثلاثة يتكالبون عليه بالضرب. 

فظهرت سيارة قادمة تصدر صوتاً علمه علي الفور افراد العصابة، صاحت المرأة

"يلا انت وهو البوليس جاي" 


توقفوا عن ضرب ياسين الذي صاح باصرار

"والله ما هاسيبكم غير لما يجوا يقبضو عليكم يا ولاد الـ...... 

لم يستطع اكمال جملته واطلق صرخة ألم، حيث قام احدهم باخراج مديته من جيبه وقام بطعنه! 


يتبع... 



جاري كتابة الفصل الجديد للروايه حصريا لقصر الروايات اترك تعليق ليصلك كل جديد أو عاود زيارتنا الليله

لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كامله من هناااااااااا

مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا

مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا


تعليقات

التنقل السريع