رواية عذرا لقد نفذ رصيدكم( شارع خطاب)الجزء الثاني ( حين تنفس القلب ) الفصل العاشر 10بقلم فاطمة طه سلطان ( جديده وحصريه فى مدونة قصر الروايات)
رواية عذرا لقد نفذ رصيدكم( شارع خطاب)الجزء الثاني ( حين تنفس القلب ) الفصل العاشر 10بقلم فاطمة طه سلطان ( جديده وحصريه فى مدونة قصر الروايات)
الفصل العاشر من #حين_تنفس_القلب
#شارع_خطاب_الجزء_الثاني
الجزء الأول كان بعنوان
"عذرا لقد نفذ رصيدكم"
بقلم #fatma_taha_sultan
____________
اذكروا الله.
دعواتكم لأهلكم في فلسطين والسودان وسوريا ولبنان وجميع البلاد العربية.
____________
أعـرفُ عـن الحب شيئاً واحد ..
أنك تُقرر أن تستقيل العالم وتعتكف داخل جسد إنسان...
#مقتبسة
كانَ البقاءُ بجانبكَ أمرًا حَنونًا و دافئاً ڪ وشاحٌ في فصلِ الشتاء...
#مقتبسة
في أوّل الحبّ ترتجفُ اليدان بلا سبب،
ويخفق القلبُ كأنّه تعلّم النبض من جديد،
تسري قشعريرةٌ خفيفة في الجسد
كنسمةٍ مرّت على الروح فأيقظتها،
فأدركتُ أن شيئًا جميلًا بدأ
دون أن يستأذن العقل.
#مقتبسة
البسيط من العُمر، أن تشرب الشَّاي في رحابة البيت مع مَن تُحب...
#مقتبسة
_______________
من وسط الكئابة التي تعيش فيها منذ أشهر..
منذ أن انقطعت رسائلة وقام بحظرها من كل المنصات حتى أن محاولاتها للحديث معه عبر حسابات جديدة وجدت نفس النتيجة وهي الحظر....
كان الشيء الوحيد الذي يسعدها رده عليها، حتى ولو كان لا يستخدم أي عبارات تدل على أن هذا الرجل معجب بها أو بمعنى أصح مازال يكن لها المشاعر....
لكنها كانت تكتفي برده عليها بين الحين والآخر حتى ولو كانت رسالة قصيرة كانت كفيلة بأن تعيد الأمل لقلبها بأن طريقًا ما قد يجمعهما من جديد.
كانت راضية بأي شيء قد يجعلها قريبة منه....
حتى ولو كانت ستظل الدمية الخاصة بوالدتها التي توجهها كيفما تشاء.....
صدع صوت هاتفها...
في المرة الأولى لم تتحرك، لم تهتم، حتى أنها لم تلتفت نحو الهاتف الموضوع فوق الكومودينو، لكن في المرة الثانية التفتت ثم مدّت يدها ببطء، ارتجفت أصابعها حينما قرأت اسمه....
كان المتصل دياب لا أحد غيره....
لا تصدق!!
هل ألغى الحظر بها؟؟!!!
لكن متى؟؟؟
حتى بالأمس حاولت الاتصال به وكان مازال يحظرها......
هل هذا حلم جميل أم أن عقلها البأس هو من يتخيل؟!.
أجابت على الفور قبل أن تضيع الفرصة من يدها قائلة بنبرة متألمة:
-ايوة يا دياب، أخيرًا اتصلت وسمعتني صوتك، أنتَ كنت عاملي بلوك ليه؟ أنا عملتلك إيه يا دياب؟..
جاءها صوته باردًا، حادًا:
-عملتي إيه، أنتِ لسه بتسألي؟؟..
قبل أن يمنحها فرصة للرد كان يتابع حديثه:
-أنا عملتلك بلوك اه وهعملك تاني ودي أخر مرة هتسمعي فيها صوتي، ولو بتسألي عملتي إيه هقولك حاجة بسيطة جدًا من اللي عملتيها، أنك روحتي بعتي لمراتي صور علشان تخربي بيتي، عرفتي عملتي إيه؟.
شهقت ليلى وحاولت الدفاع عن نفسها:
-أنا كان...
قاطعها بغضب واضح:
-أنا مش متصل علشان اسمعك، أنا متصل علشان أنتِ اللي تسمعيني..
بالفعل صمتت ولم تجرؤ على الحديث وعلم بأن الرسالة وصلت إليها جيدًا فواصل وهو يعلم أن كل كلمة تصيبها في الصميم:
-كانت أخر حاجة اتوقعها منك أنك تعملي كده، أنا غلطت في حق مراتي لما رجعتي تكلميني ورديت عليكي، وعلشان تعرفي أنا مكنش في نيتي أي حاجة غير إني اطمن عليكي وعلشان كنت حاسس إني ممكن أكون ظلمتك زمان، أنا بحب ريناد وموضوعنا اتقفل من زمان.....
وتابع، كأن كل جملة سكين:
-أنا عمري ما فكرت أخون ريناد ولا اتجوز عليها ولا أي حاجة أنتِ عاملة حسابك عليها أو بمعنى أصح أمك اللي عملت حسابها عليها وحطتها في دماغك، زي ما راحت اتفقت مع حسين اللي شغال في الجراج...
ابتلع ريقه ثم أضاف:
- بالمناسبة صاحب الجراج مشاه وكان ممكن أخد إجراء اكتر من كده بس مردتش علشان امه اللي جت واتحايلت على صاحب المكان، وكنتم السبب في قطع عيشه..
أكمل بانفعال:
-طول المدة اللي فاتت وأنا عمال أفكر، ازاي اتصورتي في العربية لغايت ما بدأت اجمع وأعرف أن الأيام اللي كنت فيها ببات هنا وبركن العربية في الجراج كنت بسيب المفتاح فيه وده المكان الوحيد اللي تقدري توصلي ليه أنتِ وأمك.....
كان بالفعل الأمر أتخذ معه وقتًا طويلًا يدقق في الصور برفقة نضال، ويحاول عصر دماغه حتي يصل إلى حقيقة الصور...........
-دياب أنا بحبك ومكنش قصدي أنا بس...
قاطعها دياب فورًا:
-مبتحبنيش لو بتحبيني فعلا زي ما بتقولي مكنتش حاولتي تخربي بيتي، والغلط من عندي أنا؛ لأن مكنش ينفع أرد عليكي من البداية وأديكي أمل، أنا غلطت وأنتِ غلطتي بس دي أخر مرة هكلمك بالطريقة دي لأني لسه عامل حساب للعشرة...
ثم قال بنبرة أخف، لكنها موجعة وهي تحمل تهديدًا واضحًا:
-لو حاولتي أنتِ او أمك تعلموا أي حاجة تاني أو تقربوا من ريناد بأي شكل من الأشكال وحاولتوا تخربوا بيتي أنا مش هكلمك بالهدوء ده ساعتها ولا هعمل حساب حاجة وهتشوفي مني وش عمرك ما شوفتيه، سيبك من أمك أحسن وربنا يوفقك في حياتك بعيد عني، سلام.
هكذا أنهى المكالمة..
أنهارت....
بكت بهستيريا....
كأن روحها تُسحب منها فجاءت والدتها على صوت بكائها، التي كانت منذ المكالمة التي وصلتها من حسين صامتة، تفكر، تخطط، تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، لذلك لم تخبر ابنتها وكانت تحاول البحث عن خطة جديدة.
-مالك يا ليلى؟.....
قالت ليلى من بين شهقاتها:
-دياب لسه قافل معايا...
ابتلعت والدتها ريقها وسألت بتوتر:
-رجع يكلمك يعني؟..
صاحت ليلى في وجهها:
-لا بيهزقني، دياب عرف كل حاجة وعرف الصور اتاخدت ازاي وبيهددني إني مقربش منه ولا من مراته....
ثم انهارت أكثر وهي تقول:
-كل حاجة راحت خلاص..
لكن والدتها التي لا تقبل الهزيمة أبدًا لذلك قالت ببرود مخيف:
-اهدي وبطلي عبط، وفهميني كده قالك إيه؟..
صرخت ليلى في وجهها:
-أنتِ لسه عايزة تفهمي إيه؟.
اقتربت منها وقالت بحزم:
-عايزة اعرف قالك إيه كلمة كلمة، وبعدين أحنا مش هنخاف منه، ولا الموضوع بمزاجه.......
__________
في اليوم التالي...
جاءت إيناس اليوم لزيارة والدتها، تحمل بين ذراعيها طفلها الرضيع "يزن" بينما أطفالها الثلاثة الآخرون في المدرسة، ونسمة (شقيقة جواد) كانت قد خرجت مع منيرة لحضور إحدى الندوات التي تحبها، تلك الندوات التي كانت إيناس ترافقها إليها أحيانًا قبل ولادة يزن،
أما الآن…...
فالأمومة سرقت وقتها نوعًا ما، حتى صارت زياراتها إلى عائلتها أصبحت نادرة، ولا تأتي إلا على فترات، رغم شوقها الدائم...
والدتها من تأتي إليها مع حور أكثر.....
في النهاية هي أصبحت أم لأربعة أطفال حتى ولو كان هناك من يساعدها، مسؤوليات الأم لا تنتهي تحديدًا لو كانت أمرأة مثل إيناس.....
أما موضوع اليوم..
كان عريسًا جديدًا إلى حور..
أتى لها من المنطقة وفاتحت والدته "حُسنية" في الأمر تخبرها قبل أن يتدخل الرجال أو يكن الأمر رسميًا...
قد تُطلق عليه النساء " جس نبض" معرفة ما إذا كانت الفتاة وعائلتها على استعداد بأخذ خطوة كهذه في الوقت الحالي ويرحبون بها أم لا؟!.
تمتمت حُسنية وهي تعد لها المزايا التي تراها في الشاب، كونها تراها صفقة مضمونة:
-الواد مهندس، معاه عربية، وعنده شقة وسنه مناسب ومحترم وهو وأهله نعرفهم من زمان يعني مفيهوش غلطة علشان حتى متحاوليش تديله فرصة..
كان الانزعاج ظاهرًا على وجه حور، لا تدري لماذا شعرت فجأة أن صدرها يضيق، وأن الدموع قريبة على غير عادتها....
ليست المرة الأولى التي يُفتح فيها هذا الموضوع لكن هذه المرة مختلفة بالنسبة لها، ربما لأنها منذ عودته، فلم تعد هي كما كانت، تشعر بتخبط غريب، كأن قلبها خرج عن السيطرة:
-يعني أنا قليلة؟ ولا بصمجية، هو ميطولش يتجوزني أصلا....
ثم أضافت بجدية:
-وبعدين أنا مش بفكر في الجواز على الأقل لغايت ما أخلص الجامعة..
تمتمت حُسنية بهدوء لن يستمر طويلًا وهي تحاول اقناعها:
-يعني هو هيجي يتجوزك بكرا؟ ما في تعارف وبعدين خطوبة يعني، أنتِ ليه مش عايزة تدي حد فرصة؟.
نهضت حور فجأة، كأن المكان لم يعد يتسع لها، وتحت أنظار إيناس التي كانت تتابع الحوار بصمت، وهي تهدهد طفلها النائم بين ذراعيها...
هتفت حور بانفعال:
-كده علشان ببساطة مش عايزة اتجوز بلغيهم زي كل مرة، أنا مش عايزة اتجوز لسه عندي حاجات كتير محتاجة اعملها في حياتي...
صاحت حُسنية خلفها بحدة، بعدما رحلت إلى الحجرة:
-هتعملي إيه يا فيلسوفة يعني؟؟.
تمتمت إيناس محاولة أن تهدئه والدتها:
-خلاص يا ماما مضايقيش نفسك ولا تضغطي عليها، حور لسه صغيرة يعني على الإصرار ده ولسه الحياة قدامها سبيها براحتها؛ لسه نصيبها مجاش.
ردت حُسنية بتلك الجملة التي تسكن عقل كل أم:
-يا بنتي أنا عايزة أطمن عليها زي ما اطمنت عليكي، واطمن على دياب، صحيح هو زعلان من مراته ومصيره هيرجعوا وهيرجع تاني بيته وهو راجل في الأول والآخر، لكن لو أنا حصلي حاجة، حور هتكون لوحدها؛ وأنا عايزة اطمن عليها واجوزها....
تمتمت إيناس بخوف حقيقي وقد شحبت ملامحها عند هذا الاحتمال، يكفي الخوف والرعب التي تعيش به هي والعائلة عند كل فحص تكرره والدتها كل بضعة أشهر خوفًا من أن يعود لها هذا المرض اللعين مرة أخرى:
-بعد الشر عليكي يا ماما، متتكلميش كده ولا تقولي الكلام ده..
ابتسمت لها حُسنية ثم غمغمت:
-يا بنتي ده حال الدنيا محدش دايم لحد..
-ربنا يطول في عمرك يا حبيبتي ويخليكي لينا وتفرحي بيها يارب، بس بلاش تفكري بالطريقة دي تاني.
تمتمت حُسنية بهدوء حتى لا تحزن ابنتها في الساعات القليلة التي جاءت حتى تجلس فيها معهم:
-ماشي..
ثم تابعت وهي تقوم بتغيبر الموضوع:
-طمنيني جوزك عامل إيه والعيال؟..
ردت عليها إيناس بنبرة هادئة:
-الحمدلله، هو سافر امبارح في مؤتمر وهيرجع كمان أسبوعين، والولاد كويسين الحمدلله..
-يرجع بالسلامة يا حبيبتي..
ثم سألتها حُسنية باهتمام:
-بتكلمي هدير؟..
هزت إيناس رأسها بهدوء:
-اه بكلمها، بصراحة مش كل يوم بس بكلمها يعني ودايما بسألها لو محتاجة حاجة، حتى كنت هقولك لو نجيب ليها هدية أو حاجة قبل ما تسافر...
-نفكر يا بنتي وهحاول أسال حور لو هي محتاجة حاجة معينة، ما أنتِ عارفة طول النهار هي ماسكة التليفون يا بتكلمها يا بتكلم وفاء يا بتكلم ريهام....
ضحكت إيناس بخفة وكان طفلها قد نام في أحضانها تقريبًا..
قالت حُسنية وهي تفكر:
-دياب كان بيقول طارق بعد ما أخته تسافر بيفكر أنه يستقر بقا ويتجوز وأنا كنت بفكر في نرمين بنت فتحي العجلاتي ارشحها ليه، مناسبة ليه في السن وحاجات كتير وبت محترمة ومتربية وهادية كده تحسيها تليق لطارق.....
قبل أن تعلق إيناس على حديث والدتها كانت جاءت حور التي على ما يبدو تسترق السمع وقالت بعصبية:
-إيه يا ماما اشتغلتي خاطبة رسمي في المنطقة ولا إيه؟..
انحنت حُسنية بسرعة، وخلعت حذاءها المنزلي وألقته نحوها، في حركة تلقائية ومعتادة على فعلها، لم تصبها مع الأسف، لكن الرسالة وصلت.........
قالت حُسنية وكأن يلزمها شاهدًا على أفعال حور:
-شايفة قلة أدبها؟..
قهقهت إيناس محاولة كتم ضحكتها:
-دي حور يا ماما، هي جديدة عليكي يعني؟ أنتم طول النهار بتتخانقوا وبتسمعوا الناس صوتكم وفي الأخر هتلاقيها قاعدة في أخر الليل في حضنك وبتلعبي في شعرها.....
___________
لم تتوقف حور...
اتصلت بـريهام صديقتها من الجامعة وأخبرتها بمحادثتها مع والدتها، وكان تبريرها بأنها لا ترغب في الزواج......
شعرت بأنها لا تستطيع التوقف...
فاتصلت بـوفاء "التي جاءت من السفر ليلة أمس" تخبرها بما حدث معها، ولكن التبرير هنا اختلف كونها هي الوحيدة التي تعرف نوعًا ما بعد "جواد" مشاعرها تجاة طارق والتخبط التي تشعر به....
وقتها وفاء أخبرتها بأن الأمر لا يستدعي هذا كله، ليست المرة الأولى التي تتحدث فيها والدتها عن أمر الزواج، أما مشاعرها تجاة طارق كانت وفاء تراها واهية لا تدري ما الذي حدث لها....
لكنها لم تعد تصدق أو تؤمن بالحب..
تحديدًا مشاعر حور بل تحاول اقناعها بأن تتوقف عنها وتهتم بدراستها فقط.....
لقد خذلها الحب مرة قبل حمزة...
وحمزة خذلها وأفقدها ثقتها في الرجال بما فعله معها، وما فعله بابنة عمها.......
لذلك لا تجد أن الحب قد يأتي بتلك الطريقة التي تشعر بها حور.......
رُبما يأتي بالعشرة ومرور الوقت والسنين لا أكثر...
هي تفضل الاحترام عن الحب.....
لذلك مكالمتها مع وفاء لم تجعلها تتوقف عن التفكير......
وبعدها اتصلت بها هدير...
جاءت في وقتها ولكن أخبرتها القصة بما يجب أن تعرفه فقط......
كان رد هدير عليها عاديًا:
-مكبرة الموضوع والله يا حور، دي مش أول مرة، مش هيجوزوكي بالغصب زي المسلسلات اللي بنتفرج عليها يعني....
تمتمت حور بجدية:
-أنا غلطانة إني بحكيلك أو بحكيلكم بعد كده أنا هحتفظ بكل حاجة لنفسي ومشاعري لنفسي..
ضحكت هدير وهي تقوم بغسل الصحون:
-ماشي ماشي هعمل نفسي مصدقة، أنتِ أصلا مبتعرفيش تقفلي بوقك يا حور علشان تحتفظي بالحاجة وتسكتي....
قالت حور باستسلام:
-معاكي حق، خلاص هروح اخد دش وأرش بدي سبلاش واذاكر وخلاص وهبطل دراما...
-ماشي يا عروسة..
سمعت صوت حور تصيح عبر الهاتف:
-متقوليش عروسة، أنتِ اللي عروسة وستين عروسة..
ضحكت هدير أكثر وهي ترد عليها:
-أنتِ ليه بتتكلمي كأنها شتيمة؟ أنتِ عبيطة؟...
-سلام يلا وقتك خلص معايا.
-سلام لما تكون عاقلة كلميني.
هكذا انتهت المكالمة بينهما وفي تلك اللحظة وهي تغلق الصنبور سمعت هدير صوت شقيقها:
-بتكلمي مين؟..
يسأل كأنه لا يعلم!!
أو رُبما يرغب في أن يتأكد......
فبدأت تشعر بأن هذا السؤال يتكرر كثيرًا منذ عودتهما على عكس عادة طارق...
ردت عليه هدير بتلقائية:
-بكلم حور هو في غيرها، جايلها عريس وعاملة مناحة.....
شيئًا تغير بداخله عند سماع تلك الجملة لكنه لم يظهر على وجهه فحاول الحديث بنبرة جادة:
-طيب مبروك إيه المشكلة؟.
قالت بجدية:
-مبروك إيه؟ ما هي مش عايزة، عريس جايلها من المنطقة عن طريق طنط حسنية..
ثم تابعت:
-المهم هنأكل إيه؟.
قال طارق بلا شهية ويبدو أنه فقدها للتو:
-اللي أنتِ عايزاه اعمليه، اعملي أي حاجة سهلة وخلاص..
____________
....بعد مرور ثلاثة أيام.....
....في فيلا عز الدين.....
كانت حُسنية تجلس في الحديقة بصحبة ابنتيها، بينما جاءت نسمة وألقت عليهما التحية سريعًا، ثم ما لبثت أن تركتهما ودخلت إلى الداخل فور وصول مُدرسها الخاص......
ففي تلك الفترة بدأت تتعلّم العزف على البيانو، موهبة شعرت أن بذورها موجودة بداخلها منذ زمن، وأرادت أن تمنحها فرصة حقيقية....
احتضنت حُسنية حفيدها الصغير يزن، بينما لم يكن الأطفال الثلاثة قد عادوا بعد من المدرسة؛ فقد جاءت إلى إيناس مبكرًا مراعاةً للمسافة الطويلة في الذهاب والعودة........
وقد حضرت هي وحور بسيارة عبر أحد التطبيقات، على أن يأتي دياب لاحقًا ليصطحبهما ويُلقي التحية على شقيقته، في الأيام الماضية كان لديه مشكلة كبيرة في عمله جعلته يقضي الأيام الماضية هناك برفقة نضال وطارق......
راقبت إيناس ملامح والدتها بقلقٍ واضح، ثم تمتمت:
-مالك يا ماما، حضرتك كويسة؟ شكلك مرهقة أوي.........
قاطعتها حور بنبرة مرحة وسطحية:
-بس بقا أحسن تقولك حور السبب، مهوا أي حاجة بتجيبها في حور..
ردت حُسنية بحزمٍ رغم الإرهاق الذي لا تخطئه العين:
-اتلمي يا بت.
ردت حور ببساطة:
-حاضر اتلميت..
ابتسمت إيناس لكن هذا لم يمنعها من تكرار السؤال مجددًا لأنها لم تحصل على إجابة وتشعر بأن والدتها ليست على ما يرام، ورُبما هي تهتم أكثر من الطبيعي منذ أن أصابها هذا المرض:
-أنتِ كويسة يا ماما؟؟.
تنهدت حُسنية وقالت بإرهاق:
-مش عارفة يا إيناس مصدعة أوي من الصبح وحاسة أن عيني مزعللة شوية..
نهضت إيناس فورًا، والقلق يتسلل إلى ملامحها:
-طب وساكتة ليه من الصبح يا ماما؟.
ثم تابعت وهي تأخذ الطفل من بين يدها حتى لا ترهقها:
-هروح اجيب جهاز الضغط اقيسلك الضغط، والسكر كمان؛ ولا أقولك نروح المستشفى.
رغم أن حُسنية تشعر نفسها ليست على ما يرام لكنها رفضت ذلك كعادتها وهي تلوح لها:
-يا بنتي متكبريش الموضوع.....
القلق تسلل إلى قلب حور أيضًا، ذهبت إيناس وجاءت بتلك الأجهزة المنزلية، ثم قامت بقياس الضغط، فكان مرتفعًا بشكلٍ ملحوظ، وبدت والدتها شاحبة أكثر من اللازم.....
لم تتردد لحظة، سلمت الطفل للمربية وغيرت ملابسها بسرعة، وأخذت والدتها وشقيقتها متجهةً إلى المستشفى الخاصة بجواد، هذا بعدما اتصلت به وأخبرته بما حدث..
فأخبرها بأن تأخذها إلى المستشفى وهناك سوف يقومون باستقبالهما فهو لم يعد من سفره بعد، لكنه سوف يتابع الأمر ويبلغهم في المستشفى.....
بالفعل تم استقبالهما في المستشفى، وأخذوها على الطوارئ وخضغت إلى بعض التحاليل، ورسم قلب وفحوصات أولية...
كان تشخيص الطبيب المبدئي هو أزمة ضغط مفاجئة، فتم حجزها تحت الملاحظة عدة ساعات، إلى أن استقر الضغط تدريجيًا......
وكان دياب قد وصل سريعًا بعد اتصال من حور.....
جلست حور إلى جوار والدتها على الفراش، وقالت بنبرة خافتة:
-نفسي يا ماما لما تحسي بحاجة تقولي بلاش تسكتي...
ردت عليها بحسنية جملتها المعتادة:
-هما هنا بيكبروا الموضوع، عادي أن أي حد ضغطه يعلى.
تمتمت إيناس مستنكرة:
-أنتِ بتتكلمي بجد يا ماما؟ أنتِ عارفة ضغطك كان كام؟ ولسه بتقاوحي..
زفرت حُسنية بضيقٍ:
-متقعديش بقا تصدعيني، شوفي الدكتور فين علشان نمشي، هو قال هيقيس الضغط ليا تاني بعدين يمشيني أنا عايزة اروح البيت...
بالفعل...
بعد دقائق، جاء الطبيب، طمأنهم على نتائج التحاليل التي كانت مطمئنة في المجمل، مع نقصٍ بسيط عوّضه ببعض الفيتامينات، غادروا المستشفى، وركبت حُسنية السيارة الخاصة بـ دياب، وجلست حور في الخلف......
وقف دياب إلى جوار إيناس أمام السيارة وقال:
-هتعرفي تسوقي في الجو ده؟ سيبي العربية هنا وأوصلك أحسن...
تمتمت إيناس بنبرة هادئة وهي تربت على كتفه:
-متقلقش، وبعدين المطرة هتقف يعني مش هطول وهي أقل من ربع ساعة وهكون في البيت ان شاء الله، المهم أنتَ خلي بالك على نفسك وأنتَ سايق وخلي بالكم من ماما، لما تحسوا أنها مش كويسة متسكتوش أنتم عارفينها بتقعد تطنش..
ثم أضافت في نهاية حديثها وهي تخبره:
-بكرا ان شاء الله هجيب الولاد واجي....
-ماشي يا حبيبتي متقلقيش.
أردفت إيناس بمعاتبة:
-مش هتبطل بقا الفلوس اللي بتحولها ليا كل شهر دي؟ كفايا عليك يا دياب أنتَ عندك بنت وعندك ماما وحور ومسؤوليات كتير وأنا مش محتاجة ده..
ابتسم دياب ثم أخبرها بنبرة جادة:
-دي حاجة بسيطة، حتى لو كان جوزك كويس ومش محتاجة حاجة برضو هفضل ابعتلك علشانك وعلشان جواد وجنى في النهاية هما مش عياله، عارف أنه بيعاملهم زي عياله يالظبط بس برضو لازم يكون ليهم فلوس تانية.
صمتت ولم تعقب...
فهي تحدثت معه على مدار سنوات بالعديد من الأساليب ولم يقتنع يرى بأن هذا واجبًا عليه تحديدًا جنى وجواد، لديهما معزة خاصة بقلبه ويرى بأن من واجبه إرسال مصاريف لهما شهريًا، حتى ولو كان لديهما الأكثر لكنه لا يتوقف عن فعل هذا........
احتضن شقيقته ثم ترك قُبلة على رأسها وغادر....
كان المطر يشتد.....
قد أقترب من المنزل....
فسمع صوت شقيقته تتحدث في الهاتف، لم يكن منتبه لها في البداية فكان يحاول التركيز في القيادة التي تصبح صعبة نوعًا ما في هذا الوقت، غير الازدحام المزعج......
أنهت حديثها:
-خلاص تعالي على البيت أحنا قربنا نوصل، سلام..
سألها دياب بفضول:
-مين دي اللي جاية هدير؟.
ردت عليه حور بعفوية وهي تخبره بينما والدتهما تتابعهما في صمت:
-بكلم ريناد، كلمتني لما كنا لسه في المستشفى وكانت جاية على هناك بس خلاص دلوقتي هتيجي على البيت......
عاتبتها حُسنية قبل أن يتحدث هو:
-طب ليه يا بنتي قولتلها؟؟ الجو وحش، مكنش لازم تقلقيها.
أردفت حور بغيظٍ وشعور بالانزعاج:
-معرفش بقا، أهو اللي حصل هي سألتني صوتي عامل كده ليه وأنا فين لما كانت بتكلمني هي وليان ومعرفتش أحور عليها أنا مبعرفش أكدب.......
قالت حُسنية وهي توجه حديثها إلى ابنها:
-كلمها يا ابني وقولها بلاش تيجي في الجو ده وخلاص.
ثم تابعت:
-أو هاتي موبايلي أنا أكلمها الشنطة معاكي ورا.
تمتم دياب بهدوء:
-خلاص يا ماما أنا هكلمها ارتاحي أنتِ.
بالفعل بعد ثواني كان وضع السماعات في أذنيه واتصل بها لتجيب عليه:
-ايوة يا دياب، ألف سلامة على طنط..
رد عليها دياب بهدوء:
-الله يسلمك، متتعبيش نفسك بلاش تسوقي في الجو ده، المطرة بقالها ساعة مش عايزة تفف أصلا وهي كويسة دلوقتي.
قالت ريناد بلهجة لا تقبل النقاش:
-أنا خلاص في الطريق يا دياب، كنت في المول مع صحابي بجيب حاجات لـ ليان، ومينفعش منشوفش طنط وهي تعبانة، لو كنت أعرف من بدري كنت جيت على المستشفى.
تنهد دياب وقال:
-ماشي على مهلك طيب، أنتِ فين دلوقتي؟.
______________
منذ أن أرسلت لها "نورا" طلب صداقة وقامت بقبوله بعدها نوعًا ما بدأ عقلها يربط الخيوط ببعضها وينسج حكاية من الممكن جدًا أن تكون هي الأقرب للحقيقة..
هي ليست بخير.....
تفكر في الأمر كثيرًا....
تحاول جاهدة ألا تفكر....
لكن الأمر لا يذهب من عقلها بالرغم من محاولاتها....
تُجبر نفسها على تجاهل الفكرة.....
تخبر عقلها أن ما يحدث مجرد مصادفة...
وأن الشك طريق مُتعب لا يؤدي لشيء سوى الخراب....
لكن لم تتوقف نورا عند هذا الحد!!
أو رُبما هناك من جعلها لا تتوقف....
لذلك بشكل دوري ترسل لها رسائل يوميًا تطمئن على أحوالها وصغيرها بشكل جعلها أشبة بفتاة سخيفة ترغب في التقرب منها رغمًا عنها وهي كانت ترد عليها ردود مقتضبة.......
كما لم تتوقف نورا عن الإعجاب بكل المنشورات التي تقوم بمشاركتها تقريبًا.....
مما جعلها تخفف نشاطها نوعًا ما على مواقع التواصل الإجتماعي...
تتمنى سامية منذ ذلك الحين بألا تكن شكوكها صحيحة.......
انتهت من حجوزات اليوم أخيرًا، فكان يومًا مرهقًا، لذا قررت أن تغادر مبكرًا عن المعتاد، لتعود إلى صغيرها
وتستعيد شيئًا من دفء البيت الذي تفتقده طوال اليوم........
ارتدت معطفها ثم أمسكت حقيبتها، وخرجت من الغرفة الخاصة بالتصوير التي تستخدمها مع العارضات والعرائس على حدٍ سواء، سارت في الرواق، وقبل أن تصل إلى الاستقبال، اصطدمت بإحدى الفتيات قادمة إليها......
-خلي بالك..
خرجت تلك الكلمات من فم سامية بتلقائية لترد عليها الفتاة:
-معلش أسفة..
سألتها سامية بنبرة مرهقة:
-كنتي جاية عندي في حاجة ولا إيه؟.
ردت عليها الفتاة:
-في واحد مستنيكي برا..
ضيقت سامية عيناها وهي تسألها:
-مين مقالش اسمه؟...
تمتمت الفتاة بلامبالاة:
-قال اسمه حمزة.....
هنا أسودت الدنيا في وجهها...
خرجت على الفور من المكان لتجده واقفًا وهو يحمل الأكياس البلاستيكية التي تعود إلى المحلات الخاصة والمعروفة ببيع ملابس الأطفال والألعاب، وكان المطر قد بدأ في الهبوط...
المساعدة المادية التي حصل عليها من شقيقته تلك المرة لم تكن من ابتزازها لكنها شعرت بالفعل بأنه يحتاج فرصة ثانية كما يحتاج أي انسان من أجل تصليح علاقته بطفله وأن يبدأ عمله من جديد....
اقتربت سامية منه، وشرارة الغضب تتطاير من عينيها:
-أنتَ بتعمل إيه هنا يا حمزة؟.
رد حمزة بنبرة هادئة:
-جاي أسلم عليكي وجايب حاجات لريان فقولت تاخديها بما أنه بقعد كتير علشان أقابله بسبب ظروفي وعقبال ما أنتم تحددوا ميعاد يناسبكم....
أردفت سامية بنبرة مختنقة:
-كان ممكن تستنى عادي الدنيا مش هطير أنا مش كل شوية هلاقيك في وشي، هو أنا علشان مبقولش لعمي ولأهلي على تصرفاتك دي هتستحلى الموضوع؟ ولا أنتَ عايز مشكلة وخلاص؟..
حاول أن يتمسك بهدوئه وهو يتحدث معها:
-أنا محتاج منك بس يا سامية فرصة، ووالله أنا ما قصدي حاجة وحشة ولا في نيتي حاجة، أنا فعلا بحاول أصلح كل حاجة عملتها عايز نرجع لبعض وبحاول أكون انسان كويس وشخص غير اللي كنتي تعرفيه زمان...
قالتها بلا تردد:
-لو بقيت إيه يا حمزة مش هرجعلك..
تمتم بتوسل حقيقي:
-كل انسان يستحق فرصة ثانية..
ابتسمت بسخرية ثم غمغمت:
-أي انسان عمل حاجة غير اللي عملتها يستحق فرصة ثانية، ياريت تفهم أن خلاص مبقاش ينفع مهما حاولت ومهما عملت، احنا مفيش بينا خلاف في وجهات النظر، ولا حد دخل بينا، ولا أنتَ مريت بنزوة والمفروض اسامحك، ولا عَندنا مع بعض فاطلقنا والموضوع ينفع يتحل ويبقى في فرصة ثانية.....
ثم ارتفع صوتها وهي تكمل:
-أنتَ كسرت ثقتي بيك كراجل، الست علشان تدخل بيت واحد لازم تكون متأكدة أنه راجل بجد، وينفع يتقفل عليهم باب واحد لأنه هو الأمان والسند والستر وأنتَ ولا حاجة من دول يا حمزة، اللي عملته مينفعش يتعدى، أنتَ مش راجل في نظري أصلا علشان ارجعلك.........
ابتلع ريقه بصعوبة وكلماتها ألمته:
-اديني فرصة يمكن اقدر اكسب ثقتك من تاني..
هدرت سامية بانفعال حقيقي وهي واقفة في الشارع أمام المركز الخاص بها:
-قولت خلاص، أنتَ ليه مصمم تعصبني؟.......
-في حاجة يا سامية؟.
لم يكن هذا صوت حمزة...
بل كان صوت "كريم" الذي معتادًا بعدما ينتهي من يومه الدراسي ومن الدروس الخصوصية به، يصطف بسيارته ثم يسير بلا هدف حتى يقف بعيدًا ويراقبها بهدوء......
نظرت سامية إليه بذهول.....
لم تعرف أيهما أربكها أكثر....
وجود حمزة…
أم ظهور كريم في تلك اللحظة تحديدًا.
هذا ما كان ينقصها بالضبط......
نظر حمزة إلى كريم بعدم فهم، يتفحصه من أعلى لأسفل بنظرة رجل لا يحب أن يُفاجأ، ثم سأله بحدة:
-مين أنتَ؟..
قبل أن ترد سامية، وقبل حتى أن يلتقط كريم أنفاسه،
خرج صوته خشنًا، مشحونًا، كأن الغضب كان ينتظر إشارة منه، إشارة واحدة فقط:
-وأنتَ مالك هو حد وجهلك كلام؟؟؟..
ثم التفت إليها، وعيناه عليها وحدها، لا يرى غيرها وسط الشارع والناس:
-في حاجة يا سامية عمل حاجة ضايقتك؟..
هزت سامية رأسها بارتباك وهي تخبره رغم دهشتها الشديدة ورغم ذلك قامت بتعريفه على الرغم من أنها شعرت من عيناه بأنه يعرفه جيدًا:
-لا مفيش حاجة، ده والد ريان....
لم يحتج حمزة لأكثر من ثانية لينفجر جنونه:
-مين ده يا سامية؟ وبتعرفيه عليا بصفته إيه؟ مين ده؟؟؟..
في تلك اللحظة، كريم لم يعد يسمع جيدًا ولا حتى يعقل، كل ما سمعه كان نبرة التملك، السؤال الوقح، والطريقة التي يتحدث بها كأنها ما زالت تخصه، وكأن السنوات التي كان فيها واقفًا بعيدًا يراقب، ويكتم غيرته ليست أي شيء...
فلم يشعر بنفسه إلا وهو يخطو خطوة سريعة، قبضته ارتفعت، ولكم حمزة لكمة قوية، مباشرة، كأنها كانت محفوظة من زمان، تحت شهقة خرجت من سامية وهي تحاول استيعاب ما يحدث، عيناها اتسعتا بذهول........
أمسكه كريم من ياقته وصوته خرج أقرب لزمجرة:
-أقولك أنتَ مالك تاني يا حمزة الـ *** ولا إيه؟....
لم يكن يرى الشارع، ولا الفتيات اللي بدأوا يتجمعوا،
ولا حتى سامية اللي كانت تحاول الوصول له.......
ففي تلك اللحظة كانت خرجت بعض الفتيات من المركز بسيي الأصوات وهنا حاولت سامية سحبه من ذراعه بمساعدة رجل ما أقترب كان يشاهد الواقعة من بعيد....
الأمر على وشك أن يصبح فضيحة حقيقية.......
قالت سامية بصوت مرتعش، وشحوب وجهها كان واضح:
-خلاص يا كريم، مفيش داعي لكل ده سيبه لو سمحت هتحصل مشكلة والناس هتتلم، احنا كنا بنتكلم عادي.
ثم تابعت:
-سيبه علشان خاطري.
صدقًا لم تكن تفهم في لحظتها لماذا تبرر أو تتوسل له؟!!
لكنها ترغب في فك النزاع بأسرع ما يمكن....
بينما قال الرجل:
-خلاص يا شباب، حصل إيه لكل ده؟.
ابتعد كريم عن حمزة رغم أن نيرانه لم تهدأ لكن من أجلها وحتى لا تحدث مشكلة أو فضيحة لها.......
وقفت سامية هي وفتاة أخرى بينهما ومازال الرجل واقفًا، عاد حمزة يسأل، لكن صوته هذه المرة كان أخطر والدماء تهبط من أنفه:
-مين ده يا سامية؟ هعمله محضر علشان عمله ده...
كريم كان على وشك الانقضاض عليه مرة أخرى، كل عضلة في جسده مشدودة، وكل خلية فيه تصرخ في تلك اللحظة وصدقًا كان على وشك أن يدفع سامية حتى يمسك بياقته مرة أخرى لكنه تمالك نفسه بصعوبة جدًا وهو يقاطعه بجنون:
-لسه بيسأل الـ***..
صرخت سامية صرخة خرجت حادة، مرتعبة:
-كفايا....
ثم وجهت حديثها نحو حمزة بتحذير:
-امشي يا حمزة لو سمحت كفايا لغايت كده ولو عملت محضر أو فكرت تعمل مشكلة أكتر من كده والله ريان ما هتشوفه تاني، ونتقابل في المحاكم، من فضلك امشي.....
كان الدخان يتصاعد في تلك اللحظة من الاثنان...
حمزة، رأى شيئًا لم يكن يتوقعه، خوف لا إراديًا في عينيها، لكن ليس على نفسها.....
بل عليه.....
هو يعرف سامية جيدًا خير المعرفة.......
أما كريم كانت أسباب غضبه معروفة جدًا.....
تمتم حمزة:
-أنا ماشي علشان خاطر ريان بس، بس لينا كلام تانية يا سامية وهعرف مين ده......
غادر باتجاه سيارته المؤجرة وفي ذات الوقت كان غادر الرجل متوجهًا إلى متجره الذي يتواجد بالقرب من مكان سامية بعدما انفصل الاثنان وعاد يباشر عمله......
أما كريم كاد يلحق به، خطوة واحدة فقط، لكن يد سامية أمسكت بسترة معطفه الثقيلة بقوة:
-استني هنا رايح فين؟؟..
توقف لكن عينيه ظلتا معلقتين برحيل حمزة، كأنه يحفظ شكله جيدًا.....
وجهت سامية حديثها إلى الفتيات التي خرجن من المكان:
-روحوا يلا على شغلكم خلاص الموضوع خلص....
دخلن بهدوء، وبقي الاثنان وحدهما.....
هنا تحدثت سامية بانفعال حقيقي:
-أنتَ إيه اللي عملته ده وإيه اللي دخلك في الموضوع أصلا؟؟ وإيه اللي بتعمله ده بجد....
ثم سألته بانفعال شديد ولكنها تحافظ على نبرتها أن تكون منخفضة برغم انفعالها وهي تنظر له:
-بعدين أنتَ تعرفه منين وازاي تضربه كده؟ لولا انه مشي كانت الناس هتتلم علينا.....
صوته خرج منخفضًا، لكنه مشدود:
-يعني اسيبه يضايقك؟.
انفجرت وهي ترد عليه:
-عرفت منين أنه بيضايقني؟ ولا تعرف إيه أصلا؟؟ وبعدين مهما حصل مكنش ينفع تمد إيدك عليه وتعمل مشكلة لنفسك وليا خصوصًا أنه محصلش حاجة، زي ما قولتلك ده طليقي..
نظر إليها، وعيناه ثابتتان كأنه لم يعد يخشى شيء:
-عارف ده أنه زفت طليقك من غير ما تقولي...
ضيقت عيناها وهي تسأله بارتباك:
-تعرف منين؟...
صمت، صمت طويل، ثقل، كأن الإجابة أكبر من إنه يقولها.....
فقالت سامية بجدية:
-على فكرة أنا هقول لعمي على كل حاجة حصلت وساعتها فسر له بقا تعرف كل حاجة منين، والصدف الغريبة بتاعتك دي....
أجاب بهدوء مخيف كأنه لم يعد يخشى شيء في هذه اللحظة:
-اعتقد المفروض يشكرني وساعتها هفسر له متقلقيش......
نظرت إليه، غير قادرة على فهم هذا الرجل الذي ظهر في حياتها فجأة وكأنه كان موجودًا من قبل دون أن تراه......
عقلها لا يستوعب ما يحدث ونظراته كانت مخيفة، متحدية وغاضبة في الوقت ذاته........
تمتمت سامية بنبرة مختنقة وهي تشير له:
-اتفضل امشي بقا وكفايا لغايت كده؛ وياريت تفهم أنك انسان غريب ومكنش المفروض تدخل لأن مكنش في حاجة أصلا لده وأنا كفيلة أن لو في حاجة أتصرف لوحدي و...
قاطعها قبل أن يكمل، صوته انفعل، لكنه صادق:
-لا كان المفروض ادخل ولو حصل تاني هدخل، مع السلامة.......
وتركها واقفة......
برجفة واضحة في قلبها ومشاعرها كلها...
لا تصدق ما يحدث....
أما هو...
حينما رآها واقفة مع ماضٍ لا يستحقها يقف أمامها مرة أخرى، فلم يحتمل، رغم أنه كان ينوي عدم التدخل لكن الأمر لم يكن بيده.....
كانت مازالت واقفة في مكانها تراقب الأمطار الغزيرة التي بدأت في الهبوط، فأخذت تسير نحو سيارتها سريعًا، تهرب من المطر ومن مشاعر لا تقوي عليها.......
غضب كبير....
وبصيص من السعادة ينكرها الأحمق....
تلك السعادة التي تأتي في الوقت الغريب......
تسعدك وتغضبك.....
____________
-حمدالله على سلامتك يا طنط..
قالت ريناد عبارتها وهي تجلس في منزل عائلة دياب، بينما كانت ليان بالداخل مع حور، التي تحاول تسخين الطعام وإعداد أشياء سريعة تتناسب مع الجو البارد والمطر الذي لا يهدأ، غير إعياء والدتها.....
ابتسمت حُسنية ابتسامة دافئة، وقالت بنبرة هادئة:
-الله يسلمك يا حبيبتي، تعبتي نفسك والله يا بنتي، كنت خايفة عليكي وأنتم جايين المطرة مش بتقف ولو وقفت خمس دقائق بترجع تاني برضو شديدة....
ردّت ريناد بهدوء صادق:
-مفيش تعب ولا حاجة، وبعدين أكيد هتقف دلوقتي، المهم إني كان لازم أطمن عليكي، اهتمي بصحتك يا طنط شوية عن كده...
تدخل دياب بنبرة جادة وهو يجلس إلى جوار والدته:
-مصر كلها قالت ليها نفس الكلام النهاردة...
ضحكت حُسنية بخفة، ثم قالت:
-حاضر يا ولاد، أنا هقوم أغير هدومي وأشوف حور بتعمل إيه، واجي تاني يا بنتي؛ أنتِ أصلا وحشاني جدًا.....
ردت عليها ريناد بنبرة مهذبة:
-وحضرتك كمان يا طنط...
غادرت حُسنية، وبقي دياب وريناد في صمتٍ قصير، قطعه هو قائلًا:
-على فكرة لولا اللي حصل النهاردة أنا كنت هاجي علشان اتكلم معاكي الأيام اللي فاتت كنت مشغول شوية في الشغل..
نظرت إليه وسألته بنبرة مباشرة:
-هتتكلم في إيه؟
كاد أن يجيب، لولا ليان التي جاءت تركض وهي تمسك بقطع تفاح مقطعة على شكل نجوم، وقالت بحماس:
-نينا هتعملي رز بلبن...
ليان تعشق "الرز بلبن" رغم العديد من الحلويات الغربية والشرقية التي رأتها وتناولت مذاقها إلا أنها تحبه كثيرًا وكانت دومًا تعده حُسنية وترسله مع دياب لها؛ وحينما تأتي هنا لزيارتها تعده من أجلها...
عدلت ريناد من ملابس ابنتها وأغلقت سترتها بإحكام، فالجو كان شديد البرودة:
-متتعبهاش يا ليان أحنا قولنا إيه؟..
ردت ليان بعينين بريئتين:
-هي اللي قالت مش أنا، وقالت أنه مش هيتعبها....
بعد مرور ساعة تقريبًا...
جلست خلالها ريناد على الغداء معهما رغم رغبتها في الرحيل، لكنها كانت تراقب المطر الذي لا يهدأ؛ يتوقف لدقائق ثم يعود بغزارة، وكأنه يرفض أن يمنحها فرصة للمغادرة.......
أعدت حور مشروبات ساخنة، بينما جلست ريناد تراقب ابنتها وهي تتناول الرز بلبن الذي صنعته حُسنية سريعًا من أجل حفيدتها الغالية، رغم رفض الجميع بأن ترهق نفسها لكنها أصرت على صنعه سريعًا.....
على شاشة التلفاز...
كانت النشرة الإخبارية تعلن عن توقف حركة المرور، وحادثٍ مروّع أدى إلى شللٍ مروري في عدة مناطق......
تنهدت حُسنية بضيق وهي ترتدي نظارتها الطبية:
-يارب سلم، المطرة مش عايز تقف، ده كويس أننا رجعنا قبل ما الدنيا تقف كده خالص.....
ثم نظرت إلى ريناد وقالت بعفوية:
-متمشيش يا ريناد خليكي قاعدة يا بنتي، مينفعش تروحي ولا تسوقي في الجو ده...
تمتمت ريناد باعتراض خافت:
-مينفعش أنا....
كان دياب يعلم بسفر والدها لذلك قاطع حديثها:
-خليكي يا ريناد، متعنديش وخلاص، أديكي شايفة الجو عامل ازاي، والأخبار قدامك....
أنهت ريناد الجدال بآخر حل توصلت إليه:
-أنا هكلم بابا أشوف رأيه إيه......
نهضت وتوجهت إلى غرفة حور، وأجرت مكالمة قصيرة مع والدها، تشرح له الوضع....
مالت حُسنية نحو دياب بعد دقائق من رحيلها حينما شعرت باندماج حور مع ابنه أخيها، فهمست بجدية:
-قوم اتكلم مع مراتك متقعدش زيك زي الحيطة كده، صالح مراتك وطايب بخاطرها مهما كانت الأسباب اللي مش عايزين تقولوها....
نهض دياب، ودخل إلى الغرفة فوجد ريناد تنهي المكالمة وهي تقف بجوار النافذة، فقال:
-هو أنا خلاص ماليش رأي؟.
لم تكن راغبة في الدخول في جدال ويرتفع صوتهما أمام العائلة وابنتها، وهو شعر بذلك أيضًا، فسألها بهدوء:
-قالك إيه طيب؟.
أجابت ريناد:
-كنت بقوله يشوف لو يبعتلي حد بحيث مسوقش أنا بعدين حسيت برضو أن المشكلة هي هي عليا أو على الشخص، هستني شوية لو الدنيا هديت هخليه يبعتلي حد لو مهديتش هفتح شقة نينا بهية أنام فيها أنا وليان.
عاد الصمت يفرض نفسه من جديد، لا يقطعه سوى صوت المطر وهو يضرب الزجاج بإلحاح، وكأنه يشاركهم ثقل اللحظة.......
وقفت ريناد قرب النافذة، عيناها معلقتان بالخارج، تتابع خيوط المطر المتشابكة، بينما كانت قبضتها تشتد حول هاتفها دون وعي....
لم تكن تنظر إلى شيء بعينه، فقط تهرب من نظراته.....
أما دياب فكان يقف غير بعيد، يراقبها بصمت....
عيناه ثابتتان عليها، محمّلتان بأشياء كثيرة لم تُقال بعد؛ شوق، وندم.....
غادرت الغرفة حتى يتوقف هذا الصمت المهلك......
التي عاشت فيه لأشهر.......
لكن في وجوده الصمت يصبح أصعب......
_____________
المطر لا يتوقف.....
كانت ليلة غريبة......
درجة الحرارة منخفضة جدًا أكثر من المعتاد.....
وتعلو فيها أصوات قطرات المطر رغم إغلاق النوافذ بإحكام.........
ليلة من الليالي التي نادرًا ما تأتي.....
غريبة....
تعبر عن انفجار...
قسوة....
برد....
ونيران داخل الصدر تكسر حدة البرد، نيران قد تكون شوقًا أو غضبًا، وكلاهما وجهان لعملة واحدة........
بسبب تلك الأحداث.....
لم يكن له مكان في المقهى اليوم...
لذلك جلس كالزوج الصالح في منزله على الأريكة؛ الغطاء السميك فوقه بينما زوجته ومنذ أن عادا من السفر لا تفعل شيء سوي وضع الملابس والمفروشات في الغسالة ثم وضعها حتى تجف وبعدها تقوم بطيها ووضعها في مكانها.....
هكذا منذ أيام وهي تعيد ترتيب المنزل رويدًا
رويدًا..........
تعيد له الحياة بعد غياب أيام....
قلب نضال في قنوات التلفاز، إشارته تضعف وتعود بفعل الأمطار....
لاحظ اختفاء سلمى لذلك نادى عليها:
-سلمى، بتعملي إيه ياست هانم، أكيد مش بتغسلي هتنشري فين على الكنبة؟ ولا أنتِ مش شايفة المطرة اللي مش عايزة تقف..
جاءه صوتها من الداخل، مرتفعًا قليلًا:
-بكلم صاحبتي يا نضال وجاية...
-طب اعمليلي قهوة وأنتِ جاية معاكي اما تخلصي...
-ماشي....
بعد نصف ساعة، أنهت مكالمتها، أعدت القهوة الساخنة،
وجلست بجواره تحت الغطاء، البرودة غير طبيعية،
والمطر يهبط بغزارة، بينما تتابع النشرة الإخبارية المسائية وحركة المرور المتوقفة.......
لاحظ عبوسها فتمتم بمزاح:
-سيبت القهوة وقاعد في وشك اهو ومش عاجبك وقاعدة مكشرة مش عارف ليه؟ أكيد علشان مش لاقية غسيل ولا مكان تنشري؟ اهي مطرت علشان تهمدي وتسيبي الغسالة في حالها....
ابتسمت ابتسامة سريعة، لم تصل لعينيها ثم ردت عليه سلمى ساخرة:
-على أساس أنك سايبها بمزاجك، دي ظروف قهرية يا حبيبي، غير كده كان زمانك قاعد تحت والدومنة في إيدك.....
ضحك نضال ثم أخذ رشفة من القهوة، وهو يسألها:
-بجد مالك؟ وبقالك ساعة بترغي مع صاحبتك مش عادتك يعني....
أردفت سلمى بنبرة منزعجة:
-بواسيها، جوزها خانها وهي طالبة الطلاق وفي مشاكل كتير وأنا زعلانة علشانها....
قال بعفوية اعتادت أن تزعجها، كما تزعج النساء من الرجال:
-ربنا يصلح الحال، بس برضو فكي وشك شوية، مش أنتِ اللي اتخانتي علشان تقلبي وشك يا حبيبتي...
جحظت عيناها وهي تنظر له وهنا أدرك نوعًا ما....
ما خرج منه...
فعقبت سلمى على حديثه:
-احمد ربنا أنه مش أنا يا حبيبي علشان ساعتها مش هتكون قاعد كده تحت البطانية وبتشرب القهوة والدفاية شغالة قدامك بكل هدوء كده...
سألها نضال بتسلية:
-اومال؟ هيحصل إيه هكون بعمل إيه؟..
نظرت له بعمق وهي تخبره:
-معرفش، ساعتها مش هكون معاك، وهتخسرني ببساطة....
ثم أضافت بسخرية:
-وأكيد ساعتها هتقعد على القهوة براحتك كالعادة يا حبيبي، وتلعب دومنة للصبح....
-وليه النكد ده؟.
تمتمت سلمى ساخرة:
-مش أنتَ اللي سألت؟؟.
-حقك عليا ياست سلمى.
أنهى قهوته دفعة واحدة، وجذبها إلى أحضانه، بينما عينه تتابع الشريط الإخباري أسفل الشاشة:
-هي المطرة مش ناوية تقف ولا إيه؟ دي الطرق وقفت خالص.....
ردت سلمى على حديث زوجها:
-مش عارفة بقالها كتير ممطرتش كده عندنا، ربنا يسلم على الناس اللي في الطرق دي...
ضمّها أكثر وهمس:
-يارب، أنا الحمدلله لما كنت تحت كان كلهم رجعوا من الشغل واتصلت بدياب قالي انه البيت وبرضو طارق في البيت...
تمتمت سلمى بجدبة:
-ده كويس أنك قولتلي مننزلش النهاردة نجيب طلبات البيت لما بدأت تمطر...
رد عليها نضال يوضح سبب اعتراضه مرة أخرى:
-ما قولتلك بيحذروا في الاخبار أن في مطرة وأنتِ قعدتي تقولي لا وإني بكسلك علشان مننزلش...
غمغمت سلمي بعفوية وهي ترفع رأسها وتنظر له وهي بين أحضانه:
-وأنا أعرف منين يعني؟ ما هما ساعات كتير بيقولوا في مطرة ومش بتمطر ولو مطرت مبتكلمش نص ساعة وبتقف...
ثم تابعت:
-الحمدلله وخلاص أننا منزلناش كان زمانا في الطريق قاعدين بالعربية مش بنتحرك...
قال نضال بفخر:
-اسمعي كلام جوزك بعد كده يا حبيبتي، جوزك دايما فاهم وباصص لقدام، بطلي أنتِ سطحية بس.....
هتفت سلمى باعتراض:
-أنا سطحية؟؟؟؟..
ثم تايعت بنبرة مختلفة:
-احنا لسه راجعين من العمرة يا نضال بلاش تستفزني........
ضحك نضال بسبب حجتها، ثم سمعها وهي تقول:
-قوم نقف في البلكونة شوية شكلها لسه بتمطر تعالى نـ...
قاطعها نضال بنبرة جادة:
-نقوم فين؟ أنا مثلج مش متحرك من على الكنبة أنا، اقعدي مكانك أحسن تاخدي برد ومش ناقصة العملية....
في النهاية استجابت له واستقرت بين ذراعيه من جديد،
وتلاشت الكلمات واحدة تلو الأخرى، لم يبقى سوى صوت المطر بالخارج، مع صوت النشرة الإخبارية......
_____________
نامت ليان بعمق في فراش جدتها، محاطة بذراعي حُسنية التي استلقت بجوارها محاولة أن تلحق بها إلى النوم.....
كان جسد الطفلة دافئًا، أنفاسها منتظمة، وملامحها ساكنة......
وقفت ريناد عند باب الغرفة، تراقبهما بصمت، عيناها معلقتان على ابنته، انتبه دياب لاختفائها بعدما خرجت من المرحاض، فتبعها حتى رآها واقفة هنا:
-واقفة ليه كده؟.
قالت بهدوء تخفي خلفه ترددها:
-عايزة اصحي ليان علشان ننزل...
تحركت مبتعدة عنه باتجاه الصالة وكأنها تحسم قرارها، لكنه سبقها بالكلام:
-سبيها يا ريناد، هي نامت خلاص وادفت؛ هتخرجيها في البرد ده، وتقوم من تحت البطانية؟.
ردت عليه ريناد بهدوء:
-تصحى علشان متصحهاش في نص الليل وتضايقكم....
قال دياب باستنكار:
- أنتِ قولتي أنها صاحية من بدري أوي فسبيها تنام براحتها.
قالت ريناد باعتراض حقيقي:
-حتى مغيرتش هدومها، أنا معايا هدوم ليها في العربية من اللي جبناه النهاردة تغير هدومها على الأقل وتنام تاني...
أضافت حور بعدما التقطت طرف الحديث:
-سبيها يا ريناد مش مهم وبعدين لو صحيت هتقريف، أنا أكتر حاجة كانت بتضايقي لما كنت صغيرة أن حد يصحيني من النوم..
أضاف دياب إلى حديثها:
-وأنتِ كبيرة كمان..
قالت حور بمنطقية:
-معاك حق والله..
ثم تابعت حديثها وهي توجه إلى ريناد:
-سبيها يا ريناد.
تمتمت ريناد برفض خافت:
-مينفعش اسيبها ليان بتصحي وبتقلق كتير وهي مش متعودة تنام هنا ولو صحيت ملقتنيش جنبها هتعيط....
قالت حور ببساطة محببة:
-متقلقيش لو عيطت هنزلها ليكي، وبعدين متنزليش أنتِ كمان خليكي وباتي معايا، أنا حتى مش بشخر وأنا نايمة زي دياب..
اتسعت عينا دياب باستنكار:
-أنا بشخر وأنا نايم؟.
أجابته حور بجدية خالية من الرحمة:
-أيوة ساعات، هي مش غريبة أكيد سمعت شخيرك كتير.....
ضحكت ريناد بخفة رغمًا عنها، ضحكة سريعة هاربة، ثم قالت:
-نامي براحتك يا حور، أنا وحشتني شقة نينا بهية الله يرحمها؛ ومحتاجة أقعد فيها شوية واهي جت فرصة........
ابتسمت حور بحزن، وقالت مع دياب في صوت واحد:
-ربنا يرحمها يارب...
ثم أضافت حور:
-ماشي مدام مصممة هنزل معاكي أكيد الدنيا متبهدلة شوية من القفلة نروقها شوية علشان تعرفي تقعدي.
في الحادية عشر مساءًا....
قُرب منتصف الليل....
توقفت الأمطار لنحو نصف ساعة، ثم عادت أشد وأعنف، كأن الليل قرر أن يطيل إقامته......
ليلة غريبة، ثقيلة، لا تشبه سواها......
ساعدت حور ريناد في ترتيب الشقة سريعًا؛ غرفة النوم، المرحاض، بعض التفاصيل الضرورية، وحين انتهتا رفقت ريناد بحالها وطلبت منها بأن تصعد وتنم فهي أرهقت اليوم بما يكفي، ولم تعارض حور فهي بالفعل كانت تحتاج إلى الراحة، فكان اليوم طويلًا جدًا.....
كانت ريناد تحمل مشاعر مختلفة عند دخولها شقة بهية....
لقد اشتاقت لها...
تغيرت شخصيتها معها إلى الأفضل، تعلمت منها الحنان الأمومة، المسؤولية، حتى الحب تعلمته منها، كان فصل بهية في حياتها لا يشبه الفصول الآخرى أبدًا ورغم قصره إلا أنه تلقت فيه دروس في الحياة كثيرة فترك أثرًا بداخلها لا يُمحى....
جلست على الأريكة......
التلفاز لا يعمل، لكن صوت القرآن ينبعث من الراديو القديم…
راديو بهية المفضل، الذي كانت ترفض استبداله، وتُصر على إصلاحه كل مرة....
أثرها حاضر في كل زاوية.....
تنهدت ريناد، أغمضت عينيها قليلًا، بعدما استلقت على الأريكة، وتمنت أن يغلبها النعاس…
لكن رنين الجرس قطع سكونها، ففتحت الباب وكانت متوقعة بأن الطارق أما حور، أو هو.......
وكان هو الطارق...
لا أحد غيره....
وقف دياب يحمل لحافًا وبطانية:
-حور قالت أن الحاجة متربة فبعتتلك دول...
كانت حور ترغب في أن تهبط بنفسها، لكن منعها هو...........
-ماشي هاتهم...
أخذتهما منه ثم أغلقت الباب بقدمها، وضحكت رغمًا عنها وهي تتخيل ملامحه خلف الباب......
وضعت الأغطية على الفراش، ثم عادت إلى الأريكة مرة أخرى...
كانت الذكريات لم تهدأ؛ مع بهية…
ومعه أيضًا....
في كل لقاء بينهما كان عبثي وغير عبثي جمعهما في تلك البناية.....
بعد مرور دقائق...
رن الجرس مرة أخرى..
فنهضت ريناد من مكانها وهي ترتدي بنطال جينز وكنزة من الصوف لونها أسود بعدما خلعت معطفها حتى تستطع التحرك بحرية...
فتحت الباب لتجده يحمل كيس بلاستيكي موضوع فيه ملابس نظيفة تعود إلى حور أختارها بنفسه ومناشف أيضًا......
تمتمت ريناد بنبرة جادة:
-خير؟.
أردف دياب موضحًا وهو يمد يده:
-دي هدوم من عند حور علشان تغيري هدومك وتقعدي براحتك...
أخذت منه الحقيبة وقالت:
-قول شكرًا لحور..
كادت أن تغلق الباب مرة أخرى لولا أنه منعها بذراعه:
-على فكرة حور أصلا نامت من التعب انا اللي جبتهم.
-ماشي برضو شكرًا لحور مش ليك، لما تبقى هدومك ان شاء الله هشكرك...
ثم أغلقت الباب في وجهه للمرة الثانية.....
..بعد منتصف الليل تقريبًا..
أخذت حمامًا ساخنًا، بدلت ملابسها، جففت شعرها بالمنشفة حتى صار رطبًا فقط.....
وقفت قليلًا عند الشرفة قبل أن تغلقها، المطر لم يتوقف، والبرد قارس حتى أن أطرافها كانت مثلجة.......
كانت بالفعل تحتاج إلى تبديل ملابسها لحسن الحظ أنه فكر في ذلك...
كانت ذكرياتها في تلك الشرفة كثيرة جدًا، وتقريبًا كانت كلها معه.....
جلست على الأريكة مرة أخرى...
تحدثت مع والدها وأخبرته بأخر التطورات.....
وبعدما انتهت المكالمة بينهما أخذت تقلب في هاتفها وتتابع الأخبار ثم أخذت تتصفح قليلًا فيه، إلى أن انتهى شحنه فزفرت بضيق وجلست وحيدة.....
إلى حين سمعت صوت الباب....
كانت تلك المرة الثالثة نهضت وفتحته لتجده أمامها يحمل صينية موضوع عليها أكواب شاي لهما وعلب بلاستيكية بها الأرز باللبن الذي لم تتناوله ولم تمسه....
لم تكن تحب الشاي إلا حينما عرفته وبالأخص تزوجته.......
-ممكن نتكلم شوية...
هزت رأسها بإيجاب فهي بالفعل كانت تشعر بالاختناق، وأفسحت له الطريق حتى يدخل، وضع الصنيية على الطاولة فطلبت منه:
-عايزة شاحن.....
تمتم دياب بهدوء:
-ماشي ثواني هطلع اجيبلك الشاحن بتاعي واجي..
ردت عليه ريناد بنبرة عادية:
-اتأكد أن ليان نايمة، لو صحيت هاتها.
-ماشي...
قالت قبل أن يرحل:
-سيب الباب وراك مفتوح أو خد المفتاح بتاعك هو في الباب متعلق علشان مش قادرة أقوم تاني...
كان هو من أعطاها النسخة التي تتواجد معه حتى تفتح الشقة بها......
بعد مرور دقائق....
في الطابق الثاني...
بداخل بناية رقم 14....
كان دياب قد أنهى كوب الشاي الخاص به وهو لا يزال ساخنًا، بينما كانت ريناد تحتضن كوبها بين كفيها، تستمد منه دفئًا قبل أن ترتشفه....
كانت تحب الشاي دافئًا لا حارقًا على مهل، كما تفعل دائمًا مع كل ما يخصها.....
رفعت عينيها إليه، وقالت بنبرة هادئة تخفي خلفها شيئًا من الحذر:
-خلاص شربت الشاي، امشي علشان أنا عايزة أنام..
ضيّق عينيه مبتسمًا بسخرية خفيفة:
-أنتِ دخلتيني علشان الشاحن يعني؟
هزت رأسها بإيجاب ولم تنكر....
تأملها لحظة، ثم قال بصوت أعمق:
-زي ما قولتلك أنا كنت جاي النهاردة علشان اتكلم معاكي، بس طبعا الدنيا اطربقت بس الحمدلله اتقابلنا برضو في نهاية اليوم كان لينا نصيب نتقابل..
تركت الكوب على الطاولة، ثم نظرت إليه تنتظر تفسيرًا منه أو بمعنى أدق تكملة لحديثه....
بالتأكيد إلى حديثه تكملة، فهو لن يرغب في رؤيتها بتلك الطريقة بدون سبب...
لبى رغبتها التي قرأها في عيناها وهو يخبرها:
-عرفت الصور دي اتاخدت ازاي....
سألته ريناد بكبرياء جريح:
-ازاي؟..
حكى لها كل شيء.
دون تهويل، دون نقصان.
ترك الحقيقة تسير كما هي…
عارية، واضحة، موجعة....
أخبرها بأن هذا الاحتمال أتى من نضال نفسه وكان صادقًا في تحليله بعد أيام طويلة فكر بها الاثنان في الأمر.....
أنهى حديثه قائلا:
-طبعا الراجل طرده وكانت هتحصل مشكلة أكبر من كده لولا أن أمه جات واتحايلت علينا، أنا كلمتها النهاردة، ودي كانت المرة الوحيدة اللي أكلمها من شهور والأخيرة علشان اعرفها اني عرفت كل حاجة وأني مش عايزة تكلمني لأي سبب من الأسباب.
ابتلع ريقه وهو يخبرها بما حدث حقًا:
-كنت عايز اعملها مشكلة بس نضال قالي لا، في النهاية هي واحدة وليها سمعة.
لم تُعلق....
كانت تستمع فقط…
بعينين ثابتتين وقلبٍ مثقل...
فقال حينما لاحظ صمتها:
-مش هتقولي حاجة؟ هتفضلي ساكتة....
تنهدت، وعدلت خصلة شعر خلف أذنها:
-عرفنا حقيقة الصور بس ده ميلغيش أنك غلطت في حقي، وردك عليها اللي خلاها تتجرأ تعمل كده وتقولي أدور في موبايلك وهعرف أنها على حق هي كانت عارفة أن في أكتر من حاجة هتجيب الناهية بس الصور بتاعتها كملت الشكل....
نظر لها دياب متأسفًا وهو يخبرها:
-أسف، غلطت وحقك عليا بس كفاية يا ريناد بُعد أكتر من كده، سامحيني أنا مبحبش غيرك وأنتِ عارفة ده.......
ابتسمت ابتسامة غامضة، ثم قالت:
-فاكر لما عرفنا إني حامل في ليان؟.
لم يفهم سر السؤال في هذا الوقت تحديدًا....
لكنه أومأ برأسه فقالت:
-ساعتها أنتَ قولت أن ليان هتربطنا ببعض وأننا كبرنا مع بعض وهنكون ثلاثة وقولت كلام كده أنا مش فكراه بس ده كان مضمونه، فاكر ساعتها أنا قولتلك إيه؟.
صمت لثواني ثم ردد كلماتها التي تذكرها على الفور:
-قولتي أن مفيش حاجة بتربطك بيا غير أنك بتحبيني.....
هزت رأسها بإيجاب ولم تظهر دهشتها من أنه يتذكر حديثها بل ظنت بأنها هي من سوف تقوم بتذكيره بهذا الأمر والجدال الغريب الذي قام بينهما وقتها من دون سبب حقيقي.....
ابتلعت ريقها، وتابعت بنبرة صادقة:
-الحاجة الوحيدة اللي خليتني اتجوزك وخليتني أكون معاك لغايت دلوقتي بعد السنين دي، هي أنك بتحبني وأنا بحبك، واللي مخليني أكمل معاك لغايت دلوقتي هو نفس السبب، مفيش حاجة هتربط ما بينا ولا سنين جواز ولا أطفال ولا حاجة.....
ابتلعت ريقها وهي تحدثه بطريقة لأول مرة تتحدث بها:
-مطلبتش منك حاجة من ساعة ما عرفتك، كنت كل حاجة بقولك أعمل اللي يريحك، حتى الشقة اللي اتجوزنا فيها قولتلك بلاش علشان ايجارها غالي عليك لكن أنتَ صممت عليها، يعني أنا مفيش مرة طلبت منك حاجة فوق طاقتك، كان كل اللي أنا عايزاه هو إني أكون معاك بأي شكل وبأي طريقة لأني متأكدة أنك راجل بيحبني وأنا بحبه..
كانت عقلانية...
كلماتها عميقة جدًا...
نادرًا ما تستخدمها....
كان ينظر لها نظرات تحمل أكثر من معنى؛ اشتياق، ولهفة وأسفٍ لأنه تسبب في جرحها، كانت تتحدث وأصوات المطر لا تتوقف وهي ترتطم بالنافذة المتهالكة والشرفة....
تابعت ريناد حديثها وهو يعطيها مساحتها الكاملة:
-ممكن كلامي لو حد غيرك سمعه يفتكر إني شخصية تافهة، لكن أنتَ لا فاهم أنا قصدي إيه، لأني كنت زوجة زي ما بتتمنى وكنت أم مازالت بحاول أكون أم كويسة، بس أنا اللي رابطني بيك وأرجع اقوله تاني هو حبك، ومطلبتش منك من ساعة ما عرفتك غير حبك ده، مش حب أفلاطوني ولا حب مجنون بس طلبت انك تكون بتحبني ودي أقل حاجة........
رفع يده وضعها على وجنتيها مغمغمًا بنبرة خافتة:
-وأنا بحبك يا ريناد وأنتِ أحلى حاجة حصلت في حياتي وأياكي تشكي في غير كده.
ابتلعت ريقها وهي تنظر لها نظرات ثابتة وقوية:
-أنتَ اللي لازم تتأكد أن لو عدى سنين على جوازنا، خمسة أو عشر أو عشرين سنة ولغايت أخر يوم في عمري، لو حسيت أنك مبقتش تحبني أو عملت أي حاجة تحسسني أني خلاص مش في قلبك أنا مش هكمل معاك ولو كان إيه السبب، مفيش حاجة هتجبرني أكمل معاك ساعتها.....
تابعت حديثها وكانت لا تتوقف فهي تتحدث بالنيابة عن شهور طويلة من الكتمان، كتمان كل مشاعرها، حبها، شوقها، حزنها، غضبها وخذلانها:
-طول الشهور اللي فاتت كنت بفكر اللي عملته ده معناه أنك مبقتش تحبني ولا لا، مكنتش بفكر هقدر اسامحك ولا لا..
ابتلعت ريقها ثم تابعت الحديث مؤلم جدًا بالنسبة لها:
-لو بعاملك أنك مجرد راجل أنا متجوزاه أو أنك أبو بنتي أنا كنت عديت الموضوع من بدري، لكن أنا كنت بفكر في الراجل اللي بحبه وبيحبني ازاي يعمل كده فيا علشان كده كان وجعي منك أكبر من أي حاجة....
كانت صادقة في مشاعرها..
تعي جيدًا ما تقوله لأول مرة.....
ريناد لم تكن أمرأة متطلبة معه هو تحديدًا، كانت محبة فقط، لا تدري هل هذا نابع من تغييرها أم كونها لا تحتاج منه شيء...
لديها كل شيء هي فقط كانت ترغب في محبته وعشقه.......
أردف دياب بنبرة خافتة لا يسمعها سواها:
-أسف اني جرحتك، بس والله أنا ما بحب غيرك يا ريناد ويمكن الفترة اللي فاتت أكدت ليا ده أكتر، مفيش حاجة تسوي أنك تكوني بعيدة عني، أصلا حياتي قبل ما تدخلي فيها حاجة وبعد ما دخلتي فيها حاجة تانية....
لا تدري لما ابتسمت رغمًا عنها وتذكرت أول لقاء مر بينهما، اللقاء الكارثي التي لا تذكره كثيرًا:
-فعلا حياتي قبل السموزي اللي اخدت شاور بيه غير بعدها خالص برضو...
ضحك هو الأخر وهو يخبرها ومازالت يده تحاوط وجهها والأخرى موضوعة فوق يدها اليمنى الموجودة على فخذها وتلقائيا ووضعت هي فوق يده يدها اليسرى:
-يعني كان سموزي اهو بس بتنكري.
أبعدت يده عن وجهها وكأنها أدركت خطر قُربه، قائلة:
-كان عندي بُعد نظر فيك.
ثم تابعت:
-المطرة مش عايزة تقف، بعت لناس كتير صحابي أطمن عليهم، في البيت ولا لا؟.
قال دياب بنبرة سعيدة لن ينكر بوجودها:
-اليوم كان مترتب أننا نشوف بعض ونتكلم.
ساد الصمت بينهما...
صمت ثقيل لكنه دافئ بالرغم من العواصف الرعدية التي بدأت ترافق الأمطار، كأن الكلمات قالت كل ما يمكن قوله وتركتهما وحدهما أمام الحقيقة........
كان قريبًا منها أكثر مما انتبهت، أو ربما انتبهت ولم تعترض......
أنفاسهما تشابكت، ونظراته توقفت عند عينيها، ثم شفتيها، ثم عاد إليها وكأنه يخشى أن يخطئ......
مد يده ببطء، لم يلمسها فورًا، وكأنه يمنحها فرصة للانسحاب…
لكنها لم تفعل....
قال دياب بنبرة مترددة:
-سامحيني يا ريناد..
لم ترد عليه...
كأن الكلمات من الصعب شرحها..
تشعر بتخبط غريب تلك المرة...
هل سامحت؟
هل غفرت؟.
لا تعلم سوى بأنها تصدق حبه لها وليس الآن فقط بل على مدار أشهر وهي تحاول أن تتأكد من أن مشاعره كما هي، وأن تلك الرسائل التي حدثت بينهما ما هي إلا خطأ وأن حبه لها مازال مستمرًا............
همس بصوت خافت:
-أنا عايز نرجع يا ريناد، أنا بحبك ومش متحمل أنك تبعدي عني أكتر من كده، خلينا نرجع....
رفع يده ببطء، لمس أطراف أصابعها أولًا، لمسة خفيفة بالكاد تُرى، لكنها كانت كافية لتُربك ثباتها.......
حين لم تسحب يدها، شد أنفاسه، واقترب أكثر، حتى صار الدفء بينهما أوضح من صوت المطر بالخارج..............
وضع كفّه على وجنتها برفق، نظرة واحدة كانت مليئة بكل ما لم يستطع قوله، مال عليها ببطء، جبينه لامس جبينها أولًا أنفاسهما اختلطت، رفعت يدها وضعتها على كتفه تلقائيًا وهي تنظر له......
قبلها وقد اشتياق إليها أكثر مما تظن بكثير....
قبلها على مهل في البداية....
وكأن اللحظة بينهما تُختبر قبل أن تُمنح.......
فلم تتراجع، ولم تتقدّم…
فقط تركت نفسها داخل اللحظة......
بين ذراعيه كان الصمت أصدق من أي اعتذار، والدفء أبلغ من ألف كلمة، فتركت رأسها يستسلم، لا تفكر، لا تُحاسب، لا تُقرر فقط تشعر.....
خارج المنزل....
كان المطر ما زال يهطل بلا توقف، يطرق الزجاج بإصرار، والبرد يحاول التسلل، لكنه لم يصل إليهما........
كان هناك دفء آخر…
وفي تلك الليلة…
لم تُحلّ كل العقد، لكن القلوب التقت بعد زمن، ونامت بلا خوف......
_____________
بعد الانفجار الذي كان يدرك جيدًا أنه لن يمرّ على خير، ظل يدور في الشوارع بلا هدف، غير آبه بالأمطار التي لا تتوقّف ولا ببرودة الجو التي تنخر في العظام.....
تجاهل اتصالات والدته المتكررة، توسلها له بالعودة، فالطقس لا يحتمل…...
وهو أيضًا، لم يعد يحتمل.......
جلس أخيرًا بداخل المقهى...
محاطًا بعددٍ قليل من الزبائن، صمت ثقيل، ودخان أفكاره أثقل......
حتى ضاق به المكان…
فعاد....
دخل شقته ثم أغلق الباب خلفه وملابسه مبتلة نوعًا ما، خلع حذائه وشعر بخطوات في الداخل فغمغم:
-أنتِ هنا يا نورا؟...
ثم أضاف بسخرية:
- إيه مبقاش عاجبك تحت ولا إيه....
خلع سترته السميكة، لكن الخطوات اقتربت…
حتى ظهرت له...
فتجمد في مكانه...
كانت الصدمة بأنها لم تكن شقيقته نورا التي تتواجد في شقته بل ابنة خالته...
هـالـــة....
________يتبع________
لو ووصلتم لغايت هنا دمتم بألف خير...
نتقابل في فصل جديد ان شاء الله❤️❤️
متنسوش الفوت والكومنت وتفاعل لأن الفصل طويل جدا جدا.....🫣❤️❤️
بوتو يحبكم.....
تكملة الرواية من هناااااااا
لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كامله من هناااااااااا
مجمع الروايات الكامله اضغط هناااااااا

تعليقات
إرسال تعليق
فضلا اترك تعليق من هنا