رواية غرام الذئاب الفصل التاسع وعشرون والثلاثون بقلم ولاء رفعت (حصريه وجديده في مدونة قصر الروايات )
رواية غرام الذئاب الفصل التاسع وعشرون والثلاثون بقلم ولاء رفعت (حصريه وجديده في مدونة قصر الروايات )
#الفصل_التاسع_والعشرون
#غرام_الذئاب
#الجزء_الرابع_من_سلسلة_صراع_الذئاب
#ولاء_رفعت_علي
سارت في البهو الواسع، تتأمل الأرائك الفاخرة المغطاة بطبقة خفيفة من الغبار، الحوائط المزينة باللوحات لمناظر طبيعية وأخرى آيات قرآنية، والستائر التي تتماوج بخفوت كأنها تتنفس.
كل ركن فيها كان ينطق بشيء غامض لا تدركه تمامًا، وكأن البيت يذكرها بنفسه.
باغتها صوت زوجها من خلفها، يكاد يلتصق بها
"حاسه بإيه؟"
ألتفت إليه وحدقت في عينيه، و برغم هدوئه أمامها الآن لكنها تخشي ما تراه في رماديتيه، نظرة مظلمة.
همست بصوت خافت كأنها تحاول أن تصدق ما تقول
"مش فاكرة حاجة"
ابتسم بسخرية، وأخرج هاتفها من جيب بنطاله، رفعه أمام وجهها بيده في حركة تحمل تهكم ظاهر، وقال بنبرة باردة كالثلج
"ويا ترى... فاكرة اللي حصل ما بينكم أنتي والبيه؟ عشان يبعتلك الاعتذار ده؟"
رمشت بعينيها في دهشة وهي تحاول قراءة ما على الشاشة.
لم يتركها حرف واحد دون أن يرتجف قلبها.
«آسف... مش عارف إزاي أنا عملت كده... بس كانت فيه حاجة بتشدني ليكي جامد ومقدرتش أقاوم... ياريت تتقبلي اعتذاري... مش هكررها تاني... كلها أيام وهتبقي مراتي حلالي... بحبك أوي ❤🌹»
تصلبت أنفاسها، وابتلعت ريقها بصعوبة، ثم تمتمت بتصنع وهي تحاول استعادة رباطة جأشها، تمثل عدم الفهم
"هايكون حصل إيه يعني عشان يبعتلي رسالة زي دي؟!"
لكنها لم تتوقع ما جاء بعدها، ولم تتخيل تلك الجرأة الفجة التي تفجرت من كلماته حينما قال بنبرةٍ قاسية تخلو من أي رحمة
"هايكون إيه غير إنك نمتي معاه!"
كأن صاعقة ضربتها في مقتل، توقفت أنفاسها لحظة، ثم اشتعلت في عروقها نار الغضب.
لم تجد رد علي كلماته سوى أن ارتفع ذراعها تلقائيًا، وهبطت كفها على وجهه بصفعة مدوية ارتد صداها في المكان كله، صارخة في وجهه بأمر نافذ
"اخرس"
كانت النار تتقد في عينيها كجمرة أُضرمت بريح الغضب، ولم تكتفِ بصفعه ونهره وإسكات فمه بما رأتْه سفهًا، بل أردفت بصوت ينضح كبرياء لا ينحني
"مش أنا اللي يتقالي الكلام القذر ده، ولو افترضنا حصل بيني وبينه حاجة… أنت بتحاسبني ليه؟!، هل أنا كنت أعرف إني للأسف على ذمتك؟!، أنت مالك، مش من حقك تحاسبني على أي حاجة حصلت قبل ما أعرف إنك جوزي، ولو عايز تلوم وتحاسب… روح حاسب نفسك يا أستاذ،
ياللي كنت عايش حياتك بالطول والعرض إنت ورودينا هانم، ولا عمرك راعيت إن عندك بنت بتبقى صاحية، وسمعتكم وشافتكم أكتر من مرة و أنتم بتتهببوا علي عينكم"
كانت كلماتها كالسيف المسنون، تضرب وتجز، فارتج قلبه دهشة وذهولًا، لم تكن صدمته من صفعتها كوقع صدمته المعنوية من الذي علمه للتو؛ إذ انشق في داخله صوت يُعيد السؤال المفزع، هل حقًا ابنته كانت تراه هو وزوجته الأخري في لحظات يظنها آمنة ولم يراهما أحد،
كان يظنها نائمة وكان الظن مجرد خديعة.
و عندما رأت علامة التعجب والاستفهام تنضح من عينيه، تابعت بلا رحمة
"أيوه… البنت حكيتلي، وده مأثر في نفسيتها جامد… لأنك أهملتها وجريت ورا مزاجك، غير إنك سبتها للست اللي المفروض متجوزها عشان تراعيها،
لكن غفلتك و كانت عمالة تدمر في نفسية بنتك وتزرع في دماغها إنك ما بقتش بتحبها و لو عملت أي حاجة غلط هاترميها عند عمتها ومش هتخليها تعيش معاكم تاني"
كان ينصت إليها بوجه فقد لونه، وعينين متسعتين لا تستوعبان الحقيقة التي انكشفت فجأة، كقنبلة انفجرت في صدره وأردته بلا قدرة على النطق.
شعر بدمائه تفور، تغلي، تجري بلهيب في عروقه؛ لم يحتمل نظرتها التي صارت كمرآة تُظهر بشاعة عجزه وإهماله.
جز على أسنانه، وصوته يخرج مختنق ثقيل
"ابعدي عن وشي"
فأجابته بحدة لا تقل لهيب عن نبرته
"ما أنا فعلًا هابعد، بس هارجع علي القصر هاروح اخد بنتي، والمرة دي مش هاتشوف وشي تاني"
ألقت كلماتها كمن يلقي الحكم الأخير، وانطلقت نحو باب الشقة.
لم يمهلها أن تكمل خطواتها؛ قبض عليها كعاصفة تخطف غصن ضعيف، جذبها بقوة، رفعها على كتفه رغم صراخها، وقال بصوت زمجري، يتفجر بالغيرة والجنون
"على جثتي إن ده يتكرر تاني"
كانت تضرب ظهره بكفيها، تركل الهواء بقدميها، وصوتها يعلو مرتجفًا بالبغض
"اوعي، سيبني، نزلني أنا مش طايقاك"
دلف بها إلى غرفة النوم وأنزلها علي الأرض، وعيناه تقدحان شرر، مهدداً إياها
"ابقي وريني هتعرفي تطفشي تاني إزاي"
ثم أسرع بالخروج، وأغلق الباب بعنف يصم الأذان وهو يصرخ في الخارج
"مش هايحصل، انتي فاهمة؟، مش هايحصل!"
وتبع الصراخ صوت الأشياء تتحطم، كأن وحش كاسر يفترس المكان؛ زجاج وخزف يتحول لفتات، مقاعد تنقلب، زئير يملأ الأرجاء.
بينما هي، فقد انكمشت داخل الغرفة، وضعت كفيها على أذنيها، تُحاول أن تمنع الصوت، تحاول منع الانفجار الذي يدق في صدرها.
كان الخوف يتسلل إلى أطرافها، يُجمد أنفاسها، حتى عمَّ المكان صمت خانق.
أبعدت يديها عن أذنيها ببطء، ثم سمعت صوت باب الشقة يُغلق بعنف فشهقت بفزع، وادركت إنه ذهب.
فتحت باب الغرفة بحذر، مشت بخطوات ثقيلة كمن يطأ الأرض بعد زلزال مدمر.
وحين أشرأبت بعنقها نحو الردهة، رأت الخراب ماثل أمامها.
مقاعد مقلوبة، زجاج مهشم، أوراق مبعثرة، كل شئ انقلب رأسًا على عقب، تمامًا مثل ما حدث معها منذ أن أيام.
❈-❈-❈
كانت تقف أمامه كمن يقف على حافة هاوية سحيقة، والريح تعصف بكيانهما معاً، عينان مغرورقتان بالدموع، ويدان ترتجفان.
تمسكت بيده بقوة يائسة، تتوسل إليه بصوت مبحوح، يختلط فيه الرجاء بالانكسار
"أرجوك اسمعني بالله عليك يا أدهم، والله أنت فاهم غلط"
لكن الغضب الذي اجتاحه كان كالعاصفة الهوجاء لا تهدأ ولا تلين، صرخ في وجهها بوحشية مزلزلة جعلتها تتقهقر إلى الخلف خوفاً، يفر منها لون الدم من وجهها
"إنتي شايفاني عيل قدامك تضحكي عليه بكلمتين؟!، الفيديو لا متفبرك ولا معمول بالـ AI، واضح جداً ده حقيقي"
قبض على ذراعها بعنف أفزعها، ثم رفع هاتفه أمام عينيها، فارتعشت نظراتها عندما صاح وهو يضغط على حروفه يسألها
"مش دي إنتي؟!، وده صوتك!، وواضح جداً إن كان مزاجك عالي مع اللي معاكي"
ارتعشت شفتاها ارتعاش النحيب، وتدفقت دموعها كسيل لا ينضب، وانهال صوتها بنبرة تتشبث بالحياة كالغريق
"اقعد عشان خاطري، وأنا هاحكيلك كل حاجة، اديني فرصة واحدة بس، بالله عليك"
كان الغضب يشتعل في عروقه كالجمر المشتعل، حتى يكاد يسمع احتراقه في أذنيه، لم يكن يطيق النظر إليها، ولكن دموعها المتساقطة، المنحدرة على وجنتيها كالسيل العرم.
تراخى صوته في داخله قبل أن يتراخى في يده، فنفض قبضته عنها بضيق غاضب، وجلس أمامها بغير رغبة، وكأن الجلوس كان هزيمة.
أخرج من جيب سترته علبة لفائف التبغ والقداحة، تناول لفافة وأشعلها، ثم نفث دخان كثيف، ومع كل زفرة كأنه يحاول أن ينفث جمرة غضبه من صدره.
تطلع إليها بنظرة ازدراء جارحة، قائلاً بصوت بارد كالسيف
"احكي"
جلست أمامه أعلي الطاولة، وقد انطفأ سيل البكاء الذي كان ينهال من مقلتيها، ومسحت بطنات يديها ما تبقى من دموع علقت على وجنتيها.
أخذت نفس ثقيل، كأنها تنتشل قلبها من قاع صدرها، ثم بدأت بسرد حكايتها، بعدما خارت قواها من الاستجداء
"كنت في آخر سنة في الجامعة وبشتغل في شركة تأمينات عشان أساعد ماما على المصاريف، لأنها كانت هي وبابا منفصلين ومكنش بيبعتلنا ولا قرش واحد"
كانت كلماتها تنساب ببطء، ارتجفت شفتيها وهي تستعيد الأحداث وتابعت
"اتفاجأنا في يوم إن واحد جه يقولنا نفضي الشقة في خلال أسبوع ونمشي، وإلا هايجيب رجالته ويرموا عفشنا في الشارع، عرفنا منه إن بابا رهن الشقة مقابل إنه استلف منه مبلغ كبير عشان يسدد ديونه، وطلعلنا عقد الشقة، ماما ما استحملتش وتعبت، وأخويا كان صغير، وأنا اللي كنت مسئولة عنهم، مكنش قدامي غير إني ألجأ لأعمامي، وياريتني ما سألتهم، منهم اللي لامني علي بابا و عمايله وإنه فضحهم وجايبلهم الكلام والمفروض نسيبه يتحمل نتيجة أفعاله، وعمي التاني يقولي أنا مش لاقي اؤكل لما أسددلك ديون أبوكي"
كانت الكلمات تتكسر على حافة الحسرة، وصوتها يتوه بين خذلان الأهل وقسوة الحياة.
تابعت وهي تشهق بألم خافت
"الدنيا قفلت في وشي، والوقت بيعدي والشقة هاتضيع، صاحبتي في الشغل قالتلي أطلبي سلفة من المدير، اللي هو رامي اللي بعتلك الفيديو"
هنا انعكست شرارة ضارية في عيني أدهم، لكنه التزم الصمت، فتابعت
"روحتله، فوجئت إنه عارف كل حاجة وقاللي هيديني المبلغ من حسابه الشخصي ومش عايزه، فهمت المقابل طبعاً من نظرات عينيه فرفضت، قالي إنه كان بيمتحني و مايرضهوش يعيش معايا في الحرام وإننا نتجوز عرفي لحد ما قضيته مع طليقته تخلص وبعدها يكتب عليا رسمي"
توقفت لبرهة تمسح وجهها، كأنما تستعيد قدرتها على التنفس، فاسطردت
"مكنش قدامي غير إني اصدقه، لأن كل همي الفلوس اللي هاخدها منه و اسدد الرهان و نرجع الشقة اللي هاتضيع مننا، طلب مني رقم الراجل عشان يقابله و يسددله الفلوس وجابلي منه عقد الشقة، وبعدها بيومين خدني عند مكتب محامي صاحبه و كتبنا ورقتين وشهود تبعه، بعدها خدني علي شقة في الهرم، عرفت بعد كدة إنه مخصصها لمزاجه، و كل ما كان عايز يشوفني بنتقابل فيها، كان بيعاملني أحسن معاملة و كريم جداً لدرجة قلبي مال ليه وبدأت اتعلق بيه لأنه فهمني إنه أعجب بيا من أول ما جيت اشتغل في الشركة، كنت طبعاً صغيرة و ساذجة و بصدق أي حاجة يقولهالي، لحد ما في يوم طلب مني الطلب اللي صدمني فيه صدمة عمري"
❈-❈-❈
سارت إلى الغرفة بخطوات مُتعجلة، وما إن فتحت بابها حتى اندفعت بداخلها كأنها تعود إلى حضن طال غيابها عنه، يتبعها زوجها كظلها.
أطلقت زفرة دافئة تفيض ارتياحاً وقالت بصوت متحلل من كل قيود الإرهاق
"الواحد مش مصدق… أخيراً رجعنا لبيتنا وأوضتي"
اقترب قصي، يخلع سترة بدلته، ويمضي بها نحو غرفة الملابس، ثم قال وهو يضعها جانباً
"فعلاً عندِك حق، بس على قد ما أنا فرحان لياسين إن مراته رجعت له بالشكل اللي مايحصلش غير في الأفلام، على قد ما أنا زعلان جداً على يوسف، واللي عمله في مراته وبنته وفي نفسه"
شرع بخلع ساعة يده، وأزرار قميصه قام بفكها واحدة تلو الأخرى.
بينما جلست هي على المقعد الجلدي، تفك أزرار كنزتها بضجر ظاهر، ثم سحبتها عن جسدها وتأففت، ورفعت ساقاً فوق الأخرى لتخلع حذائها.
"يوسف مكنش كده زمان، بس خالو عزيز الله يرحمه كان متحكم فيه بطريقة أوڤر، أجبره يدخل كلية طب زي ما أجبره يتجوز إنجي، الوحيد من إخواتك اللي مكنش يقدر يقوله لاء، طبيعي ده يسيب أثر فيه على المدى البعيد"
أنهى خلع قميصه وألقى به، ثم راح يبحث عن ثياب منزلية
"الحل الوحيد لحالته إنه يتابع مع دكتور نفسي"
هزت رأسها بالنفي الموجوع
"لازم الأول هو يقتنع… إنما يروح كده من نفسه مستحيل، بس إزاي هانت عليه علياء بعد حب سنين وجواز وولاد! … تهون عليه في الآخر ويطلقها؟، ده روحه فيها، مش قادرة أستوعب إنه يشك فيها ويستغنى عنها كده في لحظة… آااه…"
شهقت بألم وهي تخلع الحذاء الآخر، فالتفت إليها سريعاً، وجد يدها تقبض على ساقها، والوجع جعل ملامحها شاحبة، فقالت بأنفاس متقطعة
"جالي شد عضلي… مش عارفة أحرك رجلي"
اقترب منها فوراً وأمرها
"ما تتحركيش"
جلس إلى جوارها، رفع ساقها بلطف ووضعها على فخذيه، ثم أبعد طرف التنورة لأعلي، وبدأ يدلك عضلات ساقها الخلفية بخبرة واضحة، كأنه يعرف موضع الألم قبل أن تشير إليه.
لحظات مرت، ثم سألها بصوت خفيض
"لسه رجلك شادة عليكي؟"
تنفست بعمق
"فكت شوية الحمدلله… وجعها صعب أوي"
رفع ساقها قليلاً وانحنى عليها بشفتيه، يقبل موضع الألم فسألها بحنان غادق يذيب الألم
"طب وكده؟، لسه بتوجعك؟"
ارتسمت ابتسامة مرتاحة على شفتيها، وهزت رأسها نافية
"الألم اختفى خالص… خصوصاً بعد اللي إنت عملته دلوقتي"
أنزل ساقها برفق بالغ، ثم مد يده وأمسك يدها قائلاً
"على فكرة… أنا ملاحظ بقالك فترة ما بتاكليش كويس. وده مينفعش أبداً"
تنهدت بضيق
"أغلب الأوقات مابيبقاش ليا نفس… غير بصحي الصبح ألاقي معدتي مقلوبة عليا، وبفضل قرفانة طول اليوم"
مسح على يدها بحنان صادق
"مفيش حاجة اسمها مليش نفس يا حبيبتي، إنتي لازم تتغذي كويس… عشان صحتك الأول، وعشان فيه بيبي… بيتغذى منك، عشان خاطري كُلي كويس وأنا هخلي دادة زينات توصي الشيف في المطبخ يعملك أكل صحي، وواظبي على الفيتامينات والمقويات اللي كتبتهم لك الدكتورة، اتفقنا؟"
ابتسمت برقة، وقالت
"اتفقنا"
رأته يتغير، يتحول إلى نسخة ألطف وأهدأ وأكثر قرباً؛ فوضعت يدها الأخرى فوق يده وقالت بصوت يغشاه الامتنان
"ربنا يخليك ليا"
انحنى وخطف قبلة سريعة من شفتيها، ثم قال مردداً بعشق
"ويباركلي فيكي يا حبيبتي، يلا غيري هدومك… وخليهم يحضرولك حاجة تاكليها، وأنا هاخد شاور وهاحصلك"
تقدمت نحوه في هدوء، وما إن وقفت أمامه حتى التفت ذراعيها حول جذعه العاري، تعانقه بلهفة تختلط بالخشية، همست بصوت متردد
"قيصو… أنت ممكن في يوم من الأيام تطلقني؟"
تجمد لوهلة، فاستدار إليها رافعاً حاجبيه بدهشة صافية، وقال بنبرة تجمع الدهشة بالمداعبة
"اللي يسمع سؤالك ونبرة صوتك… مايصدقش إنك من كام يوم كنتي واقفة عند باباكي غضبانة، وكل ما اجي اكلمك و أصالحك وقتها تقوليلي، طلقني، طلقني"
قلد صوتها في الكلمة الأخيرة بطريقة ساخرة، فاندفع ضحكها رغم القلق الذي ينهش أعماقها، ولكزته بحنق خفيف قائلة
"كنت بقولك كده وأنا واثقة إنك مش هتعملها"
عاد إليها و احتواها بذراعين يتقنان فن الطمأنينة، وضمها إلى صدره بحنان يكسوه العشق
"ما أنا عارف… وكنت باخدك على قد عقلك، وفي الوقت نفسه بحافظ على بيتنا"
رفعت ذراعيها ولفتهما حول عنقه، ونظرة عينيها تفيض بما يفوق الكلام بلاغة وحرارة، ثم قالت بصوت خفيض
"يعني مهما حصل بينا، مش هتعمل زي يوسف ما عمل مع علياء؟، لما طلقها بسهولة كده؟"
ابتسم ابتسامة تُذيب الخوف، ونظر إليها نظرة تستقر في القلب ولا تبرحه، واخبرها بروح الدعابة لديه
"يوسف أخويا ده متخلف عقلياً… واللي خلاه دكتور ظلمه هو، وظلم العيانين اللي بيعالجهم، ومش مقدر النعمة اللي ربنا رزقه بيها… زي ما ربنا رزقني أنا بأجمل وأغلى نعمة في حياتي"
واختتم حديثه بوضع قبلة دافئة على رأسها، فتلألأت عيناها بلمعان الحب، وارتخت ملامحها بأريحية غامرة، همست بحماسة تهدر في دمها
"أنا بحبك أوي يا قصي"
ولم تُمهله فرصة الرد، بل قفزت إلى شفتيه بعنفوان صاعق، تُطبق عليهما بقبلة متوهجة، تدفعه بجسدها نحو الحائط. ظلت تقبله بلهفة لا تهدأ، وذراعيها تحكم القبض على عنقه، لكنه سرعان ما أمسك بذراعيها وقلب المشهد بلمسة واحدة؛ حتى صارت هي الملتصقة بالحائط.
جمع معصميها بين يديه، ورفعهم فوق رأسها، وحدق في عينيها قائلاً بنبرة محملة بالوعود
"اديني عشر دقايق… آخد شاور وراجعلك"
استدار ليبتعد، لكنها جذبته من ذراعه بحزم وقالت بنبرة آمرة
"نبقى ناخده أنا وإنت بعدين"
وغمزت بعينها غمزة أربكت اتزانه، فقهقه خفيفاً ولمس جبينها براحة كفه وهو يقول بسخرية مازحة
"حبيبتي… انتي كويسة؟"
ردت بنظرة إغواء تشتعل على مهل، وراحة يدها تنساب فوق صدره العاري
"كويسة أوي أوي، إنت شايف إيه؟"
ضحك بعمق، واقترب منها أكثر
"شايف إن ما شاء الله هرمونات الحمل عاملة شغل عالي معاكي، وأنا تحت أمر رغبات الهرمونات، و صاحبة الهرمونات"
ثم انحنى وحملها من أردافها بسهولة ، فتشبّثت بعنقه، ولفت ساقيها حول خصره.
همت بالحديث، لكنه ابتلع حروفها داخل فمه، يُطبق على شفتيها بقُبلة عارمة، واتجه بها نحو الحمام، يقبلها بعشق جامح لا يعرف المهلة… ولا يعترف بالتأجيل.
❈-❈-❈
عاد من الخارج مثقلاً بأكياس كثيرة، وقد علا جبينه بعض الإرهاق، وما إن فتح باب الشقة حتى باغته عطر هادئ يأسر الأنفاس، وجد الأشياء التي بعثرها قد عادت إلى أماكنها.
كاد ينادي عليها، لكن أتاه صوت خافت من المطبخ استوقفه، فخطا نحو الصوت بخطوات متأنية، وجدها منحنية تجمع فتات زجاج مبعثر، تحاول رفع قطعة منه، وما إن أحست بوجوده خلف ظهرها حتى انتفضت بفزع، وشردت لحظة عن حذرها، فانزلقت تلك الشظية الحادة إلى جلدها فجرحته.
شهقت بألم خافت، بينما هو ألقى الأكياس من يده دون تردد، كأن شيئاً ما نخز قلبه.
أمسك يدها بلهفة مضطربة، وخوف صريح لا يخفيه، وقال بنبرة تفيض عتاب محب عاشق
"مش تاخدي بالك؟!"
رفعت عينيها إليه بدهشة، كان قبل قليل يرمقها بنظرات كالسهام، نظرات لم تقل إلا الغضب الجاف و كلماته التي ألقاها عليها دون رحمة، سحبت يدها سريعاً وقالت وهي تحاول صده
"أوعي، ملكش دعوة بيا"
فتحت صنبور الماء في الحوض، وانسابت قطرات الدم مع الماء ، لم يمهلها لحظة، ذهب مسرعاً إلى الحمام، وعاد بصندوق الإسعافات الأولية، جلس قربها و أمسك يدها من جديد، ضغط بحرص على موضع الجرح ليوقف النزيف، ثم وضع ضمادة صغيرة وهو يثبت بصره في عينيها، قال بصوت واهن
"حقك عليا، ما تزعليش مني"
ظلت تنظر إليه بصمت، ولكن عينيها قالت الكثير، حتي أن الصمت كان أبلغ من كل شفاه.
فتابع هو وكأنه يزيح حجراً ثقيلاً عن صدره
"أنا لما بتعصب ما ببقاش عارف بقول ولا بعمل إيه، بيبقى غصب عني، قولتهالك قبل كده وبقولهالك تاني... أنا راجل بغير جدًا، بس على اللي مني وبحبهم، وإنتي بالذات خط أحمر، اللي يقرب منك ولو بنظرة ببقى عايز أخزوقله عينيه، فاعذريني لما انفعلت عليكي"
أخفض صوته قليلاً، كمن يعترف أمام قاض يقف في صدر قلبه
"الكلام اللي اتقال النهاردة من الحيزبون أم جلامبو... خلى الشيطان يلعب في دماغي ويوريني حاجات مجرد تخيلها خلاني أتجنن، فـياريت موضوع الغيرة ده متقربيش منه معايا ولا حتى بالهزار"
سحبت يدها من يده ببطء، واستدارت عنه، وقالت بصوت خافت لكنه يحمل جرح عميق
"اللي بيحب حد بيبقى واثق فيه، والمفروض إن إحنا متجوزين من تسع سنين، يعني عارفني وعارف أخلاقي، ومش أي من هب ودب يقولك كلمتين تقوم مصدقه، أنا ما اتضايقتش من كلام أم رحيم قد ما اتوجعت من سؤالك ومن الشك اللي شوفته في عينيك"
تنفس بأسى، كمن يبتلع ندم مُر
"وأنا بعترف إني غلطت وندمان، وبعدين ما أنتي ما سبتيش حقك، رزعتيني كف على وشي خلى ودني تصفر، عارفة لو حد غيرك كنت دفنته مكانه"
قالها بنبرةٍ ساخرة مازحاً، فارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها رغم الامتعاض.
استغل تلك الابتسامة، فأمسك يدها من جديد وقال ضاحكاً
"أنا بس مستغرب... إزاي إيدك الرقيقة الناعمة دي يطلع منها كف المخبرين اللي نزل على وشي؟!"
ضحكت هذه المرة بصدق، ضحكة صافية خرجت من قلبها، فقال وهو يضحك أيضاً
"اضحكي... اضحكي"
ثم تذكر فجأة وسألها
"هي صح ياسمينا قالتلك إيه بالظبط؟"
زفرت بضيق
"اللي أنا قولتهولك قبل ما تنزل"
رأى شرارة الغيرة تبرق في عينيها، فكتم ضحكته عمداً، وقال ليداعبها
"يعني هي فعلًا شافتني أنا و رودينا و إحنا يعني...."
قاطعته بعصف من الغضب
"من غير ما تكمل، آه، ودي طفلة، ومكنش ينفع تشوف حاجة زي دي"
ضيق عينيه، يراقبها كما يراقب العاشق سر محبوبته
"ما تقلقيش أنا هاتكلم معاها، بس أنا شايف في عينيكي إنك متضايقة أكتر من البنت، معقولة غيرتي؟"
زفرت بحدة
"وهغير ليه إن شاء الله!، أنا يا دوب لسه عارفة إنك جوزي من يومين، ولا لحقت أحبك ولا أكرهك"
اقترب منها خطوة، ثم ثانية، ثم ألقى بسحره كله في عينيها
"طب عيني في عينك كده"
لم تستطع النظر صوب عينيه، رفرفت أهدابها، وانخفضت نظرتها دون إرادة. ابتسم وقد تأكد من حدسه
"ضحكتي يعني كلامي صح، والقلم ماكنش عشان اللي قولته و بس، شوفتي إيدك حصلها إيه"
رفع يدها المصابة برفق و بمزاح لطيف
"اللي ييجي عليا ما بيكسبش، إيدك اللي لطشتيني بيها اتعورت، بس أنا مسامحك وفرحان في نفس الوقت"
رفعت حاجبها وسألته بامتعاض لا يخلو من دلال
"يعني إنت شمتان فيا؟!"
ابتسم بحنان عميق
"أنا أقدر؟!، بالعكس لما لاقيتك اتعورتي حسيت إني أنا اللي اتعورت، أنا قصدي إني فرحان عشان شوفت غيرتك عليا بعيني"
صاحت وهي تحاول الفرار من اعتراف قد كشفه
"خليك عايش الوهم"
جذبها إليه، وكفاه يحتضنان وجهها كما لو أن العالم كله بينهما
"مهما أنكرتي عيونِك فاضحينِك، يا بت ده انتي حتة مني، روحي اللي عايش بيها، دمي اللي بيجري في عروقي، أنا قاعد جوا دماغك وعارف بتفكري في إيه"
ارتجف جسدها، وتوردت وجنتيها،
رفرفت أهدابها كجناحي طائر صغير أُمسك قلبه فجأة، وكأن كلماته نزلت عليها لا ككلام رجل، بل كنبض سكن تحت ضلع من أضلاعها.
ابتسم بمكر خفيف، وشيء من الدهشة يلمع في عينيه، ثم أمسكها من كتفيها برفق، وأدار جسدها لتصير أمامه كلوحة يتأملها من أول قدميها إلى أعلى رأسها ، رفعت حاجبيها بتعجب وسألته وهي لا تدري ما الذي يدور في ذهنه
"فيه إيه؟"
غمز لها بعينه في خبث لطيف، وترك ابتسامته تجري على شفتيه كموجة لاهية
"ده فيه كتير، تضاريس زادت واتنفخت، وتضاريس اتنحتت"
رغم أن كلماته بدت غير مفهومة لها، إلا أن نظرته التي انحدرت على تفاصيل جسدها أفهمتها المعنى دون حاجة إلى شرح.
توهجت وجنتاها من الخجل ثم لكزته في صدره بضيق
"إنت قليل الأدب"
ضحك بصوتٍ متهدج بالحاجة والاشتياق
"لسه قلة الأدب جاية في الطريق، بس عايزك ما تفرهديش مني، دول سنتين بحالهم وكام شهر وأنا مشتاقلك يا ياسمينتي"
وغمز بعينه، دنا منها بهدوء كمن يوشك أن ينهل من ماء حُرم منه دهراً، فكادت شفتاه تلمس خاصتها، فابتعدت سريعاً
"تعالى نرجع القصر، زمان ياسمينا صحيت، ولو ما لاقِتنيش جنبها هاتعيط"
أجابها بثقة راضية
"ما تقلقيش عليها، أنا قبل ما أطلع اتصلت بماما اطمنت عليهم وقالتلي البنت لسه نايمة وهي جنبها، إحنا الصبح إن شاء الله نروحلهم"
اتسعت عيناها في لحظة خاطفة
"نعم!، يعني أنا وإنت هنفضل هنا للصبح لوحدنا؟!"
ضحك ساخرًا واخبرها بمزاح
"لاء، هاتصلك بالسكيورتي ييجي يقعد معانا محرم، يا حبيبتي أنا جوزك، أطلعلك القسيمة وأغلفهالك زي الـ ID وأعلقها لك في رقبتك عشان كل ما تنسي تبصي فيها وتفتكري إنك مراتي؟!"
قالت متنهدة باستسلام ضيق
"خلاص من غير تريئة... عارفة، بس أنا هنام في أوضة لوحدي، وإنت شوفلك أي مكان نام فيه"
اقترب منها بخطوة يكسوها العتاب الممزوج برقة غامرة
"ويهون عليكي جوزك حبيبك ينام لوحده؟، ده إحنا ماكنش بيجيلنا نوم أنا و أنتي غير في حضن بعض"
زادت نبضات فؤادها، فابتسمت بخجل و نظرت إلي أسفل، فقال لها
"خلاص، خلاص أنا عارف إنك لسه ما اتعودتيش على الوضع الجديد بالنسبة لك وأنا مقدر، براحتك يا قلبي شوفي اللي يريحك واعمليه، بس قبل ما كل واحد فينا ينام، تعالي نعمل حاجة ناكلها، أصل أنا جعان أوي ماعرفتش أتغدى بسبب الواد يوسف أخويا الجحش الله يسد نفسه"
استدار يلتقط الأكياس التي كان قد وضعها من قبل، ثم رفعها إلى الطاولة الرخامية
"أنا اشتريت شوية حاجات من الهايبر، اديني ساعة زمن ويكون الأكل جاهز"
وبينما هو يفك الأزرار العليا من قميصه، قال بلهجة عفوية دافئة
"بس قبل الأكل... تعالي ناخد شاور الأول"
شهقت وقد اتسعت عيناها
"ناخد إيه؟!"
رفع كفيه بعد أن أدرك ما وصل في رأسها
"قصدي كل واحد فينا ياخد شاور لوحده، أهو يبقي علي الأقل نغير هدومنا اللي بقالها يومين علينا"
تنفست براحة مفاجئة واخبرته
"بس أنا معيش هدوم"
مد يده لها
"تعالي معايا"
وضعت يدها في يده بحذر، فقادها إلى غرفة النوم.
وما إن وطأت قدماها العتبة حتى سرت قشعريرة ناعمة في جسدها، كأن المكان يعرفها قبل أن تتذكره.
ربما كانت الروح أسرع من الذاكرة في استعادة ما كان.
فتح ضلفتي الخزانة وقال بصوت خافت يختزن الكثير
"هدومِك أهي، جبتها هنا بعد اللي حصل من سنتين، ورصيتها زي ما كنتي بترصيها بالظبط"
ثم تناول حقيبة جلدية صغيرة وقدمها لها
"ودي شنطتك اللي لاقوها جنب الجثة، فيها بطاقتِك والـ ID بتاع شغلك... وهتلاقي موبايلك، كل حاجة زي ما هي"
أمسكت الحقيبة، وشعور ثقيل كالحبر الأسود أخذ يتسرب في أعماقها،
ذكريات كانت مغلقة، أخذت تطرق باب عقلها ببطء مؤلم.
قطع شرودها صوته قائلاً
"هسيبك شوية و هاروح آخد دش على السريع"
التقط منشفة كبيرة ودخل الحمام.
بينما جلست هي أمام طاولة الزينة، فلاحظت على الرف دفتر صغير، يحمل أنفاس سنوات مضت، فمدت يدها وأمسكت به.
❈-❈-❈
وقف أسفل صنبور الاستحمام، وما إن رفع المقبض حتى انهمر الماء عليهما دفعة واحدة، ارتجفت صبا للحظة، وفصلت شفتيها عن شفتيه وقد شهقت شهقة مفاجئة، بينما خيوط الماء تنحدر فوق شعرها ووجهها، فقالت بملامح متعجبة وصوت يتهدج بين الضحك والاحتجاج
"غرقتنا… وهدومي اتبلت"
قهقه ويحدق بها، يسألها بمكر
"وهو فيه حد يدخل ياخد شاور بالهدوم؟"
لم يمهلها الرد، بل باغتها بقبلة عميقة، وغاصت أنفاسهما في بعضها.
أنزل يديه إلى كنزتها القطنية ذات الحمالات الرفيعة، ورفعها عن جسدها بحركة خفيفة، ثم أزاح عنها كل ما كانت ترتديه قطعة بعد أخرى، ودفع الثياب بقدمه إلى زاوية بعيدة كأنها لم تكن.
وفجأة، ارتجف جسدها مرة أخرى، وتألمت بنبرة خافتة ثانية، فامتقع وجهه قلقاً وسألها بصوت مشوب بالخوف عليها
"في إيه مالك؟"
استندت بيديها على كتفيه، تخبره بألم
"رجلي جالها شد عضل تاني"
فقال بصوت آمر مليء بالحذر
"خليكي واقفة ما تتحركيش"
وجثا على ركبتيه أمامها في مشهد يعكس لهفة وخوف العاشق علي معشوقته، ثم بدأ يدلك عضلة ساقها بحرفية تتقن مواضع الألم، يمرر أنامله على خطوط العضلات في ليونة تُعيد للوتر المتشنج هدوءه.
رفع رأسه يسأل متفقداً
"ها… لسه بتوجعك؟"
أجابت مع شهقة ألم خفيفة
"أيوه… المرة دي جاتلي أشد"
فعاد يدلك ساقها من جديد وبحركة خبيرة تستطيل مع بسط العضلات شيئاً فشيئاً، حتى عادت الساق إلى طبيعتها. رفع ساقها برفق وقربها إلى شفتيه، ثم انحنى يقبل موضع الألم قبلة دافئة فارتجفت هي دون إرادة، وقالت مستنكرة وقد احمر خديها من تدفق الحرارة في جسدها
"بتعمل إيه!، خلاص رجلي رجعت لطبيعتها"
رفع عينيه إليها بنظرة ماكرة
"ما أن شفايفي كمان جالها شد عضلي… وعايز أرجعها لطبيعتها هي كمان"
ثم أخذ يوزع قبلاته على ساقها، يصعد بها إلى فخذها، حتى بلغ خصرها، و هناك توقف لحظة، ونظر إلى موضع الجنين بنظرةٍ تُحاكي الجد وعقد حاجبيه قائلاً
"مساء الخير يا باشا يا اللي جوه في بطن ماما"
قهقهت صبا بخفة
"لسه بدري عقبال ما يسمعك ويحس بيك"
رد عليها بثقة مصطنعة
"ملكيش دعوة، أنا بتكلم مع ابني كلام رجالة"
فرفعت حاجبها ساخرة وقالت
"وإنت مين قالك إنه ولد؟!، لسه على الرابع أو الخامس عقبال ما نعرف، وبصراحة قلبي حاسس إنها هتبقى بنوته، زوزو هاتفرح أوي هايبقي ليها أخت"
لوح بيده وكأنه يزيح كلامها جانباً واخبرها بيقين متكبر لطيف
"لاء هيبقى ولد، وأنا متأكد"
مدت يدها تداعب خصلات شعره المبتلة، ثم أمسكت بيده تساعده على الوقوف
"ولد ولا بنت… المهم يجي بالسلامة، وياريت بقي تركز مع مامته شوية"
جذبها إليه فجأة، التصقت بصدره الدافئ، وتدفقت من عينيه نظرة شوق لا تخطئها عين، ثم قال بصوت منخفض يفيض حنان ورغبة
"ما أنا معاها أهو… وكلي تركيز… وشوق… وحُب… و…"
وأطبق شفتيه على خاصتها يكمل الجملة بفعل لا بالكلمات، يرفعها من أردافها بقوة هادئة، فطوقت عنقه بذراعيها، ولفت ساقيها حول خصره في استسلامٍ عاشق. رفع مقبض الصنبور أكثر، فازدادت المياه انهماراً وتمددت مساحتها كزخات المطر.
تبادلا القبلات الحارة، يتلامس الجسدان كأنهما قصيدة مكتملة، تحيطهما خيوط البخار التي تغلف زجاج الكابينة، ليبدو ظلهما من الخارج كجسدٍ واحد يتوهج عشقاً لا يُخطئه النظر ولا يشبع منه القلب.
❈-❈-❈
تهدجت أنفاس الأخر وهو ينصت إليها، فأصبح منتبهاً معها بكامل حواسه.
"قالي عايزك تقفي جمبي زي ما وقفت جمبك، و كان طلبه إن أحضر معاه عشا عمل أو بالمعني الأصح سهرة مع رجال أعمال بينه و بينهم صفقات و شغل، وعايز يعرفني عليهم، لاء و كمان اشترالي مخصوص اللبس اللي غصبني ألبسه و أنا رايحة معاه، فستان ما تلبسهوش غير واحدة لا مؤاخذة شمال، قولتله لاء مستحيل ألبسه و إزاي تقبل علي مراتك تلبس القرف ده و كمان هتخليني أقابل رجالة و في سهرة عمل و أنت عارف يعني إيه سهرة واللي بيحصل فيها، هنا كشفلي عن وشه الحقيقي"
ارتجف فمها وهي تسترجع الألم
"مسكني من شعري و لوى دراعي ورا ضهري لدرجة كان هايكسره، وهددني إن لو مانفذتش كل اللي بيأمرني بيه هايفضحني في الشركة و عند أهلي، و مش هايكمل تسديد الفلوس بتاع الرهان، فعرفت إنه دفع نص الفلوس و النص التاني بيسدده علي دفعات، والعقد اللي جابهولي دي صورة مش الأصل، وعمل كده عشان يفضل ضامن وجودي معاه، و أنفذ أي حاجة يقولي عليها من غير ما اعترض، للأسف طاوعته ونفذت كل اللي قالي عليه بالحرف الواحد، روحت معاه سهراته اللي مكنتش ليها علاقة بشغل الشركة، وعرفت إن بينه و بين اللي بيقابلهم شغل في الباطن، و وجودي معاه مجرد عروسة لعبة بيتباهي بيها قدامهم ويخلص بيها صفقاته، و مفيش مانع ده يرقص معايا و ده يشربله كاسين برضه معايا، لحد ما في يوم قابلت واحد اسمه ياسر الطوبجي"
التقطت كوب الماء بيد تهتز، ارتشفت رشفة ثم أكملت
"قالي ليه بتعملي في نفسك كده و إيه اللي وقعك في طريق اللي اسمه رامي، ده قذر ومش راجل ويبيع أبوه عشان مصلحته، واضح عليكي إنك بنت ناس و مغصوبة علي وجودك هنا في وسط قذر، ولو رامي ماسك عليكي حاجة قوليلي وأنا هانقذك منه، و طبعاً كالعادة زي الهبلة صدقته، ووثقت فيه حكيتله علي كل حاجة، عرض عليا إنه مستعد يسدد لي فلوس الدينكلها،ا و لما سألته ليه بيعمل كده، قالي ليه تار قديم معاه، طلب مني اجيبله ملف كان مخبيه رامي في خزنة محدش عارف مكانها، و لما راقبته عرفت إن الخزنة في الشقة اللي بنتقابل فيها وعرفت الرقم السري كمان، اخدت الفايل وروحت لياسر اسلمهوله في مكتب شركته و ده بعد ما أتأكدت إنه خلصني من دفع الدين ورجعتلنا شقتنا الحمدلله، اديتله الملف وشكرته ولسه هامشي لاقيته بيقفل باب المكتب بالمفتاح وقرب مني و قالي سيبك من رامي و خليكي معايا، أنا هقدرك صح، صديته وقولتله أنا مش كده، ولو رامي قذر أنا عمري ما هابقي زيه و عايزه أخلص منه من غير مشاكل، حاول يعتدي عليا فضربته بالطفاية الكريستال علي راسه فداخ ووقع، عرفت اخطف من جيبه المفتاح و فتحت و هربت و اختفيت عن الكل لفترة، وعرفت بعدها إنه صفى شركته و باعها و هرب بره البلد ورامي اتسجن، روحت للتاني السجن وقولتله ينساني وطلعت قصاده الورقتين العرفي و قطعتهم، و من وقتها لا اعرف عنه حاجة و بدأت حياتي من أول وجديد، لحد ما ظهر لي من فترة و قالي إنه لسه خارج من السجن و عايزني ارجعله و لو رفضت هايفضحني بالفيديو اللي بعتهولك"
خفضت رأسها، وتنهدت تنهيدة كسيرة
"أقسملك إن ده كل اللي حصل، وكان غصب عني"
رمقها بنظرة قاسية كحد نصل، وقال بصوت منخفض لكنه قاطع كالسيف
"عذر أقبح من ذنب، وبنت الناس المحترمة المتربية مكنتش تقبل الوضع ده تحت أي ظرف، إنتي خليتي شوية أشباه ذكور يستغلوكي ويتعاملوا معاكي كإنك واحده رخيصة"
اتسعت عيناها بصدمة من حديثه اللاذع، أدرك هو ما قاله، فمرر كفيه على وجهه، وزفر زفرة طويلة محملة بلهيب الحيرة والغيظ.
رفع نظراته إليها وقد غشا بريقهما شر صريح، فسألها
"ساكن فين الحيوان اللي اسمه رامي؟"
أجابته بصوت خافت متوتر
"معرفش له عنوان غير شقة الهرم"
"فين في الهرم؟"
سأل بحدةٍ، فأجابت برجاء مرتجف
"بلاش تودي نفسك في داهية مع واحد زي ده"
انفجر صوته كالرعد
"يعني عاجبك الفيديوهات اللي ماسكها عليكي؟!، والله أعلم هايعمل بيها إيه تاني؟!، ده ممكن في ثانية يطلعك تريند"
خفضت رأسها، وغرقت نظرتها في مذلة موجعة
"عارفة، وفي نفس الوقت مش عايزاك تدخل في مشاكل بسببي"
وقف ببطء، ونظر إليها بنظرة باردة، ساخرة، تحمل احتقار مرير
"أوعي تفتكري إني واقف جمبك يعني هعديلك اللي حصل و سامحتك عليه، أنا بس هاخلصك من الحيوان ده، وبعدها ليا كلام تاني معاكي يا… يا مدام"
نطق اللقب الأخير عن عمد كالسوط يصفع كرامتها، ثم استدار وتركها خلفه تبكي بحسرة و ندم.
❈-❈-❈
خرج كليهما من كابينة الاستحمام وقد انقشع البخار قليلًا، والقطرات تلمع فوق جلديهما كحبات لؤلؤ ذابت من عقد سماوي.
لف حول كتفيها منشفة قطنية ناعمة، يضمها برفق لا يخلو من الشغف، ثم انحنى يلتقط خصلات شعرها المبتلة ينساب الماء منها كجدائل غيم يتساقط على كفيه.
نظرت إليه بوجه يفيض بحمرة تدفق الرغبة وابتسامة ترتجف بين العشق والوله، فمرر إبهامه على خدها بلمسة هادئة، وقال بصوت منخفض
"إنتي حلوة أوي يا صبا، رغم إننا بقالنا مع بعض سنين، بس كل مرة و إحنا مع بعض بشوفك أحلي وأجمل من الأول"
ضحكت ضحكة قصيرة تحمل رجفة العاشقة
"أنا بعد كلامك ده، حاسة إني أسعد واحدة في العالم"
حاصرها بين صدره وذراعيه وجفنيه، ثم مد يده يسند ظهرها من أسفل، ورفعها إليه.
مازالت ذراعيها حول رقبته، ودفنت وجهها في كتفه الدافئ متشبثة به كأنها تتلو حنينها على جلده.
وضعها برفق على حافة السرير، وجلس أمامها، كانت نظرتها مشتعلة، مليئة بما لا يُقال.
قالت بصوت خافت يهتز من دفء اللحظة
"قصي… أنت مش متخيل أنا بحس بإيه لما بتبصلي بالشكل ده"
اقترب منها حتى لامس أنفاهما، ومسح بإصبعه قطرات الماء فوق شفتيها قائلاً
"حاسس بيكي و متخيل، كل حاجة فيكي بتحكيلي، عينيكي و النفس اللي بيخرج منك، حتى رعشة صوتك، كل حاجة فيكي بتتكلم من غير ما تنطقي"
رفعت يدها إلى وجهه تمسح قطرات الماء من شعره وتداعب شعيرات ذقنه، ثم همست بدلال
"بحس دايماً و أنا معاك، ببقي ملكة"
أطبق على يدها يُقبل كفها براحة عاشقة، ثم قال
"وهتفضلي ملكة علي طول، إنتي مليكتي و مملكتي نفسها اللي برجع لها، والسكن اللي ما أستغناش عنه أبداً"
ارتعشت أنفاسها، وانسكبت دمعة صغيرة على وجنتها لم تعرف من أين جاءت، فمسحها بإبهامه، وبصوت ينضح حنان وهيام وهو يميل نحو شفتيها
"تعالي خليني أحبك بطريقتي"
التصقت شفاههما في قبلة طويلة بطيئة، تذوب فيها حدود الوقت، وتتساقط معها بقايا التعب من جسديهما.
انحني بجسدها، ومازال يضمها بذراعين لا تعرفان إلا الاحتواء، بينما هي تجذبه أكثر كأن قربه هو الهواء الوحيد الذي يديم أنفاسها.
استلقى بها على السرير في هدوء، لا عنف فيه ولا عجل، بل انسياب عشق ناضج، مكتمل، ينهض فيه الحب كوميض يشق عتمة الليل، يتناثر على جسديهما مثل ضوء لا يراه إلا من مسه الشغف.
وتركتهما اللحظة يتماهيان مع دقات قلبيهما، كأنهما لحن واحد يعزف على وتر لا ينقطع.
❈-❈-❈
فتحت الصفحة الأولى، فوجدت اسمه وبياناته مدونة بخط يشي بالثبات والوقار.
بينما الصفحة التالية، فقد بدأت فيها مذكراته، يحكي فيها أول لقاء جمعهما، يوم جاءت إلى قصر آل البحيري طفلة ندية الملامح، يسوقها والدها عم إسماعيل، عامل الحديقة المخلص.
كانت تلهو وتدور حوله كما تتقافز الفراشات حول نور تعشقه، بينما سمع هو والدته يومها تحدث والده بصوت خافت موجوع بأن والدتها قد تركتها ورحلت، غير قادرة على تحمل مسئوليتها، فآوتها السيدة جيهان ورعتها حتى نضجت ملامحها، وصارت شابة في أواخر سن المراهقة؛ أنثى تفيض أنوثة، ويهتف بحضورها الجمال.
هنالك تبدلت نظرته إليها؛ لم تعد تلك الصغيرة التي تفصله عنها خمس سنوات، بل غدت فتاة ينساب السحر على خطواتها، فيتشكل حضورها فتنة تمشي على قدمين.
حاول أن يقاوم انجذابه إليها بأن يعاملها بحدة وقسوة مصطنعة، فإذا بدموعها الوديعة تكسف هذا الادعاء، وتلين صلبه، فينكسر أمام نظراتها الباكية، تلك التي كانت كفيلة بأن تزلزل صخر الجبال.
ولما رأى أن مقاومته لا تجدي، تعامل معها تعامل المستكبر المتسلي، كأنها فتاة يسهل أن تكون له متى أراد، لكنها كانت أبعد ما يكون عن ذلك؛ ردت محاولاته بجفاء نبيل، وواجهة صلبة، فتعجب كيف لفتاةٍ في ظروفها أن تصد شاب ثري وسيم مثله.
هنا أدرك الحقيقة، ليست كل بنات حواء سواء؛ فهناك من تخشى ربها، وتصون قلبها، ولا تريد إلا الحب الحلال في ظل عقد وستر.
فاعترف لها بحبه، وأخبرها أنه يريد أن يتوج هذا الحب بالزواح، لكنه طلب منها أن تتريث قليلًا، حتى يستقل بذاته عن تحكمات والده التي كانت تخنق أنفاسه وحياته معًا.
وبالفعل، حقق حلمه أخيراً؛ أسس مركز رياضي حديث متطور، لكن قبل الافتتاح بأيام قليلة، وقع ما لم يكن في الحسبان؛ اندلع حريق هائل بسبب ماس كهربائي، فاحترق كل شيء وتلفت الأجهزة، كأن النار لم تكن سوى تجسيد قاس لقدر أراد أن يكسر جناحه قبل أن يحلق.
ضاعت أحلامه، وتلقى من والده توبيخًا وإهانة ولومًا لا يليق إلا بالعابثين والضعفاء، فنعته بالخاسر والفاشل.
هرب من قسوته إلى كأس الخمر، يظن أنها ستنقذه من ظلمة صدره، ولم يدر أنها ستقوده إلى خطيئة سيظل يحملها كجرح لا يندمل.
عاد ثملاً إليها، وكانت تنتظره بقلب قلق يخشى أن يبتلعه اليأس.
لا يذكر من تلك الليلة سوى دموعها وأسى نظراتها، ويبدو أنه أطلق كلمات جارحة، جلد بها نفسه في مرآة عينيها.
وفي الصباح اكتشف الكارثة الكبرى
لقد أخذ منها ما لا يملكه ولا يليق أن يُنتزع إلا برضا وحلال.
استيقظت هي على ذكرى الليل السوداء، فصرخت هاربة إلى الحمام، وعلم فيما بعد أنها كانت على وشك الانتحار.
نُقلت إلى المستشفى، وهناك ظهرت والدتها القاسية، تلك المرأة التي لا قلب لها، وجلبت ابن شقيق زوجها لتزج بابنتها في زواج قسري.
لكنه لحق بهم مع إخوته، وانتزع حبيبته من مصير كاد يبتلعها.
وحين صارح والده برغبته في الزواج منها، رفض الأخير رفضً قاطع، بحجة الفارق الطبقي والاجتماعي.
لكنه تحدى أباه، وترك له القصر وما فيه، وعقد قرانه على حبيبته، فصار بينهما ميثاق غليظ.
عاش معها أجمل سنوات عمره، بحلوها ومرها، ورُزقا بطفلتهما التي كانت نسخة منها؛ جمالًا وحياءً وفتنة.
وتشاركا حياة سعيدة، تعكر صفوها بين حين وآخر غيرته العارمة، ورفضه لعملها الذي يضطرها أن تتعامل مع الرجال، فهو لا يقبل أن يشارك أحد عينيه النظر إليها، حتى إن كانت لا يظهر منها إلا عيناها من خلف غطاء الوجه.
وكان هناك جرح آخر، قديم كظل لا ينفصل؛ ذلك الجرح الذي تركه اعتدائه عليها في تلك الليلة السوداء.
كانت تذكره به أحيانًا، لا قسوة، بل وجع. وهو كان يكره سيرة ماحدث في نفسه حتى كره نفسه ذاتها.
وصلت ببصرها إلى العنوان وسقطت في الهاوية، كان ذلك يوم عيد ميلاد ابنتهما في قصر العائلة.
حدث خلاف بينهما، فاحتد وغلبه لسانه، فأطلق كلمات جرحتها بعمق، فرحلت،
وحين أفاق من غيظه، بحث عنها فلم يجد لها أثرًا.
حتى جاء الخبر الذي مزق روحه،
لم ينس لحظة دخوله غرفة ثلاجة الموتى.
المرأة التي قُدمت له كانت ترتدي ثياب مثلها تمام… لكن وجهها ويديها وكل ما يُرى منها قد أكلته النار.
وبالقرب من الجثة وُجدت حقيبتها،
وفي تلك اللحظة، لم يشعر بنفسه إلا وهو يسقط مغشيًا عليه من هول الفاجعة.
ظل لأيام يتلقى المهدئات كي لا تجن روحه قبل عقله، وعندما واجه الحقيقة، انسحب من الحياة، وصار جسدًا يسير بلا روح.
عانت ابنتهما معه تلك الفجوة القاتلة، فكان يتركها لاعتناء أخته كثيرًا، مخافة أن يجعلها تعاني من حزنه الثقيل.
وفي كل ذكرى ميلادها، وهو ذات يوم تلقيه بخبر وفاة زوجته، كان يأخذ الصغيرة إلى المقابر، يتحدث إلى قبر زوجته كما لو كانت تسمعه، يخبرها أنه لم يعد يعرف معنى الحياة من بعدها، وأن روحه دُفنت معها.
هنا توقفت الكلمات، كان هذا آخر سطر،
وما بعده صفحات بيضاء.
أغلقت الدفتر ومسحت دموعها التي انهمرت دون إرادة، ألهذه الدرجة كان يعشقها؟!
ولماذا لم يذكر زوجته الثانية وكأنها لم يكن لها وجود في حياته؟!
❈-❈-❈
انتابها ذلك الشعور الخانق من جديد، فرفعت الحقيبة بين يديها، تتأمل ما تبقى منها، وجزء من يد الحقيبة احترق.
فتحت سحاب الحقيبة ببطء، وأفرغت ما فيها على طاولة الزينة.
امتدت أصابعها المرتجفة نحو الهاتف، كانت خلفيته صورة تجمع زوجها وطفلتها؛ لحظة تجمدت فيها الحياة، كأن الزمن يبتسم لهم في صورة ويطعنهم في الواقع.
وما إن وقعت عيناها على الخلفية، حتى داهمها صداع مباغت، مطارق خفية تقرع جدران رأسها، فتلعثمت الرؤية، وتشوشت الأصوات… ثم انساب المشهد إلى ذاكرة بعيدة.
فلاش باك -يوم الرحيل-
كانت تجلس على مقعد خشبي يواجه النيل، تبكي بصوت مكتوم، وكفيها تكادان تعصران قلبها لا رأسها.
أمامها هاتفها، تنظر إلى صورته بعتاب حائر، عتاب امرأة ما عاد في صدرها متسع للصبر.
وضعت الهاتف في الحقيبة، و تركتها بجوارها على المقعد، ثم انحنت تسند مرفقيها على فخذيها، وانفجرت في البكاء.
وما إن هدأ النشيج قليلاً، حتى دوى صوت دراجة نارية تقترب منها،
وفي لحظة خاطفة، امتدت يد من يركب خلف السائق، اختطف حقيبتها.
قفزت واقفة، هرعت خلف الدراجة، تركض رغم الانهيار، رغم التعب
"استنى بالله عليك، سيبها دي فيها كل حاجتي حرام عليك"
وقفت منهارة، تضغط على صدرها وكأنها تمنع قلبها من السقوط
"لـــيــه؟… ليه بيحصلي كل ده؟!
أنا تعبت… تعبت"
ومن خلفها، جاءت يد حانية تربت على كتفها، سيدة ترك الزمن علاماته علي وجهها، قالت بصوت حاني
"يعوض عليكي ربنا يا بنتي"
رفعت الأخرى رأسها ونظرت للسيدة، وقالت في سرها
"هامشي إزاي؟، معيش حاجة… عشان اعرف أرجع القصر… ولا هاعرف أكلم حد"
قطعت السيدة صمت أفكارها
"لو محتاجة تكلمي حد… خدي تليفوني أنتي زي بنتي، كلمي أهلك"
ابتسمت ياسمين من خلف النقاب
"شكراً يا طنط"
أخذت الهاتف القديم، وبدأت تضغط أرقام أحد زميلاتها في العمل وانتظرت حتي جائها الرد
"ألو؟ مين معايا؟"
"ألو يا حبيبة… أنا ياسمين، تليفوني اتسرق وحاجتي كلها… وأنا لوحدي بعيد عن قصر عيلة جوزي"
"إيه؟!، وبتعملي إيه برا لوحدك؟، وليه مكلمتيش جوزك؟"
ولت ياسمين ظهرها للسيدة، وتخفض صوتها
"أنا… سيبته ومشيت، ومش هرجعله تاني"
"لا حول ولا قوة إلا بالله… ليه بس؟"
"هبقى أحكيلِك بعدين، دلوقتي عايزة مكان أبات فيه ومش معايا بطاقة ولا إثبات شخصية عشان أعرف أروح لأي فندق"
"طب هاتتحركي إزاي من غير فلوس؟، قوليلي أنتي فين و هاجيلك"
"هبـيـع الأسورة الدهب اللي لابساها وهاتصرف"
سكتت الأخرى ثم قالت بثباتٍ حنون
"شقة بابا الله يرحمه فاضية في إسكندرية، هكلم أختي تفتحها وتستناكي في الموقف، بس هنتواصل إزاي؟"
"لما أوصل… هكلمك من أي كشك"
"خدي بالك من نفسك يا بنتي… ربنا يصلح حالك"
"آمين… سلام"
أغلقت الهاتف وأعادته للسيدة
"شكراً جداً لحضرتك"
"الشكر لله يا بنتي"
تشويش ومشهد آخر في محل بيع و شراء المصوغات، وقفت أمام الصائغ، ويدها ترتجف وهي تنزع السوار عن معصمها؛ سوار اشتراه لها زوجها في عيد مولدها.
لم تتخيل يوماً أنها ستبيعه، كانت عيناها تقولان ما لم ينطقه لسانها.
مشهد ثالث يباغت ذاكرتها، تجلس في محل مشروبات بجوار الموقف، تنتظر سيارة الأجرة المتوجهة إلى الإسكندرية.
وفجأة، لفت انتباهها خبر عاجل على شاشة التلفاز
حادث مرعب… شاحنة محملة بمواد سريعة الاشتعال تتصادم بسيارة أجرة…
و دراجة نارية سائقها و من خلفه، تم دهس جثتهما اسفل عجل الشاحنة الكبيرة…والنار تشتعل بسرعة مروعة… وجثة مجهولة لسيدة النار مشتعلة في وجهها… بجوارها حقيبة يد وقعت من راكب الدراجة.
"إسكندرية، إسكندرية"
كان?
#الفصل_الثلاثون
#غرام_الذئاب
#الجزء_الرابع_من_سلسلة_صراع_الذئاب
#ولاء_رفعت_علي
لست أعلم كيف أدافع عن نفسي، ولا كيف أُقنعه بما يختلج صدري من صدق لا تشوبه شائبة؛ غير أني أعلم يقيناً أنني مظلومة، العاصفة قد خطفتني إلى قلبها بلا ذنب جنته يداي.
غضبه كالسيف المسلول؛ يبرق في عينيه قبل أن يشتعل في صوته، فينكمش قلبي كلما اشتد لمعانه.
وما كان خوفي منه قط، بقدر ما هو خوفي عليه… أن تُضله كلمة زائفة، أو تهتز في داخله ثقة ظننتها لا تهتز يوماً.
علا_أحمد الشريف
ـــــــــــــــ
فتح باب الحمام، وخرج منه عاري الجذع، لا يستر جسده إلا منشفة قطنية تحيط بخصره، تتدلى حافتها على ساقه.
رفعت وجهها نحوه، فارتطمت عيناها بمظهره هذا فاتسعت دهشة، قبل أن تشيح بوجهها خجلًا وقد توردت وجنتاها.
نهضت لتغادر الغرفة، فإذا به يلحق بها بخطوات هادئة، يقف خلفها كالظل الذي لا ينفصل عن صاحبه، ثم سألها بمكر
"رايحه على فين؟"
قالت محاولة الهرب من وطأة حضوره
"هاستناك بره عقبال ما تلبس هدومك"
وضع يديه فوق كتفيها بحنو ممزوج بتملك، ثم أدارها برفق نحوه، ليوقفها مقابلة لوجهه، لا مهرب من عينيه
"على فكرة، أنا كل ما كنت أدخل أخد شاور، أنتي اللي كنتي بتحضريلي هدومي، ممكن تطلعيلي من الدولاب حاجة على ذوقك؟"
رفعت وجهها إليه، وتبادلت معه النظرات نظرة بنظرة، وبين كل رفة من أهدابها وأخرى كانت تدور داخل رأسها كلماته التي قرأتها في دفتر المذكرات.
ذلك الدفتر الذي كشف خبايا قلبه أكثر مما كانت تتصور.
تنفست بعمق، ثم توجهت إلى الخزانة، وقفت أمام رفوف ملابسه وقد تباينت أنفاسها، فهي تدرك أنه يقف خلفها.
قريبًا بما يكفي لأن تشعر بحرارة جسده، وأنفاسه تلامس عنقها كنسيم يوقظ نار.
أغمضت عينيها للحظة تستجمع فيها رباطة جأشها.
امتد ذراعه من جوار كتفها، يشير بثقة صامتة
"ده رف التيشرتات… وده رف البرمودات… واللي تحته البناطيل
أنا رصيتهم… زي ما كنتي إنتي بترصيهم"
التفتت إليه، فإذا تجد نفسها محاصرة بين ذراعيه، تشعر بدفء جسده، وأمامها صدره العريض كبحر من الرجولة لا ساحل له.
اهتز صدرها بأنفاس مضطربة، ثم قالت بصوت يكاد يخرج بصعوبة من تأثير هذا الموقف
"ممكن تبعد شوية عشان أعرف أختارلك حاجة تلبسها؟"
ابتسم وارتسم على شفتيه خبث العاشق الذي يعرف قوة حضوره
"إن كان عليا… مش عايز ألبس حاجة
وعايز آخدِك في حضني و…"
لم يُكمل، فقد ضمها إليه ومال بشفتيه نحو شفاها المرتجفة،كاد يقبّلها لولا أنها وضعت كفيها فوق صدره تمنعه، ثم قالت فجأة بنبرةٍ حملت حقيقة مؤلمة كانت تخشى نطقها
"هو أنت لما عملت فيا زمان اللي عملته،
مكنتش في وعيك عشان كنت سكران
ولا ده كان غرضك مني من الأول؟"
تجمد للحظة، و رمقها بدهشة صادقة خاليةٍ من الإنكار، فأردفت حديثها
"أنا قرأت اللي كتبته في دفتر المذكرات"
هنا أمسك يدها برفق، كما يمسك المرء شيئًا يخشى ان ينكسر، وجعلها تجلس على طرف الفراش.
جذب كرسي ووضعه أمامها، جلس قبالتها كمن يستعد لقول اعتراف يتوقف عليه كل ما هو قادم بينهما
"أنا وقتها فعلاً حبيتك، وعمري ما كان غرضي كده منك، بالعكس كنت بخاف عليك أوي، حتى كنن بخاف عليكي من نفسي، مش هكدب آه حصلت شوية شقاوة مني في البدايات، بس رد فعلك كان بيمزجني، رغم إنك كنتي شرسة وطلعتي عينيا، بصراحة قولت هي دي يا واد يا ياسين اللي تستحق تاخد قلبك و عقلك و تشيل اسمك وتبقي أم ولادك"
تحولت ابتسامته إلي نظرة حزينة ويردف حديثه
"بس اللي حصل الليلة دي والله مكنتش في وعيي، ولحد دلوقتي مش فاكر أنا قولتلك إيه ولا عملت إيه، بس عمري ما نسيت نظرة عينيكي يومها"
صمتت قليلًا، ثم سألته بتوتر
"ولما اتجوزتني، كان علشان تصلح غلطتك زي ما رودينا قالت؟، ولا علشان كنت بتحبني فعلاً و…
وضع طرف إصبعه على شفتيها، يسكتها بلمسة فيها حنو وأمر معًا
"حتى لو مكنش حصل اللي حصل، إحنا كنا هانتجوز، أنا كنت مستني يبقى ليا شغل ودخل وأرتب حياتي علشان أخدك ونعيش بعيد عن القصر و بعيد عن أي حد"
عقبت بصوت خافت تسأله وتخشى سماع الجواب في آن واحد
"يعني بجد حبيتني؟، ولا كان شفقة أو ندم؟"
أمسك ذقنها بين أصابعه، ونظر في عينيها مباشرة يخبرها بصدق
"لما قرأتي المذكرات قلبك قالك إيه؟، و لما بتبصي في عينيا إيه اللي بتشوفيه؟"
رفرفت اهدابها، تتأمل روحه عبر عينيه، فهو بالفعل صادق و يعشقها دون أن يجيب، تنهدت وقالت
"مصدقاك"
"و أنا واثق وعارف إنك مصدقاني، عينيكي و قلبك اللي سامع صوت دقاته"
امسك يدها واردف
"لما بقرب منك، بحس كل حاجة فيكي بتناديني وبتقولي أنتي ملكي"
نظر إلي شفتيها و همس مقترباً
"حتي شفايفك بتناديني، و أنا هلبي الندا"
وكان علي مشارف أن يقبلها، فانتفضت ووقفت بخجل
"أنا، أنا، أنا عايزه أدخل الحمام"
و ركضت إلي الحمام، فأخذ يضحك وصاح بمزاح ماكر
"اهربي، اهربي، مصيرك يا ملوخية تيجي تحت المخرطة، وقتها مش هتقدري تتحركي خطوة واحدة، زي ما حصل الصبح في القصر"
وقفت داخل الحمام خلف الباب، تبتسم بخجل و تتذكر ما حدث بينهما في القصر، وضعت أطراف أناملها علي شفتيها، فضحكت وكتمت فمها بكفها حتي لا يسمعها، فجاء صوته لها من الخارج يسألها بجرأة سافره وسخرية مازحاً
"فاكره إزاي بناخد شاور، و لا اجي احميكي؟"
صاحت به
"يا قليل الأدب"
أخذت تضحك وتهز رأسها من هذا العاشق المجنون، فبدأت تخلع ثيابها وفتحت صنبور الاستحمام.
❈-❈-❈
انتهت من تمشيط شعرها للتو؛ فانبثقت إلى أنفها رائحة الطعام تعبق في أرجاء البيت، رائحة دافئة وشهية.
مدت يدها إلى وشاح معلق على المشجب داخل الخزانة ، كادت أن ترتديه، ثم توقفت لحظة، وابتسمت ابتسامة خفية كأنها تفكر، وألقت به جانباً برفق. جمعت شعرها في كعكة مرتبة فوق رأسها، فأضاءت ملامحها بنعومة أنثوية خجولة.
أخذت من الخزانة أيضاً ثوب بلون الزمرد، بنصف أكمام، ناعم الملمس، ارتدته على مهل، ثم دنت من المرآة تقف أمامها، تتأمل صورتها بعيون قلقة، كأنها ترى نفسها للمرة الأولى.
شعرت بالخجل؛ فالثوب يكشف أعلى صدرها بفتحةٍ أنيقة، وقصير يلامس حدود ركبتيها ، همست لنفسها وقد امتزج الخجل بالدعابة
"يا لهوي، ده لو شافني كده مش هايسيبني، هايفهمني غلط وهو دماغه ونيته حادفة شمال لوحدها"
ضحكت بصوت خافت، بينما هو يقف في المطبخ أمام الموقد، يمسك بعلبة الصلصة ويفرغ محتواها، انتبه إلي رائحة عطرة، وقبل أن يلتفت إلي مصدرها استمع إلي صوتها وهي تخبره
"المفروض كنت حطيت البصل الأول و بعدين الصلصة"
اتسعت عينيه من رؤيتها، ترتدي ثوب باللون السماء، بأكمام طويل ويصل طرفه إلي قدميها، لكن تركت شعرها بدون وشاح.
أطلق صفيراً بإعجاب
"واااو"
أخفضت رأسها بخجل خفيف، فترك ما بيده وتقدم نحوها خطوتين
"إحنا اتقدمنا خطوة أهو، وبدأتي تقتنعي إني جوزك، بس لابسة دريس خروج ليه؟، عندك برمودات وپيچامات بيتي تحفة، ما تلبسيها وخدي راحتك"
رفعت حاجبها ساخرة بابتسامة صغيرة
"وبعد ما ألبسها… تتحرش بيا؟!"
فتح فاهه بدهشة حقيقية
"أتحرش بيكي!"
ثم انفجر ضاحكاً ضحكة صافية عالية، حتى كاد أن يستند إلى حافة الموقد.
زمتت شفتيها بامتعاض مصطنع
"خليك اضحك مع نفسك وأنا هاروح أنام"
أمسك يدها قبل أن تدير ظهرها، جذبها إليه بلطف فيه رجاء طفولي
"اتقمصتي ليه؟، ما انتي اللي بتضحكيني أعملك إيه؟!"
اخبرته بعينين نصف جادتين ونصف جائعتين
"تعمل إنك تخلص اللي بتطبخه عشان أنا جعانة أوي… وشكلك ما بتعرفش تعمل حاجة"
ابتسم ابتسامة من يعرف نفسه جيداً، لكن يخبّئ خلفها ظلالاً لا يراها أحد
"لاء، أنا بعرف أعمل أكل، من بعد ما سيبتيني تقريباً اتعلمت كل حاجة"
هنا لاحظت رجفة خفية في صوته، حزن لم يُقلْ، وجرح لا يندمل.
نظرت في عينيه، وقالت بلا مقدمات ولا التفافات
"أنا بعد ما قريت مذكراتك افتكرت اللي حصل معايا من أول ما مشيت"
رفعت رأسها قليلاً، و بدأت تسرد ببطء،
كيف سُرقت حقيبتها، وكيف جرفها القدر إلى الإسكندرية، والصدمة التي أنهكتها، والحادث الذي أفقدها الحياة لحظة، ثم أعادها إليها مجهولة الوجه والاسم.
قالت بصوت متماسك رغم الألم
"وآخر حاجة كنت سامعاها صوت الإسعاف، حد كان بيشيلني ويحطني على نقالة، ريحة دم وصريخ، وبعد كده الدنيا ضلمت، كل اللي فاكراه لما صحيت الدكتور قال إني كنت في غيبوبة وما يعرفوش أنا مين، واللي اتولت حالتي وكانت بتراعيني ماما خيرية الله يرحمها، كانت بتشتغل في المستشفى، وبتعاملني كأني بنتها، كانت عايشة لوحدها وولادها عايشين بره، ويوم ما رجعوا كانوا عايزين يبيعوا البيت لمستثمرووهي رفضت، شدوا مع بعض وهي تعبت و…"
صمتت لحظة عندما استحضرت ما فعله محمود ابن خيرية معها، من محاولة اعتداء شنيعة عليها.
ارتسم الامتعاض على ملامحها، لكنها لم تُخبره بذلك، أضافت بهدوء مُؤلم
"ولما ماتت طبعًا ما بقاش ينفع أقعد في البيت، وفي نفس الوقت ماليش مكان أروح فيه ولا معايا فلوس أؤجر حتى أي مكان، لحد ما كنت ماشية في الشارع وكانت عربية هاتخبطني على آخر لحظة، نزل صاحبها شالني وخدني على المستشفى، ولما عرف ظروفي عرض عليا المساعدة، وكان باين عليه جدًا إنه شاب محترم وابن ناس"
رفع حاجبه بسخرية معقبًا
"واسمه رحيم اللي لقاكي كنز ما يتقدرش بتمن وخطبك وكان هايتجوزك"
رمقته بامتعاض واضح وأجابت بكل صراحة
"ومعملش حاجة حرام… كان عايزني أبقى ليه بالحلال"
ألقت كلماتها لترى رد فعله، فوجدته مختلفًا عن توقعها؛ رغم أنه جز على أسنانه في صمت، لم يثور ولم يغضب، لكن نظراته كانت غير مطمئنة.
اقترب منها خطوة، فتراجعت خطوتين، يقترب ويسألها بهدوء قاتل
"قولتيلي بقي كان عايزك تبقي ليه بإيه يا روح خالتك؟"
ابتلعت ريقها، ورفعت إصبعها في وجهه بتحذير صارم
"ياسين، عارف لو عملت حاجة أو مديت إيدك عليا… لأعمل فيك إيه؟!"
كان الهواء مشحونًا بينهما بوهج لا يرى، كأن شرارة خفية قد اشتعلت في العمق. وفي لحظة عاصفة مد يديه إليها، فأحاط خصرها بقبضتين ثابتتين تحملان معنى الملكية.
رفعها بخفة وحزم، وجعلها تجلس فوق الطاولة الرخامية، بينما بقيت يداه على خصرها، لا تفلتان، بل تزيدان إحكام.
مال برأسه نحو أذنها، وقد حمل صوته في تلك اللحظة نبرة سيادة لا تخطئها الروح؛ نبرة رجل يعرف ما يريده ولا يخجل من إعلانه
"أنتي ليا أنا وبس، يعني كلك على بعضك ملكي"
ثم لم يمهلها وقتًا للفهم أو الاعتراض؛ بادرها بقبلة مفاجئة، قوية ومُندفعة كرياح شتاء تقتحم نافذة مفتوحة.
شعرت بأنفاسه تختلط بأنفاسها، وبقلبه يطرق صدره كقرع الطبول.
أطلقت أنينًا من حدة الهجوم المفاجئ، بينما كانت قبضتاه تضغطان على خصرها بامتلاك لا يخلو من الرجفة.
حاولت أن تُبعده، فزاد تشبثه، وازداد عمق القبلة، حتى كأنهما يذوبان في لحظة واحدة، لا زمان فيها ولا أرض.
لم ينفصلا إلا حين ضاق الصدران بالتنفس، فتراجع قليلًا، يلتقط أنفاسه، وعيناه تتقدان بنظرة أربكتها، نظرة لا تعرف هل تقرأ حب أم غيرة أم شيئًا لا اسم له.
وفجأة اتسعت عيناها رعبًا وهي تغافل تلك النظرة
"ألحق الصلصة اتحرقت"
قفزت من فوق الرخام بخفة وحيرة، وأسرعت تُطفئ الغاز قبل أن يعم الدخان المكان.
وما إن التفتت إليه، حتى وجدته يعاود حصارها بجسده، كأنه ظل لا ينفصل،
قالت وهي تستجمع أنفاسها
"أنا مقصدش خالص أثير غيرتك… أنا كنت بحكيلك اللي حصل معايا و إنت بقى أخدتها على محمل تاني… دي مش مشكلتي"
رد بصوت منخفض، لكنه يحمل من الحزم ما يكفي لإغلاق باب الحديث
"احكي زي ما إنتي عايزة… بس سيرة الزفت ده مش عايز أسمعها… ولا أسمع اسمه تاني على لسانك"
زفرت بامتعاض خافت
"حاضر"
أجاب بزفرة عميقة أخرى
"يحضرلك الخير ياختي"
ثم نظر إلى القدر الذي اسود سطحه، وقال ببساطة كأن شيئًا لم يحدث
"أنا هطلب دليفري أحسن… تحبي تاكلي إيه؟"
ردت وهي لا تزال تحمل في عينيها شيئًا من العتاب
"اطلبلي اللي إنت هتطلبه لنفسك"
ابتسم يريد أن يُعيد الخفة إلى قلبها
"طب أنا عايز آكلك إنتي، هتاكلي نفسك معايا؟!"
لم تستطع أن تمنع نفسها من الابتسام، رغمًا عنها
"بقولك هاموت من الجوع… وإنت عمال تهزر!"
أخرج هاتفه من جيب بنطاله وهو يقول
"خلاص ما تعيطيش هاتصل بالمطعم وأخليه يتوصى بالكمية… بدل ما تاكليني أنا"
ضحكت وكانت تلك بداية انفراج المسافة بينهما.
وبعد قليل، وصل الطعام، فجلسا معًا علي الأريكة، يضعان الأطباق ويرتبان المائدة الصغيرة، أمام التلفاز.
كانت الضحكات تتساقط بينهما وهو يحكي لها عن طفولته ومشاكساته مع أشقائه، فتارة تضحك بشدة حتى تدمع عيناها، وتارة تدفعه في كتفه بمزاح دافئ.
وبعد أن فرغا من الطعام، شاهدا فيلم أجنبي، وفي لحظات غلبها النعاس، فسقط رأسها على صدره بطمأنينة خالصة.
نظر إليها وتأملها طويلًا، كأنما يرى في سكونها وحضنها وطن.
قام ببطء كي لا يوقظها، حملها بين ذراعيه، وأخذها إلى الغرفة، وضعها على الفراش، ثم دثرها بالغطاء.
لم يقاوم رغبة أن يكون قريبًا منها، فخلع قميصه القطني وبقي بالبِنطال فقط، وتمدد جوارها.
ظل يتأمل وجهها وانحنى نحوها ليضع قبلة حانية على شفتيها، ولما شعر برجفة جسدها تراجع قليلًا.
لكنها فاجأته، وقد أطبقت ذراعها على صدره، ودفنت وجهها في عنقه، كطفلة وجدت ملاذها وأمانها الأخير.
أغمض عينيه عندها وشعر أنه لا ينام إلى جوارها، بل ينام فوق سحابة، فظل كذلك
حتى غلبه النوم.
❈-❈-❈
صباح اليوم التالي، استيقظت على وقع حركته، فتحت جفنيها ببطء ثقيل، فرأته واقفًا أمام الخزنة، يمسك ملف ورقي وكأنه يحمل سر أثقل من أن يُباح.
رفع وجهه فجأة نحوها، فبادرت إلى إغماض عينيها، وتقلبت بخفوت على جانبها الأيسر، تُخفي يقظتها تحت ستار النعاس.
رن هاتفه رنين اخترق هذا الصمت، فارتبك قليلًا وهو يعيد الملف على عجل، وأغلق باب الخزنة بضغط سريع قبل أن يلتقط الهاتف ويهم بالخروج.
قال بصوت مقتضب
"خليك معايا ثواني"
أطبق الباب خلفه، فنهضت و تقدمت بخطوات حذرة نحو الخزنة، فوجدت بابها غير محكم الإغلاق ، فتحتها، التقطت الملف، فإذا بشعار معمل التحاليل يتصدر صفحاته.
توقف قلبها لحظة، وعاد ذاكرتها تومض بصورة نفس المعمل الذي كان يتابع فيه منذ سنين، قبل حملها بيوسف الصغير.
قلبت الصفحات بعينين يتسابق فيهما القلق مع الجهل؛ مصطلحات إنجليزية معقدة، أرقام باردة لا تفهم إلي ماذا تشير.
تقدمت نحو باب الغرفة تتأكد من صوته، كان لا يزال يتحدث في الهاتف، فعادت إلى الملف، وأمسكت هاتفها بارتجاف خفيف، وصورت الأوراق ورقة تلو أخرى، ثم أعادته إلى مكانه وأغلقت الباب بسرعة مشوبة بالهلع.
لكن صوته شق الهواء كالرعد
"بتعملي إيه عندك يا خديجة؟"
ارتجفت روحها قبل جسدها، لم تنتبه لخطواته ولا لعودته.
استدارت ببطء، تحمل على وجهها قناع السكينة، فيما قلبها يتقافز خوفًا.
"أنا… أنا كنت بدور على الشاحن"
رمقها آدم بنظرة تجمع بين السخرية والريبة، وأشار بعينيه نحو جوار السرير
"ما هو على الكمودينو جمبك… معقولة مش شايفاه؟!"
ارتسمت على شفتيها ابتسامة حرج، تعلم أنها مكشوفة أمام حدة عينيه، ابتلعت ريقها وأجابت
"اعذرني يا حبيبي… لسه صاحية ومش شايفة قدامي، قولي صح هو أنت رايح الشركة ولا أجازة النهاردة؟"
رد وهو يرتب أكمام قميصه ويشد ياقة سترته
"رايح، بس هعدي الأول على المستشفى عند يوسف، هاقعد أتكلم معاه شوية"
"يا ريت والله يا آدم… وربنا يباركلك لو صالحت ما بينه وبين علياء، مش عارفة إيه اللي جرالهم… ولا إزاي وصل للحالة دي!"
تنفس بعمق وكأن في صدره حملًا يتردد أن يبوح به، ثم قال بعبارة قصيرة، موزونة
"ربنا يسهل"
كاد أن يدير ظهره وينصرف، لولا أنها استبقته بخطوة خفيفة، ومدت يدها إلى ياقة قميصه تمسكها بدلال، رمقته بعينين تتقلبان بين العتاب والرجاء، وقالت بصوت يختلط فيه اللوم بمسحة حانية
"مالك كده؟ كل ما أكلمك، ردك على قد السؤال ومكشر، معقول لسه زعلان مني من يوم ما شدينا مع بعض؟"
تهرب من نظرتها، كأن عينيها مرآة لا يريد أن يرى فيها ما يخفيه.
قال وهو يشيح بوجهه قليلًا
"مفيش حاجة… أنا بس مخنوق شوية"
رفعت حاجبيها، وقد فهمت ما يخفيه فهمًا أوضح من كلامه
"تبقى لسه زعلان مني"
وقفت على أطراف قدميها، واقتربت لتطبع قبلة هادئة على خده، قبلة تحمل اعتذارًا لا يقوله اللسان، فهمست بلطف يذيب الغضب
"حقك عليا يا حبيبي"
نظر إليها بدهشة، فعاجلته بابتسامة شفافة واردفت
"على فكرة… أنا قعدت مع نفسي وفكرت في موضوع إننا نجيب بيبي تاني، ولاقيت الموضوع مش مستاهل اللي حصل، ده في الأول و الأخر رزق من عند ربنا، بيبعته وقت ما يريد، ولو محصلش نصيب، معانا يوسف، وده أحلى نعمة"
لم يخفِ ذهوله من هذا التحول المفاجئ، فسألها بنبرة متفحصة:
"يعني مش هتيجي بعد يومين وتقوليلي أنا نفسي في أخ أو أخت ليوسف؟"
هزت رأسها بنفي، وابتسامة وديعة تُزين شفتيها
"ومن إمتى بقولك على حاجة وبرجع فيها؟، أنا أهم حاجة عندي دلوقتي أنت يا حبيبي"
ضحك قليلًا، وما زال في نبرته أثر الدهشة
"سبحانه مغير الأحوال"
اقتربت منه وعانقته، تضع رأسها على صدره كمن يعود إلى ملاذه الأول، وسألت بصوت رخيم
"هترجع إمتى؟"
أجاب وهو يمسح على شعرها
"هارجع متأخر بالليل، بقالي كام يوم ما بروحش، وفيه شغل كتير متأجل لازم أراجعه وأمضي الورق، ابقوا اتعشوا وناموا براحتكم، محدش يستناني"
"تمام… وإنت خد بالك من نفسك،
وأنا هاكلمك كل شوية أطمن عليك"
سال دفء كلماتها في قلبه كأنها بلسم فوق جرح لا يُرى، فاحتضنها بقوة وقال بصوت يقطر ندم صادق
"أنا آسف لما انفعلت عليكي قبل كده، كان غصب عني، كنت مضغوط وأعصابي تعبانة شوية"
رفعت رأسها من صدره لتنظر إليه بعينين وادعتين
"عارفة يا حبيبي… ومفيش حاجة في الدنيا تستاهل لحظة زعل ما بينا"
ربت على ظهرها
"ربنا يخليكي ليا يا حبيبتي"
ثم انحنى يطبع قبلة رقيقة على جبهتها، وأمسك يدها ليقبل راحة كفها، قبل أن يرفع يدها إلى خده، مستسلماً لدفء ملمسها.
قائلاً وهو يتأمل ملامحها
"اعملي حسابك… نهاية الأسبوع هاخدك انتي ويوسف الصغير، نروح نقضي يومين حلوين في الشاليه، نغير جو ونمسح أي نكد عشناه الأيام اللي فاتت،
ومنها نعيش يومين عسل، إيه رأيك؟"
اتسعت ابتسامتها
"بجد؟!، أنا كان نفسي أقولك كده من فترة… بس كنت محرجة بسبب اللي بيحصل في العيلة والظروف المكركبة اللي حوالينا"
أمسك وجهها بين كفيه برفق
"بعد كده أي حاجة نفسك فيها، قوليلي على طول، حتى لو الحرب العالمية التالتة شغالة ونفسِك تتفسحي، هافسحك وهاعملك كل اللي نفسك فيه"
أحاطته بذراعيها في عناق يغمره الشوق
"حبيبي يا دومي… ربنا يباركلي فيك يا روحي"
ثم انسحبت من بين ذراعيه ببطء، تبتسم بخجل عذب، واقتربت بشفتيها من شفتيه لتطبع قبلة خفيفة.
ابتسم وقال بمرح حقيقي
"ده أنا شكلي مش رايح في مكان النهارده… بلا شركة بلا شغل بلا يوسف أخويا الغبي، يكش يولع، تعالي نقضي اليوم سوا"
وبدأ يفك أزرار قميصه، لكن فجأة لمعت في رأسها صورة الملف و التقارير،
فأمسكت يده تمنعه
"بتعمل إيه يا حبيبي!، روح شوف شغلك وروق دماغ أخوك وأنا هستناك بالليل،
ده أنا كمان ورايا مشوار الضهر، هقابل شيماء ونشتري شوية حاجات"
رفع حاجبيه بتعجب، لكن لم يتح له السؤال؛ فقد دفعت صدره بخفة وقالت وهي تسحبه نحو الباب
"يلا انزل وأنا هدخل أتوضى وأصلي الضحى… وأغير هدومي وهاحصلك عشان نفطر"
فتحت الباب، ودفعته برفق إلى الخارج وأغلقته خلفه، ثم أسندت ظهرها علي الباب، تتنفس بعمق، وعيناها معلقتان في الفراغ، همست لنفسها
"لما أشوف مخبي عليا إيه يا سي آدم"
❈-❈-❈
توقفت السيارة أمام مركز رعاية الأطفال المصابين بالتوحد، ارتجفت نبضات القلب قليلاً في صدر أحمد وهو يلتفت إلى الخلف، فيلتقي بعيون ابن شقيقه، فيسأله بحماس وود
"مستعد يا بطل؟"
ارتسمت ابتسامة بريئة على وجه الصغير، وأجاب وهو يلتصق بالزجاج يحدق بالخارج
"حمزة مستعد وشاطر"
رفعت علا رأسها لتقرأ اللافتة المثبتة على واجهة المبنى، متأملة كلماتها بتمعن، ثم سألت بقلق يختلط بالحرص
"متأكد يا أحمد إنهم هياخدوا بالهم منه؟"
ابتسم الأخر بثقة، وأجاب بنبرة مطمئنة
"المركز هنا على أعلى مستوى، دكاترة وأساتذة معظمهم دارسين بره، وقبل ما نيجي النهاردة كنت هنا من يومين، وشوفت بعيني إزاي بيتعاملوا مع الأطفال، وبيقدمولهم أنشطة وترفيه وكورسات لتنمية المهارات، وبعد كده ما تقلقيش، أنا موصيهم على حمزة توصية خاصة، واتفقت كمان مع مُدرسة هاتكون معاه زي ظله، استني هاتصل عليها عشان تخرج تاخده"
لمس علامة الاتصال، وانتظر بضع لحظات حتى دوت صوت الفتاة في الهاتف، ووصل إلى مسامع علا
"ألو، مستر أحمد حضرتك وصلت؟"
"أه، إحنا بره قدام البوابة، اطلعي عشان تاخدي حمزة، ومش هوصيكي عليه"
"من عينيا يا مستر أحمد، أنا تحت أمرك"
قالتها بنبرة دلال جعلت علا ترفع حاجبيها بدهشة وغضب خفيف في آن واحد.
نزل أحمد من السيارة، وتبعته بخطوات سريعة، فتحت الباب للصغير وامسكت بيده، التفتت نحو البوابة، فانتبهت إلى الفتاة التي تخرج مبتسمة نحوهم؛ شابة ذات جمال هادئ، ترتدي ملابس رسمية أنيقة وجذابة، تمشي بخطى واثقة.
وقفت أمام أحمد، وابتسامة ود على وجهها، ومدت يدها للمصافحة
"أهلاً وسهلاً مستر أحمد، إزي حضرتك؟"
بادلها المصافحة قائلاً
"أهلاً بيكي"
نظرت الفتاة حولها بعناية، ثم سألت عن الصغير
"فين حمزة؟"
و عندما انتبهت إليه، مدت يدها نحوه بابتسامة مشوبة بالحنان
"إزيك يا حمزة، أنا ميس سما"
رمق الصغير الفتاة بقلق، متشبثًا بيد والدته، فنظرت سما إلى علا بعفوية مصطنعة
"حضرتك تبقي ناني حمزة؟"
رمقتها الأخرى بنظرة حادة، ثم التفتت إلى أحمد الذي يكتم ضحكته، فأجابت المعلمة الحمقاء
"أنا مامته"
"سوري، أهلاً وسهلاً بحضرتك"
أمسك أحمد يد علا، واخبر سما
"مدام علا تبقى مامت حمزة، و مراتي"
التفتت سما إلى يد أحمد اليسرى، ولاحظت خلوها من خاتم الزواج.
بالطبع انتبهت علا لما تفحصه، فابتسمت بمكر، وأخرجت من حقيبتها خاتمها، فامسكت يد زوجها
"اتفضل يا حبيبي، أنت نسيت دبلتك على الحوض الصبح"
أخذها الأخر بحرج، يكتم ضحكته بصعوبة من غيرة زوجته عليه، وكيف أمسكت يده بعنف وأدخلت الخاتم في بنصره.
فقال لإخماد التوتر المحيط في الأجواء
"طيب يا ميس سما، هانسيب حمزة معاكي، وزي ما اتفقنا، لو في أي حاجة كلميني، المهم تحطي حمزة في عينيكي"
ابتسمت دون اكتراث لنظرات علا، وقالت بثقة
"ما تقلقش حضرتك، هو في عينيا، تؤمر بحاجة؟"
شكرها و انحنى نحو الصغير، وأمسك يده قائلاً
"حمزة حبيبي، هاتروح مع ميس سما، وابقى هادي وشاطر عشان أبقى أخدك ونروح الملاهي اللي بتحبها، اتفقنا؟"
هز الصغير رأسه بحماس
"اتفقنا"
عانق عمه بحب وبراءة، فبادله الأخير العناق بحنان عميق، ثم نهض وربت على كتفه
"يلا يا بطل"
امسكت المعلمة بيد الصغير، وعبرت به البوابة إلى داخل المركز، وقبل أن تُغلق خلفهما، لوحت بيدها إلى أحمد الذي التقطت أذناه همس علا الملتبس بالكلمات الساخرة
"جاتك البلا وانتي شبه خلة السنان"
عاد كليهما داخل السيارة، فانتظر حتى أُغلق الباب بإحكام، فانفجر ضاحكًا من قلبه، فرمقته شزراً، وعينيها تتوهج بغضب
"بتضحك على إيه يا مستر أحمد؟!، ده انت حسابك معايا لما نروح"
فسألها ببراءة
"طيب هي اللي بتستعبط معاكي، أنا ذنبي إيه؟"
رفعت حاجبيها بسخرية مرحة، وارتسم على شفتيها نصف ابتسامة لاذعة
"لا والله؟!، ما هي لو كان عندها معلومة منك إن أنا مامته، مكنتش استعبطت ورمت الكلمة، ولا عينيها اللي راشقة على صباعك اللي قلعت منه الدبلة ونسيتها علي الحوض"
تنهد محاولًا الدفاع عن نفسه
"مجتش فرصة أقولها عليكي، لأن كان كلامي مع مدير المركز، وبالنسبة للدبلة، أنا فعلاً نسيت ألبسها لأني مش متعود ألبس حاجة في صوابعي"
جزت على أسنانها بحنق فقالت
"لاء، اتعود يا حبيبي، وياريت متقلعهاش تاني أصلاً، الدبلة مش بتنقض الوضوء ولا ضارة بالصحة، هي هاتضرك فعلاً لو مالقيتهاش في صباعك، وخلي بالك من نفسك"
قهقه من كلماتها، وارتسم على وجهه سعادة عميقة من غيرتها التي لمسها بقوة هذه المرة
"حاضر يا حبيبتي، مش هاتتكرر تاني، وهاخد بالي من نفسي يا شبح"
ارتجفت شفتاها قليلاً، وسألته بتحدي
"انت بتستهزء بكلامي صح؟"
أجابها مبتسمًا
"أنا أقدر؟!، أنا بس بنكش فيكي، أصلي بصراحة كنت في قمة سعادتي، وانتي غيرانة عليا"
ابتسمت رغماً عنها، وقالت بنبرة مداعبة
"أيوه طبعاً بغير عليك، طب أنت فاكر لما كنت بتقرب من داليا الحربوقة عشان تحرقلي دمي، كان بيبقى نفسي أجيبكم من شعركم وأرميكم من فوق سطح الفيلا، زرع بصل"
عقد ما بين حاجبيه، وتصنع الخوف بمزاح
"لاء، ده أنا بعد كده هاخد بالي، العمر مش بعزقه"
"بعد الشر عليك"
وامسكت بيده، وضعت خدها على كفه
"ربنا يباركلي فيك وفي عمرك، وما يحرمنيش منك أبداً"
رمقها بعشق آسر وابتسم
"ده أنا كده ألف ونرجع على الشقة قبل ما أرتكب فعل فاضح في الطريق العام"
ضحكت وقالت بنبرة مشاكسة
"مجنون وتعملها، يلا اتحرك بقي، وقولي واخدني ورايح بينا على فين، وأوعي تقوله هانروح الفيلا"
رد عليها يطمئنها
"اطمني، مش هاوديكي هناك خالص، إحنا هانروح نقعد في النادي نفطر، ونشرب لنا كوبيتين نسكافيه، ونتكلم مع بعض شوية، ونحب في بعض شويتين"
ابتسمت وتشبثت بيده، واخبرته بصدق
"معاك في أي مكان، نتكلم مع بعض، ونحب في بعض، بس بالأدب عشان مش على آخر الزمن نتمسك آداب بفعل فاضح في مكان عام"
ضحك ثم طبع قبلة خاطفة على خدها، و أدار السيارة، فانطلقت بهما علي الطريق، حيث الهواء يعبق بالمرح، وفؤاد كل منهما يتراقص بسعادة لا توصف.
❈-❈-❈
أزعجها الضوء الذي اخترق ما بين الستائر، ولم يكن الضوء وحده ما يزعجها فقط، بل هناك ما هو أكثر إلحاحًا، الصوت الذي يخرج من أنف وفم النائم بين ذراعيها.
فتحت عينيها ببطء، لتتأكد مما يحيط بها، فإذا به قابع بين ذراعيها، ورأسه يستند بأريحية على صدرها، ويحتضن جذعها بذراعيه، يبدو أنه ينعم بنوم هنيء، غافلاً عن العالم من حوله.
فتح عينيه، فصادف عينيها المستيقظتين، فاتسعت خاصتها، وكادت تصرخ، إلا أنه باغتها بقبلة مفاجئة.
رفعت يدها لتضربه في صدره، لكنه أمسك بيديها الاثنتين، وقيدهما خلف ظهرها، فأصبح الوضع أنها ملتصقة به وجهًا لوجه، وكأن الزمان توقف لحظة.
ترك شفتيها لتتنفس بارتياح، ثم قال لها بنبرة هادئة ولكنها حازمة
"اهدي بقي وامسكي العقل… بلاش جو الصريخ والصويت، أنتي روحتي في النوم امبارح جمبي و إحنا بنتفرج علي التليفزيون، وكانت راسك على صدري، صعبتي عليا و شيلتك وجبتك هنا، حطيتك على السرير وغطيتك، ولاقيتك ماسكة في حضني فصعبتي عليا تاني، وقولت أنام جنبك وما أكسرش بخاطرك، وأنا ما يهونش عليا زعلك يا قمر"
ضيقت عينيها، وقالت بسخرية
"خلاص خلصت التمثيل!، ممكن تسيبني وتطلع بره الأوضة وما أشوفش وشك لحد ما نخرج من هنا"
ابتسم بتحد قائلاً
"يعني دي كلمة شكراً اللي المفروض تقوليها لي؟!"
تنهدت، وأجابت بلهجة مرهقة
"ياسين، دماغي مصدعة ومعنديش أي طاقة للجدال، فياريت تتكرم وتبعد عني، وتسيبني في حالي، وروح ألبس حاجة تسترك بدل ما أنت فرحان بجسمك"
غمز بعينه وقال بخفة
"هاقوم وأبعد، بس مش هاسيبك في حالك، أنا زي ضلك، بالنسبة لجسمي، بطل هاستره بس أنتي بطلي بص عليا يا سوسة ياللي هتاكليني بعينيكي"
زفرت بتأفف، فترك يديها ونهض.
قامت هي الأخرى ورأته يتجه إلى الحمام، ثم أضاف وهو يمر بجانبها
"لو عايزة تدخلي الحمام، في واحد في الصالة وواحد في أوضة ياسمينا، ومعلش ممكن تعمليلي فنجان قهوة، أو خليهم اتنين ليكي و ليا، لأن دماغي أنا كمان مصدعة من قلة النوم، معرفتش أنام من صوت شخيرك وأنتي نايمة طول الليل"
اتسعت عينيها بصدمة، ورددت بدهشة
"أنا بشخر وأنا نايمة؟!"
حين أدركت أنه يلقي عليها ما يفعله هو، صاحت وهي تلوح بيديها
"على فكرة، أنت اللي كنت بتشخر، وصحيت على صوتك المزعج"
بعد قليل...
عادت إلي الغرفة بعد أن ارتدت ثوب محتشم لكن لم تستطع إغلاق السحاب، حاولت مرة أخرى و لم يجدي نفعاً.
تأففت بضجر، حتي سمعت صوت باب الحمام فوجدته يخرج مثل الأمس، عاري الصدر و يلتف حول خصره منشفة قطنية فقط، تعمد أن يفعل عكس ما طلبت منه، بينما هي تدرك تمام الإدراك ما تفعله، تمارس التجاهل وتتعمد أن تطفئ بريق الشوق في عينيها كلما اقترب منها، وكأنها تعلن له أنها تملك زمام اللعبة.
بينما هو، فلم يكن بالرجل الذي يُهزم بسهولة؛ فحين لم يجد إلى قلبها سبيلاً، لجأ إلى حيلة تُشعل فضولها وتكسر جدار البرود الذي نسجته حول نفسها.
ففي كل يعلم إنها تكن في الغرفة، يتعمد أن يخرج من الحمام و حول خصره منشفة قطنية فقط، تتلألأ قطرات الماء على جلده كحبيبات الندى فوق تمثال صخري مصقول، يتصرف بلامبالاة مصطنعة، كأن حضورها لا يعنيه ولا يقصد شئ بأفعاله تلك.
لم تكن تجرؤ على التحديق فيه مباشرة، لكن عينيها خانتاها، فكانت تسرق النظر من طرفها، تلاحق بانجذاب خفي عضلات عضديه، وانبساط صدره، وتناسق منكبيه، كأنها تشاهد ملامح محارب خرج لتوه من أسطورة يونانية قديمة.
كانت تحاول أن تقنع نفسها بأنها ما زالت تسيطر على الموقف، غير أن نبضها المتسارع وارتباك أنفاسها كانا يشيان بأن الحيلة قد نجحت، و قوتها التي تتظاهر بها، بدأت تتصدع تحت وطأة نظرة واحدة منه، أو خطوة عابرة بجسده المبلل نحوها.
وإذا به يفاجئها بقوله بنبرة عملية لا تخلو من المرح والجرأة السافرة لديه
"لفي وشك عشان هقلع البشكير و هلبس هدومي"
رمقته بامتعاض ظاهر، ثم ولت ظهرها ، وما إن فعلت، حتى جذب انتباهه سحاب ثوبها المفتوح، فانجذب نحوه بخطوات هادئة، وقال بصوت متهدج
"ما تقوليلي وأنا أقفلهالك، ما تتكسفيش ده أنا حياله جوزك يعني"
ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة، كاشفة عن ضعفها الذي لا تريد الاعتراف به، فابتسمت على مضض، وقد فازت كلماته بخطف ضحكة من بين شفتيها
"طيب يا جوزي… بطل كلام و اقفل السوستة، وأنت كمان انجز و ألبس بسرعة، عشان عايزة أروح لبنتي"
لم تسمع منه رد، بل شعرت بيده تُزيح كتف الثوب قليلًا، كشف كتفها بلمسةٍ خفيفة، وتوقف عند الندبة الذي تركها لها الحادث، يتأملها بصمت ثقيل.
صاحت بحدة وقد ارتجف جسدها تحت أصابعه
"ياسين!، بتعمل إيه؟!، بقولك اقفلي السوستة… مش تقلعني الفستان"
كانت تعلم جيدًا سبب فعله، فاستدارت نحوه واقفة في مواجهته، تحدق فيه بعينين يملؤهما الامتعاض.
سألها بصوت هادئ يشي بالقلق
"العلامات اللي في كتفِك دي… من الحادثة؟"
أجابت على مضض كأن الكلمة تألم قلبها
"آه"
تناولت الوشاح بسرعة نافرة، وارتدته بقلق واضح.
اقترب منها مرة أخرى، ولمس الندبة بأطراف أصابعه، فانتفضت وصاحت بغضب
"عايز إيه؟!"
فهم هو ما لم تنطق به، سبب ضيقها وحرجها، وارتباكها أمام ندبةٍ تُذكرها بما لا تريد تذكره.
جلس إلى جوارها، وأمسك يدها برفق يناهض توترها، ثم قال بصوت عميق دافئ
"حبيبتي… أنا فاهم إنك متضايقة ومحرجة، بس أنا جوزك، وأثار الجرح مش حاجة تستاهل تضايقك ولا تتكسفي منها، بالعكس دي شبه التاتو، وشكلها عاجبني على فكرة"
رفعت وجهها إليه، ونظرت له بنبرة عتاب خافتة
"أنت بتجبر بخاطري… بلاش نضحك على بعض، دي ندبة وشكلها مش حلو خالص"
ابتسم ابتسامة جانبية وقال بثقة لا تهتز
"أنا عاذرك، لأنك ناسية حاجات كتير، ومن ضمنها إن أنا صريح وما بعرفش أجامل، يعني الحلو بقوله حلو، والوحش بقوله وحش، ماليش في المجاملات ولا النفاق"
هزت رأسها بتعب وقالت
"طبيعي إنك هاتشوف أي حاجة فيا حلوة، حتى لو ندبات جرح شكلها مقزز، وده لأنك بتحبني، لكن أي حد غيرك لو شافها هايتقرف من شكلها"
اقترب منها أكثر، وكأن قربه يشكل جدار، وقال بنبرةٍ ممتلئة بالرجولة والغيرة
"ومين اللي حضرتك يا هانم هايشوفها غيري؟!، وبعدين ملكيش دعوة بالناس، ما يولعوا بجاز، المهم إنتي خليكي واثقة في نفسك، وحطي في دماغك إن مهما حصل إنتي أقوى من أي حاجة ممكن تهزمك"
رفع يده إلى ذقنها، يمسك طرفه برفق، ويجبرها على النظر في عينيه، ثم قال وهو يبتسم ابتسامة مراوغة
"طب هاقولك على حاجة، أنا أول ما شوفت الندبة، كان نفسي أعمل حاجة"
رمقته باستفهامٍ خافت، فجعلها تولي ظهرها إليه، وكشف عن كتفها بجرأة هادئة، حتى بدت له الندبة كاملة، فدنا منها بشفتيه، وبدأ يقبلها ببطء وحنان، فانتفضت من أثر قبلاته الدافئة، ذهابًا وإيابًا، كما لو أن جسدها يُخبره بما يخفيه عقلها من مشاعر مختلطة.
خرج صوتها بصعوبة مرتجفًا بين شفتيها
"ياسين؟"
همس بجوار أذنها، صوته دافئ ممتلئ بالحب
"عمره وحياته كلها"
أجابت بصوت أثقله مقاومة عقلها، وجسدها الذي استسلم لكل لمسة من يديه
"كفاية… أرجوك"
نظر صوب عينيها، عينيه مليئتان بالفضول والحرص، وسألها
"أنتي بتضايقي كل ما أقرب منك؟"
وجدت لسانها ينطلق بإجابة صادقة، نابعة من خيوط مشاعرها المتضاربة
"مش حوار ببقي متضايقة ولا لأ؟!، أنت كل ما تقرب مني بلاقي نفسي بستسلم لأي لمسة منك، وفي نفس الوقت عقلي بيرفض، خناقة كبيرة بتحصل جوايا، وبحس بعدها بإرهاق وتعب نفسي، ياريت تكون فهمت قصدي، وبالله عليك ما تزعلش مني، أنت جوزي وحرام أمنعك تقرب مني، فبطلب منك تديني الوقت اللي يقدر عقلي يتقبلك ويتعود عليك، أو أقولك تعالي نبدأ حياتنا من أول وجديد، بمعنى إننا اتنين معجبين ببعض ولسه بنتعرف على بعض، أو اتنين مخطوبين ولسه بيتفاهموا اعتبرني خطيبتك"
"نعم ياختي!"
"بقولك اعتبرني، وهايبقى وضع مؤقت لحد ما هتلاقيني أنا اللي بقرب منك من نفسي"
صمتت لحظة بخجل فابتسم، وأخذ كلامه بجدية ملؤها العزم
"عشان خاطرك هاعمل أي حاجة، ومستعد أبقى خطيبك العمر كله، بس الخطيب السافل المنحط اللي بيتحرش بخطيبته وبيعمل تجاوزات"
ضحكت، وهزت رأسها بسأم
"مفيش فايدة… السفالة بتجري في دمك"
قال لها وهو يغمز بعينه بمكر وحب
"حبيبتي إحنا متجوزين من ٩ سنين… يعني عشت معاكي كل حاجة، عايزاني أبقى مؤدب معاكي إزاي؟!، بس مضطر أبقى مؤدب لحد ما الباشا عقلِك يحن عليا ويقولك انحرفي يا ياسمين مع الواد ياسين جوزك الغلبان"
صاحت وهي تدفعه بعيداً عنها
"قوم يا غلبان ألبس هدومك، عشان البنت وحشاني وزمانها صحيت من بدري وسألت عليا، وقبل كل ده اقفلي السوستة يلا، بس ياريت تقفلها بأدب"
ابتسم لها ببراءةٍ زائفة
"هحاول"
ثم قام بإغلاق السحاب ببطء متعمد، حتى انتهى وقال بمزاح سافر
"خلصنا من مهمة قفل السوستة… نيجي بقي لمهمة خلع البشكير"
ووضع يده على طرف البشكير وكأنه سيخلعه، فصرخت بخجل وركضت نحو الخارج، بينما أخذ هو يضحك ضحكة صاخبة، ممزوجة بالحب والمزاح، وهو يتابعها بعينيه المليئتين بالشقاوة والدفء.
❈-❈-❈
وصل أحمد وعلا إلى أحد النوادي الفاخرة، حيث تتجمع عائلات الطبقة المخملية، وتتشابك الضحكات مع صدى الأحاديث المتناغمة، وكأن صدى الحفل الذي أقامته السيدة شيريهان من أجل خطبته على داليا لا يزال يلاحق أصداء المكان، إلا أن أحمد كان قد حول المناسبة إلى حفل إعلان صامت، عن زواجه بأرملة شقيقه، المرأة التي استولت على قلبه وعقله معًا دون هوادة، كأنها توقيع القدر على حياته.
وقفا أمام طاولة أنيقة، فجذب كرسي لعلا قائلاً
"اتفضلي يا لولا"
جلست مستمتعة بمناداته لها بهذا الاسم المدلل، بينما جلس هو في المقعد المقابل، أمسك بيديها بلطف، وسألها بنبرة دافئة
"ها، تحبي تفطري إيه يا حبيبتي؟"
ابتسمت وأجابت بروح مرحة
"فطرنا على ذوقك"
"ذوقي ونفسي رايحين للفطار اللي معظم الشعب بياكله"
"بتهزر، لو قصدك على الفول والطعمية، هتلاقيهم هنا إزاي؟ ولا ناوي تطلبهم دليفري؟"
ابتسم بفخر، وأجابها وهو يلمع في عينيه شجاعة ومرح
"هنا في النادي هتلاقي كل حاجة تخطر على بالك، وبعدين أنتي واخدة فكرة غلط عن الطبقة المخملية، دول بياكلوا كل حاجة عادي يعني"
"خلاص، اطلبلي معاك فول بالبيض وطعمية بالسمسم، بس وصيهم يخلوها مقرمشة، وما ينسوش البتنجان المخلل والفلفل المقلي"
فقال معقباً
"ومعاهم طبق مسقعة وطبق بابا غنوج غرقان بالطحينة، وبطاطس محمرة"
مسح بلسانه على شفته باشتهاء، فضحكت
"طيب يلا استعجلهم، عشان أنت جوعتني أوي"
ابتسم لها وقال بحزم دافئ
"طيب خليكي هنا، وأنا هاروح المطبخ كل اللي هناك أعرفهم، وأعرف الشيف الكبير، عشان أوصيهم، وهاعمل مكالمة تبع الشغل، وراجعلك، ما تتحركيش من مكانك"
"روح بس ما تتأخرش عليا"
أمسك بيدها، وقبل ظهر كفها على عجلة من أمره
"عشر دقايق و جايلك تاني"
وعندما ذهب لاحظت بعض من حولها يرمقونها بنظرات متفرسة، وتهامس خافت يتخلل الهواء، كأن الكلمات المسموعة من شفاههم أشواك تحيكها الريح.
وعلى بعد عدة أمتار، جلست امرأة غامضة، ترتدي قبعة ونظارة شمسية سوداء تحجب ملامحها، تمسك بهاتفها الذكي وتتنقل بأصابعها على لوحة الكتابة.
«هو قام دلوقتي وسابها لوحدها»
لم تمض لحظات حتى جاءها الرد، رسالة نصية قصيرة لكنها مشحونة بالنوايا
«نفذي اللي اتفقنا عليه، خليها ما تنساش هي مين، والباشا اللي معاها يبقى يوريني هيستحمل لحد إمتى»
«اعتبريه حصل»
رفعت يدها نحو طاولة بها أربع فتيات، ولامست واحدة منهن كتف صاحبتها، وأومأت بإشارة خفية
"يلا يا بنات"
نهضن، وتحركن بخفة نحو الطاولة المجاورة، حيث جلست علا، وأخذن يضحكن بخفوت، وينظرن إليها خلسة، حتى انتبهت علا إلى نظراتهن، وسمعت إحدى الفتيات تهمس
"تعرفوا يا بنات، شوفت مين وأنا داخلة من البوابة دلوقتي، أحمد الشريف"
ردت أخرى، وهي تكشف عن جزء من فضولها
"كنت أنا ومامي معزومين على حفلة خطوبته، وفجأة لاقيناه بيقول لكل المعازيم إنه متجوز أرملة أخوه، وقعد يقول شعر فيها، بس أنا مستغربة، ليه معملوش فرح طالما بيحبها أوي كده؟!"
بينما الثالثة، ألقت الحكاية كاملة
"أنا بقي عارفة القصة كلها، صاحبتي مامتها تبقى صاحبة مدام شيري مامت أحمد.
، القصة إن مرات أخوه حازم، دي كانت خدامة عنده، ودبسته وحملت منه، لما عرف والد حازم بعد موت ابنه إنه له حفيد، فضل يدور عليها، ولما وصلها طلع عقد جواز لابنه وللخدامة عشان يسجل حفيده باسمهم، وبعد فترة اتوفى، وعشان يحافظوا على حفيدهم وعلى أملاك العيلة، جوزوا أخوحازم الكبير للخدامة"
عقبت الرابعة، بتمثيل متقن بخليط من الدهشة والشفقة
"يا حرام… صعب عليا أحمد أوي، ده كان چان النادي والجامعة، كل البنات كانت تتمنى إشارة منه، وبنات من عائلات كبيرة ليهم اسم ووزن في البلد، يقوم رامي نفسه الرمية دي، يتجوز خدامة؟!"
كل تلك الهمسات وصلت إلى مسامعها، ولت ظهرها إليهن، وأدركت على الفور أن هذه ليست إلا لعبة جديدة من ألاعيب والدة زوجها، التي لا تكل ولا تمل من أذيتها.
انسحبت سريعاً قبل أن تلتفت أي منهن، لكن أصوات ضحكاتهن علت حتى كادت تصل عنان السماء.
بحثت عن مكان للاختباء، فوجدت لافتة تشير إلى الحمام.
ولجت إلي الداخل كأنها تغوص في ملاذها الخاص، فانفجرت في البكاء، سيل من دموع يختلط بالغضب والحزن، لكنها لم ترغب أن تنجح خطة شيريهان.
فهي قادرة على الرد على هؤلاء الحمقاوات، لكنها اختارت الصمت، وأن تتجاهل كل ما قيل، وأن تعود إلى الطاولة بكل أريحية، متحكمة في أعصابها وعقلها، كملكة تتربع على عرش صمتها، متسلحة برباطة جأش لم تهتز.
❈-❈-❈
توقف بسيارته أمام محل صغير تفوح منه رائحة البن المحمص، كأن الدفء تقدم نحو البائع، فأخذ منه كوبين من القهوة الساخنة التي تتراقص أبخرتها في الهواء، ثم عاد إلى سيارته، يناول زوجته كوبًا وهو يحتفظ بالآخر.
أخرج ورقات من المال ومد يده بها إلى الرجل قائلًا
"اتفضل"
فرد الآخر بابتسامة بسيطة
"خلي يا بيه"
قال له ممتنًا
"متشكر… تسلم يا نجم"
عاد إلى مقعده، وأدار السيارة لينطلق من جديد، وما هي إلا لحظات حتى صدح الهاتف بمكالمة واردة.
وضع السماعة اللاسلكية في أذنه وأجاب قائلًا بصوت هادئ
"ألو يا شادي… صباح الخير"
جاءه صوت صديقه مشحونًا بالانزعاج
"صباح الخير؟!، طبعًا سايب الشركة بقالك أيام، ولا على بالك تتصل تطمن الدنيا ماشية إزاي"
ارتشف من كوب القهوة، ثم رد بضجر واضح
"ارغي وهات من الآخر، في إيه؟"
"فيه إن الشغل متراكم… والعملاء على آخرهم… غير الصحفيين والإعلاميين اللي كل يوم عندنا في الشركة عايزينك، وبيسألونا عنك وعن اللي حصل معاك"
فجأة ضغط على المكابح بقوة، فتقدم جسده للأمام قليلًا، وانسكب بعض من القهوة على عجلة القيادة.
سارعت ياسمين فناولته محرمة ورقية، فأخذ يمسح ما انسكب.
فقال باقتضاب
"طيب، أنا في مشوار وجاي، هاتصرف يلا باي"
أنهى المكالمة، وفتح الإنترنت، وما إن اتصل هاتفه بالشبكة حتى انفجرت عليه شاشة الهاتف بوابل من الإشعارات، ورسائل متتابعة من كل تطبيق يملك عليه حسابًا.
ضغط على بعض المنشورات عشوائيًا، وما إن قرأ أول سطر حتى عاد إلى ذهنه حديث شقيقه يوسف ليلة أمس، فزفر بضيق.
سألته ياسمين، وقد لاحظت التغير الذي طرأ على ملامحه
"فيه حاجة حصلت؟"
رد وهو يرمق هاتفه بامتعاض صريح
"فيه إن الحوار طلع فعلًا كبير، وبقينا تريند… والفيس ماورهوش سيرة غير أنا وإنتي ودكتور الغبره، وطبعًا الصحفيين والجهات الإعلامية مستنيين الفرصة، عايزين يتواصلوا معايا عشان يقعدوا علي الخبر ويعلوا الريتش عندهم بالسبق الصحفي اللي هايعملوه على قفايا"
سألته بهدوء لا يخلو من القلق
"وهاتعمل معاهم إيه؟"
رد بنبرة تحمل عناد لا يقهر
"هطلع عينيهم… وهخليهم يحرموا يكتبوا حرف عننا، ده غير إني هطربقها فوق دماغهم"
هزت رأسها ناصحة
"عايز رأيي، كبر دماغك وماتردش عليهم، وبكرة هينسوا ويبطلوا يتكلموا عننا"
رمقها بابتسامة ساخرة، أشبه بضحكة مكتومة تحمل يقين رجل يعرف جيدًا كيف يتعامل مع العاصفة
"إنتي غلبانة قوي يا ياسمين، دول ما هايصدقوا، زي اللي بيستنى أي جنازة ويشبع فيها لطم، أنا لازم أحط حد للحوار ده من غير ما أقابل أي كلب فيهم"
قالت بتوجس جلي
"ناوي تعمل إيه؟"
عانق يدها بين يديه، وشد عليها بثقة راسخة، محدقاً في عينيها قائلًا بنبرة لم تتخل عنها الصلابة
"هجيب معاهم من الآخر"
❈-❈-❈
وبالعودة إلى الفتاة ذات القبعة والنظارة السوداء، رفعت هاتفها لتقرأ رسالة واردة، فامتلأ وجهها بتوتر خفي
«إيه الأخبار؟»
أجابت بسرع
«قامت مشيت غالبًا راحت التويليت، البنات عملوا معاها الواجب وزيادة، ولسه محضرالها حاجة تانية هاتعجبك أوي، بس لما تحصل هاحكيلك عليها أو أصورهالك وأبعتهالك»
«في انتظارك»
بينما علا، فكانت قد أنهت غسيل وجهها، ومسحت ملامحها بالماء البارد، وجففته بالمحارم الورقية، حتى صدح رنين هاتفها، فوجدت المتصل هو زوجها، يبدو أنه عاد إلى الطاولة ولم يجدها.
خرجت بسرعة، تتلفت حولها، فتصادمت فجأة بشاب يحمل كوب قهوة، رفعت يديها معتذرة
"أنا آسفة جدًا، مكنش قصدي"
رمقها الشاب بنظرة متفهمة
"ولا يهمك"
ثم توقف و حدق في ملامحها، واتسعت ابتسامته بدهشة صافية
"إيه ده، أنتي علا؟!"
رمقته بدهشة ممزوجة بالتعجب
"حضرتك تعرفني منين؟"
أجابها بفخر
"أنا عمار صاحب زوما… قصدي حازم الشريف، معقولة مش فاكراني؟!"
وفي تلك اللحظة، وقف أحمد بجوار الطاولة، يعيد الاتصال على هاتفه، فأشارت له إحد الفتيات الأربعة
"لو بتدور على المدام اللي كانت هنا، راحت عند الحمامات"
نظر إليهن، ثم انصرف، بينما التفتت الفتاة ذات القبعة إلى رفيقتها وأشارت لها بإبهامها على إتمام المهمة.
نهضت الفتيات الأربعة، وغادرن المكان بسرعة.
همت علا بالابتعاد والعودة إلى طاولتها، قالت بحذر
"أنا معرفش حضرتك، عن إذنك"
اعترض الشاب طريقها، أمسك يدها بإصرار
"إزاي ما تعرفنيش يا علا؟، مش فاكرة أيام ما كنت أنا والشلة لما كنا بنيجي نسهر عند حازم؟، كانت أحلى أيام عمري ما أنسى الأكل من إيدك، ولا اللي حصل بينا في المطبخ"
اتسعت عينيها، وصاحت بغضب
"إيه اللي انت بتقوله ده يا حيوان؟! اوعي سيب إيدي"
انتزعت يدها من قبضته، لكنه اقترب منها مجددًا
"ليكي حق تزعلي وتنسي، المرة دي هزودلك الفلوس أكتر، تعالي معايا بقي شقتي قريب من هنا، تعالي وهابسطك أوي"
لكن قبل أن يتمكن من مسك يدها، تلقت لكمة قوية صاح صاحبها بزئير
"ده أنا اللي هابسط أمك وهي بتقرأ عليك الفاتحة يا وسخ"
تأوه الشاب، وحاول الدفاع عن نفسه، لكن علا أمسكت بيد زوجها
"خلاص يا أحمد بالله عليك، الناس هتتلم علينا، مش ناقصين فضايح"
صاح بها بحزم
"ابعدي انتي على جنب، مش سامعه الكلام القذر اللي بيقوله ليكي!"
ابتعد الشاب إلى مسافة آمنة، وألقى كلماته النارية بصوت متصاعد
"وأنا مقولتش كلام قذر… هي عرفاني، وأنا أعرفها، أنا صاحب حازم اللي كانت بتشتغل عنده"
صرخت علا، بصوت يمزج الغضب بالرفض
"كداب… ما أعرفكش والله العظيم، ولا عمري شوفتك"
واصل الشاب محاولاته لتبرير نفسه
"ما أنا لو كنت زي حازم وبدفعلك أكتر، كنتي هاتفتكريني كويس و...
لكن قبل أن يكمل، قفز أحمد إليه، وانقض عليه بضربات متتالية، حتى أنهكه وأشبع جسده العنف المبرح، حتى توقفت الفوضى فقط عند حضور رجال الشرطة، الذين تمكنوا من السيطرة على الموقف، وإنهاء الاشتباك بصرامة.
❈-❈-❈
في قسم الشرطة، وقف الضابط الشاب بحدة، وجه سؤاله نحو عمار
"وأنت تعرف مدام علا منين عشان تتعدى عليها بالكلام القذر اللي قولته ليها؟"
وقف الأخر بثقة، رغم وجهه المملوء بالكدمات، وأجاب بهدوء لكنه متوتر
"اعرفها لما كنت بروح أنا وأصحابي ونسهر عند حازم الشريف الله يرحمه… كانت لا مؤاخذة الخدامة اللي كانت بتخدم حازم، ولما كنا بنروحله، كانت بتروق علينا، وكل اللي كان بتمنه سعادتك"
زمجر أحمد، وكاد ينقض عليه مرة أخرى، فقام مساعد الضابط بإيقافه بحزم
"اهدي يا أحمد بيه، بدل ما نضطر نخرجك بره"
سأل الضابط الآخر علا، التي لم تكف عن البكاء
"إيه ردك على كلام عمار يا مدام علا؟"
أجابت علا بنبرة متماسكة، رغم دموعها
"أنا فعلاً كنت بشتغل عند حازم الله يرحمه، وكان أبو ابني حمزة، وكل اللي بيتقال كدب في كدب، حازم مكنش بيجيب أصحابه في الشقة طول ما أنا موجودة، وكان بيعاملني بكل احترام"
أومأ الضابط وقال
"تمام يا مدام علا، ممكن تتفضلي تستني بره، وإحنا عارفين هنعمل إيه"
خرجت فنظر الضابط إلى عمار الذي بدا عليه التوتر، وقال لأحمد
"واضح إن فيه ملعوب بيحصل يا أحمد بيه، والاستاذ عمار هايفضل مشرفنا في الحجز لحد ما يقولنا مين اللي سلطه على مدام حضرتك"
صاح عمار، محاولًا التخفيف من الموقف
"أنا متنازل عن المحضر خلاص، ومسامح أحمد بيه… ممكن أمشي بقي"
ضحك الضابط ساخرًا
"هو دخول الحمام زي خروجه؟!، الكاميرات جايباك صوت وصورة، وأنت بتتحرش بمدام علا بالكلام وبالفعل، وأحمد بيه كان رد فعله طبيعي، ومعليهوش أي حاجة، لكن حسابك معانا مطول لحد ما تحكيلنا اللي أنت مخبيه ومين اللي زقك عليها"
ثم نظر إلى أحمد قائلاً
"اتفضل حضرتك امضي هنا، وسيب رقم تليفونك عشان هنتواصل معاك"
وقع أحمد اسمه وكتب رقم هاتفه، ثم بعد عدة إجراءات روتينية، غادر القسم مع زوجته.
دخلت السيارة، وجفونها ما زالت منتفخة من البكاء، جلس أحمد في كرسي القيادة المجاور، يغلي من الغضب، صامتًا دون كلمة، وانطلق بالسيارة.
كانت علا تراقبه من طرف عينيها، و الرعب يسيطر علي قلبها من هدوئه القاتل، همست بخوف، وكأنها تحاول الدفاع عن نفسها
"أحمد، أوعي تكون صدقته… والله العظيم ما حصل أي حاجة من اللي قاله"
صاح في وجهها بغضب فأجفلها
"مش عايز أسمع حاجة"
انفجرت بالبكاء، فتوقف فجأة بسيارته، والتفت إليها
"بتعيطي ليه؟ ما تعيطيش"
لكنها لم تكف عن البكاء، فرفع صوته بغضب جعلها ألتزمت الصمت رغماً عنها
"بقولك ما تعيطيش"
انطلق مرة أخرى، حتى وصل أمام البناء، فأمرها
"انزلي، ولما تدخلي الشقة، اقفلي الباب بالمفتاح من جوه لحد ما أرجعلك"
نفذت علا أمره، بينما أكمل هو طريقه حتى وصل أمام فيلا عائلة الشريف.
فتح الحارس البوابة، فانطلق إلى الداخل، وتوقف أمام الفيلا.
ترجل من سيارته ووجهه لا يبشر بخير، دلف إلى الداخل، وصعد الدرج، وبدون استئذان دفع باب غرفة والدته بعنف، وكاد يصيح بغضب جم، فإذا بلسانه يتوقف فجأة، واتسعت عيناه من المشهد الذي رآه أمامه!
يتبع...
لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كامله من هناااااااااا
مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا

تعليقات
إرسال تعليق
فضلا اترك تعليق من هنا