رواية حالة خاصة البارت السابع وعشرون 27بقلم ميادة يوسف الذغندى حصريه
#البارت_السابع_والعشرون
#رواية_حالة_خاصة
#بقلم_ميادة_يوسف_الذغندى
"أحيانًا لا يحتاج القلب إلى دليل... يكفيه شعور غامض يخبره أن من يحبه يتألم."
وقف طارق أمام باب المستشفى، والهواء البارد يلفح وجهه، بينما كانت الأفكار تتصارع داخل رأسه بلا رحمة.
نظر إلى شاشة هاتفه مرة أخرى...
ثم ضغط على زر الاتصال.
طارق.....
ردى يا مريم...
ردى بس.
ظل الهاتف يرن...
مرة...
واثنتين...
وثلاثًا...
لكن دون أى إجابة.
أغلق الاتصال وهو يزفر بضيق، ثم فتح تطبيق الماسنجر بسرعة.
ظل للحظات ينظر إلى مربع الكتابة، وكأنه لا يعرف من أين يبدأ.
ثم كتب...
حالة خاصة...
أنا تعبان...
ومخنوق...
ومش عارف أعمل إيه.
أنا فى مصيبة يا مريم.
ظل ينظر إلى الرسالة قبل أن يضغط على "إرسال"...
ثم أرسلها.
وأغلق الهاتف وهو يمرر يده على وجهه بإرهاق شديد.
أما فى منزل مريم...
كانت تقف تحت المياه، تحاول أن تطفئ بها نار الحيرة التى تشتعل داخلها منذ الصباح.
لكن فجأة...
شعرت بوخزة قوية فى قلبها.
شهقت بخفة، ثم وضعت يدها فوق صدرها.
وأغلقت الدش بسرعة.
وقفت للحظات تحدق فى الفراغ.
ثم همست دون أن تشعر...
مريم.....
طارق...
تجمدت مكانها...
واتسعت عيناها فى دهشة.
وضعت يدها على فمها وهى تهمس لنفسها.
مريم.....
أنا...
أنا قلت طارق؟
إزاى؟
أنا عمرى ما ناديته باسمه.
دايمًا...
حالة خاصة.
ابتسمت ابتسامة مرتبكة، ثم هزت رأسها محاولة طرد أفكارها.
لكن قلبها كان يخفق بسرعة غير طبيعية.
مريم.....
ليه حاسة إن فى حاجة حصلت؟
ليه قلبى مقبوض بالشكل ده؟
خرجت مسرعة من الحمام، وجففت شعرها على عجل، ثم التقطت هاتفها من فوق السرير.
ما إن أضاءت الشاشة...
حتى شهقت.
وجدت مكالمة فائتة من...
حالة خاصة.
وتحتها مباشرة...
رسالة جديدة.
ارتجفت أصابعها وهى تفتح المحادثة.
وما إن قرأت الرسالة...
"أنا تعبان...
ومخنوق...
ومش عارف أعمل إيه.
أنا فى مصيبة يا مريم."
تغيرت ملامحها تمامًا.
اختفى غضبها فى لحظة.
وحل مكانه خوف حقيقى.
همست بصوت مرتعش...
مريم.....
يا ترى حصله إيه؟
ثم ضغطت على زر الاتصال دون تردد.
وفى نفس اللحظة...
كان طارق لا يزال يقف أمام المستشفى، ينظر إلى السماء بشرود.
وفجأة...
اهتز هاتفه فى يده.
نظر إلى الشاشة...
فوجد اسمها يضيء أمامه.
ابتسم لأول مرة منذ ساعات...
ثم أغلق عينيه للحظة قبل أن يرد على الاتصال.
يسعدني أكمل بنفس الأسلوب واللهجة:
رن الهاتف مرة واحدة...
ثم مرتين...
حتى جاءه صوتها المرتجف.
مريم.....
خير يا طارق...
طمنى، فيه إيه؟
مالك؟
إيه اللى حصل؟
لثوانٍ...
لم ينطق طارق بكلمة.
أغمض عينيه، ولمعت عيناه بتأثر.
رغم أن الاتصال ما زال مسجلًا باسم "حالة خاصة"...
إلا أنها نادته باسمه.
طارق.
شعر وكأن قلبه دق لأول مرة منذ ساعات.
ابتسم ابتسامة صغيرة، لم يشعر بها هو نفسه.
مريم.....
رد عليا...
قلقتنى.
أنا كنت باخد شاور...
وفجأة جاتلى نغزة فى قلبى.
حطيت إيدى على قلبى...
ولقيتنى بنادى اسمك تلقائى.
وسكتت فجأة...
ثم بلعت ريقها وقالت بتوتر:
مريم.....
ااا... أقصد...
أقصد...
ياعنى...
حالة خاصة.
خرجت منه ضحكة عالية دون إرادة.
ضحكة صادقة...
كانت الأولى منذ دخوله المستشفى.
طارق.....
يا ستّى...
سيبى إحساسك شوية.
ليه بتحاربى قلبك كده؟
ساد الصمت لثوانٍ...
ثم ابتسمت مريم دون أن تشعر.
مريم.....
إنت بتضحك أهو...
أومال الرسالة دى كانت إيه؟
أنا قلبى وقع لما قريتها.
تنهد طارق بعمق.
ثم اتجه إلى حديقة المستشفى، وجلس على مقعد رخامى ببطء.
أسند مرفقيه على ركبتيه، وأطرق برأسه للحظات.
طارق.....
مكنتش عارف أكلم مين...
ولا أروح لمين.
أول شخص جه فى بالى...
كنتى إنتِ.
توقفت مريم عن الكلام تمامًا.
أما هو فأكمل بصوت متعب...
طارق.....
أنا حاسس إن الدنيا كلها اتقلبت فوق دماغى فى يوم واحد.
مراتى وقعت...
ودخلت العناية المركزة.
ولسه من شوية...
الدكتور قالى كلام...
أنا لحد دلوقتى مش قادر أستوعبه.
شهقت مريم بخفوت.
مريم.....
مراتك؟
هى كويسة دلوقتى؟
طارق.....
فى غيبوبة...
والدكتور مستنى نتيجة تحاليل.
ولو طلعت زى ما هو متوقع...
يبقى فى كارثة أكبر مما كنت متخيل.
أغمضت مريم عينيها بحزن.
مريم.....
إن شاء الله خير يا طارق.
أوعى تستبق الأحداث.
لحد ما تظهر النتيجة.
وساعتها لكل حادث حديث.
ابتسم طارق ابتسامة باهتة وقال:
طارق.....
عارفة...
أغرب حاجة حصلت النهارده إيه؟
مريم.....
إيه؟
طارق.....
إن وأنا فى أصعب لحظة فى حياتى...
ملقتش نفسى بدور غير عليكى.
ساد الصمت...
لكن هذه المرة...
لم يكن صمتًا محرجًا.
كان صمتًا يقول أشياءً كثيرة...
أكثر مما تستطيع الكلمات أن تقوله. بقلم ميادةيوسف الذغندى
ساد الصمت لثوانٍ...
ثم أخذت مريم نفسًا عميقًا، وتحولت نبرة صوتها إلى نبرة الطبيبة الهادئة.
مريم.....
طب هى...متعودة تاخد أدوية معينة؟
مهدئات؟
منومات؟
أى علاج نفسى؟
أو حتى مسكنات بشكل مستمر؟
تنهد طارق وهو يهز كتفيه بحركة لا مبالاة.
طارق.....
لأ.
مها كل همها فى الحياة اللبس...
والشكل...
والمجوهرات...
والشوبنج.
دى حياتها كلها.
عمرى ما شوفتها بتشتكى من حاجة أو بتاخد علاج قدامى.
سكت لحظة، ثم أكمل بحيرة.
طارق.....
عشان كده مش قادر أصدق اللى الدكتور قاله.
تحدثت مريم بهدوء شديد، وكأنها ترتب أفكارها قبل أن تنطق.
مريم.....
أكيد فيه حاجة إنت مش عارفها.
ولو اللى لقوه فعلًا مادة مخدرة...
فقدامنا احتمالين.
الاحتمال الأول...
إنها كانت بتتعاطاها من فترة.
وده معناه إن الجرعات كانت بتزيد تدريجيًا، لحد ما جسمها وصل للمرحلة دى.
أما الاحتمال التانى...
إنها تكون أخدت جرعة كبيرة من غير ما تعرف حقيقتها، أو حد اداهالها على إنها حاجة تانية.
وفى الحالتين...
لازم تحاليل أدق عشان تحدد نوع المادة بالظبط، ونسبتها فى الجسم.
صمتت لحظة، ثم أكملت بثقة.
مريم.....
والأهم من كل ده...
إن العلاج موجود.
بس العلاج ليه طريقة معينة.
ولو ثبت إنه إدمان، بيكون فيه بروتوكول علاجى كامل، يبدأ بعد ما حالتها الصحية تستقر.
ولو كانت ضحية وحد ادالها المادة من غير علمها...
يبقى لازم السبب ده يتعرف، علشان يتمنع تكراره، وكمان لو فيه شبهة جريمة تبقى الجهات المختصة هى اللى تتعامل مع الموضوع.
خفض طارق رأسه وهو يفكر فى كل كلمة قالتها.
ثم قال بصوت يكاد يُسمع.
طارق.....
يعنى...
لسه فيه أمل؟
ابتسمت مريم ابتسامة هادئة، وقالت بثقة.
مريم.....
طبعًا فيه أمل.
بس أهم حاجة دلوقتى...
متنهارش.
لأنها أول ما تفوق...
هتكون محتاجة تلاقى حد ثابت وقوى جنبها.
وأنا من كلامك حاسة إن الشخص ده...
هيكون إنت.
طارق.....
مريم...
إنتِ مش أخدتى بالك من كلامى؟
أنا ومها...
مافيش بينا عاطفة.
ولا حب.
ولا حتى علاقة صحية زى أى زوجين.
إحنا عايشين تحت سقف واحد وبس.
سكت للحظة، ثم أكمل بصوت متعب.
طارق.....
حتى الكلام بينا بقى قليل.
كل واحد عايش فى عالم لوحده.
تنهدت مريم بهدوء، ثم قالت بنبرة يغلب عليها التعاطف.
مريم.....
ويمكن...
ده هو السبب اللى وصلها لكده.
رفع طارق رأسه باستغراب.
مريم.....
أنا مش ببرر أى غلط.
بس الإنسان لما يحس إنه وحيد...
ومحدش حاسس بيه...
أو يعيش فراغ عاطفى ونفسى لفترة طويلة...
بيبقى سهل يقع فى أى حاجة يفتكر إنها هتريحه أو تهربه من الوجع.
عشان كده...
متحكمش عليها دلوقتى.
استنى لما الحقيقة كلها تبان.
ظل طارق صامتًا يستمع إليها.
فأكملت بثبات.
مريم.....
وطارق...
فى كل الظروف...
لازم تكون جنبها.
أول ما تفوق وتفتح عينيها...
وتحس إنك موجود...
صدقنى، ده عامل مهم جدًا فى حالتها النفسية.
حتى لو كانت بينكم مشاكل.
وجودك جنبها دلوقتى واجب قبل ما يكون اختيار.
همهم طارق بصوت منخفض.
طارق.....
أمممم...
نطقت مريم بحزم ممزوج بالهدوء.
مريم.....
مافيش تردد.
اطلع لها.
لأنها لو فاقت فى أى وقت...
وأول حاجة شافتها إنك واقف جنبها...
ممكن ده يطمنها أكتر من أى دواء.
ابتسم طارق ابتسامة خفيفة رغم تعبه.
طارق.....
عارفة...
أول مرة حد يقدر يخلينى أشوف الموقف من زاوية تانية.
مريم.....
وده شغلى يا باشمهندس.
ابتسم رغمًا عنه، وهز رأسه وهو ينظر إلى باب العناية المركزة.
طارق.....
حاضر...
هطلع لها دلوقتى.
ولو فيه أى جديد...
هبقى أطمنك.
ابتسمت مريم فى هدوء، لكنها لم ترد للحظة...
فقد أدركت أنها أصبحت تنتظر أخباره كما تنتظر أخبار شخص قريب من قلبها... دون أن تعترف بذلك حتى لنفسها.
يتبع...
#_رواية_حالة_خاصة
#_بقلم_ميادة_يوسف_الذغندى

تعليقات
إرسال تعليق
فضلا اترك تعليق من هنا