القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية غرام الذئاب الفصل الرابع والثلاثون إلى الفصل السابع والثلاثون من الجزء الرابع بقلم ولاء رفعت (حصريه وجديده في مدونة قصر الروايات )

 

رواية غرام الذئاب  الفصل الرابع والثلاثون إلى الفصل السابع والثلاثون من الجزء الرابع بقلم ولاء رفعت (حصريه وجديده في مدونة قصر الروايات )




#الفصل_الرابع_والثلاثون

#غرام_الذئاب

#الجزء_الرابع_من_سلسلة_صراع_الذئاب

#ولاء_رفعت_علي


اندفعت والدتها إلى الداخل وقد اشتعلت في صدرها نار ما رأته قبل لحظات مقطع الفيديو الذي أرسل، تتقدمها الصدمة ويعقبها الفزع، فإذا بالمشهد يصفع بصيرتها صفعًا، ابنها يقف كوحش مسعور، عيناه تقدحان شرر وصوته يعوي في أرجاء الغرفة، قابضًا على سكين يقرب نصلها البارد من نحر شقيقته، تجمدت الدماء في عروقها لوهلة، ثم انتفضت غريزة الأمومة في أعماقها، فلم تفكر ولم تتردد. 

 ركضت نحوه بكل ما أوتيت من قوة، قبضت على ثيابه وجذبته بعنف بعيدًا عن ابنتها، وهي تصرخ وقد خرج صوتها مبحوح ممزق من قاع قلبها

"هاتموت أختك يا ابن الـ....!"


التفت إليها بعينين يقطر منهما الغضب والجنون، وصاح بصوت أجش ضاري

"وعايزاني أشوف وساختها وأسيبها عايشـ..." 


لم تُتح له الفرصة ليتم جملته، إذ انطلق من صدره تأوه غليظ، وارتطم جسده بالحائط ارتطام عنيف، بعدما انتهزت منار انشغاله بالصياح في وجه والدتها، فدفعته بكل ما ادخرته من خوف وغضب وبقايا قوة، دفعة يائسة تحمل روح النجاة.


لم تنتظر لترى عاقبة فعلها، بل اندفعت كالسهم المنفلت، التقطت هاتفها من فوق طاولة الزينة بيد مرتعشة، واندلعت خارج المنزل، تاركةً خلفها صدى الصراخ، ورجفة الرعب. 


وما إن اندفعت خارج المبنى حتى باغتها الإدراك صفعة أخرى؛ ثوب قطني منزلي خفيف، وجسد مرتجف، وقدمان حافيتان تلامسان برودة الإسفلت بلا ساتر ولا رحمة. 

 كانت في هيئة أقرب إلى الهاربة من محرقة، لا إلى فتاة خرجت لتوها من بيتها. 

 استوقف مظهرها أحد الجيران وهو على وشك دخول المبنى، تطلع إليها بدهشة وارتياب، لكن ذهوله تلاشى حين شق الفضاء صياح هائج آت من الداخل، صياح شقيقها وهو يهبط الدرج كالإعصار، يتوعد لها بالموت دون رحمة

"وربنا ما هسيبك، هقتلك، لو روحتي فين هقتلك" 


اندفعت تركض وقد استبد بها الفزع، تتعثر بأنفاسها وتهوي دقات قلبها كطبول حرب داخل صدرها.

  همت بعبور الطريق دون وعي، ولم تنتبه إلى سيارة قادمة بسرعة جنونية، حتى شق أذنها صوت تنبيه حاد أجفلها بشدة.


توقفت فجأة، شهقت كمن عاد لتوه من  الموت، وأخذ صدرها يعلو ويهبط بعنف، تلتقط أنفاسها المبعثرة بصعوبة.


 رفعت عينيها المرتعشتين نحو سائق السيارة الذي ترجل منها على الفور… ومن غيره يكون؟!، كأن القدر اعتاد أن يضعه في درب نجاتها كلما ضاقت بها السبل.


تمتمت باسمه بملامح ضائعة، وعينين تنضحان برجاء صامت يسبق الكلمات

"أدهم! " 


حدق بها فرآها بتلك الهيئة المزرية، بثوبها المنزلي الرقيق وقدميها الحافيتين ووجهها الشاحب، فخلع سترة بدلته دون تردد، وألقى بها فوق كتفيها يستر ارتجافها قبل أن يستر جسدها.


كاد يسألها عما يحدث، لكن السؤال مات في حلقه حين رأى تفسيره شقيقها الذي  يركض نحوهما بعينين تقدحان شرًّا، وصوت يزمجر بالتهديد. 

 انتفضت منار بفزع حين بلغها صراخه

"هتهربي مني تروحي فين؟!" 


وقبل أن تمتد يده إليها، كانت يد أدهم أسرع، قبض على منار ودفعها برفق حاسم نحو سيارته، آمرًا إياها بصوت لا يقبل جدلًا

"ادخلي العربية واقفلي عليكي" 


ثم استدار كالإعصار، وقبض على تلابيب شقيقها، وانهالت قبضتاه عليه بلا هوادة، يزيح السكين من يده وهو يكيل له اللكمات

"بتتشطر عليها يا دكر؟!" 


تتابعت اللكمات والركلات كالمطر الغاضب، فيما الآخر يتخبط عاجزًا، لا يملك دفاع ولا رد، إذ كانت الغلبة كاملة لأدهم بطوله الفارع وجسده الرياضي المشدود كوتر قوس.


شق المشهد صراخ أنثوي مذعور

"ابني!" 


كانت والدة منار قد وصلت تلهث، وفي اللحظة نفسها هبطت منار من السيارة، تمسك بذراع أدهم بحذر وتوسل، دموعها على وشك الانهمار

"عشان خاطري سيبه" 


توقف أخيرًا، واستدار إليها وهو يلتقط أنفاسه بصدر يعلو ويهبط بعنف

"أسيبه إيه؟، ده كان عايز يموتك!" 


أسرعت تخبره، والكلمات تتزاحم على شفتيها

"رامي بعتله الفيديو… وهو مش فاهم حاجة" 


ألقى نظرة على الجسد الممدد أرضًا، ووجهه الذي يذرف الدم من فمه وأنفه، ثم قال بحدة ساخرة

"ولو فاهم غلط مش من حقه يأذيكي، جاي يعمل عليكي دكر؟! كان فين من زمان؟!" 


هبط على عقبيه أمام شقيقها، وحدق به قائلًا بوعيد قاتم

"لولا أختك وأمك، مكنتش هحلك من إيدي" 


بصق عليه في ازدراء، ثم نهض.

في تلك الأثناء، جثت والدة منار جوار ابنها تطمئن عليه، غير عابئة بابنتها التي نجت لتوها من الموت، ولا بالمارة الذين تجمعوا، ولا بالجيران الذين ازدحموا على الشرفات يراقبون المشهد، وقد تحول المكان إلى فضيحة مكشوفة تتناقلها العيون قبل الألسنة.


انتبه أدهم إلى ذلك الجمع، فرمقهم بنظرة غاضبة، وصاح بهم

"بتبصوا على إيه؟ ما كل واحد يشوف اللي وراه" 


ثم أمسك منار من يدها، وفتح باب السيارة

"ادخلي" 


دلفت بتردد، أو لعله هروب من عيون الناس ومن ثقل الفضيحة. 

ركب الأخر مقعد القيادة، وأدار المحرك، فانطلقت السيارة تشق الطريق.


نظرت إليه خلسة، فوجدته في ذروة غضبه، عروق يده  وعنقه بارزة، خافت أن تنطق بحرف واحد فيصب غضبه عليها، لكنها انتفضت حين باغتها بسؤاله المفاجئ، وعيناه مثبتتان على الطريق

"عايزة تقولي إيه؟" 


ابتلعت ريقها بصعوبة، وسألته بصوت خافت

"إحنا رايحين فين؟" 


رمقها لثوان طويلة، دون أن يجيبها بحرف واحد. 

                         ❈-❈-❈

 ترص أطباق الطعام على المائدة بعناية، حيث الفطور الشهي، ثم مسحت يديها بمحرمة ورقية واتجهت إلى غرفة زوجها، وقد غلب على ظنها أنه استيقظ.


فتحت الباب على مهل، فإذا به ما يزال غارقًا في سبات عميق منذ ليلة الأمس، مستسلمًا لتأثير مسكنات الألم التي تناولها كي يخفف وطأة جرح كتفه.


دلفت إلى الداخل، وتقدمت نحو النافذة، ثم سحبت الستائر، فانسكب الضوء دفعة واحدة، وغمرت الإضاءة أرجاء الغرفة حتى أضحت مشرقة.


لاحظت حركة جفونه المضطربة من شدة الضوء، فابتسمت في رفق واقتربت منه وجلست جواره على طرف الفراش، تتأمل ملامحه وقلبها يخفق بخفوت حنون.


مدت يدها بتردد، ووضعتها على كتفه الأخرى غير المصابة، وانحنت نحوه هامسة بصوت مشبع بالود

"قوم يا ياسين، الفطار جاهز" 


أمسك يدها وسحبها برفق، ثم وضع كفها فوق صدره، فتح عينيه ببطء لتقع عيناه على عينيها مباشرة، فابتسم ابتسامة دافئة

"صباح الخير يا روح قلبي" 


بادلته الابتسام، وقالت بنبرة لطيفة

"إحنا بقينا بعد الضهر، قوم يلا ادخل الحمام اتوضا وصلي وتعالى عشان تفطر وتاخد العلاج" 


استقام بجسده ببطء، وما يزال ممسكًا بيدها، فشبك أصابعه بأصابعها، ثم رفع يدها إلى شفتيه وقبّلها

"تسلم إيدك يا حبيبي الحنين… أهو أنا كده رجعت ليا حياتي، واتردت فيا روحي من جديد، بحبك" 


ابتسمت بخجل ظاهر، فترك يدها وأمسك بطرف ذقنها رافعًا وجهها نحوه كي تنظر في عينيه، وسألها بلهفة صادقة

"بتحبيني؟، ولا لسه بالنسبة لك غريب؟" 


تسارعت دقات قلبها حتى كادت تسمع صداها في أذنيها.

 سؤاله أعاد إلى ذاكرتها سؤال رحيم القديم، لكن الفارق كان شاسعًا؛ فهي لم تشعر يومًا بصدق تلك الكلمة تجاه الطبيب، رغم إعجابها بشخصيته، وتقديرها لمواقفه النبيلة معها. 

 بينما ياسين، فقربه منها كان شيئًا آخر تمامًا… إحساسًا يتسلل إلى قلبها كلما نظرت في عينيه، وكلما سمعت صوته أو لمست يده.

  شعور مألوف لجسدها، كأن خلاياها تتذكر كل شيء، رغم ضياع الذاكرة.


"سرحتي في إيه؟" 

سألها، فانتبهت من شرودها وقالت

"مفيش… إنت كنت بتقول إيه؟" 


"بقول إني بحبك… وانتي؟" 


ابتلعت ريقها، وهمت بالرد بتؤدة

"وأنا…


قاطع كلماتها اهتزاز هاتفه، فألقى نظرة سريعة على الشاشة، ليجد اسم شقيقه يوسف، فقالت له

"رد عليه، عشان اتصل الصبح بدري يطمن عليك، وبيقول هييجي بالليل عشان يغير لك على الجرح" 


تبدلت ملامحه فجأة، وانتقل من دفء الحب إلى ضيق ظاهر، وقال بنبرة حاسمة

"كتر خيره لحد كده، مش عايز منه حاجة، هابقى أروح مستشفى قريبة مننا أغير على الجرح، أنا ممكن أسامحه على أي حاجة قالها في حقي، لكن ييجي عندك واستوب، لأ، خط أحمر، ومهما اتأسف مش هنسى كلامه عليكي" 


اقتربت منه أكثر وقالت بلطف محاولة تهدئته

"خلاص بقى يا ياسين هو اعتذر لك، وواضح عليه امبارح إنه ندمان على كل الكلام اللي قاله، مهما كان ده أخوك وراعي ظروفه مع مراته، وحوار الطلاق مأثر عليه، أقولك على حاجة، أنا مسامحاه على أي كلمة قالهالي، وربنا يسهله ويهديه لمراته وولاده" 


كان يصغي إلى كلماتها وقلبه يفيض إعجابً بصفاء روحها وسعة صدرها، تتراقص في عينيه دهشة مبهورة بنقاء نادر في ذلك الزمان. 

 التقت عيناها بعينيه على حين غفلة، فشعرت بحرارة نظرته، وأسرعت تخفض بصرها خجلًا، كأن الورد قد سرى في وجنتيها حياء. 

رفع يدها التي ما تزال مستقرة في كفه، وطبع عليها قبلة أخرى ممتلئة بالشغف، ثم قال بصوت دافئ

"انتي ملاك أوي يا ياسمين" 


جال بنظراته فوق ملامحها الرقيقة، وتوقف عند خصلات شعرها المنسدلة على جانب وجهها، تحجب عنه نصف جمالها، فرفع يده الأخرى وأزاحها برفق بالغ، مقتربًا من خدها وهو يقول برجاء

"تسمحيلي؟" 


رفعت عينيها إليه، وقد شعرت بأنفاسه الدافئة تلامس بشرتها، وأدركت مراده قبل أن ينطق به، فأومأت بخجل زادها فتنة، فابتسم بسعادة عارمة 

"يا لهوي على كسوفك اللي بيجنني… وبيخليني عايز…


وعض على شفته السفلى في محاولة للسيطرة على اندفاعه.

سألته بمكر مصطنع، وعيناها تلمعان بخبث بريء

"عايز إيه؟"


رمقها بنظرة غارقة في العشق، وأجاب بصوت متهدج بالهيام

"مخليني عايز أعمل كده" 


وانحنى ليقبل خدها بتؤدة، قبلة طويلة جعلت جسدها يقشعر بين يديه، ثم أردف

"وكده" 


وطبع قبلة أخرى بجوار شفتيها، يختبر مدى تقبلها، يختبر المسافة التي تسمح له أن يقطعها نحوها، وهي التي لم تألف بعد فكرة زواجهما، ولم تعتد بعد قربه بهذا الشكل.


لكنه فوجئ بعينيها تُغمضان في استسلام خجول، وبأنفاسها تتسارع، فارتفعت أنفاسه هو الآخر، واقترب أكثر حتى التقط شفتيها بشفتيه، قبلة غامرة حملت شوق مكبوت وحنين دفين. 


ترك يدها ليطوقها بذراعيه، وتسللت أنامله إلى خصلات شعرها خلف رأسها، يعمق قبلته، فبادلته إياها على استحياء ممزوج بالاشتياق، ومدت ذراعيها تحيط بجذعه، تعانقه بعناق دافئ حنون.


ابتعد قليلًا، وحدق في شفتيها متأملًا أثر قبلاته عليهما، فرآها تائهة في بحور عشقه، فاشتعلت رغبته في المزيد. 

 مد يده إلى تلابيب ثوبها، وفك الأزرار العلوية ببطء متعمد، ثم هبط بشفتيه على عنقها، يزرع القبلات نزولًا نحو كتفها، بالتزامن مع إزاحة الثوب وما تحته، حتى انكشف كتفها عاريًا.


أمطره بوابل من القبلات، وكلما لامست شفتيه بشرتها انتفضت بين يديه، تهمس باسمه بصوت مرتعش

"ياسين" 


توقف عن حركته ورفع رأسه، وسألها بهمس عاشق يتقد شوقًا

"نعم يا روح وقلب ياسين؟" 


عضت على شفتيها بحرج واضح، ففطن إلى سبب ارتباكها، حين وقعت عيناه على الندبة التي تزين كتفها، أثر الجرح القديم من الحادث الذي تعرضت له.


أمسك بطرف ذقنها، ورفع وجهها إليه حتى تنظر في عينيه، وقال بثقة وصدق

"مكسوفة ليه؟، ما قولتلك قبل كده مفيش بينا كسوف ولا حرج، أنا بعشق كل حتة فيكي، حتى الندبة دي شكلها حلو ومغري كمان" 


وضعت خصلاتها خلف أذنها، وقالت بصوت خافت

"أنا عارفة إنك بتجبر بخاطري، بس هي شكلها مش حلو خالص" 


ابتسم بثقة، وهز رأسه بنفي

"أنا عمري ما كنت منافق، بالعكس أكتر واحد صريح، وبقولك الندبة دي شكلها very s*e*xy" 


نظرت إليه بدهشة خجولة

"بجد؟" 


اقترب أكثر، وقال بنبرة مشاكسة

"بجد… حتى أثبتلك" 


فجعلها تستدير ببطء لتجلس وظهرها إليه، أزاح خصلات شعرها المنسدلة، وجمعها برفق ووضعها على كتفها الآخر، فانكشف كتفها العاري أكثر، يلمع تحت ضوء الغرفة كقطعة عاج مصقولة.


أمسك بعضديها بحنو بالغ، كأنما يخشى أن يؤلمها حتى بلمسة هواء، ثم انحنى وهبط بشفتيه على الندبة، يطبع عليها قبلة تلو أخرى، قبلات تحمل وعد العشق وصدق الاحتواء.


ومن بين كل قبلة وأخرى، ومن عمق أنفاسه المتلاحقة، همس لها بصوت مثقل بالشوق

"وحشاني أوي… واحشني ملمس جلدك… وحشاني ريحتك اللي زي اسمك… كلك فيكي وحشاني يا ياسمينتي" 


استدارت نحوه ببطء، وحدقت في عينيه لحظة صامتة، نظرة ممتلئة بما تعجز عنه الكلمات، ثم أغمضت عينيها في استسلام واضح، ففهم دعوتها الصامتة، وأدرك أنها تطلب منه قبلة أخرى تأسرها في عالمه.


لبى نداءها دون تردد، فالتقط شفتيها بشفتيه، قبلة دافئة عميقة، وفي الوقت ذاته كانت يداه تنسحبان بهدوء فوق كتفيها، تزيحان الثوب عنهما شيئًا فشيئًا.


لكن فجأة، شق سكون اللحظة صراخ صغيرتهما القادم من الغرفة المجاورة.


"ياسمينا!" 

ابتعدت عنه على الفور، وانتفضت بفزع  فهنا غلبها شعور الأمومة، وعدلت من مظهرها سريعًا، رفعت كتفي الثوب إلى موضعهما، وأغلقت أزراره على عجل.


قالت وهي تلتقط أنفاسها

"هاروح أشوفها" 

                         ❈-❈-❈


وغادرت الغرفة مسرعة، كأنما يطاردها نداء الأمومة قبل أن يبلغ مسامعها، لتدلف إلى غرفة ابنتها بخطوات متلاحقة. 

 لحق بها ياسين حتى عتبة الباب، ثم توقف هناك، يراقب المشهد في صمت مثقل بالقلق والترقب.


بينما هي فما إن وقعت عيناها على صغيرتها حتى انخلع قلبها وجعًا؛ وجدتها منزوية في أقصى زاوية من السرير، تضم ركبتيها إلى صدرها وتبكي بكاء مكبوت. 


اندفعت نحوها، وجلست على حافة السرير بحنان ولهفة

"مالك يا حبيبتي؟"


جاءها صوت الصغيرة متقطع من بين شهقاتها

"أنا آسفة… مش هعمل كده تاني" 


انعقد حاجبا ياسمين دهشة، ولم تفهم شيئًا مما تقصده ابنتها، فسألتها بلطف

"بتتأسفي على إيه؟" 


أشارت الطفلة بعينيها المرتعشتين نحو منتصف الفراش، فتتبعت الأم نظرتها، لتجد الملاءة مبتلة. 

 في لحظةٍ واحدة أدركت ما حدث، وشعرت بوخزة مؤلمة في قلبها، ليس بسبب الأمر ذاته، بل بسبب الخوف الذي ملأ قلب صغيرتها.


فتحت ذراعيها على مصراعيهما، وقالت بصوت دافئ يحتضن الكلمات قبل أن يحتضن الطفلة

"طب خايفة وبتعيطي ليه؟، وإيه يعني يا قلب ماما؟ تعالي متخافيش" 


توقفت الصغيرة عن البكاء شيئًا فشيئًا، وتسربت الطمأنينة إلى ملامحها، فاقتربت من والدتها وارتمت بين ذراعيها، ضمتها الأخري إلى صدرها وعانقتها عناق غامر، كأنها تحاول أن تذيب خوفها داخل قلبها.


"مش عايزاكي تخافي من حاجة أبدًا، وبعدين إيه يعني اللي حصل، ده غصب عنك، أنا هاخدك وندخل الحمام، نقلع الهدوم وناخد شاور حلو بمية دافية، ونلبس أحلى فستان، ونطلع نفطر مع بابا إيه رأيك؟" 


رفعت الصغيرة وجهها الباسم، وقد لمع بريق أمل في عينيها، وأومأت موافقة.

ابتسمت والدتها، وربتت على خدها بحنان

"زي القمر… ربنا يحفظك يا قلب ماما" 


ثم عانقتها مرة أخرى، وسألتها برفق

"انتي كنتي بتصرخي عشان كده؟" 


هزت الطفلة رأسها نفيًا، وقالت بصوت يحمل بقايا خوف

"حلمت بكابوس وحش أوي" 


ربتت ياسمين على ظهرها لتطمئنها

"خير اللهم اجعله خير، ما تخافيش يا حبيبتي، ده مجرد حلم وحش وراح لوحده، ما تفكريش فيه" 


ابتعدت الصغيرة قليلًا عن حضن والدتها، وقالت ببراءة موجوعة

"أنا كل يوم بحلم بيه يا مامي… بحلم برودي ماسكة تعبان وبتجري ورايا بيه عايزاه يقرصني، وبييجي عمو معرفش هو مين، بيشيلني وينقذني منها" 


شعرت بوخزة حادة في قلبها، أدركت أن ابنتها قد عانت أكثر مما كانت تظن، وأن تلك المرأة تركت في نفس الطفلة ندبة نفسية غائرة.


وفي تلك اللحظة، انتبهت إلى وجود ياسين عند عتبة الباب، كان واقفًا صامت، وعلى وجهه حزن ثقيل، وفي عينيه نظرة ندم موجعة؛ ندم رجل أدرك متأخرًا أن إهماله وثقته في امرأة غير جديرة بالثقة  كانا سببً في الكارثة التي تتكشف أمامه الآن.

ربتت زوجته على ظهر ابنتها في إيقاع حنون، ثم انحنت وقبلت خدها الصغير قبلة مطمئنة، وقالت بصوت دافئ يفيض بالأمان

"مفيش حاجة من دي هاتحصلك طول ما أنا وبابا معاكي، ما تخافيش، خليكي قوية… ويلا تعالي عشان أحميكي" 


ترددت الصغيرة لحظة، ثم نظرت إلى والدتها بحرج واضح وقالت

"لأ… أنا هاروح أخد شاور لوحدي، يا مامي أنا كبرت، و أنتي قولتيلي زمان عيب حد يشوفك أو تغيري قدام أي حد، حتى لو بابي ومامي" 


ابتسمت والدتها ابتسامة رضا وفخر، وربتت على شعرها برفق

" برافو عليكي يا روحي، طب روحي وأنا هحضرلك هدومك عقبال ما تخلصي"


ارتسمت على وجه الصغيرة ابتسامة حماسية

"أوك مامي" 


ثم اتجهت إلى الحمام بخطوات سريعة.

في تلك اللحظة دلف ياسين إلى الغرفة، فنظرت إليه ياسمين وسألته 

"طبعاً سمعت كل حاجة… وشوفت حالة البنت" 


أومأ برأسه وقال بنبرة جادة

"لازم ناخدها ونوديها لدكتور أو ثيرابيست عشان تتجاوز الصدمات النفسية اللي حصلتلها" 


هزت رأسها نافية، واخبرته بثقة هادئة

"علاج بنتنا مش محتاج دكتور، علاجها إننا نحتويها، وناخدها في حضننا ونطبطب عليها، ونعوضها عن كل المشاعر اللي كانت مفتقداها لما أنا مكنتش موجودة، وانت كنت مشغول عنها" 


خفض رأسه قليلًا، وقال بصوت مثقل بالندم

"أنا السبب… وندمان ندم عمري" 


اقتربت منه وربتت على كتفه بلطف

"كل ده نصيب ومكتوب، خلينا في دلوقتي، انت قرب منها زي ما قولتلك قبل كده، خلي علاقتكم اتنين أصحاب، وبلاش الشدة معاها، أنا عرفت باللي بتعمله معاها كل ما تلاقيها بتلعب مع أي ولد" 


رفع حاجبه وسألها

"اممم… ملك قالتلك صح؟" 


تنهدت وقالت بحزم 

"إحنا مش في مين قال دلوقتي، أنا أهم حاجة عندي البنت، بلاش تشد عليها وتخنقها، دي لسه طفلة" 


قطّب جبينه واخبرها بامتعاض

"الأطفال ما بقوش زي زمان، أنا شايف الولد اللي كانت بتلعب معاه ماسكها من وسطها" 


نظرت إليه بثبات قالت

"ما تاخدها على جنب وتفهم منها الأول، جايز انت فاهم غلط، واللي حصل غير اللي انت شايفه" 


زفر بضيق

"بقولك إيه، حبي لبنتي شيء، وتربيتي ليها شيء تاني، هي ما بقتش صغيرة وفاهمة كل حاجة، لازم تعرف من صغرها ما ينفعش تصاحب أي ولد ولا تكلمهم أصلًا، مش محتاج أفهمك" 


"لأ، أنا فاهمة كويس ودي مهمتي، هعرفها الصح من الغلط، وفي نفس الوقت هديها مساحة أمان إنها ما تخبيش عني حاجة، وأكون أمها وصحبتها، أنا عايزاها تطلع شخصيتها قوية، مش ضعيفة" 


تنهد وقال باستسلام

"ماشي، هاسيبلِك مهمة تربيتها، بس لو عملت أي حاجة غلط في يوم من الأيام، انتي المسؤولة قدامي" 


أومأت برأسها

"تمام" 


وظلت تحدق في عينيه لثوان، فتبدلت ملامحه من الجدية إلى تلك النظرات الدافئة التي اعتادت أن تراها حين يكونان بمفردهما، وقال بنبرة ذات مغزى:

"تعالي عقبال ما البنت تخلص، نكمل كلامنا اللي لسه ما خلصنهوش جوه" 


لكزته في ذراعه بخفة، ودفعته نحو الخارج 

"لأ، إنت تروح تتوضا وتصلي، ويلا عشان تفطر وتاخد العلاج" 


خرج وهو يلتفت إليها مبتسمًا

"واضح إني مش هربي ياسمينا بس… ماشي، ماشي، هاتروحي مني فين؟ لينا لقاء آخر يا بطل" 


وغمز بعينه، فأغلقت الباب في وجهه وهي تبتسم، تسلل الدفء إلى قلبها من حديثه ومشاكساته.


                         ❈-❈-❈

فتح لها باب الشقة وأشار بيده إلى الداخل قائلاً بنبرة مقتضبة

"اتفضلي" 


دلفت بتردد واضح، كمن يخطو فوق أرضٍ مجهولة الملامح، بينما تبعها هو وأغلق الباب خلفهما بإحكام. 

 ضغط زر الإضاءة، فانسكب النور على أرجاء المكان، كاشفًا عن شقة فاخرة، أثاثها راق، وتفاصيلها تنطق بالبذخ والترف، وكأن كل زاوية فيها تشهد على حياة مغايرة تمامًا لتلك التي اعتادتها.


م من جوارها، وهي ما تزال واقفة عند المدخل، وقال بنبرة آمرة

"واقفة عندك ليه؟، اتفضلي" 


دلفت خطوتين، تتلفت حولها بدهشة وحذر، فباغتها بقوله

"هاتفضلي هنا لفترة مؤقتة، وانسي إنك ترجعي شقتكم" 


اتسعت عيناها بصدمة عنيفة، قبل أن ينفجر صوته موبخًا إياها

"مصدومة ليه؟!، عايزة تروحي لأخوكي عشان يخلص عليكي؟!، ولا عشان يرجعلك الو… رامي ينطلك ويقعد يساومك يبعت الفيديو لمين؟!، هو خلاص فضحك عند أهلك، غير اللي بعتهولي، المرة الجاية هايطلعك تريند، ومصر كلها هاتعرف علاقتك بيه، بس بطريقة قذرة أوي" 


لم تستطع الرد، وكأن الكلمات تحجرت في حلقها، فانفجرت بالبكاء، تحاول التحدث من بين شهقاتها

"يعني أقاطع أهلي؟!، أنا غلطانة ومش هانكر، واستاهل كل كلمة قالها أخويا ليا، أنا مش ذنبي إني بنت لأب مستهتر وكل همه نفسه ويضيعنا معاه… بس أنا كنت مضطرة أتجوز الحيوان ده عشان بابا" 


رد عليها بغضب محتدم

"ومكنش ده الحل الوحيد اللي عملتيه، وفي نفس الوقت مش هقدر ألومك؛ لأنك كنتي صغيرة وقتها، بس العيب مش عليكي… العيب على أبوكي، وعلى الو… اللي استغل ظروفك واتجوزك عرفي، وصورك وإنتي معاه عشان يستغلك بعدين" 


مسحت دموعها بيدها وقالت بانكسار

"واللي حصل، حصل خلاص، أنا دلوقتي كل همّي ماما، ماما ما تستاهلش مني أي حاجة وحشة، خايفة عليها من الصدمة يحصلها حاجة، مش هاينفع أسيبها، لازم أكون جنبها" 


نظر إليها بحزم لا يقبل النقاش

"إنتي انسي تروحي بيتكم، أنا هابقى أطمنك عليها وهاخد بالي منها" 


رمقته باستفهام حائر

"تطمني عليها!، قصدك إيه؟" 


ظل ينظر إليها لثوان ثقيلة قبل أن يقول

"اعملي حسابك… كام يوم وهتسافري معايا" 


شهقت بدهشة

"هسافر؟!" 


"آه، هتسافري معايا على إيطاليا، وهخلصلك دلوقتي حوار الباسبور، بس قبل السفر عندي مشوار هاخلصه، وبعدها هاكتب عليكي ونسافر" 


اتسعت عيناها غير مصدقة، وسرعان ما ارتسمت على محياها ابتسامة أمل خجولة، امتزج فيها الفرح بالذهول، فسألته بتردد

"إنت… إنت هتتجوزني؟" 


حدق بها بوجه متجهم، أطلق زفرة ثقيلة، ثم قال ببرود قاس

"ما تفرحيش أوي، جوازنا مجرد حماية ليكي… مش أكتر من كده" 


تلاشت ابتسامتها، وعادت ملامحها إلى الصدمة والوجوم، وسألته بصوت مرتجف

"ولو قولت أنا مش موافقة؟" 


اقترب منها بخطى بطيئة، أخذت تتراجع إلي الوراء بتوتر ظاهر، ونبض قلبها يتسارع وعيناها ملعقتان به في ذعر صامت، إلى أن اصطدم ظهرها بالحائط، فارتدت شهقة مكتومة من صدرها دون إرادة.


توقف أمامها، قريبًا إلى حد خانق، فرفعت رأسها إليه، لتُفاجأ بملامح لم تألفها من قبل؛ ملامح قاسية، جامدة، تكسوها قسوة باردة، ونظرة مظلمة لا تعرف الرحمة طريقًا إليها. 

 وفي نبرة أجفلت روحها قبل جسدها، اخبرها

"ما هو إنتي لو موافقتيش، هايبقى مش قدامك غير طريقين مالهمش تالت… آخدك وأرجعك لأهلك ولأخوكي، وإنتي عارفة الباقي كويس، يا إما ترجعي عشيقة لرامي عشان ما يفضحكيش، بس ساعتها هيسهل بيكي شغله، ويقدمك لكل واحد شوية… ولا كأنك سلعة للي يدفعله أكتر، ها… هتختاري إيه؟"


كانت كلماته تنهمر عليها كسياط من نار، كل لفظ يهوي على روحها فتخلف فيها ندبة جديدة، وكل جملة تغلق باب آخر من أبواب النجاة.

                       

                            ❈-❈-❈


نهضت من جوار زوجها في هدوء ما بعد الظهيرة، بعدما قضيا معًا ليلة رومانسية مشبعة بالدفء والأنس، ليلة انسكبت فيها العاطفة كما ينسكب العطر في الأجواء، فتترك أثرها العالق في الروح قبل الجسد. كانت ما تزال تحت تأثير ذلك السكون اللذيذ، حين اخترق أذنيها صوت طرق خفيف على الباب.


ألقت نظرة سريعة على هيئتها، فوجدت أنها لا ترتدي سوى غلالة من الحرير والدانتيل، تنسدل على جسدها بنعومة، كاشفة عن معظم مفاتنه. 

انتفضت في مكانها، وبحثت بعينيها على عجل عن مأزرها، حتى وقعت عليه ملقى على الأرض.

  دنت منه، التقطته وارتدته بسرعة وهي تشد أطرافه حول خصرها.

 "مين؟"


جاءها الصوت من الخارج، صوت صغيرها الذي تعرف نبرته كما تعرف نبض قلبها

"أنا يوسف يا مامي"


التفتت نحو السرير، فرأت زوجها عاري الجذع، والدثار لا يغطي سوى نصف جسده، غارقًا في نوم عميق. 

 سارت بخطوات حذرة، فتحت باب الغرفة قليلًا، وظهرت أمام صغيرهازالذي رفع رأسه إليها، بينما كانت عيناه تتسللان بفضول إلى الداخل.

"بابي فين؟"


ابتسمت ابتسامة هادئة 

"بابا نايم"


مال برأسه قليلًا، وقال بمكر طفولي

"عايز أقوله حاجة مهمة"


"لما يصحى ابقى تعالِي قوله"


قطب ما بين حاجبيه باستغراب

"وانتي مش عايزة تدخليني ليه؟"


أجابته بفطنة

 "عشان بابي نايم، ومش عايزين نعمله أي إزعاج"


سألها بدهاء أشبه بالتحقيق

"وهو نايم لحد دلوقتي ليه؟، ومارحش الشغل؟"


تنهدت ثم قالت بنبرة ممزوجة بالحنان والمزاح

"ولد! بطل أسئلة يا لمض، روح ألعب في الجاردن تحت، على ما أغير هدومي وجيالك"


ظل صغيرها يتفحص ملامحها بتمعن، ولاحظ آثار الكحل حول عينيها، وحمرة ملطخة على شفتيها، فحدق بها قائلًا ببراءة 

"مامي… انتي ليه بوقك عامل كده؟، وعينيكي فيها أسود بايظ مخليكي شبه الـ witch…" الساحرة الشريرة" "


اتسعت عيناها وقالت محذرة

 "ولد!، اتلم يا يوسف بدل ما…"


قاطعها سريعًا وهو يضحك

 "سوري يا مامي، بهزر معاكي!"


ثم اقترب منها وطبع قبلة سريعة على خدها

 "هستناكي تحت في الجاردن"


وركض مبتعدًا وهو يضحك بمرح، 

أغلقت الباب خلفه وارتسمت على شفتيها ابتسامة دافئة، هزّت رأسها بخفة، وقد تسرب إلى قلبها ذلك الشعور اللطيف بالفخر والدهشة من ذكاء صغيرها وخفة ظله.


انتبهت إلى تململ زوجها، إذ بدأ يتقلب فوق الفراش، فتح عينيه ببطء وتثاءب تثاؤب طويل، قبل أن يبتسم لها ابتسامة وادعة وهو يقول بصوت مبحوح

"صباح الخير"


رمقته بنظرة ساخرة، وقد شبكت ذراعيها أمام صدرها، وقالت بلهجة لا تخلو من التذمر

"صباح إيه بس؟، إحنا داخلين على العصر يا باشمهندس، وإديني أول يوم شغل راح عليا بسببك!"


اعتدل في جلسته، ثم مد ذراعه مشيرًا إليها أن تقترب.

  ترددت لحظة، قبل أن تستجيب، فجلست فوق فخذيه، ليضم خصرها بذراعيه، ويقرب جسدها من جسده حتى تلاصقا، واخبرها بمكر

 "مين قالك إن أول يوم شغل ليكي ضاع؟ مش انتي السكرتيرة الخاصة بتاعتي؟"


"المفروض"


ابتسم ابتسامة ذات مغزى، واقترب بوجهه منها أكثر

"ومن واجب السكرتيرة تدلع مديرها… ومديرك بيقولك عايز من دلع امبارح على طول"


رفعت يديها وأمسكت بخديه بين أناملها، وقالت وهي تحاول التماسك

"مش هاينفع يا حضرة المدير، إنت فضلت مخلينا سهرانين لحد الفجر، والنتيجة صحينا متأخر، وكان نفسي أصحى بدري علشان ألحق أروح أول يوم شغل في ميعادي مظبوط"


رفع حاجبه مبتسمًا، واخبرها بمرح و جدية

"هو انتى صدقتي بجد حوار إني هاشغلك معايا؟"


رمقته بحدة ممزوجة بالدهشة


"يعني كنت بتضحك عليا؟!"


"يا حبيبتي، أنا بيدخلي يوميًا رجالة كتير، سواء موظفين في الشركة أو نواب شركات تانية بينا وبينهم شغل ورجال أعمال، وأنا بصراحة مش هاسمح مراتي تتعامل مع رجالة ولا حد يبصلك، وطالما الحمد لله ربنا كارمنا وفاتحها علينا، مالوش لازمة التعب، أنا عايزك معززة مكرّمة، وأي حاجة إنتِ عايزاها هاتيها، ومعاكي الكريدت، اصرفي منها براحتك"


استوعبت مغزى حديثه، فابتسمت بحنو، وأحاطت عنقه بذراعيها، وسألته بدلال

 "بتغير عليا أوي كده؟"


 "آه، بغير عليكي ومش عايز غير راحتك"


اقتربت بوجهها من وجهه، وقالت بعشق صافي

"وراحتي من راحتك يا حبيبي، أنا مش عايزة أي حاجة من الدنيا غير راحتك وسعادتك"


اتسعت ابتسامته بمكر، وقال وهو يغمز لها

 "طيب ما تيجي نكمل لعبة امبارح؟، بصراحة عاجبني جو السكرتيرة والمدير"


لكزته في كتفه بخفة

 "كفاية بقى يا حضرة المدير، كده مش هنخرج خالص النهارده من الأوضة، وبعدين ابنك عايز يقولك حاجة، ولو ما قومتش تاخد شاور ونزلتله، هيطلع يخبط علينا ومش هنخلص من أسئلته الفضولية"


هز رأسه متنهدًا

"مش عارف إيه الواد ده طالع لمين؟"


رفعت حاجبها باستنكار

"قصدك مين يعني؟"


ضحك وقال:

"طالع زي مرات خاله شيماء"


"لو سمعتك إنت حر، وكويس فكرتني بيها، عايزة أكلمها أطمن عليها، على ما إنت تاخد شاور، هأخلص كلامي معاها وهادخل بعدك"


مدت يدها نحو وحدة الأدراج جوار السرير لتلتقط هاتفها، لكنه باغتها، أمسك يدها، ثم نهض فجأة وحملها بين ذراعيه.

 "فوكك من شيماء دلوقتي… وتعالي ناخد شاور"

                          ❈-❈-❈

جلست صبا في قصرها، وعيناها تتجولان على شاشة الحاسوب حيث تابعت بدقة التقارير التي أرسلتها مساعدتها، كل وثيقة وكل رقم يخفق قلبها حماسًا، فيما أصدر الهاتف إشعار جديد. 

 رفعت الجهاز لترى من المرسل، وإذا برسالة من شركة أزياء شهيرة في قلب فلورنسا الإيطالية. 

  ارتجف قلبها، وأخذت تتنفس بصعوبة من فرط الدهشة والحماس، وعيناها تلمعان، وفمها لا يكاد يصدق الخبر.

وضعت الحاسوب جانبًا، أمسكت بهاتفها وبدأت تقرأ محتوى الرسالة، وكل كلمة تتسلل إلى قلبها فتجعله يرقص طربًا، والشوق إلى الرحلة المقبلة يملأ صدرها.

في تلك اللحظة، سمعت صوت باب الغرفة يُفتح، فاستدارت بفزع لتجد زوجها قد وصل لتوه من الخارج، فصرخت بفرح وتهليل

"قيصو، ألحق يا قيصو"


ارتبك هو من حماسها الغريب، اقترب منها بخطوات سريعة وسألها بقلق

"إيه يا صبا؟، مالك يا حبيبتي؟"


احتضنت عنقه، ووجهها يفيض إشراقًا، وقبلته على خديه وهي تقول بفرح لا يُقاوم

"يا وش السعد عليا، حبيبتك جالها أكبر عرض وأهم صفقة، ومع أكتر شركة البراند المفضل عندي، بص بعتوا لي دعوة أسافر الأسبوع الجاي ليهم"


ابتسم زوجها وهو يقرأ الرسالة على الهاتف، ويداه تحاوطان وجهها برقة

"ألف مبروك يا روحي"


ثم اقتنص قبلة خاطفة من شفتيها، 

ردت بابتسامة عريضة، عيونها تلمع:

"الله يبارك فيك يا قلبي، ما تيجي نعجل السفر ونخلي داده زينات تحضر معايا شنط السفر ونطلع بكرة على الطيارة الخاصة؟"

هز رأسه بهدوء وبتأني يخبرها 

"مش هاينفع دلوقتي، لازم أظبط أموري الأول، خلاص السفر الأسبوع الجاي مضمون"


عبست  وزمت شفتيها بعناد

"مش هاينفع ليه؟!، احنا هنسافر على طيارتنا الخاصة، مش مقيدين بحجز، بقولك يا حبيبي دي صفقة العمر، اسم البراند بتاعي لما يقترن باسمهم هاينقل شركتي لمستوى تاني خالص"


ربت على كتفها بحنان

"عارف يا روحي، بس عايزك تصبري كام يوم، فيه مناسبة عائلية قريب، هنحضرها، وبعدها نسافر علي إيطاليا"


رفعت حاجبيها بتعجب

"مناسبة عائلية!، يوسف وعلياء اتصالحوا؟"


هز رأسه بالنفي، فسألته بفضول

"أومال إيه هي المناسبة؟"


ابتسم وهو يختفي بهدوء إلي غرفة الثياب

"ده مفاجأة هتعرفيها يومها لما نروح القصر"

توجهت هي خلفه، لتجده يخلع سترة البدلة ويفك ربطة عنقه، وكاد أن يبدأ بفك أزرار قميصه، أسرعت هي بدلًا منه، تفك الأزرار بتؤدة ودلال

"قيصو يا حبيب قلبي، مش هتقوللي إيه هي المفاجأة؟"

رمقته بنظرة مليئة بالإغراء، حتى انتهت من فك جميع الأزرار وخلعت له القميص، فانحنى مبتسمًا بمكر وأمسك كتفيها، اقترب من أذنها بشفتيه يهمس بنبرة تبعث قشعريرة في جسدها

"لو عايزة تعرفي المفاجأة، اجتهدي شوية"


عاد معتدلًا أمامها، وغمز لها بعينه، فتدركت مغزى مطلبه، وابتسمت بخفة وعيون تلمع، جلست على مقعد جلدي  عينيها تتأمله، كل حركة له تحمل ثقلاً من الإغراء والرجولة، والجاذبية التي لا تقاوم. 

 

 همست بدلال يغوي الزاهد

"تعالي، قرب"


اقترب، فنهضت وجعلته يجلس علي المقعد وجلست هي على فخذيه، احاط بذراعيه خصرها برفق، والدفء يغمر جسديهما معًا،  همست باغراء ودلال سافر

"تعرف أنا نفسي في إيه دلوقتي؟"


رمقها بعينين تفيضان عشقًا، وابتسم بتلذذ

"و أنا كمان نفسي في اللي نفسك فيه"

لامست وجنتاه وجنتيها، عانقها بحنان نحو صدره، فشعرت بدقات قلبه تتسارع، ونبضه ينساب إلى قلبها، فأغمضت عينيها واستسلمت للدفء الذي يغمرها. 

 

 مدت يدها إلى صدره، تمرر أصابعها فوق الجلد حتى شعرت بالقوة والأمان، ثم أمالت رأسها لتهمس

"مش أنا صبا قلبك وروحك؟"


"انتي كل حاجة ليا"

امتزجت أنفاسهما، ثم لمست شفتيه بشفتيها في قبلة قصيرة أولًا، لكنها تحولت سريعًا إلى قبلة أطول، أكثر حرارة، كل منها يغذي الآخر بالشغف والحنان، والقلبين ينبضان سويا في انسجام غريب.


تراجعت قليلاً، وعيونها تلمع بالشوق والجرأة، قالت بصوت منخفض مرتعش

"كل مرة بتلمسني… قلبي يطير من مكانه"


مرر أصابعه بين خصلات شعرها، يضغطها برفق على صدره، كأن كل جزء منها صار امتدادًا له. قالت هي متلعثمة

"أنا عايزاك دلوقتي"

 استسلم لسحرها، وكل منهما يشعر أن العالم كله يتوقف حينما يكونان معًا، في حضن واحد، وقلب واحد، ونظرة واحدة تكفي لتعبر عن كل ما يختزنانه من شغف وعشق وحرارة لا تنتهي.


وعلى الجهة الأخرى، في أروقة إيطاليا البعيدة، كانت شاشة الحاسوب أمام الشاب مضاءة بألوانها الباردة، تسطع عليها الرسالة الواردة لصبا. 


ارتفع صوت أنثوي ناعم، مفعم بالسيطرة والثقة، من خلفه، مخاطبًا الشاب بصوت حاد الوقع

"هل ابتلعت الطُعم؟"


رفع الشاب رأسه، وأجاب بصوت منخفض، دقيق، يعكس الانضباط والجدية

"أجل سيدتي… فبمجرد أن فتحت الرسالة والرابط المرفق بها، أصبح هاتفها وكل محتواه تحت سيطرتنا، وكل إجراء أو تحرك تقوم به سيكون على مرأى ومسمع منا، هل هناك أمر آخر، سيدتي؟"


ابتسمت المرأة ابتسامة امتزجت بالانتشاء

"لا، فدورك قد انتهى هنا، وسأتولى أنا أمر القادم"


يتبع...

#الفصل_الخامس_والثلاثون_الجزء_الثاني

#غرام_الذئاب

#الجزء_الرابع_من_سلسلة_صراع_الذئاب

#ولاء_رفعت_علي


ما زالت رهف تمسك يده، فإذا بالباب يندفع على مصرعيه، ويطل ابن شقيقه بلهفة، مرددًا

 "بابا أحمد"

وخلفه دخلت علا لتطلع على ما يحدث

، حينها سحب أحمد يده فورًا وقال بتوتر

 "طيب يا آنسة رهف، اتفضلي أنتي دلوقتي، والإدارة هايتواصلوا معاكي"


ثم التفت إلى الصغير، واحتضنه بابتسامة دافئة

 "حبيبي، نورت الشركة أنت وماما"


رمقت رهف علا من طرف عينيها، فوجدتها تقف صامتة، تراقب المشهد بهدوء، فمسحت دموعها الزائفة سريعًا وابتسمت.

 "يعني أنا كده خلاص هاشتغل في الشركة وحضرتك موافق؟"


أومأ برأسه

 "أه"

 "ميرسي يا أحمد بيه… مش عارفة أشكر حضرتك إزاي، روح أختي الله يرحمها كانت دايمًا بتحكيلي عنك، وعن شهامتك وقد إيه أنت جدع"


نظر إلى علا، فوجدها ما زالت على حالها، فاقترب منها مبتسمًا

"أهلاً وسهلاً يا حبيبتي… تعالي لما أعرفك بآنسة رهف"


وأمسك يد علا، وأضاف

 "الآنسة رهف تبقى…"


قاطعته زوجته قائلة

 "تبقى أخت روح، مرات أخوك حازم الله يرحمه"


نظرت إلى رهف بابتسامة باهتة

 "أهلاً يا رهف"


تبادلت علا النظرات معها، وتظاهرت بتجاهلها، فاخبر أحمد رهف وهو يضم زوجته تحت ذراعه

 "علا تبقى مراتي"


ابتسمت الأخرى إلى علا، ومدت يدها لتحيتها

 "أهلاً مدام علا"

لكن الاخرى تجاهلت يدها الممتدة، ووجهت حديثها إلى أحمد

 "تصور يا حبيبي، مكنتش عارفة عنوان الشركة، واللي قالي عليه حمزة… قولنا نيجي نعملك مفاجأة، بس شكلك مشغول"


ابتسم بحرج وقال

 "أحلى مفاجأة"


ثم نظر إلى رهف

 "اتفضلي يا آنسة رهف، وزي ما قولتلك…"

جزت على أسنانها، أخفت شدة غيظها، وقالت بمكر ودلال

 "تمام يا مستر أحمد، عن إذنك… باي"


نهضت وغادرت، فصفقت علا الباب خلفها، ووقفت تقلدها بصوت مضحك

 "تمام يا مستر أحمد، عن إذنك… باي"


نظرت رهف بامتعاض، وقالت

 "بت باردة"


انتبهت علا لضحكات أحمد، فالتفتت إليه رافعة إحدى حاجبيها

 "بتضحك على إيه؟، وإيه اللي جاب البت دي هنا؟"


اقترب منها، أمسك يدها بحنان

 "تعالي نقعد بس الأول، وهاقولك كل حاجة"


جلسا معًا على الأريكة الجلدية، فانسابت كلماتها بسخرية غيرة

 "ها، اتفضل قول… سمعاك، المرة دي مامتك قلبت في الدفاتر القديمة واكتشفت إن لحبيبتك القديمة أخت توأم، وجابتهالك الشركة عشان تشوفها وتحن للماضي!"


توقف لحظة يتأمل حدة كلماتها، ثم قال بنبرة يغلبها التفكير

"تصدقي ممكن جدًا… ما شاء الله بقيتي حافظة أمي أكتر مني"


ابتسمت ابتسامة جانبية هازئة

"من عاشر القوم يا حبيبي، ومامتك مش هيهدى لها بال غير لما تبعدك عني… فياريت البت دي تمشيها أحسنلك"


تنفس بعمق، محاولًا تهدئة نبرته

 "اهدي يا علا، مفيش حاجة هتحصل من اللي في دماغك، وبعدين أنا سألت عنها، طلعت ظروفها مش قد كده، ولجأت لأمي عشان تشتغل"


اتسعت عيناها بدهشة تهكمية 

"وأنت صدقت؟"


 "لو مش مصدقاني، هناك الملف على المكتب، واحد من رجالتي جابلي فيه كل حاجة عنها، غير إنها أصلًا اتعينت فعلاً، بس كنت هاعمل معاها مقابلة هي وباقي الموظفين اللي اتوافق عليهم عشان أمضي على عقودهم ويبدأوا الشغل"


 "يعني أنت وافقت خلاص إنها تشتغل هنا؟"


 "وفيها إيه؟ هي هتشتغل في قسم التسويق، يعني أخري هشوفها في الاجتماعات وبس"


 "طب ما تشوفلها شغل في مكان تاني أحسن"


نظر إليها بتفحص هادئ

 "مش معقول يا علا… إنتي غيرانة منها؟"


نهضت فجأة، وكأن شرارة اشتعلت في صدرها

 "هي مين دي اللي غيرانة منها؟، دي مجرد شكل، لكن سبحان الله مفيهاش ريحة القبول، بس مستغربة موقفك، لأن الأمر واضح زي الشمس قصاد عينك… البت دي جايباها مامتك كمحاولة من محاولاتها اللي ما بتخلصش"


زفر بضيق دفين

 "وأنا عارف من غير ما توضحيلي، بس المفروض تكوني فاهمة وعارفة اللي في دماغي"


 "فاهمة وعارفة… أنت هتمشي خطة مامتك وتحسسها إن الموضوع دخل عليك، لحد ما تجيب آخرها، طالما الموضوع مفيهوش أذى ليا ولا لابني، صح؟"


ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه إعجابًا بذكائها

 "ما انتي ما شاء الله ذكية وفاهمة كل حاجة أهو… ليه بقى عايزاني أمشي البنت من الشركة؟"


أشاحت بوجهها بعيدًا

 "مشيها وخلاص"


نهض، وألقى نظرة سريعة على الصغير، فوجده غارقًا في لعبه على اللوح الإلكتروني، فاتجه نحو زوجته وأدارها برفق لتواجهه

 "يعني كان عندي حق لما قولتلك غيرانة"


 "مش غيرانة… أنا…"


قاطعها بنبرة آمرة ناعمة


 "بصي لي"

رفعت عينيها إليه، فحدق بها وسألها

 "بتثقي فيا؟"


 "واثقة فيك طبعًا، بس معنديش ثقة في اللي حواليك، عشان خاطري ريحني ومشي البت دي من هنا"


 "عينيا… بس مش دلوقتي، هخليها هنا فترة مؤقتة، وما تقلقيش عليا، مفيش واحدة قدرت تخطفني غيرك، إنتي اللي خدتي قلبي من أول مرة شوفتك"


داعب شفتيها بإبهامه، ثم مال وهمس بالقرب من أذنها حتى لا يسمعه الصغير

 "إنتي وحشاني"


ابتسمت بخجل

 "وأنت كمان وحشني… عشان كده جيتلك أنا وحمزة"


ابتسم بمكر محبب

 "بس أنا اشتياقي ليكي مش إني عايز أشوفك وبس"


رمقته بابتسامة تحذيرية

 "بس بقى… حمزة معانا"


"ما تيجي نمشي ونروح نتغدى، وبعدها نكمل كلامنا في شقتنا"


 "طب وشغلك؟"


 "في داهية أي حاجة، المهم إنتي… اتفقنا؟"


 "اتفقنا"


 "يبقى يلا بينا"


اتجه نحو مكتبه والتقط متعلقاته

 "يلا يا حمزة، هات إيدك يا بطل"


أمسك الصغير يد عمه، بينما اثنى ذراعه الآخر لتتشبث زوجته بساعده. 

 "وإنتي يلا حطي إيدك"


فعلت ما أمرها به، وسارت إلى جواره، كأنها تسير في حمى أمان لا يخترقه شيء.

غادر الثلاثة المكان يسيرون جنبًا إلى جنب، متجاورين في هيئة أسرة متماسكة، تكسو وجوههم السعادة. 


مروا أمام الموظفين جميعًا، تتبعهم نظرات الفضول والإعجاب والدهشة، غير أن عين واحدة كانت ترصدهم من زاوية بعيدة، تلك التي وقفت في الظل مختبأه، رفعت هاتفها بيد ثابتة ظاهريًا، وضبطت الكاميرا، ثم التقطت لهم صورة. 

أرسلتها فورًا إلى السيدة شيريهان، وأرفقتها برسالة نصية مقتضبة تخبرها بما جرى. 


لم تمض ثوان حتى فُتحت الرسالة، 

وقعت عينا شيريهان على الصورة، فتبدلت ملامحها في لحظة؛ تصلبت عضلات وجهها، وانقبض فكها، وصرت على أسنانها بحنق مكبوت، قبل أن تنطق بصوت مشحون بالوعيد والسم

"لما نشوف مين اللي كلمته هاتمشي في الآخر… يا أنا يا الخدامة"


لم تُهدر الوقت، قامت بالاتصال بداليا وانتظرت حتى جاءها الصوت من الطرف الآخر.


"ألو… مدام شيري"


قالت ببرود يخفي تحته عاصفة

"الظاهر خطة توأم روح مش هاتجيب نتيجة، كده مقدمناش غير اللي انتي قولتي عليه، وياريت تنفذي في أقرب وقت… بس تديني خبر قبلها، وزي ما اتفقنا، ابني وحفيدي بعيد عن أي حاجة هاتحصل"


جاءها الرد سريعًا بقة خالية من التردد

"اطمني يا شيري، أحمد وحفيدك في عينيا"


تنفست الأخرى بعمق، وكأنها تستعيد شيئًا من سيطرتها، ثم قالت بحزم قاطع

"تمام… خدي بالك، وهاستني منك تليفون سلام"

                          ❈-❈-❈


وصلت الطائرة الخاصة من القاهرة إلى أرض مدينة روما الإيطالية، هبط كنان في المقدمة، وتبعه رجاله خلفه بخطوات منظمةوهادئة على أرض المهبط.  


أخرج هاتفه، واتصل بصديقه الإيطالي 

"ألو… مارك، اشتقت لك يا صديقي"


سمع صوت مارك بين موسيقي عالية تصدح من الملهى

"وأخيرًا كنان… لقد ظننت أنك قد نسيتني يا رجل، عندما لم أجد رداً منك على رسالتي"


لم يسمع الأخر الكلمات الأخيرة بصعوبة، إذ غطت الموسيقى الصاخبة على الصوت، فأعاد التكرار بعزم

"مارك… ماذا تقول؟، لا أسمعك جيدًا"


بحث مارك عن مكان هادئ قليلًا، حيث يخف ضجيج الأصوات 

"معك كنان، هل تسمعني الآن؟"


رد الأخر واخبره

"أنا الآن في المهبط الخاص بالطائرات، قد وصلت للتو أنا ورجالي"


سأل صديقه بدهشة وسعادة

"هل أنت في روما الآن؟"


"أجل"


"أنتم على مقربة من الملهى، سأرسل لكم سيارات خاصة تأتي بكم إلى هنا"


ابتسم كنان، وأجاب بثقة وحزم

"أنا قادم، لكن رجالي يحتاجون إلى الراحة، فلديهم عدة مهام غدًا"


رد الأخر بلا تردد، صوته يفيض بالاهتمام والصداقة

"حسناً يا صديقي، سأرسل لك سيارة لتقلك إليّ"


لبى الأخر دعوة صديقه الإيطالي إلى الملهى الليلي الخاص به، ذلك المكان الملئ بالأضواء الملونة والموسيقي الصاخبه. 

جلسا متقابلين يتبادلان أطراف الحديث، أحاديث حول عمل كل منهما، بينما كان كِنان منصت، توقف صديقه عن الحديث ثم مال نحوه وسأله بالإيطالية معاتباً إياه

"لماذا لم ترد على الرسالة التي بعثتها إليك منذ أيام؟" 


انعقد حاجبا الأخر بتعجب، وارتسمت الدهشة  على ملامحه، قبل أن يجيبه بصوت خافت

"عن أي رسالة تتحدث؟" 


تأمله الآخر لحظة، فاخبره

"لقد أرسلت إليك عبر بريدك الإلكتروني صورة لزوجتك الروسية؛ فهي تتردد منذ أيام على هذا الملهى، برفقة لوكاس ألبيرتو مدلل عائلة دي ستيفانو" 


تفاقم العجب في صدر كنان، وانساب القلق إلى داخله، يفكر كيف لم ير  الرسالة؟، فإذاً من الذي قام بفتحها غيره؟!، وأدرك للتو ربما تكون زوجته قد رآتها، اتسعت عينيه وانتبه إلي نداء الأخر

"كنان؟" 


 نظر إليه وأخفى اضطرابه خلف ابتسامة شاحبة، أجاب بهدوء بدا مصطنع

"معك، بالمناسبة لم تعد زوجتي، لقد انفصلت عنها" 


همّ أن يردف قولًا، غير أن بصره انجذب قسرًا إلى ساحة الرقص، فها هي هناك، 

ترقص في الوسط، متلاصقة مع هذا المدعو لوكاس، تتراقص بجرأة عارية من الحياء، تتلوى بجسدها كأفعى بارعة في فن الإغواء علي إيقاع الموسيقي، وتهبط الأضواء علي ملامحها.


بينما هو أفلت الكأس من بين يده، تركها على الطاولة دون وعي، ونهض واقفًا يحدق بها في ذهول وصدمة، كأن الزمن قد توقف الآن. 


و ما أن انتبهت إليه توقفت فجأة عن الرقص، التقت نظراتهما معاً، تسلل الخوف إلى ملامحها، شحب وجهها، واضطرب جسدها، وعندما هم بالتحرك نحوها بخطوة واحدة، لم تنتظر، استدارت على عجل واندفعت هاربة خارج الساحة، تشق طريقها بين الجموع قبل أن يدركها أو يلحق بها.


دلفت إلى حمام النساء بخطوات مترددة، فما إن تجاوزت العتبة حتى أبصرت رجلًا وامرأة يخرجان من أحد الأبواب المغلقة، وعلى وجهيهما ارتسم توتر فاضح، رمقتهما بارتياب وتنحت جانباً. 


أغلقت الباب خلفهما بيد مرتعشة، بينما صدرها يعلو ويهبط في اضطراب، ثم اتجهت نحو المرآة، تحدق في انعكاس وجهها الشاحب، تردد داخل رأسها، أحقًا رأته؟ أم أن الوهم قد تلاعب ببصرها؟!


تمتمت بصوت متهدج يتهادى بين الهذيان والهلع

"إنه هو، بل هو بالفعل… يا إلهي، ماذا أفعل؟ هذا ليس وقته على الإطلاق"


رددت الكلمات بجنون ، أخذت تلتقط أنفاسها رويدًا رويدًا حتى استكانت قليلًا، وقالت بحزم

"يجب أن أغادر الآن دون أن يراني"


خرجت بحذر شديد، تلتفت من حولها بخوف وكأنها تهرب من شبح، تعبر ممر يفضي إلى آخر، حتى بلغت رواق طويل يقود إلى باب الخروج، غير أن بالفعل الشبح الذي تخشاه، خرج أمامها بغتة كالعفريت المنبثق من العدم.


انتفضت بفزع هادر

"كنان؟!"


أجابها بالإنجليزية، وعلى ثغره ابتسامة ساخرة

"أجل أنا، لم أنتِ خائفة إلي هذا الحد؟"


ابتلعت ريقها بصعوبة، وتراجعت خطوة إلى الخلف وقد ارتجفت أطرافها

"أنا غير خائفة، ولكنني تعجبت لرؤيتك هنا… متى أتيت؟"


رمقها بازدراءٍ بارد

"هذا ليس من شأنك، كل ما أريده منك إجابة عن سؤال واحد، لماذا تركتني واختفيتِ منذ سنوات؟"


وبالطبع لم تُفصح عن الحقيقة خشية من ردة فعله؛ فحسبها ما تلقته على يديه من اعتداء عنيف قبل أن تهرب منه، لذا آثرت الاحتماء بتلك الحيل التي لا تكل ولا تمل من الالتجاء إليها.


فأجابته بحزن عميق، وعيناها تنضحان بشعور الظلم الموجع الزائف

"كنت خائفة… خائفة منك، كدت تقتلني عندما اعتديت عليَّ عنوة، هل تعلم أنني بسببك تلقيت علاج مكثف لأشهر حتى تماثلت للشفاء؟، عانيت من الكوابيس لسنوات، وكنت أراك في أحلامي وأنت تعذبني، فهل علمت الآن لِمَ هربت؟!"


وسرعان ما تجمعت الدموع في عينيها، ثم أطلقت لها العنان، فانهمرت على خديها ورسمت علي ملامحها مشاعر القهر والخذلان.

وقف يراقب ما تفعل بعينين ثابتتين، وقد انكشفت له حقيقتها؛ فلم يعد ذلك الأحمق الذي يبتلع أكاذيبها كما كان في السابق، ولم يعد ذلك الساذج الذي يُساق خلف دموعها الزائفة كعبد مسلوب الإرادة. 

 ومع ذلك، كان ثمة شعور دفين يكابده بصمت مرير؛ نزعة جامحة تدعوه إلى أن يجذبها بين ذراعيه ويطبق عليها بعناق قاس، غير أنه قهر تلك النزوة قبل أن تولد، حيث اعد الاستسلام لها خيانة فادحة لزوجته التي أحبها، تلك التي امتلكت فؤاده واستوطنت أعماقه بلا منازع.


لكن كيف لإنسان أن يقاوم كتلة الإغراء الماثلة أمامه، وهي التي كانت يومًا ما زوجته!، كيف له أن يطفئ شرارة الذاكرة وهي تتقد في صدره كجمر لا يخبو؟!، فاستنجد بالغضب واتخذه سلاحًا ليقتل به أي انجذاب قد يفضحه ويجعله خائن. 


مد يده فجذب خصلاتها التي انسابت بين أنامله كخيوط حرير ذهبية، فصاح من بين أسنانه بصوت محتقن

"كاذبة لعينة، سأخبرك بسبب هروبك الحقيقي؛ لأنك لم تستطعِ بلوغ هدفك الأساسي، هوسك وجنونك بقصي جعلاكِ مجرد عاهرة تتنقلين بين الرجال، وأنا كنت كالأحمق والأبله مثلهم يومًا ما"


أمسكت بذراعه تحاول إبعاد يده عن شعرها، وقد اشتعل الغضب في عينيها بالمثل، وقالت له بحدة لاذعة

"اترك شعري يا أحمق، لم أعد تلك المرأة القديمة، كانت مجرد مرحلة قذرة ولت من حياتي، وها أنا الآن حرة نفسي، لم أكن يومًا ملكًا لأي لعين من أمثالك، تبًا لك"


ثم بصقت في وجهه بكراهية صريحة، 

أطبق شفتيه في محاولةٍ واهية لكبح جماح غضبه الضاري، ومسح لعابها عن خده ببطء متعمد، بينما عيناه تقذفان ألسنة من لهب.


لكنها لم تكتفِ بذلك، بل دفعت به عمدًا إلى حافة الانفجار حين قالت بسخرية حادة، لا يحتملها أي رجل مهما بلغت قوة صبره

"أتدري؟، لم أرك يومًا رجلًا، بل كنت وما زلت مجرد تابع لسيدك، تنفذ الأوامر كجارية تسعى لإرضاء سيدها"


وختمت كلماتها بابتسامة تشف وانتصار، ظنت أنه سيتركها ويرحل، غير أنها فوجئت بصفعة مدوية هوت على خدها، فصرخت من فرط الألم وارتطم جسدها بالحائط. 

 لم يمهلها فرصة لالتقاط أنفاسها، إذ عاجل خدها الآخر بصفعة مماثلة، جعلتها تترنح ثم سقطت أمام قدميه على الأرض.


دنا منها، فهبط على عقبيه، قبض على خصلاتها مجددًا ورفع رأسها عنوة لينظر إلى وجهها. 

رأى الدم يسيل من جانبي شفتيها، فقال بسخرية قاتلة

"نعم، أنا بالفعل لم أكن رجلًا عندما تزوجتكِ، وقبلت بعاهرة رخيصة مثلك، ظننت بكِ الخير حينها، لكنكِ أشبه بمرحاض مخصص للرجال، يقضون فيه حاجتهم ،أتعلمين أيضًا؟، لقد طلقتكِ"


أخرج محفظته الجلدية، واستخرج منها ورقة مطوية، فتحها ثم ألقاها في وجهها بازدراء.

"هذه قسيمة طلاقكِ، أعلم أنها لا تعني لكِ شيئًا، فأنتِ تفعلين ما يحلو لكِ سواء كنتِ متزوجة أم لا، لكنني لا يليق بي أن أترككِ على ذمتي؛ فأنتِ عار على أي رجل"

ثم بصق عليها بازدراء بالغ، واستدار ليرحل من هذا المكان قبل أن يستولي وحش غضبه عليه بالكامل.


                            ❈-❈-❈

بعد مرور أيام…

استفاقت من نومها على فراغ بارد إلى جوارها، فمدت يدها تتحسس الوسادة المجاورة، فلم تجد دفء الجسد الذي اعتادت أن تطمئن به صباحاً. 

 انتفض قلبها في صدرها بخفقة قلقة، ونهضت على عَجل، تجوب أرجاء الغرفة بعينين ما زالتا مثقلتين بالنعاس والريبة معًا.


نادته بصوت خافت أول الأمر، ثم علا شيئًا فشيئًا

"ياسين… ياسين؟!"


لم يجبها أحد، خرجت من الغرفة بخطوات مترددة، واتجهت نحو غرفة ابنتها، فتحت الباب فلم تجد الصغيرة، ولا وجدت أثرًا لزوجها. 

  ازدادت دقات قلبها تسارعًا، وأمسكت هاتفها بيد ترتجف قليلًا، واتصلت به. 

 رن الهاتف طويلًا دون رد، أعادت المحاولة مرة ثانية وثالثة، فكان الصمت هو السيد.


تسلل القلق إلى صدرها وكادت تستسلم له، حين دوى جرس الباب فجأة، فانتفضت في مكانها.


التقطت حجابها على عجل، واتجهت نحو الباب، ونظرت من خلال فتحة الباب الزجاجية، فرأت ملك وخديجة تقفان في الخارج. 

  تنفست بارتياح نسبي، وفتحت الباب.


ابتسمت ملك وقالت بمشاكسة

"صباح الخير يا عروسة، لسه نايمة ولا إيه؟"


بادرتها خديجة بتوبيخ خفيف وهي تلكزها في جنبها

"يا بنتي الناس تدخل تقول السلام عليكم"


لوحت ملك بيدها بلا مبالاة، وقالت بسرعة

"مش وقت سلام ولا كلام، ادخلي يا ياسمين غيري هدومك بسرعة وتعالي يلا معانا"


حدقت الأخرى فيهما بتعجب واضح

"ألبس وأروح معاكم فين؟، أخوكي مش هنا ومش بيرد عليّا، وما ينفعش أخرج من غير ما أقوله… وبعدين أنا مش لاقية ياسمينا"


تبادلت ملك وخديجة نظرة خاطفة، ارتسمت على شفتي ملك بعدها ابتسامة مكتومة، ثم قالت

"ياسمينا زمانها بتلعب مع بناتي في القصر، ماتقلقيش، وبعدين ياسين عارف أصلًا إننا عندك، وهو اللي قالنا هاتوها وتعالوا على القصر"


عقدت ما بين حاجبيها في ريبة

"طيب ليه ما قاليش؟، هو فيه حاجة؟"


كادت ملك أن تنطق بكل ما تعرفه، فانفلت منها

"ده فيه حاجات و…"


لكن خديجة سارعت بوكزها بمرفقها في عضدها بقوة نسبية، فتأوهت

"آه دراعي، براحة شوية يا ديجا، حرام عليكي، وجعتيني أوي"


مالت الأخرى نحوها وهمست بصوتٍ منخفض لا يصل إلى مسامع ياسمين

"عشان تبطلي رغي، ياسين موصينا إنها مفاجأة، وانتي هتبوظي كل حاجة، اسكتي بقى"


ثم التفتت إلى ياسمين، ورسمت على وجهها ابتسامة هادئة وقالت

"روحي يا ياسمين غيري هدومك، وإحنا مستنيينك هنا"

خرجت بعد أن أبدلت ثيابها، وذهبت مع ملك وخديجة، فركب الثلاثة السيارة التي يقودها عم شكري السائق، وانطلقت بهم السيارة عبر بوابة القصر الواسعة، حيث سقطت عيناها على منظر نابض بالحياة؛ فتيات وشباب يكدون على ترتيب الطاولات والمقاعد بعناية ودقة، كل شيء معد بعناية فائقة لإبهار الحضور.


لم تتمالك نفسها فسألت بفضول

"هو النهارده بتحتفلوا بحاجه؟"


كادت ملك تنطق بالشرح، لكن خديجة سبقتها قائلة بابتسامة غامضة

"هاتعرفي كل حاجة، يلا ننزل"


ولم تمضِ لحظات حتى نزل الثلاثة من السيارة، فإذا بالخادمات يستقبلنهم بالتحية والترحاب، لا سيما ياسمين، إذ تقدمت نحوها أحدهن قائلة بفرح وتهنئة

"ألف مبروك يا مدام ياسمين"


حدقت الأخرى فيهما بتعجب، وصوتها يملؤه الحيرة

"ألف مبروك على إيه؟، حد يفهمني… هو إيه اللي بيحصل؟"


مسكت ملك وخديجة يد ياسمين، وقادتاها بخطوات ثابتة إلى غرفة واسعة خصصت لها هذا اليوم لتجهز نفسها.


ومجرد دخولها الغرفة، وجدت حماتها تستقبلها بابتسامة دافئة وترحاب صادق

"أهلاً وسهلاً يا عروسة"


تلعثمت ياسمين وقالت

"عروسة؟"


ابتسمت كارين وأكدت بفرح

"أه، عروسة… وأحلى عروسة كمان"


كانت كارين تخلع الحافظة عن ثوب الزفاف الأبيض الذي يخطف الأنظار من فرط جمال تصميمه العصري الأنيق، بمساعدة فتاتين شابتين، بينما تحيط بهن الألوان الزاهية والزهور الرقيقة.


ابتسمت جيهان وقالت بدلال

"أظن كده فهمتي قصدنا، وده نص المفاجأة"


غرت ياسمين شفتيها، وارتسمت على وجهها علامات الدهشة والسعادة، فقد أدركت أنهم يعدون لحفل زفافها على زوجها. 

 ومن فرط الفرح، ذرفت الدموع على خديها، فابتسمت كارين وقالت مازحة

"إحنا لحقنا؟!، النهاردة مفيش دموع خالص، يونس بقاله يومين ما بيجيش البيت، ده فرحنا معملش فيه كده"


ضحكت ملك وقالت بمزاح

"بدأنا غيرة السلايف بقي"


ثم عادت كارين لتؤكد بسعادة

"بالعكس، أنا فرحانة ليهم أوي، كأنه يوم فرحي، وكلنا هانفرح أوي لما الحفل يبدأ، تعالوا نسيب العروسة مع البنات عشان يجهزوها لعريسها"


وأشارت السيدة جيهان لياسمين بابتسامة

"أنا في الجناح اللي جنبك لو عايزة حاجة"


ابتسمت الأخرى بامتنان وقالت

"شكراً يا ماما جيهان، تسلمي"


                        ❈-❈-❈

دلفت إلى غرفتها مرتدية ثوب الحمام القطني، خطواتها مترددة فوجدته واقفًا أمام المرآة، يشذب ذقنه بماكينة الحلاقة الكهربائية، لا يرتدي سوى بنطال قطني منزلي. 

رفع عينيه إليها عبر انعكاسها في المرآة، فاضطربت نظراتها وتراجعت خطوة إلى الخلف، وكادت تستدير خارجة لتترك له الغرفة، لكنه استوقفها بصوت خفيض يحمل رجاء

"شيماء لو سمحتِ، ممكن تيجي تظبطيلي تحت دقني بالماكينة زي ما كنتي بتعملهالي علي طول؟"


علمت في قرارة نفسها أنه يتذرع بأي سبب ليفتح معها باب الحديث، هروبًا من صمتها الذي تعاقبه به، فتنهدت بعمق، ثم تقدمت نحوه وأخذت منه الماكينة، وشرعت تُشذب شعر ذقنه من الأسفل بحركات بطيئة دقيقة.


وفجأة، أمسك يدها برفق متناقض مع اضطرابه، وانتزع منها الماكينة، أغلقها ووضعها فوق طاولة الزينة، وعيناه لا تبرحان عينيها لحظة.


تنفست ببطء وقالت بهدوء متحفظ

"ممكن تسيب إيدي، ولما تخلص ياريت تخرج عشان عايزة ألبس"


لم يكترث لطلبها، بل جذبها دفعة واحدة إلى صدره العاري، واحتواها بين ذراعيه في عناق قوي صامت، كأنه يستجير بحضنها من نفسه.


ثم قال بصوت متهدج

"عشان خاطري كفاية خصام… أنا بحبك ومش قادر على بعدك عني حتى لو عايشين تحت سقف واحد، أنا ماليش غيرك، ندمان ندم عمري كله، وبعترف بذنبي وعايزك تسامحيني أو تديني فرصة أخيرة"


كانت تسمع كلماته وهي بين ذراعيه، لا بأذنيها فحسب، بل بكل خلية في جسدها، ورغم مقاومتها، تسللت عباراته إلى قلبها كالمطر فوق أرض عطشى.


شعر برجفة جسدها، فاسترسل بحزن

"مفيش في عمري قد اللي عيشته عشان يروح وإنتِ بعيدة عني"


رفع رأسها من على صدره، وحدق في وجهها، فوجد الدموع تنساب بصمت، فمسحها بإبهامه وقال برجاء

"بالله عليكي ماتعيطيش… لو قربي منك صعب قوي عليكي خلاص هابعد، وهنفذلك اللي انتي عايزاه، بس عايزك تعرفي إني هافضل أحبك مهما تاخدي أي قرار، وعايزك تاخدي بالك من نفسك ومن الولاد، دول حتة مني ومنك… حتى ريتاج عمري ما حسيت إنها بنت عبدالله، دي بنتي أنا، وكان نفسي أفضل عايش لحد ما أشوفها عروسة"


تسلل الخوف إلى قلبها من نبرة وصيته، فرفعت عينيها إليه بقلق وسألته

"إنت بتقول كده ليه؟، إنت هاتسيبنا وتمشي؟"


ابتسم ابتسامة واهنة وقال

"عمري ما هعملها حتى لو طلبتي مني كده… بس أنا بوصيكي، الواحد مش ضامن عمره"


هزت رأسها باعتراض، وصوتها مختنق بالدموع

"طيب ما تقولش كده تاني… ربنا يبارك في عمرك وتجوز ولادنا وأحفادهم كمان، أنا مش قادرة أسامحك، بس بتمنالك كل خير… لأن أنا كمان بحبك، بس زعلانة منك أوي"


وانفجرت باكية، فضمها إلى صدره وربت على ظهرها بحنان صادق، مرددًا بندم

"حقك عليا… حقك عليا يا حبيبتي"


دخل المشهد إلى أفق مشحون بالتوتر، حيث ارتفع وجهها متأملًا عينيه، مسح لها دموعها التي لم تهدأ بعد، وحدق في شفتيها كما لو كان يقرأ فيها أسرار قلبها.

 أغلقت عينيها على وقع خفقانها المتسارع، وتركته يقترب منها، فبدأ يقبلها 

 لكنها كانت مترددة، تسمح له بما يشاء، رغم الغصة المترسخة في صدرها، وفي الوقت ذاته تشتاق إليه كما يشتاق هو إليها.


ثم نزل ببطء إلى عنقها، فشعرت بالدفء المعتاد، لكنه سرعان ما لاحظ برودتها وعدم استجابتها، لم تبادله القبلات ولم تململ بين يديه كما اعتادت، ففهم أن قلبها لم يوافق، وأن ما يفعله معها لا يلقى قبولها الحقيقي. 

ألَم هذا الشعور كبرياءه، فأخذه على  محمل الجدية والكرامة، وابتعد عنها ببطء، يلتقط أنفاسه المتقطعة، ثم قال لها بنبرة صارمة لا تعرف المزاح

"أنا خلصت الحلاقة… خدي راحتك"


توجه بعدها إلى خزانته، التقط بعناية ما أعده من ثياب أنيقة سيرتديها في حفل الزفاف، وخرج من الغرفة تاركًا إياها في حالة يرثى لها، جالسة على كرسي الزينة، تبكي بصمت عميق، مع قلب مثقل بالألم، وعينين ممتلئتين بالندم والحنين. 


                      ❈-❈-❈


انحنت أمام المرآة، عيناها تتلألأ بالدهشة والإعجاب بما آل إليه مظهرها، ثوب الزفاف المحتشم والأنيق يجمع بين الرقي والبساطة، وحجابها الأبيض يزيدها إشراقة ونقاء، فيما القليل من مستحضرات التجميل أضفى على ملامحها بريقًا طبيعيًا وسحر فاتن يختصر جمالها الفريد.


قالت إحدى فتيات التزيين مبهورة، وقد ابتسمت بفخر

"زي القمر… اللهم بارك"


طرقت جيهان الباب برقة، فأجابتها ياسمين

"اتفضلي"


دخلت وقد أعدت نفسها بثوب أنيق يليق بوقار ملكة، وما إن وقفت أمام العروس حتى أومأت برأسها وأصغت بإعجاب

"واو… اللهم بارك يا حبيبتي، زي القمر وأحلى كمان"


ابتسمت بخجل وابتسامة امتنان

"شكراً يا ماما… أنتي اللي أجمل، ما شاء الله عليكي"


مدت حماتها يدها، وأومأت نحو الباب بسعادة

"طب يلا… عشان أسلمك لعريسك اللي مستنيكي تحت، وأنتم يا بنات يلا تعالوا شاركونا فرحتنا"


انتاب ياسمين التوتر قليلاً وهي تنظر حولها، حيث وصل إليها أصوات الضيوف التي تتعالى مع كل خطوة تهبط بها على درجات السلم ، فيما همساتهم تتخلل أصوات الطبول والمزامير التي ارتجت لها أرجاء المكان، تعلن بدء الاحتفال على أنغام أغنية من الفلكلور المصري القديم، معلنة قدوم العروس.


خرجت من باب القصر الرئيسي إلى الحديقة، فذهلت من منظر الأهل والضيوف، كل منهم يرتدي الجلباب الفلاحي التقليدي، والعباءات المفتوحة أعلاها للرجال والسيدات عباءات أيضاً،  أجواء الريف الأصيل، حاملة عبق الماضي وحلاوة التقاليد في آن واحد.


تقدم ياسين نحوها، وهو يعلو جلبابه الفلاحي عباءة أنيقة وأعلي رأسه عمامة بيضاء يتوسطها طاقية من الصوف، يزيده هذا المزيج من الجلال والهيبة، يحمل في يده باقة من الزهور البيضاء، مدها إليها لتمسك بها، و امسك يدها الأخرى فقبلها أمام الحاضرين كافة، مال نحو أذنها قائلاً

"إحنا كده خلصنا من فترة الخطوبة زي ما اتفقنا، و كده وصلنا لمرحلة الفرح، وحبيت أعمله لك مفاجأة، الليلة ليلتك يا عروسة"


ابتسمت ياسمين بخجل خافت، فانفجر ياسين ضاحكًا على خجلها، همس لها مرة أخرى

"بطلي كسوف، بدل ما أشيلك ونطلع فوق نكمل الفرح أنا وإنتي"


وضع يده على ساعدها وسار بها في الممر، يتقدمها إخوة ياسين وزوجاتهم، يهللون ويصفقون، بينما يشارك الحضور جميعًا بهجة الاحتفال، والحديقة تغص بالألوان والفرح.


اقترب منهما رجل يحمل حزام متصل بسروج حصان مزين بألوان زاهية، همست بقلق وخوف

"أوعي تقولي إننا هانركب الحصان… أنا بخاف منه"


ابتسم لها ليطمئنها

"اسمحيلي هانركب أنا وإنتي، متخافيش طول ما أنا معاكي"


تشبثت بذراعه خائفة، قالت بتوسل

"بالله عليك يا ياسين… لأ، بلاش"


نظر إليها بحزم وحنان في آن واحد

"طول ما أنا جنبك، مش عايزك تخافي من حاجة أبداً"


وصعد على الحصان، مد يده إليها، فأمسكت بذراعه، فجذبها ليجلسها أمامه، وأعطاها حزامين لتتمسك بهما بإحكام، وقال

"امسكي بالحزام كويس"


أمسكت بالحزامين، بينما هو ممسك بالحزام الأكبر بثبات، وصدح صوت الرجال بالأغنية

"بسم الله الرحمن الرحيم وهنبدأ الليلة.. آه.. آه

دة عريسنا الزين كحيل العين وعروسته حلوة وجميلة

حنقول يا ليل، ونقول ياعين.. حصوة في عينك ياللى ياللى ما تصلى.. ما تصلى على النبي صلي.. صلي.. علي النبي صلي

واللي ما يصلي أبوه أرملي.. صلي

اتدحرج واجري يا رمان وتعالى على حجري يا رمان... اسمع موالي يا رمان وابكي على حالي يا رمان... ولا اضحك حتى يا رمان يالا اشمعنا انت يا رمان" 


ارتجف قلبها طربًا من هيبة ما يحدث، وهي تشعر بنبض الفرح ينساب في عروقها، والحصان يتراقص برشاقة كأنه يشاركهما بهجة اللحظة، فيما كان ياسين، كالصقر الحارس، يجلس شامخًا وراءها، يحميها ويحطيها بين ذراعيه كما يحمي الصقر أنثاه. 


وبمجرد أن خبت أصوات الطبول والمزامير، نزل عن الحصان  وحملها بين ذراعيه من خصرها برفق، وكأنها أثمن ما في حياته، بينما صدحت الموسيقى المبهجة من مكبرات الصوت، معلنة بدء رقصة الفرح الحقيقية.


وقف في منتصف الحديقة، أمسك بيدها وأخذها إليه، همس لها قائلاً

"ارقصي من غير ما تهزي أي حاجة فيكي… بدل ما أشعلقك"


رمقته بعينين تجمعان الحنق والخجل معًا، وقالت

"أنا أصلاً ما بعرفش أرقص… ومكسوفة أوي"


ضحك ببهجة

"أحسن برضه… هارقص أنا و أنتي صقفي"


رفع ذراعيه ورقص بخفة ورشاقة على إيقاع الموسيقى، وتقدم منه أشقاؤه يونس ويوسف، كذلك انضم آدم إليهم، فتنحت ياسمين جانبًا مع السيدات، بينما انطلقت كارين ممسكة يدها، تقول لها

"ارقصي يلا… هو مش واخد باله، الفرح فرحك يا عروسة"


نظرت ياسمين إلى ياسين، فرغم انشغاله في الرقص مع إخوته، لم تغادر عينيه عنها، رمقها بنظرة تجمع بين التحذير والملاعبة، فقالت لها

"عجبك كده… ده عينه عليا زي الصقر"


ردت كارين مبتسمة

"ده بيهزر معاكي"


وفي تلك اللحظة، انتبهت إلى قدوم شخصين، فقالت بلهفة واندفاع

"قصي وصبا وصلوا"

تقدم شقيقهم الأكبر مع زوجته، مرتديًا الجلباب الرجالي الفلاحي الذي يعلوه عباءة وعمامة ملفوفة بشكل أنيق. 


ضحك ياسين وهو يرمق أخاه قائلاً

"يخربيت عقلك يا يونس، خليت قصي كمان يلبس العباية!"


رد الأخر مبتسمًا وبفخر

"يا بني، أنا خليت حوار اللبس شرط أساسي في الدعوات، وأكدت على إخواتك، مالها الجلابية ده حتى مخلية قصي شبه رفيع بيه العزايزي في الضوء الشارد"


صافح قصي شقيقه بحرارة وعانقه

"ألف مبروك يا عريس"


أجابه ياسينض بابتسامة

"الله يبارك فيك يا كبيرنا، عقبالك أنت وصبا تعملوها زينا"


ضحك وأضاف بمزاح

"يا حبيبي إحنا ليالينا كلها أفراح، مش محتاجين ما شاء الله"


فصاح يونس بمرح

"أيوه بقي يا كينج، يا رافع راس عيلة البحيري"


ثم التفت إلى ياسين وقال وهو يبتسم بنبرة ساخرة

"أنا عارف أنت مش محتاج نصايح، بس خد كورسات عند أخوك الكبير واتعلم منه"


ضحك قصي وقال مازحًا

"أهو أنا مش خايف غير من قرك أنت بالذات يا يونس"


تبادل الأشقاء الضحك، وعاد الجميع إلى الرقص معًا، عدا قصي الذي تنحى جانبًا عن الميدان، جلس مع مصعب وطه حول منضدة.

بينما السيدات والفتيات التفوا حول العروس، التي كانت تمسك بيد صغيرتها، يرقصان معًا في مشهد يفيض دفء وجمال، صورة من سحر البهجة العائلية المتكاملة.


وفجأة، ارتفعت أصوات مكبرات الصوت معلنة بداية أغنية شهيرة لعمرو دياب

"رمش خطاف والسحر أصناف وأنا قلبي يتخاف عليه يا بابا... ورد يتشال ولونه قتال شغلني وأزال ما فات يا بابا

رسمة العين ده ربنا يعين كل اللي والعين منهم يا بابا... ماس على ياقوت هموت عليها موت من رقة الصوت آهين يا بابا....." 


"ألحقي يا ياسمين، جوزك ويونس بيعملوا إيه"

قالتها ملك، فألتفتت الأخرى نحو ما أشارت الأولى، فإذا ياسين و يونس يرقصان بطريقة مضحكة، متمايلين على إيقاع الأغنية، فانخرطت في الضحك رغماً عنها، وتمايلت ابتسامتها بين الدهشة والمرح.


نظر يونس إلى ياسين وقال بمزاح

"إيه رأيك في تنظيم الفرح؟"


رد ياسين وهو يضحك

"بصراحة دماغك جامدة، بس تسلم إيدك، نردهالك في فرح جوليانا و رسلان"


ابتسم الآخر وأضاف بدهشة مازحة

"خد بالك لسه محضرلك مفاجأة جامدة، جيبتلك صاروخ أوكراني بينور في الضلمة"

لم تمضِ لحظات حتى أدرك ياسين ما يقصده شقيقه، فإذا موسيقى رقص شرقي تعلو المكان، وظهرت امرأة ترتدي رداء أسود حريري، وغطاء يخفي ملامح وجهها، واقفة في منتصف الساحة أمام الحضور.

همست صبا لكارين

"أوعي يكون جوزك عمل اللي في بالي"


ضحكت الأخرى وقالت

"مع يونس توقعوا كل حاجة"

بينما خديجة وشيماء، فكانتا جالستين معاً، فقالت الأولى باندهاش

"لا حول ولاقوة إلا بالله، إزاي يجيبوا حاجة زي دي"


لكن شيماء كانت في واد آخر، ترمق طه بين الفينة والأخرى، فهو لم يشارك أبناء عمه الرقص، اكتفى بالجلوس مع مصعب وقصي، متأملاً المشهد ببرود شبه ساخر.


صدحت الموسيقي أكثر فخلعت المرأة ذات الرداء الأسود عباءتها، لتعلو صيحات التهليل، وخصوصاً تهليل الرجال، حيث بدت بثياب رقص تكشف معظم جسدها.

شهقت خديجة

"استغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم"


قالت ملك مازحة ومتوعدة

"كل واحدة فينا تروح تغمي عين جوزها"


وعقبت كارين بابتسامة ساخرة

"يخربيت جنانك يا يونس، أنا متوقعتش إنه هايجيب الرقاصة دي والله لوريك"

فتقدمت كل امرأة نحو زوجها، وضعت كفها على عينيه، فيما كان ياسين يرمق ياسمين يتحدث إليها بتعابير وجهه بأنه لا ذنب له، وأشار إليها نحو شقيقه يونس أنه من أتي بالراقصة. 

وفجأة تقدمت الراقصة بثقة نحوه، تتمايل و ترقص بجرأة، فاندفعت ياسمين إليه، تجذبه من يده وتهمس في أذنه بغضب وغيرة

"لو خليتها تقرب منك تاني، هقلب الفرح ده كله على دماغك أنت وأخوك، زي ما جابها قوله يمشيها"


ابتسم ياسين لما رأى غيرتها، وهمس لها بمودة

"أنت تؤمر يا جميل"

تحركت الراقصة نحو طاولة قصي ومصعب وطه، فشهقت ملك بدهشة

"يا نهار أزرق"


نظرت إلى شيماء وأشارت لها بعينيها، وتعاونت نساء عائلة البحيري ليتكالبن على الراقصة، قاموا بدفعها نحو داخل القصر أمام الجميع، فعمت الضحكات بين الرجال.

عقب مصعب وهو يضحك، وأخذه قصي على محمل المزاح

"اه يا مجانين، حد يطرد النعمة"


مال نحوه الآخر وقال مازحاً

"أختي لو سمعتك هتخليك تبات على السلم"


قام طه من مقعده، يحمل كأس عصير، واقترب بهدوء من زوجته، فوضع الكأس أمامها على الطاولة، فقالت له

"ما تروح تقعد مع ولاد عمك وهيص معاهم" 


رمقها بعينين ثاقبتين، صمت لبرهة قبل أن يقول بنبرة صادقة واثقة

"عشان مش شايف غيرك"


اضطربت من كلماته وابتلعت ريقها مترددة، ثم سألته بسخرية

"أنت بتثبتني عشان أرضي عنك؟"


رفع جانب فمه بسأم، وكأن الحقيقة التي قالها تملأ قلبه بالصدق والوقار، فأجابها بهدوء

"أظن أنتي أدري واحدة بيا لما بقول الحقيقة أو بجامل"


ارتسمت على وجهها ابتسامة قصيرة، ممزوجة بتحفظ، فقالت بحزم

"ما أنا لو اديتلك فرصة مش هسامحك بسهولة، طريقك طويل وهتزهق مني"

اقترب منها أكثر، ولم يتراجع عن وقوفه بجانبها، فمال بوجهه نحوها وقال بنبرة دافئة، تحمل الحزم والمودة في آن واحد

"انتي تستاهلي أمشيلك أميال لحد ما تسامحيني، بس عايز أقولك حاجة، خديها نصيحة مني… الدنيا مش مستهلة، وماتعرفيش القدر مخبي لنا إيه، النهاردة أنا معاكي يا عالم بكرة هاكون فين؟"


حاولت شيماء فهم ما وراء كلماته، لكن داهم قلبها القلق، فارتعشت شفتاها وهي تسأله بتوتر

"أنت تقصد إيه بكلامك؟"

ربت برفق على يدها، ونظر إليها بعينين هادئتين، ثم ابتسم بخفة وأخبرها

"ما تاخديش في بالك… روحي شوفي أختي وسلايفها زمانهم خلصوا على الرقاصة"


وفي الداخل، كان الصخب يعلو كالزوبعة، حين ركض يونس مسرعًا، يحاول إنقاذ الراقصة قبل أن يفتكن بها، صاح بصوت جهوري يجلجل في أرجاء البهو

"إنتو بتهببوا إيه؟! سيبوها… ده أنا ماضي عليها تعهد"


التفتت إليه كارين بعينين متسعتين وملامح متحفزة، وصاحت باستنكار

"ماضي إيه يا حبيبي؟!"

حك يونس مؤخرة رأسه في توتر ثم قال محاولًا التبرير

"أقصد… ماضي إنها زي ما جاتلنا ترجع من غير أي إصابات"

وبحركةٍ مفاجئة، نزعت الراقصة ذراعيها من بين أيديهن، وصرخت بانفعال هستيري باللهجة المصرية التي تتقنها

"أوعي إنتي وهي، أنا هوديكم في داهية… هاروح للسفارة بتاعي وأقدم فيكم بلاغ"


ضحك يونس محاولًا تلطيف الأجواء التي أوشكت على الاشتعال

"ليه كده يا ديانا؟! هم ما يقصدوش حاجة… كانوا بيهزروا معاكي"


فأشارت إليه بعصبية نحو ملك، ثم أشارت إلى فخذها العاري، وهي تصيح

"الست دي عضت أنا هنا… حتي بص"


حدق يونس في أثر أسنان شقيقته، فوكزته كارين في ذراعه فتأوه وقال لشقيقته 

"ليه كده يا ملك؟! معلشي يا ديانا… مكنتش تقصد"


فصرخت ملك بحدة ونبرة لا تقبل جدالًا

"لا أقصد! ويلا يا بت روحي البسي هدومك وامشي من هنا، بدل ما أخلي العضة الجاية في رقبتك واطلع روحك" 


وأضافت صبا بلهجة تحذيرية

"خلي بالك دي ما بتهزرش… اسمعي الكلام"


وتدخلت خديجة وهي تلوح بيدها قائلة

"اسمعي كلامهم… ربنا يهديكي ويتوب عليكي"

رمقتهن بنظرة متحدية، ورفعت ذقنها بكبرياء زائف، ثم قالت بإصرار

"إنتوا فاكريني خايفة منكم؟!، طب إيه رأيكم هاروح أكمل فقرة بتاعي أنا، وهارقص مع كل جوز واحدة فيكم، وأولهم يونس حبيبي العسل"


شهقت كارين كأن صاعقة هوت فوق رأسها، ثم صاحت بانفعال

"لااا!، حبيبك العسل!، لا إنتي زودتيها أوي… بنات البت دي لازم تتربي، يلا بينا عليها"

وفي لحظة خاطفة، تكالبن عليها كعاصفة هوجاء وأمسكن بها من كل جانب، وانهلن عليها بالضرب، بينما ارتفع الصراخ. 

اندفع يونس بينهن محاولًا تخليصها من قبضتهن، وهو يصرخ بذعر

"أوعوا! سيبوها… هتموتوها يا مجانين"


لكن ملك باغتته بحركة سريعة، وانحنت لتعض يده بقوة، فتأوه بألم وهو يقفز في مكانه صارخًا

"آآآه… يا شيخة حرام عليكي"


                        ❈-❈-❈

دلفت علياء من البوابة برفقة صغيرها عز الدين ولوجي، وهم يمسكون بأيدي بعضهم البعض، ووجههم يتلألأ بالفرحة والبهجة.

توجه الثلاثة أولًا نحو جيهان وعابد، وتبادلوا التحية والمصافحة، وعانقتها  جيهان بحرارة قائلة

"كنت هزعل منك لو ماجتيش"


ابتسمت علياء وردت بلطف

"أنا جاية عشان خاطرك وخاطر ياسين، جالي بنفسه في العيادة وادالي الدعوة، أنتم أهل ولادي، وأهلي برضه بعيد عن أي خلاف بيني وبين ابنك"


انتبه يوسف إلى علياء وطفليه، فاندفع مسرعًا نحوهما، فاضطربت لوجي ووقف جوار جدتها، بينما تجاهلت علياء تحركه، ونظرت إلى جيهان وقالت

"عن إذنك يا جيجي، هاروح أبارك لياسمين وياسين"


ولدى العروسين... وقف ياسين إلى جانب زوجته والنور الذهبي لغروب الشمس يلامس ملامحه الوسيمة، وقال لها بابتسامة 

"أنا محضرلك مفاجأة… يارب تعجبك"


رمقته بعينين ممتلئتين بالمزاح الساخر، وهي تضحك بخفة

"محضرلي إيه غير الرقاصة؟!"


ابتسم ابتسامة هادئة، تحمل طمأنينة وثقة، وقال وهو يغمز لها

"هاتشوفي وتسمعي بنفسك دلوقتي"

أشار إلى مسؤول تشغيل الأغاني، الذي كان يقف عند لوحة التحكم، فقام الأخير بتشغيل موسيقى رومانسية هادئة، تعانق أجواء المساء وتملأ المكان بسحرها. 


اقترب ياسين من أحد الرجال الذي كان يحمل ميكروفون صغير، قابل للثبيت في الثياب، فأخذه وركبه بحافة تلابيب جلبابه، ثم التفت إلى ياسمين وملأ صوته المكان بعبق المشاعر، صوت عذب نقي، يختلف كل الاختلاف عن نبرة صوته عندما يثور أو يغضب.

اقترب أكثر، أمسك بيد زوجته برفق، رفعها إلى أعلى كتفه، وأحاط خصرها بين ذراعيه، وبدأ يغني.... 

"كنت بمشي في الدنيا لوحدي

والليل كان أطول من صبري

قلبي تعباان من الغيبة

وبيسألني... فين عمري؟


كنت بنام وأصحى على صورتك

أحضنك في خيالي وأسيبك

ولا يوم قدرت أنسى اسمك

ولا قلبي عرف يحب غيرك


ولما رجعتي حضنك ناداني

قال لي تعالى ليا اتولد من تاني

ده يوم ميلادي مش يوم عادي

ده يوم ما رجعتلي حياتي


أنا بحبك حب مالوش آخر

ولا يوم في قلبي هيقل أو يخون

وأوعدك أعيش العمر كله

عشانك إنتي وبس أكون


تعبت قوي وأنا بستنى

خطوة منك تطمني

كنت بخاف أفضل مستني

والعمر يسبقني ويعدي


رجوعك كان طبطبة سما

على قلب عاش مكسور كتير

رجوعك قالي لسه في أمل

ولسه في حب كبير


ولما رجعتي حضنك ناداني

قال لي تعالى ليا اتولد من تاني

ده يوم ميلادي مش يوم عادي

ده يوم ما رجعتلي حياتي


أنا بحبك حب مالوش آخر

ولا يوم في قلبي هيقل أو يخون

وأوعدك أعيش العمر كله

عشانك إنتي وبس أكون


إنتي مراتي وحبيبتي

وأجمل اختيار في حياتي

لو يخيروني بين الدنيا

أختارك إنتي واختار ذاتي


وأوعدك مهما العمر يطول

أفضل على حبك ثابت

ده قلبي اتكتب باسمك

واللي جاي كله ليكي ثابت


أنا بحبك... وهفضل أحبك

طول ما في قلبي نفس يدق

إنتي البداية والنهاية

وكل عمري ليكي وبس" 


وضع جبهته فوق جبهتها وردد 

"إنتي البداية والنهاية وكل عمري ليكي وبس... بحبك" 


خلع العباءة التي كان يرتديها فوق جلبابه، فغطى بها رأسه ورأس ياسمين عن أعين الحاضرين، ففهم الجميع في تلك اللحظة أنه يقبلها بسرية، لا يريد لأحد أن يشاهد المشهد الحميمي بينهما.

صفق أشقاؤه بحرارة، ودمعت عينا والدته دموع فرحة، ربت على كتفها عابد مبتسمًا، وهمس بجوار أذنها بنبرة حانية

"طول عمري كنت بقول ياسين أكتر واحد طالع رومانسي ليكي"


ابتسمت هي بامتنان وبسعادة من بين دموع الفرح

"حبيب قلبي، ربنا يهنيه ويسعده هو وأخواته" 

وبالعودة إلي ياسين بعدما انتهي من تقبيل زوجته ازاح العباءة وحملها من خصرها وأخذ يدور بها في مشهد رومانسي حالم تحت ارتفاع تصفيق الحضور وعائلته. 


يتبع...................................

#الفصل_السادس_والثلاثون

#غرام_الذئاب

#الجزء_الرابع_من_سلسلة_صراع_الذئاب

#ولاء_رفعت_علي


أوقف سيارته أمام مرفأ اليخوت الراقي، حيث كانت أمواج البحر ترقص رقصة هادئة تحت ضياء القمر الفضي المتلألئ، وأنوار اليخوت تلمع كنجوم سقطت على سطح الماء.

 سألته زوجته وهي تنظر حولها بتعجب بالغ يملأ عينيها الذهبيتين

"إيه ده؟" 


أجابها والسعادة تفيض من عينيه، وقد خفق فؤاده بحماس متوقد يرقص في صدره

"ما هي أول ليلة لينا بعد غياب و بعاد لازم تبقي مميزة، وقصي ربنا يبارك له حب يوجب معانا فأدالي مفاتيح اليخت بتاعه نقضي فيه الليلة دي وبكره نطلع علي جنة الأرض" 


ثم أمسك يدها برومانسية رقيقة تفوح منها رقة الحب، وعيناه لا تفارقان عينيها بلذة وتيام عميقين، أردف قائلاً

"اوعدك هخليكي هاتشوفي أحلي ليلة هاتعشيها في حياتك" 


قام بتقبيل يدها تقبيل حاني جعل قلبها يذوب عشقاً

"بحبك"


شعر برجفة خفيفة في يدها الناعمة، والخجل ينضح من خديها المتوهجين إحمرارًا، نظرت إلى أسفل وأخبرته بصوت يشي بخجلها المفرط 

"بس بقي يا ياسين، بالله عليك أنا بتكسف من كلامك و بصاتك" 


ضحك قائلاً

"بس إيه في يوم زي ده، أنا لسه معملتش حاجة، و مش عايز خالص كلمة بتكسف، ياريت تلغيها من قاموسك معايا، فاهمة يا روح قلبي" 


وأمسك طرف ذقنها برفق يفيض بالحنان، فأومأت له بالطاعة وابتسامة الخجل على محياها تتجلى كالقمر في ليلة صافية، عض على شفته السفلى

"اه منك ياللي مجنناني، يلا عشان ننزل و لا أقولك استني" 


ترك يدها برفق، وفتح باب السيارة ثم دار ليفتح لها الباب المجاور، ومد يده إليها

"انزلي علي مهلك" 


"استني هلم الفستان عشان اعرف انزل" 


ساعدها في إلمام طرف ثوب الزفاف الواسع لتتمكن من الهبوط بيسر، وما إن وطأت قدماها الأرض حتى حملها من خصرها حملة خفيفة كأنها ريشة، فصاحت بتفاجؤ يملأ صوتها الرقيق

"بتعمل إيه يا مجنون، نزلني هانقع أنا وأنت" 


"مش أنتي بتثقي فيا، ما تقلقيش أنا الحمدلله اشيل اتقل منك اضعاف و لا اتهز" 


"هاتطلع بيا اليخت إزاي، هنتقلب انا وانت في الميه، وبعدين أنا خايفة" 


"اللي معاه ربنا يفوت في الحديد" 


ضحكت وقالت

"طب نزلني وشيلني جوه اليخت" 


"خلاص صدر الأمر، يلا امسكي جامد" 

وقف عند حافة الميناء واستعد للقفز وهو يحملها على كتفه، صاح بعزم يفيض بالثقة

"واحد، اتنين، تلاته، هوب" 


نجح في القفز وهو مازال يحملها، لكن طرف ثوبها المتدلي وقف عائقاً أسفل حذائه فتعثر به ووقع إلى الداخل، فصاحت بألم وكذلك هو، لكن خوفه الأكبر كان عليها، اعتدل سريعاً ولا يبالي لوجعه، أخذ يتفحصها بقلق يغمر عينيه

"أنتي كويسه؟" 


أمسكت بكتفها تمسده وأجابت

"الحمدلله كويسه، أنت اللي اخدت الوقعه كلها وأنا فوقك" 


ابتسم بحنان يفيض من أعماق قلبه وأخبرها

"مش مشكلة يا حبيبتي، أنا فداكي المهم تكوني بخير" 


أخذ كلاهما يتبادلان النظر في صمت يحمل ألف معنى، وإذا بها تضحك فضحك هو متأثراً بضحكاتها المتدفقة، فأخبرته من بينها

"قعدت تقولي ماتخافيش، اللي معاه ربنا يفوت في الحديد، ادينا ادإلجنا أنا و أنت زي شوال البطاطس، ده أنت مسخره" 


نهضت ومازالت تضحك، فحاول النهوض وسألها بمزاح

"بتتريئي عليا؟!" 


تسير للوراء بظهرها وتمسك بثوبها

"مش قصدي، بس أنت أحلي حاجة فيك أنك بوء، تقعد تقول أنا و أنا وفي الأخر يطلع كلام علي الفاضي" 


رفع حاجبيه وبوعيد مازح

"ده اللي هو أنا؟" 


أومأت له وأجابت بدلال

"اه أنت" 


أخبرها ويقترب منها

"طيب إيه رأيك لما أوريكي أنا رجل أفعال مش كلام" 


خلع سترته، ويفك في ربطة العنق ويسير نحوها ببطء يشبه خطى النمر، تتراجع هي وتسأله

"ياسو أنت هاتعمل إيه، استني بس، تعالي نغير هدومنا الأول و ناكل" 


"من عيوني يا قلب ياسو، هانعمل كل ده ماتقلقيش، بس و إحنا مع بعض" 


ألقى ربطة عنقه على كرسي جواره، فركضت هي للداخل تبحث عن مخبأ وصوت ضحكاتها يعلو، كطفلة صغيرة تلهو وتركض، بينما هو يلحق بها حتى توقف كلاهما أمام غرفة النوم وبابها مغلق، أخذت تلتقط أنفاسها وكذلك هو، وعيناه تلتهمان ملامحها المتوردة ونبض فؤاد كل منهما يدوي صداه في مسامعهما كطبول الحب الخافقة، ابتلع ريقه وهو يدنو بشفتيه من خاصتها، حاوط خصرها بيديه القويتين، وهي لم تشعر بحالها، رفعت يديها تلقائياً لتحاوط عنقه،  وتغمض عينيها وتستقبل شفتيه لتشعر بلذة قبلته.


استمر التبادل الحميمي للقبلة بينهما في لهيب متصاعد، يلتهم شفتيها بنهم جامح لا يُشبع، يبعث الرجفات في أوصالها، لسانه يغوص في أعماق فمها الدافئ الوردي، يرقص مع لسانها في رقصة عاصفة من العسل والنار المشتعلة، يستخرج منها أنفاسها متقطعة حارة تشهد على ذوبان الخجل في بحر الرغبة. 

كانت أجسادهما ملتصقة التصاقاً كاملاً، صدره يضغط عليها ليشعر بدفء عناقها، يداه تحيطان بخصرها بقوة رقيقة كأنه يخشى أن تذوب وتختفي، بينما نبض قلبهما يدوي كطبول الحرب في معركة العشق.

دون أن يفارق شفتيها ولو لنفس واحد، مد يده اليمنى إلى مقبض الباب الخشبي اللامع، فأمسكه بأصابع مشتعلة ودار به بسرعة، ثم دفع الباب بكتفه القوي ليفتح على مصراعيه. 

دفعها بلطف حازم عاشق إلى داخل الغرفة، وهو مازال يقبلها بنهم يفوق الوصف، خطواتهما متعثرة متشابكة كأوراق الورد في عاصفة الشوق، حتى أغلق الباب خلفهما بقدمه دون أن يلتفت، فانغلق العالم الخارجي إلى الأبد، وبقيا في خصوصية مطلقة ينبض فيها الهواء بالرغبة والأسرار.


كانت غرفة النوم على متن اليخت تحمل سحر فاخر هادئ، مضاءة بأضواء ذهبية خافتة تنسكب كالشهد الذائب على السرير الواسع المفروش بأغطية حريرية بيضاء ناعمة كالسحاب، تفوح منها رائحة الياسمين والورد الطازج، بينما النوافذ الكبيرة تطل على البحر الهادئ تحت قمر متلألئ يرقص على الأمواج.


سحب شفتيه عنها للحظة وجيزة كالبرق، يخبرها بصوت أجش مبحوح يفيض بالعشق الجامح

"يا روح قلبي… عمري ما هخليكي تبعدي عن تاني، مش هيفرقنا غير الموت" 

ثم عاد يغمرها بقبلة أشد عمقاً ونهماً، وهو يدفعها بلطف نحو السرير حتى وقعت على ظهرها على الفراش الناعم، وتبعها فوراً بجسده القوي يغطي جسدها الرقيق بكل حنان وقوة. 

أخذت أصابعه تفك وشاحها الأبيض بمهارة صبورة، حتي تمكن من فك إبر التثبيت منه وانزلقت خصلاتها الحريرية علي ظهرها في مشهد أسر أنفاسه، امسك ببعض خصلاتها واقترب بأنفه يستنشق عطر شعرها الذي يعشقه، أخذ نفساً عميقاً واصدر صوت يدل علي حالة الهيام المسيطرة عليه الآن.

بينما هي تراقب ما يفعله، وبالرغم من خجلها لكن أفعاله البسيطة تلك سلبت عقلها قبل فؤادها، فلتتركه يفعل ما يحلو له معها ويحلق بها في سماء عشقه كيفما يشاء. 

 و إذا بها تشعر بأنامله خلف ظهرها، يجذب سحاب ثوبها لأسفل، و كلما يهبط لأسفل يتعمد لمس بشرتها فيشعر برجفة جسدها تحت سطوته، نهض ووقف أمامها، امسك يديها وجعلها تقف أمامه، حاوط وجهها الملائكي بين كفيه، و أخذ يتأملها بعشق و رغبة، فسألها بأنفاس متهدجة

"بتحبيني يا ياسمين؟"


حدقته بعينيها الساحرتين واخبرته بدلال

"ما أنا قولتهالك قبل كده" 


دنا بشفتيه نحو عنقها 

"عايز اسمعها تاني وأنتي في حضني" 


اغمضت عينيها وتشعر بأنفاسه علي طول عنقها لاسيما لدي عرق رقبتها النابض، قالت له بنبرة من أعماق قلبها التي تدوى نبضاته وتصل لمسامعه

"بحبك" 


هبط علي عنقها بقبلة جعلتها شهقت وتشبثت بعضديه، فأمرها مرة أخرى 

"قوليهالي تاني" 


عضت علي شفتها السفلي ثم تفوهت بها

"بحبك، بحبك يا ياسين" 


قبل عنقها مرة أخرى لكن بنهم، وأنامله تزيح ثوبها عن كتفيها الناعمتين، فأنزلق الثوب عنهما كموجة تتراجع عن الشاطئ، بينما شفتاه ما تزال تغطي عنقها و أعلي صدرها بقبلات حارة متتالية.

ارتجفت هي تحت لمساته وقبلاته، خداها يحترقان كالجمر، وهمست بصوت مرتجف مليء بالخجل المفرط

"ياسين… استني بس… أنا... أنا مكسوفة أوي" 


توقف عن تقبيلها وضحك ضحكة خفيفة حانية ثم همس في أذنها وهو ينزلق بيده على منحنيات جسدها البض المياس

"مش قولتلك بلاش كسوف وأنتي معايا يا روحي، أنتي ملكي دلوقتي… وأنا ملكك، أنا كنت مأجل اللحظة دي و مستنيها بفارغ الصبر، خليني أوريكي إزاي بحبك وكنتي وحشاني قد إيه… وهوريكي أنا بتاع أفعال مش بوء" 


و غمز بعينه فابتسمت بخجل، و تركته يكمل ما يفعله،  قام بفك أزرار قميصه ليتحرر منه ويجذبها بين ذراعيه، كل لمسة منه تروي قصة حب وعشق لا يوجد مثلها سوى في القصص والروايات، وكل نظرة منه لها تذيب آخر قطرة من الخجل في بحر الثقة. 

 اندمجت أرواحهما في رقصة هادئة عاصفة، يغرقان في بحر من العواطف الجياشة، حيث تتلاقى الأنفاس وتتوحد القلوب في نبض واحد يتسارع كأمواج البحر خارج النوافذ.

  كانت اللذة تأتي كالفجر الذي يبزغ بعد ليل طويل، تملأ كل خلية فيهما بنور الحب النقي، حتى بلغت ذروتها في انفجار من السلام والاكتمال، تصرخ وتئن باسمه وينضح صوتها بفرط اللذة والسعادة التي تشعر بها معه و بين ذراعيه. 


استمرت رحلتهما معاً حتي سقط فوقها بعد ذلك، يحتضنها بقوة رقيقة كأنه يخشى أن يفقدها، يقبل جبينها المبلل بعرق الحب، وهما يلهثان معاً في هدوء ما بعد العاصفة العاطفية.

  مرر أصابعه بلطف في خصلات شعرها، وهمس بابتسامة مشرقة تفيض بالرضا

"قوليلي يا حبيبتي، مبسوطة وأنتي معايا؟" 

ابتسمت بخجل متعب والسعادة تنضح من عينيها، ودفنت وجهها في صدره الدافئ كالطفلة التي وجدت مأواها أخيراً

"مبسوطة أوي أوي… ياسين"


حدقت في عينيه بعشق واخبرته 

"أنا بحبك أوي" 

ابتسم ابتسامة تملأ الغرفة نور، وقبلها قبلة طويلة هادئة كأنها ختم على عهد أبدي، وهما يغرقان في حضن بعضهما تحت الدثار الحريري، يستمعان إلى صوت الأمواج يغني ليلتهما، وقد أصبحت الغرفة شاهدة على بداية حياة جديدة لهما تكتبها أيدي الحب بأجمل حروف الرومانسية الأبدية. 


                        ❈-❈-❈


جلست على الكرسي، وقد انهمر دمعها كالسيل الجارف، وهي تحدق في فستان الزفاف المرمي على السرير كأنه جثة بيضاء مُلقاة.

 كلما استحضرت في ذاكرتها تلك الإهانات المتتالية التي انهالت عليها من فمه، وكلما تيقنت أن زواجهما سيكون مجرد عقد على ورقة صفراء لا روح فيه، وأن كل هذا الخراب إنما يعود إلى ماضيها الذي أخفته عنه.

  انتفضت فجأة كأن صاعقة أصابتها حين طرق الباب بعنف، مسحت دموعها بسرعة يائسة، وترددت في النهوض لتفتح، 

 ولكن بعد الطرقة الثانية، اندفع الباب فجأة وانفتح على مصراعيه. 

 فلما رآها جالسة في مكانها، وقد بدا عليها أثر البكاء الشديد، تألم قلبه ألماً عميق لها، غير أن العقل كان هو المتسلط عليه، فغضب بشدة وسألها بنبرة ساخرة قاسية

"ملبستيش ليه يا عروسة؟، و لا كنتي مستنية كتب كتابك نعمله في الهيلتون" 


رفعت وجهها إليه، ونظرت إليه بنظرة حزن دفين، لأنها تدرك تماماً سخريته وما يقصده بها، فسألته بقلب مُلتاع من حالها ومن معاملته الجافة القاسية لها

"أنت ليه بتعمل كده معايا يا أدهم؟" 


تحوّل تجهم ملامحه إلى إبتسامة ساخرة حادة، وقال لها

"هو أنا عملتلك حاجة؟!، ده أنا بعمل معاكي اللي مفيش واحد يقدر يعمله بعد ما يسمع و يشوف اللي خبتيه عليا، ده انتي المفروض تبوسي ايدك وش وضهر و تحمدي ربنا" 


ألقي كلماته عليها كأنها سياط تتهاوى من أعماق الجحيم، تهبط على قلبها فتقسمه نصفين. 

  ولم يكن ذلك حالها وحدها، بل حاله هو أيضاً؛ إلا أنه قبل أن يستسلم للضعف ويعتذر عما أطلقه لسانه، ابتلع ريقه  وأمرها بحدة لا تقاوم

"قومي يلا وألبسي الفستان، باباكي و المأذون زمانهم علي وصول" 


نهضت فجأة وسألته بتعجب

"بابا!" 


"ايوه باباكي، روحتله و طلبت ايدك منه علي سنة الله و رسوله، دخلت البيت من بابه، أصلي ماليش في شغل الشمال، مشيت زي الأصول ما بتقول، و لا كنتي عايزاني اتجوزك عرفي؟" 


كان لا يزال يجلدها بكلماته التي تؤول جميعها إلي معايرتها بعلاقتها السابقة مع المدعو رامي. 

 تجمعت عبراتها، ولم تستطع كبحها أكثر من ذلك، فانفجرت من عينيها، وكادت تتفوه برفض ما يجري، لكنه سبقها باقترابه منها، واحاط وجهها بكفيه، يمسح دموعها بإبهاميه، ظنت أنه سيعتذر عن إهاناته المتكررة والمتعمدة لها، لكن هيهات!

  التفت خلفه وأمسك بثوب الزفاف ليضعه بين يديها قائلاً لها بتهكم مرير

"يلا يا عروسة خليكي عاقلة واسمعي الكلام، خلينا نخلص من كتب الكتاب بسرعة،  ورانا طيارة بعد ساعتين" 


رمقته بعينين محمرتين من البكاء، وأنف محتقن، فكان مظهرها يجعله يلعن نفسه ألف مرة، وكاد مرة أخرى أن يضعف أمامها ويجذبها بين ذراعيه، لكنه بدلاً من ذلك ولّى ظهره لها وغادر الغرفة تاركاً إياها وحيدة في لجة من الحزن والألم لا قرار لها.


                        ❈-❈-❈

تم عقد القران في صمت ثقيل، خال من أي مظاهر الفرح أو البهجة التي يُفترض أن تُغمر مثل هذه المناسبات. 

 أتم المأذون المراسم بدعوته المعتادة، التي ترددت في الغرفة كصدى باهت لا حرارة فيه. 

"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما على خير إن شاء الله" 


نهض والدها يصافح أدهم بتهنئة صادقة وسعادة ظاهرة، فقال له

"ألف مبروك يا أدهم بيه" 


ربت الأخير على يده بلطف مصطنع، وأجابه

"مفيش داعي يا عمي للرسميات، أنا بقيت جوز بنتك، يعني بقينا أهل ولا إنت شايف إيه؟" 


"يا خبر!، ده شرف كبير ليا، كفاية وقفتك معايا وسددتلي كل ديوني، مش عارف أشكرك إزاي وربنا يقويني ويعيني وأقدر أردلك كل اللي دفعته" 


اتسعت عيناها حين اخترقت كلمات والدها سمعها بوضوح، وازداد قهرها إلى أقصى حد حين رد أدهم على أبيها  وهو يعلم علم اليقين أنها تستمع إلى كل كلمة تُقال بينهما قائلاً

"ما تقولش كده يا عمي، مفيش بينا الكلام ده" 


"وَلَو يا أدهم يا ابني، أنا الحمد لله بقيت بشتغل وبكسب من عرق جبيني، وأنا هسددهم لك بإذن الله" 


"مفيش داعي، اعتبرهم مهر منار" 


لم تتحمل أن تسمع أكثر من ذلك، نهضت فجأة وقامت، فالتفت إليها والدها واقترب منها مبتسماً

"ألف مبروك يا بنتي" 


وفي اللحظة ذاتها، تلاقت عيناها بعيني أدهم الذي يقف خلف والدها، تظاهر لها بابتسامة ساخرة قاسية. 

تراجعت خطوة رافضة عناق والدها، ولم تُجب على تهنئته، بل رمقته بنظرة حادة تنضح بالغضب والألم والكثير الكثير. 

 ثم أمسكت بثوبها بعنف وعادت إلى الغرفة، صفقت الباب خلفها بقوة اهتزت لها الجدران.


وما هي إلا دقائق معدودة حتى ودع أدهم والدها والمأذون والشاهدين، وأغلق باب الشقة خلفهم. 

 زفر زفرة عميقة كأنه يريد أن يتخلص من تأنيب ضميره، ومن لوم فؤاده على ما يفعله بمعشوقته التي أصبحت للتو زوجته. 

 كم تمنى أن تكون الأجواء غير ذلك، فمنذ رآها وأحبها من أول وهلة، حلم بهذا اليوم؛ أن يكون يوم زفافهما وسط أهله وعائلتها، داخل قاعة فاخرة والجميع يهنئونهما. 

 لكن كيف ذلك؟، لقد قلب ما حدث موازين كل شيء، اقتنص فرحته، وعزم على أن يُذيقها كل لحظة قهر عاشها في الأيام السابقة.


وقعت عيناه على الباب الموصد، فذهب إليه وطرقه

"كله مشي، افتحي" 


لم يجد رد منها، فعاد غضبه يتأجج من جديد، فصاح بحدة

"افتحي الباب بدل ما أكسره، بلاش تختبري صبري!" 


انفتح الباب، فوجدها قد خلعت ثوب الزفاف، وارتدت من جديد ثوبها القطني الخفيف الذي جاءت به معه من منزلها، حين فرت من سكين شقيقها الذي أراد قتلها.


رمقها أدهم من أسفل إلى أعلى، وكم أخذ مظهرها ذاك قلبه، بل اختطف عقله! يا لها من جميلة ومثيرة حتى في حالتها المزرية تلك.

 ودَّ أن يعانقها وينهال على شفتيها بوابل من القبلات، لكن كيف يفعل ذلك والمقاطع التي شاهدها لها وهي مع رامي تضرب ذاكرته بقوة، وتجعل دماءه تغلي في عروقه، فبدلاً من أن يرغب في معانقتها، يفعل بها ما لا يُحمد عقباها.


"قلعتي الفستان ليه؟، وإيه القرف اللي إنتي لابساه ده؟!" 


رمقته بكبرياء محطم، وقالت

"مش التمثيلية اللي حضرتك عايزها خلصت خلاص؟!، فاملهوش لازمة بقى الفستان" 


أغمض عينيه في محاولة يائسة للتحكم في جموح غضبه، اللذي إذا أطلقه عليها فسوف تكرهه وتكره اليوم الذي التقت به صدفة.


ابتعد وذهب إلى غرفة أخرى، ثم عاد إليها في ثوان حاملاً حقائب قد اشترى ما بداخلها، مد يده بها إليها وأمرها بلا تهاون

"ألبسي طقم منهم وجهزي نفسك، والباقي رصيه في الشنطة" 


وعكس ما توقع، أمسكت من يده الحقائب، لكن ما هي إلا ثوان حتى خاب أمله؛ إذ ألقت الحقائب في وجهه، وبنظرة تنضح بالسخط والكبرياء اخبرته

"مش عايزة إحسان منك يا أدهم بيه، كفاية مهري اللي سددت بيه ديون بابا، وما تقلقش أنا اللي هسددهم لك" 


أجفلها بنظرة من الجحيم جعلتها تتراجع خطوة إلى الوراء، وفي استعداد للفرار من أمامه. 

 كادت تتحرك خطوة أخرى فقبض على عضدها بقسوة وعنف، هدر بها من بين أسنانه حتى لا يفتك بها

"إنتي اسمعيني كويس، لو كنتي فاكراني أدهم بيه ابن الناس المتربي، تبقي غلطانة، أنا ممكن أعمل فيكي اللي أنا عايزه ومحدش يقدر يكلمني، فلمي نفسك واحترميها بدل ما أكرهك في اليوم اللي شوفتيني فيه، نفذي اللي بقولك عليه وبلاش شغل الكبرياء والكرامة اللي بتعمليه عليا ده، كان أولى تعمليه مع غيري، على الأقل هو اشتراكي وباعك بالرخيص وأنا اشتريتك بالغالي، واللي دفعته لأبوكي ده مهرك يا عروسة" 


واقترب منها للغاية فانتفضت وخشيت أن يفعل بها شيئاً، فهمس لها بالقرب من أذنها

"وما تقلقيش مش هاخد المقابل، لأن زي ما قولتلك جوازنا هايفضل على الورق" 


اعتدل في وقفته ليرمقها بنظرة تحذيرية يرفقها بأمره، ويربت بحدة على خدها

"يلا خليكي شاطرة كده اسمعي الكلام، واعملي اللي بقولك عليه، لأن ما بحبش أكرر كلامي، قدامك ساعة زمن ألاقيكي جاهزة، فاهمة يا مراتي؟" 


ألقى سؤاله الذي تعمد أن يذكرها من خلاله أنها أصبحت زوجته، فما كان منها رد سوى الدموع التي انهمرت مصاحبة شهقات متتابعة.

 نفضت ذراعها من قبضته، وتركها تنفذ أمره، وقلبه يصرخ به ويلومه على كل كلمة وفعل يقترفه بها.


                        ❈-❈-❈

استيقظت من نومها لتجد نفسها بين أحضانه ، فجلست تتأمل ملامحه الرائعة بإعجاب عميق، وتستحضر في ذاكرتها كل ما صنعه معها في ليلة البارحة بكل حميمية وشوق. 

 ابتسمت بخجل يخالطه سرور، وقلبها يخفق كالطائر المحلق من الفرح، فهي بدورها تحبه وتعشقه عشقًا تفيض به الروح، وكانت ممتلئة غبطة وانشراحًا وهي تبادله الحب على يديه، وفي كنفه لا يزال ينتظرها تعلم أسرار كثيرة، أولها أن الخجل يذوب تمامًا ما دامت في حضنه وبين يديه.  

مدت يدها برفق لتبعد ذراعه عنها، ثم انسلت من جانبه في هدوء، ولفت الغطاء حول جسدها العاري لتغطي ما لا ينبغي أن يُرى، فانطلقت مسرعة نحو الحمام.  


مضت دقائق قليلة، ثم بدأ ياسين بالتقلب في الفراش وبدأ يستيقظ، لا سيما حين مد ذراعه ليعانقها فوجد الفراغ الشاغر.

  نهض فجأة بفزع، وتلفت يمينًا وشمالًا في قلق، كاد يناديها بصوت عال، لكنه سمع صوت خرير الماء المتدفق من الحمام، فأدرك أنها تستحم.  

ابتسم ابتسامة ماكرة مليئة بالخبث والرغبةِ المشتعلة.  


بينما هي داخل الحمام، أغمضت عينيها في استرخاء عميق، والمياه تنهمر فوق جسدها كالمطر المنعش، فاستمتعت بدفئها الذي يلامس بشرتها كالنار الدافئة التي تحيي كل خلية.

  مدت يدها لتمسك بعبوة سائل الاستحمام، لكن يده سبقت يدها فجأة، فأجفلت مذعورة، وشهقت بفزع، ثم أدركت أنه يقف خلفها مباشرة. 

كيف دخل ويقف معها هكذا دون أن تشعر به أبدًا؟  

التفتت إليه وبخته بخجل وغضب متظاهر

"انت دخلت هنا ازاي؟!، اطلع بره يا ياسين" 


نظر إليها بنظرة مكر مُدعي البراءة الزائفة تمامًا التي تناقض حتماً نواياه المنحرفة، فاخبرها بجرأته المعهودة

"اطلع بره ليه، و مين هايحميكي غيري يا روح قلب ياسين" 

وأنهى كلماته بغمزة وقحة مثيرة، كادت تفتح فمها لتجيب، فأسكتها بقبلة حارة وعناق قوي تحت شلال الماء، وبعد مقاومة قصيرة منها حتى تتنفس، أطلق شفتيها أخيرًا من قبلته الآسرة، وقال لها بنبرة ساحرة جعلت قلبها وجسدها يستسلما له دون تردد

"أنا اللي كنت بحميكي بعد كل مرة، و لو مش فاكرة سيبيني افكرك" 


وجدت نفسها تهز رأسها موافقة، وخداها يشتعلان خجلاً، فرفع العبوة بعد أن فتح غطاءها قائلًا

"مش قولنا بلاش كسوف و انتي معايا، انا هخليكي تبطليه دلوقتي" 


وبدأ يفرغ السائل رويدًا رويدًا على كتفيها وفي يده، ثم أعاد العبوة إلى مكانها، وبدأ يوزع السائل على جسدها بلمسات ساحرة مثيرة، تشعل في كل خلية نارًا من الشوق والمتعة.  

استمر في توزيع رغوة السائل بلطف يشبه لمسة النسيم، أصابعه تنزلق ببطء محسوب، لا تتعجل ولا تتسرع، كأنما يرسم على بشرتها لوحة من الحنان والعناية. 

  كانت الرغوة تتزحلق على منحنيات جسدها كاللؤلؤ المنساب، ومع كل حركة من يديه كانت ترتجف رفقًا، ليس خوف بل من فرط الإحساس الذي يغمرها.

مد يده الأخرى ليجمع خصلات شعرها المبلل بعيدًا عن ظهرها، ثم انحنى قليلاً ليقبل قمة كتفها قبلة هادئة طويلة، قبلة لا تطلب شيئًا، بل تعطي فقط.

  شعرت بأنفاسه الساخنة تلامس رقبتها المبللة، فأغمضت عينيها مرة أخرى وأسندت جبهتها علي صدره.


همس لها بنبرة تدب الحرارة حتي جميع اطرافها، يغازلها بما يراها الآن

"أنتي زي البدر المنور في عتمة الليل، حياتي كانت من غيرك عتمة ولما رجعتي نورتيها من تاني يا ياسمينتي"


همست بصوت خافت يكاد يختفي وسط خرير الماء

"ياسين"


ابتلعت ريقها ولعقت شفتيها فاردفت

"أنا بعشقك" 


شهقت حينما جذبها مجدداً ليلتقم شفتيها بين خاصته، يغمرها بوابل من القبلات النابعة من عشقه المولع بها. 

و بعد ان ترك شفتيها لتتنفس، واصل توزيع سائل الاستحمام على جسدها ببطء متعمد، تارة يمرر كفيه على كتفيها الناعمتين، وتارة ينزلق بهما إلى أسفل ظهرها في حركة دائرية رقيقة، مما جعل أنفاسها تتسارع تدريجيًا، وجسدها يستجيب لكل لمسة كأنها لحن يعزفه هو وحده.

رفع عينيه إليها فجأة، فالتقت نظراتهما في صمت مشحون بالكلامِ الذي لا يقال.  ابتسامة خفيفة انبلجت علي ثغره لكنها تحمل وعد صريح. 

وضع يديه تحت أردافها برفق حازم، ثم رفعها بسهولة كأن وزنها لا يذكر، حتى صارت ساقاها تتدليان في الهواء للحظة، فشهقت بخوف و اخبرته بنبرة مرتجفة

"ياسين نزلني بالله عليك، أنا خايفة" 


"خايفة و أنا معاكي؟!، امسكي فيا كويس ولفي رجلك جامد حواليا و ماتخافيش"

 همس لها بصوت خفيض مشوب بالأمر والرغبة معاً.

خجلت لثانية لكن الشوق و ما تشعر به الآن كان أقوى، التفت ساقاها حول خصره بتلقائية، كأن جسدها فعل ذلك من قبل، فمازالت خلاياه تتذكر كل فعل و لمسة مع مالك فؤادها نقيض ذاكرة عقلها التي تبني ذكريات من جديد.

 التصق جسدهما تحت الماء المنهمر الدافئ، رغوة سائل الاستحمام تنزلق بينهما كحرير سائل. 

 بينما هو أمسك أحد فخذيها بقوة ليطمئنها ويثبتها، و يده الأخرى تسلقت ظهرها حتى استقرت في أعلى عنقها، يجذب رأسها و وجهها نحوه.

قبلها قبلة عميقة، طويلة، كأنه يسترد منها روحه التي أودعها فيها منذ الليلةِ الماضية. 

 شفتاها ترتعشان تحت شفتيه، وأنفاسها تختلط بأنفاسه مع خرير الماء، ابتعد قليلاً لينظر في عينيها، فوجد فيهما مزيجاً من الخجل والاستسلامِ واللهفة.

"بحبك أوي، و بعشقك، ده أنا مجنونك ومتيم بيكي"

قالها بنبرة صادقة، وهو يمسح بإبهامه على خدها الملتهب.


"وأنا كمان... بعشقك أوي أوي" 

ردت بهمس متقطع، وهي تخفي وجهها في عنقه للحظة، ثم رفعت نظرها إليه مجددا وقالت بجرأة خجولة

"أنا مابقتش خايفة، ممكن تخلينا كده، ما تسيبنيش" 

ضحك ضحكة ساحرة ألقي بها في بحور عشقه العميقة، ثم أجابها و شفتيه جوار أذنها

"أنا مش ناوي أسيبك ولا ثانية... مش هسيبك خالص النهاردة" 

عاد يقبلها من جديد، يعانقها و يتحرك بتمهل يشعل النار في كل خلية منهما. كانت المياه تغطي أصوات أنفاسهما المتسارعة.

 أطبقت أصابعها على كتفيه بقوة، تارة تخدشه بخفة من فرط اللذة المتأججة في كل خلية بجسدها، وتارة تمسك به كأنها تخشى أن يبتعد.

توقف لثوان، يُعطيها فرصة لتلتقط أنفاسها، قام بتقبيل جبينها وعينيها المغمضتين.  


"أنتي كويسة؟"

 سألها بهمس قلق وحنون، أومأت برأسها بسرعة، وفتحت عينيها لتنظر إليه بعيون لامعة

"آه" 

ابتلعت ريقها وهمست في أذنه بشئ ما، فابتسم بسعادة و انهال علي شفتيها بعشق و متعة تسرى في كل انحاء جسده، بينما يداه تمسكان بأردافها بقوة تكاد تترك أثراً.  

و تحت الماء المتساقط كزخات المطر، صارا كائن واحد، كل منهما يذوب في الآخر، يتبادلان الحب والشهوة والأمان في لحظة خارج الزمن. 

 وكلما اقتربا من قمة المتعة كانا يتمسكان ببعضهما أكثر، كأن الفراق ولو لثانية واحدة أمر لا يطاق.  

ظل الماء ينهمر كشاهد صامت على حب لا يعرف الخجل ولا الحدود بين قلبين يغرقا عشقًا. 


                       ❈-❈-❈

ها هو الآن قد استقر في لندن، وتقلد مكانته في أشهر مستشفياتها الخاصة المعنية بعلاج أمراض المخ والأعصاب. انخرط في عمله بانكباب شديد، يشتت به ذهنه عن التفكير في التي لن ينساها حتى الآن، وكأن الزمن نفسه يتآمر عليه. وكانت تأتيه أحيانًا تخيلات تعذبه، فيُخيل إليه إذا زوجها لم يظهر، وتتجلى له الحقيقة بأبهى صورها، فيتساءل في نفسه، ماذا لو أكمل حياته معها؟!، فهو على يقين تام أنه كان سينعم بالفردوس  بجانبها، إذ يتجسد فيها العشق والجمال تجسدًا لا مثيل له؛ يراها حورية من حور الجنة، وكم تمنى أن تكون زوجته وامرأته هو، قبل أن يكشف له القدر الحقيقة المُرة التي أرهقته، وما زال يتعافى من هذا الإرهاق الذي دمر فؤاده وجعله كالأطلال البالية، تتآكلها الرياح وتُلقي بها السنون.


 و الآن قابعًا داخل غرفة الفحص الخاصة به، يتابع حالة رجل يبدو أنه يعاني آثار جلطة دماغية تركت له انحرافًا واضح في الجانب الأيمن من وجهه،بعد أن دوَّن ملاحظاته بدقة بالغة، رفع رأسه إليه وقال بصوت هادئ مطمئن، يفيض بالرحمة والثقة

"لا تقلق سيد إيدين، فإذا داومت على تمارين العلاج الطبيعي مع المواظبة الدقيقة على تناول الأدوية، فسوف تشفى شفاء تام في أقرب وقت ممكن، إن شاء الله"


أجابه الرجل بقليل من الصعوبة في النطق

"أتمنى ذلك يا طبيب، فأنا قد كرهت نظرات الشفقة في أعين جيراني وزوجتي وأولادي، وعندما أرى نفسي في المرآة أشعر أنني مسخ مشوه، لا أطيق رؤيتي ذلك؛ لذا فضلت أن أنعزل في غرفتي بمفردي، بعيدًا عن أعين الناس وألسنتهم" 


عقد رحيم ما بين حاجبيه في تأثر عميق، ثم عقب قائلًا بأسلوب ينم عن رقة إنسانية بالغة

"أنت إنسان مرهف المشاعر سيد إيدين، ويبدو أنك تظن ما ليس في الواقع، إن نظراتهم إليك ليست إلا حزن صادق وتمنيًا لك بالشفاء العاجل، فلا تيأسْ من رحمة الله، وتذكر أن..." 

توقف فجأة عندما سمع صوت صياح حاد في الخارج، صوت أنثوي يدل على غضب مستعر، وهي تتشاجر مع إحدى الممرضات

"كيف يسافر ولم يخبرني؟!، فهو الطبيب الوحيد الذي يتابع حالة جدتي منذ أن مرضت، ما هذا الهراء؟!" 


أخبرتها الأخرى بأسف شديد وتواضع

"أعتذر منكِ بصدق، فأنا لا أعلم شيئًا، ولم يترك لنا أي خبر، هل تريدين أي مساعدة أخرى؟" 


انفعلت الفتاة أكثر، واشتعل غضبها كالنار في الهشيم، فسألتها بسخرية حادة وهي تشير نحو جدتها المسنة

"مساعدة؟!، جدتي قد تدهورت حالتها وتزداد سوءًا يومًا بعد يوم، فماذا ستفعلين لها أنتِ؟!" 


خرج رحيم مسرعًا، فوجد الممرضة تقف في صمت وأسف أمام تلك الفتاة الغاضبة التي تكاد تشتعل من شدة الانفعال، ألقى نظرة سريعة نحو السيدة المسنة التي تجلس وتنظر بخوف كالطفلة المذعورة،  فاقترب من الفتاة بهدوء ينم عن حكمة ووقار، قال لها بصوت هادئ واثق

"من فضلك، ممنوع الصراخ والضوضاء هنا، فهذه مستشفى، يمكننا أن نناقش الأمر بهدوء، فالصراخ لن يجدي نفعًا، بل يزيد الأمر تعقيد" 


رمقته بنظرة مليئة بالغضب، وسألته بتهكم لاذع

"ومن أنتَ أيها المتطفّل؟" 


جز على أسنانه في صبر، ثم أجاب بأسلوب مهذب نقيض تمامًا لما فعلت

"أنا الطبيب رحيم عبد الرحمن" 

انتبهت هنا إلى اسمه، فدارت عيناها نحوه بفضول مفاجئ، وسألته بلهجة مصرية خفيفة

"أنت عربي؟" 


فأجابها باعتزاز وفخر يملآن صوته

"مصري" 


فانقلبت حالتها رأسًا على عقب؛ ذهب الغضب كأنه لم يكن، وحلت محله ابتسامة عريضة بلهاء، مدت يدها نحوه بحرارة

"وأنا كمان مصرية زي بابا الله يرحمه، وإنجليزية في نفس الوقت زي ماما الله يرحمها" 


مد يده بمصافحة سريعة مهذبة، ثم سألها بلطف

"أهلاً وسهلاً، وبابا كان منين في مصر؟" 


شردت لثوان، كأنها تعود بالذاكرة إلى أيام بعيدة، ثم أضاءت عيناها عندما تذكرت جيدًا، فأجابت

"المعادي" 

 رد بابتسامة عريضة، وقال بحماس عفوي

"أحسن ناس، أنا عايزك ما تقلقيش على جدتك خالص، دكتور رينيه على حد علمي سافر بسبب ظروف عائلية، وأنا هنا مكانه مؤقتًا، بجانب الحالات اللي معايا، ومن النهاردة هتابع حالة جدتك، وإن شاء الله نتطمن عليها" 


زفرت الفتاة زفرة أريحية عميقة، وارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة مطمئنة، فقالت

"شكرًا يا دكتور، وبعتذر لو انفعلت عليك، أصل نناه مليش حد غيرها، هي اللي ربتني من بعد بابا وماما، واكتشفت من تلات سنين إنها مريضة زهايمر، وللأسف كل ما الوقت يعدي حالتها بتسوء، رغم إن دكتور رينيه كان بيطمني كل مرة، أنا من غير نناه أموت، كفاية إنها بتنساني كل شوية واقعد أفكرها أنا مين، وبقول مش مشكلة، المهم تبقى كويسة" 


شعر رحيم بحزن، فاقترب منها خطوة أخرى واخبرها بنبرة تفيض بالتعاطف

"وأنا بقولك اطمني، أنا هخليهم دلوقتي يعيدوا الأشعة ويعملولها الفحوصات اللازمة عشان أشوف حالتها وصلت لأي مرحلة، بس عايزك تكوني مؤمنة وعارفة إن للأسف الزهايمر مرض بيأثر على الذاكرة مع الوقت، ومفيش علاج شافي يرجعها زي الأول، لكن نقدر نساعدها تعيش أحسن، فيه أدوية بتبطئ الحالة شوية، والأهم بقى هو اهتمامك بيها، كلامك، صبرك، تنظيم يومها، وجودك جنبها؛ ده أكبر دعم ليها حتى لو بتنسى، إحساسها بحبك بيفضل" 


ابتسمت ابتسامة صافية، وشعرت بالطمأنينة تسري في أوصالها من حديثه الذي أثلج صدرها، فأومأت له برأسها وقالت

"أنا كل اهتمامي ليها، وعمري ما يأست، وعندي أمل إن تحصل معجزة وترجع بصحتها زي زمان، رغم الواقع والتقارير الطبية كلها بتقول إنها حالة ميئوس منها، بس كلامك دلوقتي لأول مرة بيطمني وبيرجعلي الأمل من جديد، شكرًا جدًا يا دكتور" 


ردّ عليها بهدوء وثقة

"مفيش داعي للشكر، ده واجبي؛ غير إن جزء كبير من علاج أمراض المخ والأعصاب بيعتمد على العامل النفسي للمريض، فبنحاول على قد ما نقدر نعمل اللي علينا، والشفاء والتعافي بأمر الله سبحانه وتعالى" 


"ونعم بالله، طيب ممكن أعرف حضرتك هتبدأ تتابع نناه من إمتى؟" 


"من دلوقتي، أنا هابعت أجيب الملف الخاص بحالتها، ممكن تسبيها معانا وتنزلي تستريحي في الكافيتريا، كل اللي طالبه منك رقم أتواصل مع حضرتك عليه" 


مدت يدها نحوه، فرمقها باستفهامٍ خفيف، فقالت بسرعة

"هات الفون أسجلك رقمي"


أخرج هاتفه من جيب معطفه الطبي، فاختطفته من يده بخفةٍ مرحة، تعجب للحظة مما فعلته دون استئذان، لكنه انتظر بهدوء. 

 نقرت على الأرقام بسرعة، ثم قامت بالاتصال على هاتفها؛ فصدح رنينه في جيبها، ثم أنهت المحاولة وأعادته إليه، فسألها 

"هسجّله باسم مين؟" 


نظرت إليه بعينين تلمعان بالود، وأجابت بابتسامة رقيقة

"اسمي چومانة كرم" 


                          ❈-❈-❈

بالعودة إلى أرض الكنانة، وصل قصي للتو برفقة عائلته الصغيرة إلى مهبط الطائرات الخاص، استعدادًا للانطلاق صوب إيطاليا.


وما إن هبطت صبا من السيارة حتى وجدتِ الطائرة في انتظارهما، فاندفع صغيراها يركضان بمرح طفولي عفوي يفيض حيوية وبراءة، وبرفقتهما المربية زينات.


مد يده إلى زوجته ليسرا معاً، ذهبا نحو باب الطائرة للصعود إلى داخلها. 

 وما إن وضعت قدمها الدرجة الأولى من السلم حتى توقفت فجأة، إذ داهمتها الذاكرة بأسوأِ ما فيها ما حدث في أول زواجها، فتجمدت على السلم فالزمن أعاد لها تلك اللحظات من جديد. 


فلاش باك...


انتبهت فجأة إلى تلك الموسيقى الآتية من الخارج، نغمات خافتة تتسلل كالدخان المتعرج، فخرجت على الفور تتجه نحو مصدر الصوت. 

وجدته جالسًا على الأريكة الجلدية الفاخرة، بيده كأس من النبيذ المعتق يتلألأ في ضوء الإضاءة الخافتة، وبيده الأخرى سيجارته التي لم تفارقه قط، 

 ارتشف من كأسه حتى رفع عينيه إليها، فلاحظ تلك الحمرة اللامعة على شفتيها ، 

ارتسمت ابتسامة على ثغره، لكنها لم تمس عينيه، عقدت حاجبيها بضيق وقالت "أنت بتضحك على إيه؟، شايف أراجوز واقف قدامك؟! " 


نهض تاركًا الكأس والسيجارة فوق الطاولة، واقترب منها بخطوات هادئة محسوبة، فأمسك بيدها ووضع يده الأخرى على جانب خصرها، ثم همس بجانب أذنها 

 "بالعكس، أنا شايف قدامي أجمل بنت شافتها عينيا..." 


قالها وأطلق تنهيدة عميقة، فلامست أنفاسه الساخنة بشرة عنقها ووجنتها، شعرت بالتوتر يعصرها، وأرادت أن تبتعد، لكنه شد من قبضتيه حتى لا تفلت منه. حدقت في عينيه، فأدركت أنه بدأ يثمل، والخمر يسيطر على حواسه تدريجيًا.


"ليه كل ما أقرب منك بتبعدي؟! ... ليه مش عايزة تحسي بقلبي اللي بيعشق كل حاجة فيكي؟! ... تعرفي نفسي إيه؟ تخديني في حضنك وأفضل نايم جواه... عارفة ليه؟" 


نظر في عينيها بعشق جامح لا يدرك مشاعره التي يتفوه بها، ثم أردف

 "عشان بحبك..."

 وقبَّل جبهتها بلطف

 "وبعشقك..."

 ثم طبع قبلة على وجنتها

 "وبموت فيكي..." 


كادت تبتعد خشية أن يلتقم شفتيها، ففاجأها بعناق قوي، وسألها

"إشمعنا هو يا صبا؟! ... يفرق إيه عني؟! ... ها؟ جاوبيني!" 


ابتعد برأسه قليلاً، واقترب بشفتيه من وجنتها مرة أخرى، وقال بنبرة مليئة بالحب والشجن والهيام النابع من أعماقه "ساكتة ليه؟ ها؟" 


نظرت إليه في عينيه، فتجمعت عبراتها، وطبقت شفتيها بقوة حتى تمنع انسدال الدموع.

 وضع يده على وجنتها، يتلمسها بحب وشغف

 "ساكتة ليه؟ ...، ريحي قلبي اللي بيموت كل يوم وهو شايف صورته جوا عينيكي..."

 (يقصد آدم) 

"أنا... أنا بعشقك أوي يا صبا..." 


حاوط وجهها بكفيه، وأنهال على شفتيها ليروي ذلك الظمأ وجفاف قلبه، الذي يتوق إلى أمطار حبها لتبعث فيه الحياة من جديد بدلاً من السواد المسيطر عليه بالانتقام.


دفعته بقوة في صدره واخبرته دون تردد

"عشان بحبه ومش قادرة أنساه!"

 صاحت بها وهي ترمقه بغضب لم تدرك أن جملتها تلك أيقظت بداخله شياطين الشر التي تملكت منه للتو، وقد يحدث ما سيجعلها تندم لاحقاً. 


تحولت نظرات العشق في عينيه إلى نظرات تتخللها ابتسامة تلتمع من بين أسنانه كوميض، ابتعدت بخوف واتجهت تركض نحو الرواق، بينما هو يخلع سترته ويلقيها أرضًا، يسرع خلفها بخطوات تسبق دقات عقرب الثواني. 

 دلفت إلى الحجرة وتتعالى دقات قلبها من الخوف، ترتعد أوصالها من الرعب. كادت توصد الباب، لتسبقها قدمه التي وضعها حاجزًا يمنع إغلاقه، فدفعه بقوة حتى ترتمي على الأرض.


"بتحبيه؟!، ومش قادرة تنسيه؟!... أنا هخليكي تنسيه يا صبا... هخليكي تنسيه خاالص"

 صاح بها وهو يجذبها من خصلات شعرها، فصرخت بألم

"آآه فوء يا قصي أنت سكران..."

   تحاول أن تفلت منه وتحرر شعرها من قبضته، فصاح بها مخبراً إياها

"أنا فايق... وفايق أوي كمان لكل كلمة قولتيها... بس عايزك تفتكري كويس أنا ياما حذرتك" 


"أرجوك بلاش يا قصي... أنا آسفة... مش هجيب سيرته تاني خالص..."

 قالتها بنبرة توسل وهي تبكي، جذبها أكثر إلى أعلى، ثم ألقى بها على السرير الذي تتسلط عليه أضواء من السقف كأنها 

، التقط المعطف الذي كانت ترتديه، وسحب الحبل الذي يتوسطه، فاعتلاها وأمسك بيديها وضمهما معًا خلف ظهرها.


"أنا آسفة يا قصي... حقك عليَّ... مش هجيب سيرته تاني..."

 تكررت تلك الكلمات وهي تصرخ بها، وهو لم يبالِ لها، إذ غيب الخمر عقله تمامًا. انتهى من تقييد يديها، ثم أمسك رأسها من الخلف ليقربه من وجهه، وهو يحدق في عينيها قائلًا

 "عايزك قبل ما تنطقي اسمه تفتكري اللحظة دي كويس" 


ألقاها، ثم مد يديه إلى تلابيب ثوبها وقام بنزعه وتمزيقه!


 وإذ بصوته يجفلها فجأة، ينتشلها من ظلام ذكرياتها المتكدس، فعاد بها إلي الوقت الحالي

"صبا، أنتي كويسة؟" 


رمقته بشبه ابتسامة، وأومأت برأسها 

"أنا بخير... هو احنا مسافرين على الطيارة دي ليه؟" 


وتحاشت النظر إليه، لكنه كعادته من نظرة واحدة خلف نظارته الشمسية أدرك وعلم جيدا بما يعتمل في خاطرها. 

 وضع يده على ظهرها، وربّت بحنان يعرفه قلبها جيدًا، فاخبرها

"الطيارة اللي كنا المفروض نسافر عليها للأسف محتاجة صيانة، مكنش قدامي غير دي... وأنتي عارفاني مش بآمن ركوب طيارات خاصة مش تبعي، خصوصًا وأنتي والولاد معايا" 


رمقته بعينين تحملان حزن حاولت إخفاءه، لكنها فشلت فشلًا ذريعًا.


"أنا ما بحبش الطيارة دي" 


تنهد بعمق، ثم قال بهدوء مطمئن

"أنا فاهم عدم حبك ليها، بس ده كان ماضي وراح... تعالي نجدد فيها ذكريات حلوة، وشوفي المرة دي احنا مش لوحدنا، بقى معانا مالك وزينب وأخوهم اللي جاي في السكة" 


وضع يده برفق على بطنها، و احتضنها في آن واحد، فأراحت رأسها أسفل ذقنه، مستسلمة لدفء حضنه. 

 ثم صعدا معًا إلى داخل الطائرة، دلفت  ودارت بعينيها تتفحص المكان، فلاحظت تغييرات بسيطة لكنها ملحوظة. 

 شعرت بيده على كتفيها حين همس لها

"أنا عملت شوية تجديدات هاتعجبك" 


فالتفتت خلفها لتطمئن على صغيريها، وجدتهما يجلسان مع زينات في مرح عفوي، يضحكان ويلعبان.

  أمسك بيد زوجته وقال لها

"تعالي هوريكي حاجة" 


وسارا معًا في الرواق الضيق، وعيناها تتابعان تفاصيل كل شيء حتى توقفتا أمام غرفة النوم. 

 كادت تأبى الدخول، لكنه سحبها برفق حازمٍ إلى الداخل، وأغلق الباب خلفهما.


"إيه رأيك؟" 

لاحظت التغييرات الكثيرة في غرفة الاستراحة؛ الألوان أصبحت أكثر دفء، الأثاث أنيقًا بطريقة مختلفة، والإضاءة ألطف، كأن المكان قد نفض عنه غبار السنين القديمة.

  احتضنها من الخلف وقال بهمس عميق

"ما تيجي نحذف أي ذكرى وحشة حصلت هنا" 


لم يمهلها الرد، فبدأ يقبِّل عنقها بلطف متصاعد، استدارت لتصبح أمامه، وقالت محاولة التماسك

"و ده وقته؟!، ولادك كمان صاحيين بره، يعني في أي وقت هييجوا يخبطوا" 


"ما تقلقيش، معاهم داده زينات اللي بالتأكيد هتفهم سبب غيابنا، فهتاخد بالها منهم" 


"أنت ما بتضيعش أي فرصة خالص!" 


عانقها بحميمية أعمق، وأجاب بثقة وفخر يملآن صوته

"يعني بذمتك عايزاني أشوف القمر اللي خاطف قلبي معاه وإحنا طايرين فوق السحاب وما أستغلش الفرصة وأعبر له قد إيه هو واحشني!" 


كلماته مع نظرة عينيه اللامعة وابتسامته الساحرة، أشعلا في صدرها نيران الحب من جديد، تذكرت مرة أخرى صغيريها، فترددت وقالت

"قيصو حبيبي، تعالي نأجل أي حاجة لما نوصل إيطاليا بالسلامة" 


تجهمت ملامحه لثوان، ثم تحولت إلى ابتسامة ماكرة، وقال بإصرار وحسم

"وأنا طالبة معايا هنا" 


وقبل أن تفترق شفتاها للاعتراض، التقطها في قبلة مثيرة عميقة، وعانقها عناقًا جعلها كالهلام بين ذراعيه، مستسلمة لقوة الحب والشوق الذي لا يُقاوم.

انحلت بين ذراعيه كقطعة ثلج تحت دفء لهيب طال انتظاره، فاستسلمت للقبلة، شفتاه تلتقمان شفتيها برفق يتحول تدريجيًا إلى جوع مكبوت، أنفاسهما تختلط في رقصة صامتة، وأصابعه تغوص في خصلات شعرها المنساب كالحرير، يجذبها نحوه أكثر فأكثر، كأنه يخشى أن تذوب في الهواء إن تركها لحظة واحدة.


رفع رأسه ببطء، فترك شفتيها تلهثان، محمرتين، مبللتين بعشقه، نظر إليها بعينين غارقتين في بحر من الحنان والرغبة المشتعلة، وضعت يدها علي صدره فارتجفت، تشعر بدقات قلبه المتسارعة كأنها طبول حرب ،  قبَّل راحة يدها بلطف يُذيب القلب، ثم رفعها إلى شفتيه مرة أخرى، يقبِّل كل إصبع على حدة. 


يعلم أنها في حالة من التوتر، فترك يدها و فتح لها ذراعيه قائلًا

"تعالي... خليني أحضنك، مش عايز حاجة دلوقتي غير إني أحس بالدفا ونفسك على رقبتي، وصوت قلبك اللي بيردد اسمي جواكي" 


 سحبها برفق يشبه الرجاء إلى حضنه، جلس فجعلها تجلس  وجهها مقابل وجهه، فأحاطها بذراعيه كأنه يُشكل درعًا من لحمه وعظمه حولها. 

 أسندت جبهتها على جبهته، وأغلقت عينيها، تشعر بدموع ساخنة تتسلل من تحت جفنيها، فها هي هرمونات الحمل في أوج نشاطها و تقلباتها المزاجية. 


رفع يده بلطف، مسح الدمعة التي انزلقت على خدها بإبهامه، ثم قبَّل المكان الذي كانت فيه، كأنه يمحوها بفمه.


"عشان خاطري بلاش عياط، أنا مقدر حالتك النفسية، بس مش عايز اشوف دموعك" 

انحنى وقبَّل عنقها ببطء شديد، قبلة طويلة تترك أثرًا من الحرارة، ثم انتقل إلى أسفل أذنها، يهمس بين القبلات

"بحب ريحتك... بحب صوت ضحكتك لما بتكوني مسترخية... بحب كل حاجة فيكي" 


ارتعشت في حضنه، وأحاطت عنقه بذراعيها، تضمه بقوة كأنها تخشى أن يختفي، دفنت وجهها في كتفه. 


ابتسم من ما تفعله، قبَّل قمة رأسها مرات متتالية، ثم رفع وجهها بأطراف أصابعه لينظر في عينيها.

وضع كفه على بطنها بحنان لا يوصف، يداعبه بأطراف أصابعه ، ثم عانقها حتى التصق جسداهما تمامًا، واستلقيا معًا على السرير. 

دثرها بجسده جزئيًا، ليس برغبة عابرة، بل حماية وحب يفيضان من كل خليةٍ فيه.


"نامي في حضني... و نبقي نصحى في إيطاليا" 


أغلقت عينيها، وابتسمت ابتسامة صغيرة مطمئنة، وهي تشعر بأنفاسه المنتظمة على جبينها، ويده تُربت على ظهرها بحركة هادئة، ظل كليهما علي هذا الوضع حتي شعر بأنفاسها التي انتظمت فعلم أنها استسلمت للنوم وغفت بين أحضانه. 


                     ❈-❈-❈


جلس أمام المدفأة المتأججة، يمسك  ألبوم صور قديم، مليئًا بلحظات قديمة، تجمعه هو وسيلينا وشقيقه في أواخر العشرينيات من عمرهما. 

 كانت الصور تروي قصة صامتة، فهناك منها ينظر إلي شقرائه بعينين تفيضان عشق خالص، وهي دائمًا ما تتجه نحو شقيقه، الذي كان يتباهى بأنها هي من تركض خلفه.


ابتسم بسخرية مريرة، ابتسامة تخفي جرحًا لا يندمل، ثم رفع يده الأخرى التي تحمل كأس الفودكا، فجرعها دفعة واحدة، عسى أن يُخفف الخمر من لهيب الألم الذي يعصر قلبه. 

 لكن كيف يُخفف الخمر ما لا دواء له؟، فألم الحب المُستغل، حين يُحب المرء شخصًا بقوة ويكون ذلك الشخص يعلم بحبه فيستغله بوقاحة لا تُطاق، ذلك الألم يظل ينخر في الصدر كالصدأ في الحديد.


فجأة قطع الصمت صوت تكسر زجاج كأس الخمر في قبضته؛ كان قد شد عليه حتى تحطم، وسال الدم الممزوج بالفودكا على أصابعه، لكنه لم يشعر بألم الجرح، فجرح القلب أعمق وأشد.


دخل أحد رجاله، وقف بثبات عسكري، وقال بصوت منخفض محترم

"سيدي، لقد علمنا أين هي الآن" 


أجابه فلاد بتهكم بارد، وهو لا يزال جالسًا أمام اللهب المتمايل

"لم تأتِ بجديد، أريد معرفة جميع تحركاتها دون أن يلفت أحدكم انتباهها" 


"أمرك، سيد فلاد" 


أشار له بيده أن يغادر، ثم نهض ببطء متأن، كأنه يُعد نفسه لفعل طال تأجيله يومين كاملين. 

 غادر دفء المدفأة، وسار بخطوات ثقيلة لها ايقاع يُرعب أعداءه، خطوات تُنبئ بقادمٍ لا رحمة فيه. 

 نزل إلى القبو البارد، ذلك السجن الذي يقبع فيه الخائن الذي اقتحم قلعته برجاله و ساعد سيلينا علي الفرار، فكان مقيد الأطراف، معصوب العينين، يرتعد من البرد والخوف.


وحين سمع صوت الخطوات تقترب، ارتعش هذا المكبل وأرهف السمع، حتى وقف فلاد أمامه ورفع يده، نزع العصابة عن عينيه بعنف، فنظر الرجل إليه برعب يفوق الوصف.

  تفوه فلاد بصوت هادئ يحمل غضب مستعر

"هل اعتقدت أن ما فعلته من مخطط أحمق واتفاقك مع عاهرتي الشقراء، سيمر كمرور الكرام بهذه السهولة؟!" 


اقترب أكثر، حتى لامست أنفاسه أذن الرجل، وأردف بهمس يقطر سم

"أنا أعلم بكل شيء قبل أن يحدث، تركتك تنفذ وتفعل ما تشاء أنت وهي، كنتما تظنَّان أنني أحمق؟! ها؟، بل الأحمق هو من يتعامل مع الآخرين على أنهم أغبياء، من الممكن أن أقتلك الآن، لكن لا... فالحمقى أمثالك لا يستحقون شرف الموت، بل سأجعل الموت أمنيتك الوحيدة... والآن" 


أخرج سلاحه من خلف بنطاله، شد أجزاءه ببرود، بينما صاح الرجل المقيد برفض هستيري، حيث اعتقد إنه سيقتله

"لا... لا... لا..." 


فأسكته رصاصات انطلقت من فوهة السلاح، استقرت في قدميه، صرخ الرجل من الألم الذي مزق أعصابه، فأخبره فلاد ببرود جليدي

"سأتركك هكذا حتى تتعفن ساقاك وتزهق روحك على مهل" 


بصق عليه باحتقار، ثم تركه يئن في الظلام، وصعد إلى الأعلى. 

 نادى على أحد رجاله الذي حضر في الحال، فألقى عليه الأمر الصارم

"أبلغ الرجال أن لدينا رحلة سفر الآن" 


سأله الرجل بحذر

"إلى أين سنسافر يا زعيم؟" 


أجاب زعيمه باقتضاب، وعيناه تنضح بكل ما هو آت من إعصار لا يهدأ، وعد بالانتقام الذي طال انتظاره، ووعد بأن يسترد ما سُرق منه، مهما كلفه الأمر

"إلى إيطاليا" 


 يتبع...

#الفصل_السابع_والثلاثون_الجزء_الأول

#غرام_الذئاب

#الجزء_الرابع_من_سلسلة_صراع_الذئاب

#ولاء_رفعت_علي

«بعد إذن كل اللي بيقرأ في صمت اتفاعلوا بلايك اوي أي ريأكت وصلي علي نبينا الكريم سيدنا محمد صل الله عليه وسلم في التعليقات🌹»

 

وصلت الطائرة للتو وهبطت على الأراضي الإيطالية، انفتح بابها ببطء، فظهر قصي ممسكًا بيد ابنته الصغيرة بكل رقة وحنان، بينما كانت صبا تمسك بيد ابنها، ليجدوا كنان ورجاله في انتظارهم بوقار وترحاب.

"حمدالله علي السلامة يا باشا"


فتح ذراعيه على اتساعهما ليعانق صديقه، وربت كلاهما على ظهر الآخر بروح مليئة بالسعادة والحبور.

"الله يسلمك يا كنان"


وفجأة صدح رنين هاتفه، فرفع يده قائلاً

"هرد علي التليفون، اركبوا العربية عقبال ما اخلص" 


فتقدمت الصغيرة نحوه بخطى خفيفة ومدت يدها الصغيرة.

"أزيك يا أونكل كنان، أنت كنت فين كل ده؟" 


هبط على عقبيه حتى استوى على مستوى عينيها، وأمسك يدها الصغيرة يقبّلها مبتسمًا من خلف نظارته الشمسية.

"حبيبة قلب أونكل، أنا موجود بس كنت مشغول شوية" 


ثم اعتدل واقفًا، فنظر إلى صبا نظرة سريعة دون تحديق مباشر، إنه يعلم تمامًا مدى غيرة صديقه، واكتفى بابتسامة ترحيبية رقيقة.

"حمدالله علي السلامة يا مدام صبا" 


أجابته مبتسمة بدورها ومدت يدها بتلقائية، فشعر بالحرج واضطر أن يصافحها لكن بدون أن يحتوي يدها.

"الله يسلمك، فينك من زمان، حتي مابقتش تجيب الولاد و مامتهم وتيجوا عندنا" 


جذب يده سريعًا ونظر نحو قصي، فوجده وإن كان منشغلاً في المكالمة الهاتفية، يراقب ما يحدث بعينين حادتين. فأومأ كنان لزوجة صديقه باقتضاب وشبه ابتسامة قائلاً

"مشاغل الحياة، والشركة واخده كل وقتي" 


"ربنا معاك ويوفقك" 

وقبل أن يجيب كنان، تدخل قصي بإطلاق زفرة مسموعة للجميع، تحمل ضجرًا يتخلله بعض الغضب، وتعابير وجهه خير دليل على ذلك. 

 حدقت إليه زوجته بنظرة جانبية انتبهت لها، فقال

"يلا علي العربية"


كان السائق في انتظارهم، ففتح باب السيارة ذات الدفع الرباعي السوداء الفخمة، ووقف كنان جوار الباب ينتظر صعودهم أولاً. 

صعد الصغيران أولاً، يليهما السيدة زينات، ثم صبا التي كادت تصعد، وإذا بها في لحظة تتعثر قدمها. 

 وبدون أن تنظر إلى من يقف جوارها، استندت تلقائيًا لتتجنب الوقوع، فاليد التي تشبثت بها ارتجف صاحبها بحرج شديد. 

 وقبل أن تنتبه، أمسكها زوجها من خصرها ليدفعها بلطف إلى داخل السيارة وصعد خلفها.


ابتلع كنان ريقه وحمحم قائلاً

"علي مهلكم"


ثم فتح باب السيارة الأمامي وصعد ليركب جوار السائق، بينما في الخلف، فكانت المقاعد المتقابلة تتسع لعدة أشخاص. 

 انشغل الصغيران بالحديث مع زينات وهما يراقبان الطائرات المحلقة في السماء بإعجاب، بينما رمقت صبا قصي وهمست له من بين أسنانها

"علي فكرة، أنا مكنتش واخدة بالي سندت علي ايده عشان تقوم رفعني من وسطي وتدخلني زي العيلة الصغيرة، و كنت هاتكفي علي وشي" 


رمقها زوجها من خلف نظارته الشمسية بنظرة صاحبها الصمت الثقيل الذي لازمه منذ أن استيقظت قبل هبوط الطائرة.

تجاهل نظرتها تمامًا وأمسك بهاتفه ليجري اتصالاً، وكأنها تتحدث مع ذاتها. 

 زفرت بضجر ونظرت أمامها، فتلاقت عيناها بعيني مربيتها التي رمقتها بإيماءة أدركت منها الأخرى أن تهدأ ولا تتحدث مع زوجها الآن.

فأخرجت هاتفها لتشغل نفسها به، وما إن فتحت شبكة الإنترنت حتى تلقت رسالة من الشركة الأجنبية على البريد الإلكتروني، وفحواها كالآتي

«مرحباً مدام صبا... أننا نذكرك بموعد المقابلة للتعاقد والذي سيكون بعد الغد، نرجو الرد خلال 24 ساعة».

مسحت جبينها عندما تذكرت أمر الشركة والتعاقد، ثم قامت بإرسال رسالة صوتية لمساعدتها الخاصة

«سالي، ابعتيلي Design Files و CAD Patterns ضروري»

انتهت من الإرسال وعادت بظهرها إلى الوراء وهي تنظر إلى شوارع إيطاليا الجميلة، فكان السائق متجهًا إلى ميناء على ضفاف نهر البو، حيث ينتظرهم اليخت، حيث صعدوا جميعًا، والوجهة المنزل الصخري الفخم على جزيرة في نهر البو شمال إيطاليا.

                            ❈-❈-❈

وفي مصر أرض الكنانة، يفتح باب منزله كما يفعل كل يوم بعد انتهاء عمله، فوجد ابنه وابنة زوجته في انتظاره وكأنهما كانا يحسبان دقائق عودته. 

 ألقى التحية أولاً

"السلام عليكم"


ردد الصغار التحية بصوت واحد، وركض كلاهما نحوه فعانقهما بلهفة أبوية دافئة وقال بحنان يفيض بالمحبة

"حبايبي" 


وربت يداه على ظهريهما بحنان غادق  يسكب فيهما الطمأنينة، انحنت ريتاچ على أذنه تخبره بهمس لا يسمعه سواه

"هاقولك علي حاجة يا بابا طه، ماما من الصبح قاعدة في الأوضة لوحدها، وفاتحة الموبايل علي صورتك وعماله تكلمك وتعيط وبعدها تضحك زي المجنونة" 


شرد للحظة في حديث الصغيرة، ثم انتبه إلى ما قالته عن والدتها، فرمقها بعتاب لطيف

"عيب يا ريتاچ نقول كده علي ماما، و عيب برضه نتصنت علي حد حتي لو لوحده، أنا علمتك كده؟" 


هزت رأسها بنفي ونظرت إلى أسفل بأسف وندم واضحين

"أنا آسفة يا بابا مش هاعمل كده تاني" 


ربت عليها بحنان وقبل رأسها وقال

"حبيبتي ربنا يكملك بعقلك" 


وفي الداخل، ما زالت زوجته تمكث في الغرفة حتى غلبها النوم وهاتفها في يدها. دلف بخطوات حذرة وبدون صوت، اقترب منها برفق، ثم سحب الهاتف من يدها بهدوء وقام بفتحه ليجد ما قالته الصغيرة صحيح تمامًا. 

 اعتلت السعادة محياه، واطمأن قلبه حين تأكد أنها ما تزال تحبه، ولكن كرامتها وكبرياؤها هما اللذان يتعاملان معه بحدة ونفور بسبب ما اقترفه في حقها، لذا عزم على محاولة ليست بالأخيرة، وعلى ثقة تامة بأنه سينجح كما يريد.


أعاد إليها الهاتف في يدها برفق، ثم ذهب ليفتح الخزانة وأخذ ثياب له متعمدًا إصدار صوت لينبهها بأنه قد عاد من عمله. وبالفعل قد انتبهت من نومها إلى أنه في الغرفة، فتحت عينيها نصف فتحة ثم أغمضتهما بسرعة عندما سمعت رنين هاتفه، وتصنعت النوم. 

 سمعته وهو يجيب على الاتصال بصوت خافت، لكن حاسة السمع القوية لديها التقطت كل حرف بعناية

"ألو؟ " 

........  

"أيوه أنا طه سالم البحيري" 

..........  

"اه عندي واتس، ممكن حضرتك تبعتيهم وأنا هاجي بكره أخدهم... تمام... سلام" 

أنهى المكالمة وتنهد، ثم نظر نحو تلك النائمة وهو على يقين أنها مستيقظة وتسمعه. 

 ترك هاتفه على طاولة الزينة وذهب ليستحم كعادته، بينما هي نهضت سريعاً وذهبت أولاً لتتأكد أنه يستحم، حتى سمعت صوت المياه الجاري فاطمأنت، عادت مسرعة إلى الغرفة، والشك يأكل قلبها أكلاً، فحدسها يهمس لها بأن ثمة أمراً يخفيه، أمراً لا يبشر بخير على الإطلاق.


فتحت هاتفه بيدين مرتجفتين لتجد رسائل صادرة على برنامج الدردشة من رقم مسجل باسم 

«مركز السلام للأشعة والأورام»!! 


رجفة عنيفة أصابت جميع خلايا جسدها بمجرد قراءة اسم المرسل، ووجدت صورة أشعة للمخ لم تفقه منها شيئاً، وصورة أخيرة مرفقة بتقرير طبي باللغة الإنجليزية.

دقات قلبها خفقت كقرع الطبول، فما كان منها إلا أن أرسلت لنفسها كل الصور والتقرير على الفور، ثم أمسكت بهاتفها وفتحت تطبيق الذكاء الاصطناعي مساعدها الافتراضي، واستدرجت كل الصور إليه وأعطته أمر الترجمة والشرح التفصيلي. 

 مرت لحظات كمرور الدهر حتى أعطاها الترجمة والشرح المبني على كم هائل من المعلومات الطبية المخزنة لديه

«تقرير أشعة بالرنين المغناطيسي على المخ... أظهر الفحص وجود كتلة ورمية غير منتظمة في الفص الجبهي الأيسر من المخ، يبلغ حجمها التقريبي نحو (5 سم)، مع انتشار وذمة شديدة بالأنسجة المحيطة وتأثير ضاغط واضح على البطين الجانبي وانحراف بسيط في الخط المتوسط للدماغ... الخصائص الإشعاعية للكتلة تشير إلى ورم دماغي خبيث عالي الدرجة وفي مرحلة متقدمة.


الصورة الإشعاعية تتوافق مع ورم خبيث متقدم بالمخ مع تأثير كتلي ملحوظ... 

يوصى بالتقييم العاجل من قبل فريق جراحة المخ والأعصاب لتحديد مدى إمكانية التدخل العلاجي»


قرأت التقرير عدة مرات، ودعت ربها مراراً أن تكون مجرد مزحة أو مقلب، لكن شعار المركز، وبيانات زوجها الشخصية، واسم فني الأشعة المدون أسفل التقرير، كل هذا كان حقيقياً لا جدال فيه.


رعشة أخرى أصابت أوصالها، وشعور بالاختناق داهم صدرها الذي كان يعلو ويهبط بعنف شديد. 

 هل ما قرأته صحيح؟!، كيف ومتى حدث ذلك؟، ولماذا لم يخبرها به؟، تذكرت آخر حديث بينهما، وكم الندم الذي يعيش به، واعتذاراته المتكررة لها لعلها تغفر له وتسامحه.


مشهد سابق... 

انتبهت إلى ما أعده لها من أجواء شاعرية مصطنعة؛ مائدة يتراقص فوقها وهج الشموع الذهبية، وورود متناثرة كأنها محاولة متأخرة لرتق قلب مكسور، وأطباق طعام شهية تفوح بروائحها، وعلبة مغلفة بالمخمل الأحمر، توحي بأنها هدية محملة بالاعتذار.

في عينيه ارتسم ندم ثقيل، جلس على إحدى ركبتيه أمامها، وأمسك يدها قائلًا بصوت خرج من أعماقه

"والله العظيم ندمان ندم عمري، وطالب السماح وفرصة أخيرة، وأوعدك وعد راجل حر عمري ما هكررها تاني، أنا ماليش غيرك، وعمري ما هلاقي واحدة زيك، بنت حلال وبنت أصول، شايلاني وشايلة بيتي وولادي في عينيها، وأنا كنت غبي يوم ما فكرت أبص لغيرك، والشيطان عمال يدورلي على حجج ومبررات كانت حلولها سهلة وبسيطة، لكن أنا زي أي واحد استسهل الحرام وأنا معايا جوهرة" 

انحنى وقبّل يدها، ثم وقف وهو يقول

"أنا آسف يا شيماء، حقك عليّا، كفاية بقى بعاد وخصام، خلينا نفتح صفحة من أول وجديد، أنا بحبك أوي، ومش قادر أستحمل بعدك عني أكتر من كده" 


بينما هي تقف أمامه صامتة، لكن عينيها كانتا تصرخان بما عجز اللسان عن قوله؛ تحكيان عن وجع ثقيل عاشته الأيام الماضية، وعن خيانة نزفت قلبها وأحدثت فيه شروخ وجراح لا تلتئم. 


"بحبك أوي يا شيماء"

تفوه بالكلمات من فؤاده واقترب منها، قبّل رأسها، ثم مال نحو شفتيها، بينما عيناها لا ترى إلا المشاهد التي حفرت ذاكرتها في الغردقة، يوم رأته برفقة روميساء.

دفعته قبل أن تمس شفتيه خاصتها، وانفجرت ثورة الوجع والحزن المختزنة بداخلها صراخات في وجهه

"أنت فاكرها بالساهل كده يا ابن الشيخ سالم؟!، أنت عارف عملت فيّا إيه؟!، أنت كسرتني، خيانتك ليا عملت جوايا شرخ كبير عمال ينزف من ساعتها لحد دلوقتي، أنا وجودي معاك هنا مش علشانك، ولا علشان مش قادرة أبعد عنك، أنا سبب وجودي عشان خاطر الولاد، مالهمش ذنب أعيشهم مشتتين ما بينا لو انفصلت عنك، مضطرة أجي على نفسي وأستحمل أشوفك كل يوم في وشي عشانهم، ولو عندك ذرة عشم إني أسامحك وأرجع، يبقى أنت غلطان، أقولك عشان ترتاح، وأنا اللي بقولهالك بنفسي، روح اتجوز يا طه، روح اتجوز أحسنلك، لأنك هتفضل بالنسبة لي أبو عيالي وبس" 


ألقت كلماتها كأنها حجارة، وتركته خلفها، وأسرعت بخطوات متعثرة نحو غرفة صغارها قبل أن يرى دموعها، دوى صوت صفق باب المنزل، فاهتزت جدران الشقة ونوافذها، وارتفع صدرها يعلو ويهبط بعنف، هنا فقط انهارت، وجلست على الأرض وأجهشت في بكاء مرير، بكاء امرأة انكسر قلبها ولم يبقَ لها سوى الصبر.


عودة إلي الوقت الحالي... 

                           ❈-❈-❈

وها هم الآن قد وصلوا جميعًا إلى المنزل الصخري المكون من طابقين، يرتفع شامخًا كحصن منيع يحتضن أسرارًا وذكريات منذ عشر سنوات. 

 ينتشر الحراس في كل الأرجاء، يقفون كالأعمدة الراسخة، يراقبون كل زاوية بيقظةونشاط.

يركض الصغيران بمرح طفولي عفوي، يسبقان والديهما ومربيتهما إلى الداخل، 

استقبلتهم مديرة الخدم و التي تدعى ماتيلدا بسرور غامر وترحاب حار يفيض بالود والإخلاص، قائلة بابتسامة مشرقة

"أهلاً وسهلاً بك سيدي و بالسيدة صبا" 


أومأ لها قصي بابتسامة

"أهلاً بكِ ماتيلدا"


ورددت صبا نفس ما قاله زوجها، لكنها تقدمت الجميع وصعدت إلى الأعلى، وهي تتذكر تفاصيل ذاك المنزل قطعة قطعة، وكيف كان حالها عندما أتى بها إليه أول مرة. 

 حاولت أن تكون غير مبالية للماضي، وأن عليها الاستمتاع بالعطلة، وقبل كل ذلك ترى سبب غضب زوجها الكامن، وعليها أن تتلاشى توابع هذا الغضب حتى لا تفسد عطلتهم التي يعد لها منذ زمن.


جلست على طرف الفراش، تخلع حذاءها بهدوء، وتمدد ساقيها بتأوه خافت، فتتدفق في جسدها موجة من الراحة اللحظية. 

 دلف قصي وهو يخلع سترته ببطء، ثم ذهب إلى غرفة الثياب، نهضت دون أن إصدار صوت، ولحقت به في خطوات خافتة كالنسيم. 

 يخلع قميصه، فشعر بها وهي تعانقه من ظهره وتسأله بدلال رقيق

"حبيب قلبي وروحي ماله زعلان ليه؟" 


أزاح ذراعيها عنه وزفر بضيق شديد، فالتفت إليها وفاجأها بملامح يكسوها التجهم، هيهات وهدر بها قائلًا

"من امتي و انتي بتمدي إيدك بتسلمي علي راجل غريب؟!، و عماله ترغي و تدي و تاخدي معاه في الكلام ليه؟" 


اتسعت عيناها وتفاجأت من حديثه، فقالت بصوت يرتجف من الدهشة

"أنت أكيد بتهزر يا بتهزر صح؟" 


رمقها بغضب وبنبرة أجفلتها، فهدر بها مرة أخرى

"أنا ما بهزرش في المواضيع دي وأنتي عارفة كده كويس، و مش معني إن بحاول أغير من نفسي للأحسن يبقي تخليت عن نخوتي يا هانم!" 


رددت ما قاله بتعجب ودهشة بالغة

"نخوتك!!، لاء بقي دي تلاكيك، أولاً مديت إيدي من غير قصد والسلام كان مجرد ثواني، و كان كلامي معاه مجرد سؤال و بطمن علي مراته وولاده، و خد بالك من كلامك عشان ماتندمش عليه زي قبل كده" 


اقترب منها حتى شعر بأنفاسها الدافئة، ليخبرها بتحذير صارم

"و انتي كمان خدي بالك من تصرفاتك، عشان رحلتنا هنا تعدي علي خير" 


رمقته بضيق وصدمة عميقة، كيف له أن يتحدث معها بذلك الأسلوب الجاف القاسي!، انتفخت أوداجها فأخرجت زفرة بنفاد صبر، وهَمت بتركه مغادرة الغرفة بالكامل. 

 هيهات وجدت يدها تنجذب فجأة بقوة، حيث جذبها من ساعدها ليجعلها تقبع بين ذراعيه، جعل رأسها تتوسد صدره، فسمعت نبضات قلبه الهادرة كالطبول الثائرة، يغمض عينيه ويسند ذقنه أعلى رأسها، وأنفاسه ثائرة مضطربة.

  مرت لحظات ثم هدأ، بينما هي ظلت ساكنة كالتمثال حتي رفعت رأسها ببطء ونظرت إليه في محاولة لقراءة ما يدور في رأسه.

بعد أن هدأت ثورة الغضب قليلاً، عكس نبرتها الثائرة منذ قليل، سألته بهدوء وصوت حاني يعانق القلب بدفء، وذلك بعد أن حاوطت وجهه بين كفيها الناعمتين، كأنها تمسك بأثمن ما في الدنيا

"قول اللي جواك وفضفض لي، مالك يا حبيبي؟" 

رمقها بصمت عميق، حتى مرت دقيقة وربما أكثر، فتنهد تنهدًا طويلًا وأخبرها

"معلش يا صبا، ممكن تسيبيني مع لوحدي شوية" 


رمقته بحزن وبعتاب رقيق

"من غير ما تقولي أنا عارفة إيه اللي مضايقك، مش حوار سلمت علي كنان، أنت متضايق من وقت ما ركبنا الطيارة و دخلنا نريح في الأوضة اللي كانت بتجمعنا فيها ذكري ما بحبش افتكرها، أنت كنت عايز نسيب ذكري حلوة عكس اللي فاتت، وشكلك اتضايقت لما لاقتني رفضت، صح؟" 

مازال يحدق في عينيها بكثير من المشاعر المتضاربة، حتى حان وقت التحدث، فتنهد مرة أخرى وأخبرها

"نفسي الزمن يرجع بينا و مكنتش عملت أي حاجة من اللي حصل و سابت فيكي ندوب لحد دلوقتي، برغم السنين لسه مش قادرة تنسيها" 

تجلت على محياها شبه ابتسامة حزينة، وهي تبتلع غصة علقت في حلقها للتو،  فقالت له

"أنا عقلي اللي مش قادر ينساها، لكن قلبي هو اللي نسي، أنا بحبك يا قصي، بحبك لدرجة إن مقدرش اتصور حياتي من غيرك، طب اقولك علي حاجة رغم إن المفروض احتفظ بالكلام ده لنفسي عشان سيادتك ماتستغلش الحوار لصالحك" 


ابتسم وليته ما ابتسم، فنواجذه سلبت عقلها، بينما هو سألها ويعلم ما ستخبره به

"قولي" 


"كنت كل مرة لما بنتخانق ويحصل بينا مشكلة كبيرة وبقولك ننفصل، طبعا بكدب عليك لأن عارفة وواثقة أنك مش هاتعملها مهما حصل، ما أنكرش ببقي زعلانه منك و مابقاش طايقاك لدرجة ببقي نفسي أخنقك بس في نفس الوقت ما بقدرش أعيش بعيد عنك، أنت روحي وقلبي وعقلي زي ما أنا روحك وقلبك" 


وما إن انتهت من كلماتها حتى وقفت على أطراف قدميها، لتباغته بقبلة قوية حارة، تبث له من خلالها مشاعرها نحوه وصدق حديثها.  

ما لبثت قبلتُها سوى ثوان معدودة، وكأنها أضرمت نيران العشق داخله، فحملها على ذراعيه بقوة وعذوبة، ولم يفصل قبلتهما، حيث رد على كل ما أخبرته به بالفعل وليس بالقول، يغمرها بحنانه ودفء فؤاده الذي يعشقها حتى المنتهى.


                         ❈-❈-❈

انهمرت عيناها بدموع غزيرة، وارتفع صوت بكائها حتى وصل إليه، مما جعله ينهي استحمامه على الفور ويرتدي ثيابه على عجلة من أمره، ثم هرع إليها فوجدها تبكي بحرقة شديدة. 

 انتفض من هيئتها وحالتها هذه، ورأى هاتفها في يدها، فسحبه ليجد السبب، فلعن نفسه إذ لم يتوقع رد فعلها الذي أحرق قلبه. 

 وجد الصغيرين خلفه بعد أن لحقا به، فسألت ريتاچ بخوف وفزع

"في إيه يا ماما، مالك يا حبيبتي؟" 


واقترب سالم يجلس جوارها يربت عليها

"بتعيطي ليه يا ماما؟، إيه اللي حصل؟" 


أخبرهما والدهما وهو يحاول ضبط أعصابه فهو المتسبب لها بحزن ضريع مرة أخرى

"سالم، ريتاچ، معلشي سيبوني أنا و ماما لوحدنا شوية" 

أذعن الصغيران لأمره وذهبا وأعينهما على والدتهما وحالتها التي يرثى لها، أغلق الباب خلفهما، وجلس على عقبيه أمامها، مسح دموعها 

"بتعيطي ليه!، مفيش حاجة تستاهل دموعك، حقك عليا أنا آسف" 

وقام بتقبيل جبهتها ثم عانقها وربت عليها

"اهدي يا حبيبتي، اهدي بالله عليكي، ربنا ياخدني أنا السبب عشان خليتك في الحالة دي لتاني مرة" 


أبعدت رأسها ورمقته من بين دموعها تنهره بعتاب عاشقة لمعشوقها

"ألف بعد الشر عليك، ما تدعيش علي نفسك" 

حاولت أن تكف عن البكاء وتلتقط أنفاسها وأخبرته بعتاب وملامة بنبرة متهدجة

"ليه خبيت عليا؟، ليه مقولتليش إن عندك......

لم تتحمل ذكر ما رأته في التقرير الطبي، فغرقت مجدداً في نوبة بكاء، وتلك المرة هي من عانقته وتتوسل إليه بقلب ملتاع باكية

" قولي اللي شوفته ده كله كدب، قولي ده مقلب عشان تصعب عليا وأسامحك، غير كده مش هقدر استحمل، إحنا، إحنا مالناش حد غيرك"


أخذ يمسد ظهرها بطمأنينة وحنان عميقين، يحاول أن يهدئ من روعها، وقال بصوت هادئ يتخلله الدفء

"كفاية عياط بالله عليكي، ماتخافيش عليا، المفروض نكون مؤمنين بقضاء الله، طب هقولك حاجة، دموعك وخوفك عليا عندي بالدنيا كلها ولو جرالي حاجة، هابقي متطمن لأنك لسه بتحبيني" 


أبعدته مرة أخرى وصرخت به بصوت مكسور

"ما تقولش كده، أنت هاتعيش و هاتخف و هانرجع زي زمان و أحسن، هانكبر ولادنا و نجوزهم و نشوف أحفادهم، و إحنا مع بعض" 


التقطت أنفاسها بصعوبة وأردفت

"أنا عمري ما بطلت أحبك، و زعلي منك كان علي قد حبي ليك لما شوفت خيانتك ليا، لسه الموضوع مأثر فيا و زي الشرخ في قلبي، بس مستعده اسامحك، بس أهم حاجه تكون بخير، و هاتتعالج و تخف، و أنا جنبك، مش هابعد عنك، أنا، أنا بحبك و مش هقدر أعيش من غيرك" 

جذبت رأسه إلى حضنها الدافئ، غمرته بعناق قوي شديد، عناق يبث كمًّا هائلاً من المشاعر التي تخطت حدود العشق، عناق يُعيد فيه القلب المنكسر أنفاسه بعد طول يأس وعذاب واشتياق. 


                          ❈-❈-❈

انتهت فتاة التزيين من وضع لمساتها الأخيرة على وجه تلك الشاردة في أمرها الذي هي مقبلة عليه، وقد غمرتها موجة من الصراع الداخلي العنيف. 

 صوت يهمس لها في أعماقها بالتراجع والانكفاء، وآخر يواجهه بحدة يخبرها إن عليها أن تكمل الطريق حتى تنتقم لنفسها انتقامًا يليق بما عانته مع هذا السايكوباتي المهوس بها. 


وفي خضم هذا الصراع النفسي، انفتح الباب فجأة، فانتفضت في مكانها وألتفتت نحوه بسرعة. 

 وما إن وقع بصره عليها حتى توقف في مكانه مبهورًا، يبتلع ريقه بصعوبة وهو يراها في أوج جمالها، تلك التي طالما حلم بها منذ أن أحبها. 

 لم يصدق عينيه؛ إذا بدت أمامه في قمة جمال يخطف الأنفاس، يفوق كل ما تخيله، كأنها ملكة نزلت من عليائها لتتوج في حضرته.


حمحم في صوته، ثم نظر إلى فتاة التزيين وسألها

"خلصتي شغلك؟" 


أومأت له الأخرى بلطف قائلة

"فاضل التاج والطرحة بس يا باسم بيه" 


ثم أمسكت بالوشاح والتاج، و ثبتت كليهما على رأسها برفق، فاكتملت هيئة عروسته التي أصبحت الآن تشبه الملكات في بهائها وجلالها.


فقال لفتاة التزيين

"لو خلصتي تقدري تتفضلي دلوقتي" 


امتثلت الفتاة لأمره، وما إن غادرت الغرفة حتى أغلق الباب خلفها بهدوء. 

بينما فجر، فقد ولت ظهرها إليه، تشعر بتوتر قوي يسري في أوصالها، وتخشى أن ينظر في عينيها فيكشف ما يدور في أعماقها من عواصف.


رفعت وجهها فرأته عبر المرآة يقترب منها، حتى توقف خلفها مباشرة.

  همس لها من جانب وجهها، وهو يحدق بها عبر انعكاس المرآة

"شكلك حلو أوي، أجمل واحدة شافتها عينيا" 


وكاد يقبل عنقها، فألتفتت سريعًا لتصبح أمامه وجهًا لوجه، وترد بتهدج واضح

"شـ... شكراً" 


ابتسم بمكر وأخبرها بهمس، وأنفاسه الحارة تلمس بشرتها فتجعلها تتوهج من الخجل

"مش عايز أشوفك مكسوفة خالص النهاردة، كلها ساعات الفرح و هانبقي لوحدنا، أنا و انتي وبس، مقفول علينا الباب، وهانعيش أنا وأنتي أجمل لحظات عمرنا" 

جذبها من خصرها بلطف، وأردف بأنفاسه على خدها

"هاتبقي ملكي، و أنا ملكك يا فجر" 


ابتلعت ريقها بصعوبة، ودفعته بخفة في صدره، مبتعده عنه بضع خطوات قائلة

"الظاهر أنت نسيت إتفاقنا" 


ظهرت على وجهه ابتسامة لم تستطع أن تستشف منها هل هو يسخر من حديثها أم ماذا يقصد بالضبط

"مش ناسي إتفاقنا، بس عايزك أنتي اللي ماتنسيش أنك متجوزة مين، تمام يا ڤيجو؟" 


وبالتزامن مع سؤاله، تقدم بخطوتين فأصبح أمامها مباشرة، وكاد يقترب من شفتيها بعنفوان عاشق متملك، لكن طرق مفاجئ على الباب أضاع عليه تلك اللحظة، فأطلق سبة بذيئة جعلت الأخرى تنتفض بفزع من جرأة لسانه.


وشكرت ربها في سرها، لأن من طرق الباب قد أنقذها من تقبل أمر لم تستطع أن تحتمله في تلك اللحظة.

 تحرك نحو الباب بضجر، ففتحه وكاد يوبخ الطارق، ليجد والدة عروسه ويليها والدته التي ما إن وقع بصرها على ابنها حتى شهقت شهقة قوية وقالت باستنكار

"أنت إزاي تدخل تشوف عروستك قبل الزفة؟!" 


حمحم بتعجب ثم أجاب والدته بابتسامة هادئة

"أنا كنت جاي اتطمن عليها" 


وألقى نظرة خاطفة على فجر وغمز لها غمزة ماكرة، ثم أردف قائلاً

"عن أذنكم" 

غادر الغرفة علي الفور، وعندما تأكدت والدته أنه قد ابتعد بالفعل وأغلق الباب خلفه، اقتربت من فجر في حضور والدتها، واخبرتها بصوت جدي ومقلق

"فجر، اسمعيني كويس، دي فرصتك أنك تهربي، ابني واخدك تحدي عشان أنتي قولتيله لاء في الأول، و بمجرد ما هايشبع منك هايرميكي، و باباه بيوافقه علي أي حاجة هو عايزها" 


نظرت الأخرى في حيرة شديدة وارتباك، رمقت والدتها أولاً بتردد، فأومأت لها والدتها برأسها إيماءة خفيفة تدل على أن حديث والدة باسم صحيح تماماً، وعليها أن تذعن للنصيحة حتى لا تصبح شيئاً يمتلكه هذا المدلل المتعجرف.


فأردفت والدة باسم قائلة

"فرصتك الأخيرة دلوقتي، اسمعي كلامي، و أنا هاروح أؤمر الجارد اللي واقفين بره بأي حاجة واشغلهم عشان تعرفي تخرجي من هنا مع والدتك علي باب الطوارئ، هتنزلوا تلاقوا عربية مستنياكم هتوصلكم علي مكان باسم لو لف العالم حتة حتة مش هايعرف يوصل ليكم" 


ابتلعت ريقها بتردد واضح، وتتذكر ما كان سيفعله معها منذ قليل و كيف قرأت في عينيه نواياه نحوها، و يبدو إنه سيضرب باتفاقها معه عرض الحائط، ابتلعت ريقها بتؤدة وسألتها بقلق

"و لو ابنك عرف و قدر يوصل لينا؟" 


اقتربت منها الأخرى أكثر، وأخبرتها بلهجة مطمئنة

"ما تقلقيش أنا عاملة حساب لكل حاجة، يعلم ربنا أنا بعتبرك زي بنتي وعمري ما هرضالك اللي ما أقبلوش عليها" 

ربتت بحنان على كتفها، وانتظرت رد فجر التي أومأت لها برأسها موافقة، وإن كان في عينيها ما يزال يعكس أعاصير الخوف والحيرة.

و بالفعل، خرجت والدة باسم من الغرفة لتعطي الأوامر للحراس، لتُشغل إياهم عن الوقوف في الرواق حتى تمكنت فجر ووالدتها من مغادرة الغرفة بسرعة. 


انطلقتا بخطوات سريعة حذرة، تسللتا إلى الخارج عبر باب الطوارئ، وهبطت كلتيهما درجات السلم المتعددة بقلبين خافقين، حتى وصلتا إلى المخرج المؤدي إلى شارع خلفي ضيق. 

 و أمام المخرج حيث الشارع، وجدتا سيارة سوداء في انتظارهما، محركها علي استعداد للإنطلاق. 

فتحت والدتها الباب الخلفي بسرعة وأمرتها بتوتر

"يلا يا فجر مش وقت تفكير" 


دلفت ابنتها داخل السيارة في صمت، واتبعتها هي حيث جلست جوارها فورًا وأغلقت الباب بقوة، ثم نظرت إلى السائق وأمرته بحزم

"اطلع بسرعة يا سطا" 


انطلق السائق بالسيارة في الشارع الخلفي، متخذًا طرق متفرعة ومظلمة، بينما كانت  فجر تراقب الطريق عبر النافذة الزجاجية المغلقة، وقلبها يخفق بقوة شديدة كأنه ينبهها إلى ما هو آت لا محالة.

شعرت بيد والدتها تربت علي يدها 

"اطمني يا بنتي، اللي عملتيه عين العقل، و الست هانم ربنا يباركلها هي أدري بابنها المجنون اللي كنتي هاترمي نفسك معاه، مش عارفه إيه اللي كان في دماغك لما وافقتي عليه" 

لم تبالِ لحديث والدتها، فعيناها منعكستين عليهما أضواء عواميد الإنارة المتتالية على جانبي الطريق، تتلألأ كالنجوم الهاربة. 

مهلاً... هل ما انتبهت إليه صحيح؟!

تأملت الطريق جيدًا لعل حدسها يكون مخطئ، لكن المفاجأة كانت أكبر مما توقعت، اتسعت عيناها من شدة الصدمة حين أدركت أن السائق قد اتخذ طريق مختصر آخر، عائد بهما مباشرة إلى بوابة الفندق الرئيسية.

وهناك، في انتظارها يقف رجال الحراسة بكامل هيئتهم المخيفة، وفي المقدمة ينتظرهما باسم بابتسامة عريضة ماكرة أوقعت فؤادها من سابع سماء إلى سابع أرض، هابطة به في أعماق الجحيم!

ابتلعت غصة بطعم العلقم وهي تراه يفتح باب السيارة بهدوء قاتل، مد يده إليها مشيرًا لها أن تمسك به قائلًا بصوت هادئ مليء بالانتصار

"يلا يا حبيبتي، المعازيم مستنينا جوه" 


                         ❈-❈-❈

في إضاءة شبه خافتة خلف مكتبه، يمكث أسير ذكرياته وأسير تلك الصور التي كلما اشتاق إلى من سلبت فؤاده تطلع إليها لساعات. 

  لا يهمه الحقيقة، ولا يهمه أنها الآن تستمتع هي وزوجها بقضاء أيام شهر العسل في مكان بعيد، ولا يهمه أي شيء سوى تلك اللحظات المعدودة التي عاشها معها، والتي لا تزال تحيا في قلبه حية نابضة.


قاطع خلوته دخول الممرضة المفاجئ، وقد علت ملامحها الفزع الشديد، تخبره بأنفاس متهدجة باللغة الإنجليزية

"دكتور رحيم... السيدة العجوز... نبضها توقف" 


انتفض من مكانه انتفاضة عنيفة، وأسرع نحو غرفة الرعاية المركزة حيث كانت الجدة المسنة المصابة بالزهايمر، قد أصبحت بشرتها شاحبة كالأموات. 

 كان الطبيب المساعد يحاول إنعاش قلبها بجهاز الصدمة الكهربائية بكل ما أوتي من جهد.


تدخل رحيم على الفور، وأمر بصوت حازم

 "ارفعوا الشحنة أكثر"

 فتوالت المحاولات تلو الأخرى، حتى انقطع الأمل تمامًا، ولم يبقَ سوى صوت الصفير الحاد لجهاز مؤشر النبض يعلن ببرودة قاسية وفاة هذه المسنة.

رفع  رأسه بأسف عميق، وأعلن ساعة الوفاة وتاريخها بصوت يخرج بصعوبة من حلقه، يحبس دموعه بصعوبة بالغة. وإن كان قد مر بهذا الموقف مرات عديدة من قبل، إلا أن تلك اللحظات ظلت عصيبة على فؤاده، ولم تكن بالأمر السهل أبدًا.

في تلك الأثناء، انتبه عبر زجاج نافذة الغرفة المطلة على الرواق إلى حفيدة المتوفاة، كانت قادمة تحمل حقائب مليئة باحتياجات جدتها. 

 وما إن رأت الممرضة تُدثر جسد جدتها بالكامل حتى هرعت إلى الداخل صارخة

"نناه، لاء يا نناه، أوعي تسيبيني" 


وتارة تصيح بالإنجليزية وقد انهمرت دموعها

"لا تتركيني، ارجوكي، لا ترحلي، ليس لي أحد غيرك جدتي" 


تزيح الدثار عن وجه جدتها وتهز جسدها بهياج، فأمسك رحيم يديها بلطف حازم، وقال لها بصوت مليء بالمواساة، مانع دموعه أن تنهمر

"وحدي الله، ربنا رحمها من بهدلة المرض، ادعيلها" 


نظرت إليه بعينين باكيتين تتوسلان إياه بصوت مكسور

"عشان خاطري يا دكتور سيبوني اقعد معاها اودعها" 


أومأ لها برأسه موافقًا، ثم أخبر كل من في الغرفة

"اتفضلوا جميعاً إلي الخارج، واتركوها لتودع جدتها" 


امسكت چومانة يد جدتها، وأخذت تقبلها بلهفة ووداع مؤلم، تبكي بشدة يعتصر لها القلب. 

 تركها رحيم قبل أن يبكي هو أيضًا، وخرج إلى غرفة مكتبه يشعر باختناق يصل إلى الحلقوم. 

فما أقسى الوداع والفراق، لا سيما وداع الأحباب ومَنْ تتعلق بهم قلوبنا، إن كان هذا الحبيب ميتًا أو مازال حيًا!


                        ❈-❈-❈


ولنعود إلى إيطاليا من جديد، داخل مطعم فاخر راق، يجلس برفقة زوجته وصغيريه حول طاولة عامرة بأصناف الطعام الشهية التي يحبونها، وقد أضفت الأنوار الذهبية الخافتة على المكان جوًا من الدفء والفخامة. 

 وعلى طاولة موازية، هناك كنان ورجاله يشاركونهم تناول العشاء بهدوء. 


سأل صغيريه مبتسمًا

"مبسوطين يا ولاد؟" 


فأجاب كلاهما بسعادة طفولية صافية

"مبسوطين يا بابي" 


وأضافت ابنته بصوتها المدلل

"وهابقي مبسوطة أكتر لو جبتيلي نافورة الشوكيلت اللي قولتلك عليها" 


رمقتها والدتها بنظرة تحذيرية حازمة 

"زوزو، ما ينفعش تاكلي شوكليت أو أي حلويات بالليل، و لا ناسية اللي حصل لضرسك قبل كده؟" 


زمت ابنتها شفتيها الصغيرتين بحزن، فضحك والدها وربت على رأسها بحنان عميق، ثم دنا من أذنها وقال لها بهمس 

"أنا وصيتهم يجبولك أحلي وأغلي نافورة شوكليت يا قلب بابي، بس عايز أشوف أحلي ضحكة علي شفايفك وأوعي تكشري تاني" 


ابتسمت صغيرته على الفور ابتسامة مشرقة، وعانقته بقوة وهي تقول

"ربنا يخليك ليا يا قيصو يا حبيبي" 


"بقي كده؟!" 

صاحت بها صبا بسخرية ودهشة، ثم أردفت

"خليك وافقها علي الغلط و لما ضروسها توجعها و تقعد تصرخ ابقي اتصرف أنت معاها" 


رد عليها بهدوء زادها حنقًا

"زوزو لما تخلص أكل الشوكليت هاتروح علي طول تغسل سنانها" 


لم تعلق حتي لا تخوض معه في جدال وهي تعلم إنه سيلبي طلب ابنته في النهاية، وبعد قليل انتهت من تناول عشائها، فمسحت يديها وفمها بالمحرمة الورقية قائلة

"أنا قايمه هاروح التويليت قبل ما مرارتي تتفقع" 


نهضت ابنتها، ونهض ابنها أيضًا في اللحظة ذاتها وقالا

"و إحنا كمان عايزين نروح التويليت" 


أمسكت بهما كل واحد في يد وذهبوا، 

بينما قصي انتبه إلي رنين تنبيه رسالة واردة علي هاتفه، ففتحها ليجد رسالة من أدهم عبر تطبيق الدردشة

«حمدالله علي سلامتكم يا كينج نورتوا إيطاليا»


ابتسم  و رد بالكتابة 

«أنت عرفت منين؟»


فتلقي الإجابة علي الفور من أدهم

«حبايبي في المطار قالولي، ولا أنت فاكر أنك الوحيد اللي ليك حبايب في كل مكان»


«ماشي يا عم أدهم، الله يسلمك»


«أنا كمان في إيطاليا أنا ومراتي»


«مراتك؟!، عملتها من ورايا من غير ما حتي تعزمني علي فرحك، أخص عليك»


«بقولك إيه إحنا مش هانقضيها رسايل، إحنا لازم نتقابل، تجيب المدام والولاد و تنورونا أنا و منار»


كاد يرد على الرسالة، إذ أجفله صوت أنثوي رقيق يتميز بالدلال الطبيعي، رحبت به بالإيطالية بأسلوب أنيق

"مرحباً بك مجدداً في إيطاليا أيها الفرعون الوسيم" 

رفع عينيه إلى الأمام، فإذا أمامه سيدة شابة ذات جمال روماني فاتن، يخطف الأبصار، حدق في ملامحها مليًّا حتى تذكرها، سألها للتأكد وقد امتلأ صوته بدهشة خفية

"بولينا؟" 


جلست على المقعد المقابل له بهدوء أنيق، وابتسامة عذبة تتراقص على شفتيها، ونظرات اشتياق تنضح من عينيها ذواتِ اللون البندقي، كلون شعرها المنسدل كالحرير على كتفيها. 

 أجابت بصوت رقيق يحمل دفء الذكريات

"لم أصدق نفسي، برغم مرور أكثر من عشر سنوات، ما زلت تتذكرني" 


اتسعت ابتسامته واخبرها

"ومَن الذي يعرفك ويستطيع بعدها أن ينساكِ!" 


أسندت مرفقيها على الطاولة، وأسندت ذقنها على يديها المتشابكتين، ثم نظرت إليه بنظرة ماكرة مرحة، فسألته بدهاء

"أهذا غزل أم إطراء؟" 


وقبل أن يجيبها، سبقته زوجته التي عادت للتو دون أن يلاحظ قدومها، فسألته بسخرية واضحة

"مين دي يا قصي؟" 


حدق زوجته بنظرة تحذيرية حازمة، ثم نظر إلى بولينا واخبرها بالإنجليزية حتى تفهم صبا

"إنها صبا زوجتي" 

واقتربت الصغيرة التي لا تقل غيرة عن والدتها، ولا تقل عنها حب لوالدها، فتعلقت بذراعه بقوة، وأخبرت بولينا بزهو وفخر طفولي واضح

"وأنا أكون ابنته" 


كتم قصي ضحكته، وربت بلطف على رأس صغيرته المشاكسة، بينما رمقته زوجته باستفهام شديد، فحمحم بصوته الأجش وقال لها

"حبيبتي، أعرفك ببولينا ألبريتو، صديقة قديمة" 


مدت بولينا يدها الناعمة لمصافحة صبا، قائلة بابتسامة مهذبة

"مرحباً سنيورة صبا" 

بادلتها الأخرى المصافحة على مضض، وعيناها تنضحان بشرر لا يخفى، رمقت الأولى قصي وأخبرته بالإيطالية

"يبدو زوجتك لا تطيق وجودي، فلديها حق، من لديها زوج مثلك ورأت أخرى تقترب منه، فعليها تحرق الأخضر واليابس" 


حك ذقنه بتوتر، ودعا الله في سره ألا تفهم صبا ما تتفوه به بولينا، وفي هذه اللحظة أخرجت بولينا من حقيبتها بطاقة ورقية أنيقة تحمل أرقام هواتفها وروابط حساباتها، ثم مدت يدها بها إليه قائلة

"اتصل بي ضروري، فأريد أن أخبرك بأمر هام للغاية، لا تنسَ" 


ونهضت تومئ لصبا بابتسامة رقيقة قائلة بالإنجليزية

"تشرفت بمعرفتك، سينيورة البحيري" 


قابلتها الأخرى بابتسامة صفراء باردة، وردت بتهكم واضح

"وأنا أيضاً، بامبولينا... أقصد بولينا" 


قالت بولينا وهي تتجه نحو الباب، مخاطبة قصي بلغتها الإيطالية، وتلوح له بأناملها 

"أنتظرك قصي، إلى اللقاء" 


ثم ذهبت، بينما جلست زوجته على المقعد، تزفر بغضب واضح، يتصاعد من صدرها كالدخان، قال لها بعتاب ممزوج بميل إلى الضحك، وهو يكتم ابتسامته أمام غيرتها التي جعلت تعابير وجهها تبدو طريفة ومضحكة في آنٍ واحد

"مش ظريف اللي عملتيه معاها علي فكرة" 


"ياسلام!" 

ارتفع صوتها بصياح حاد جعل من حولهم يلتفتون إليهم بدهشة، فأجفلها بنظرة تحذيرية حازمة، فخفضت صوتها على مضض وتابعت بسخط مكتوم

"وهي كانت قاعدة بتهبب إيه معاك، و عايزه إيه منك؟!" 


"أنا وهي نعرف بعض من زمان، أيام شغلي مع عيلتها، باباها زعيم عائلة دي ستيفانو من ضمن أكبر عائلات المافيا في إيطاليا، لما كان بيحصل اتفاقات سرية من ورايا خصوصاً لما بدأت أصفي أعمالي معاهم، هي كانت بتبلغني بكل حاجة، وليها أخ رخم رخامة اسمه لوكاس، يطيق العمى ولا يطيقني" 


"أنت عمرك ما حكيتلي عن أي حاجة من اللي قولتها، تخيل متجوزين بقالنا عشر سنين وأكتر وعمرك ما جيبتيلي سيرة عنهم ولا عنها" 


وكأنها تذكرت شيئاً يعكر صفوها، فأردفت بحدة

"أول مرة أسمع عنها، يعني ياربي أخلص من سيلينا تطلعلي بولينا" 


لم يقدر أن يتماسك أكثر، فأطلق عنان ضحكاته الجهورية، فألقت عليه محرمة ورقية في وجهه بغيظ وحنق 

"اضحك، اضحك، شاطر بس تنكد عليا الصبح" 


انتبه إلى صغيرته التي أغمضت عينيها وغفت على ذراعه بهدوء، وكذلك إلى ابنه الذي قال بصوت ناعس

"بابي ممكن نروح، عايز أنام" 


فقالت والدتهما بضجر واضح

"وأنا كمان اتخانقت من المكان وعايزة أمشي" 


أشار قصي إلى كنان ورجاله ليستعدوا للذهاب.

                          ❈-❈-❈

وفي المرآب استعدت السيارات للانطلاق، فقالت صبا بصوت حازم لا يقبل الجدال

"قول لكنان ياخد الولاد ويروحهم هو ورجالته، ونروح أنا وأنت لوحدنا" 


رمقها باستفهام فسألها

"ليه فيه حاجة؟" 


حدقت في عينيه بنظرة ذكية قد أدركها تمامًا، فكبت ابتسامته لأنه يعلم جيدًا الحالة التي تكون عليها!

أذعن لها، فذهب كنان ورجاله وأخذوا الصغيرين في سيارة أخرى وانطلقوا.


جلس قصي في مقعد القيادة، فالتفت إلى زوجته الجالسة جواره وسألها بمكر وخبث متقن

"أديني عملتلك اللي أنتي عايزاه، ممكن أعرف إيه سبب طلبك؟" 


رفعت حاجبها ورمقته بهدوء ماكر، اقتربت منه وضغطت على زر إغلاق جميع نوافذ السيارة ذات الزجاج المعتم، حيث يصعب رؤيتهما من خارجها تمامًا. وإذا بها تقفز من مقعدها فجأة وتجلس على فخذيه، وجهها مقابل وجهه مباشرة، صدرها يلتصق بصدره، وفخذاها يحيطان بخصره بقوة تملكت بها. 

 علت الدهشة ملامحه لحظة، ثم فرمقها بمكر وبراءة زائفة يسألها

"هاتعملي إيه يا مجنونة؟"


ضغطت على زر مجاور لمقعده، فبدأ الكرسي يتراجع للوراء بزاوية مائلة إلى الخلف حتى صار شبه مستلق. 

 قبضت على تلابيب سترته بأناملها الحارة وخلعتها عنه بسرعة نهمة، ثم بدأت تفك أزرار قميصه واحدًا تلو الآخر، كاشفة عن صدره العريض المشدود. 

 قائلة بنبرة تحمل تحدي مثير وصوتها ينضخ بالرغبة

"يعني تفتكر يا حبيبي أنا ممكن هاعمل فيك إيه؟" 


ثم دنت بشفتيها نحو أذنه حتى شعر بأنفاسها الحارة الرطبة تدغدغ جلده، وهمست بنبرة أنثوية ناعمة أوقدت نيران العشق الجامح في جسده كله

"ولا أنت كنت فاكر هعدي حوار بولينا ولا نظراتها ليك، ولا كلامها معاك بالإيطالي وهي فاكراني مش عارفة إيطالي!" 

ابتلع ريقه بصعوبة، وابتسامة عذبة مليئة بالشهوة تزين محياه، فقال لها بصوت مبحوح

"فأنتي بقي عايزة تنتقمي مني بس بطريقتك" 

وغمز بعينه لها غمزة نارية، فابتسمت بزهو امرأة واثقة من سلاحها، وأخبرته وهي تعض شفتها السفلى

"تلميذتك يا كينج" 


انتهت من فك أزرار قميصه الأخيرة بأصابع لمساتها تشعل به النيران، ثم أخذت يداها تنزلقان على صدره العاري، تخدشان بشرته بأظافرها بلطف مؤلم يبعث الرعشة في جسده. 

 أمسك يديها بقوة وأخبرها بأنفاسه الحارة المتسارعة التي تلامس شفتيها

"طيب تعالي نروح وهناك في أوضتنا انتقمي مني براحتك" 


حاوطت وجهه بكفيها الناعمتين، ورمقته لثوان طويلة بعينين مليئتين بالرغبة المتأججة، ثم أخبرته بإغواء صريح و دلال ذو جرأة لم يعهدها سوى معها هي فقط

"وأنا طلبت معايا هنا في العربية يا قيصو" 

لم تمهله أن يرد، فانقضت على شفتيه بقبلة عنفوانية حارة، وأناملها تنغرز في خصلات شعره لتعزز من قوة قبلتها. 

 تركها تفعل ما يحلو لها، وكم راق له ذلك! بادلها كل ما تفعله بعنفوان عاشق متيم، ولم يبالِ كلاهما لاهتزاز السيارة بهما! 

                          ❈-❈-❈


خرجت من الحمام بخطوات هادئة، يحيط جسدها منشفة كبيرة بيضاء وقد التفت حولها. 

 خصلات شعرها المبتلة تنساب على كتفيها في خطوط لامعة، بينما تتساقط من أطرافها قطرات الماء كحبات لؤلؤ صغيرة ترتطم بجلدها. 

 وما إن همت بالتوغل داخل الجناح حتى بلغ سمعها صوت مألوف يأتي من الخارج، 

توقفت فجأة إنه صوت لوكاس، يتحدث إلى أحد رجاله بنبرة منخفضة، لكنها حادة كحد السيف، وبحذر شديد تسحبت إلى جوار الحائط، متوارية خلف زاوية لا يمكن أن تُرى منها، ثم حبست أنفاسها وأرهفت السمع.


كان الرجل الواقف أمام لوكاس ضخم الجسد، عريض الكتفين، وقد قال لرئيسه بلهجة جادة

"لقد رأيناه مع عائلته في المطعم الذي تملكه السنيورة بولينا شقيقتك" 


جز الأخر على أسنانه في ضيق وغضب، ثم ارتسمت على ملامحه قسوة قاتمة، قائلاً ببرود مشوب بالغضب

"إذن، لا بد أن شقيقتي قد تحدثت معه، وربما حذرته أيضًا، تلك الحمقاء ستفسد كل ما أخطط له.


تردد الرجل قليلًا قبل أن يقول

" لا أعلم سيدي، غير أنها رأته بالفعل وجلست معه لدقائق معدودة، ثم غادرت عندما عادت زوجته وأولادهما من الحمام"


صمت لحظة، فأمره بنبرة قاطعة لا تقبل الجدال

"واصل مراقبته، إياك أنت والرجال أن تغفلوا عنه لحظة واحدة، وإن حدث تقصير منكم، فسألقي بكم جميعًا في الجحيم، هل فهمت؟" 


أومأ الرجل برأسه سريعًا

"أمرك سيدي" 


بينما كانت الشقراء ما تزال خلف الجدار، تسترق السمع، غير أن ذهنها كان قد شرد بعيدًا في متاهة من الأفكار. 

 سؤال واحد ظل يطرق رأسها بإلحاح موجع، ماذا ينوي هذا الأحمق أن يفعل بالرجل الذي يهواه قلبها حد الهوس؟


وفجأة جاءها صوته من خلفها كالصاعقة

"لما تقفين هنا سيلينا؟" 


ارتجفت والتفتت نحوه حيث أفزعها حضوره المفاجئ، شعرت بقشعريرة خوف تسري في جسدها. 

 ابتلعت ريقها بصعوبة قبل أن تقول بثبات حاولت اصطناعه

"كنت... كنت أبحث عنك، فأنا انتهيت من الاستحمام، وحين خرجت لم أجدك" 


وقبل أن يتحرك أو يبتعد، بادرت بسؤاله سريعًا

"عمَّ كنتما تتحدثان؟" 


 اتجه إلى الأريكة الجلدية الضخمة وجلس عليها في ثقل واضح، ثم أطلق زفرة ضجر طويلة وأجاب ببرود جاف

"هذا ليس من شأنك" 


مد يده إلى لفافة التبغ التي كان قد أعدها مسبقًا، لكن يدها سبقته إلى القداحة. أشعلتها برفق وقدمت له اللهب، فاشتعلت اللفافة بين شفتيه. 

و جلست على حافة الطاولة أمامه، تحدق في عينيه مباشرة، سألته بنبرة تنضح بالقلق الذي تخفيه عنه حتي لا تكشف أمامه عن نواياها الحقيقية. 


"ما الذي تنوي فعله بقصي البحيري؟" 


أخرج سحابة كثيفة من دخان سيجاره المشتعل، وأجاب بلا تردد

"سأقتله" 


اتسعت عيناها فجأة، وبدت الصدمة واضحة على ملامحها، حاولت أن تبتلع دهشتها، لكنها لم تستطع إخفاء اضطرابها وهي تسأله بصوت مرتجف

"ماذا قُلت؟" 


رمقها بنظرة باردة مخبرًا إياها

"أليس هذا هو السبب الذي جعلكِ تأتين إلى هنا؟، ثم إنني أرغب في الانتقام منه منذ سنوات، فهو السبب في القبض على كثير من أفراد عائلتنا، وعلى رأسهم والدي... الذي لم يتحمل السجن، ومات مقهورًا" 


فجأة اندفعت الكلمات من فمها دون تفكير

"تبًا لك يا أحمق" 

وقفت في مواجهته مباشرة، فرفع رأسه إليها بنظرة غاضبة كأن شرارة توشك أن تشتعل وتحرقها حية. 

 أدركت ذلك على الفور، فخفضت حدة صوتها قليلًا بنبرة أكثر هدوء 

"القتل أو الموت راحة له... وهذا ليس انتقامًا، الإنتقام الحقيقي أن تحرمه من أعز الناس إليه وأقربهم إلى قلبه" 


أطلق زفرة أخرى من دخان سيجاره،  و نهض فاقترب منها حتى صار أمامها مباشرة، حدق إليها عن كثب بعينين متفحصتين وسألها

"أتقصدين قتل عائلته؟" 


لمعت ابتسامة شيطانية على شفتيها بتؤده وثقة، فاخبرته بزهو ودهاء

"ليس بالضبط" 


 رفعت يديها لتحيط وجهه بين كفيها، و أردفت 

"نتخلص من زوجته العاهرة التي يعشقها كالأحمق" 


يتبع...


تكملة الرواية بعد قليل 

جاري كتابة الفصل الجديد للروايه حصريا لقصر الروايات اترك تعليق ليصلك كل جديد أو عاود زيارتنا الليله

لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كامله من هناااااااااا

مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا

مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا


أنت الان في اول موضوع

تعليقات

التنقل السريع