القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية غرام الذئاب الفصل السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر من الجزء الرابع بقلم ولاء رفعت (حصريه وجديده في مدونة قصر الروايات )

 رواية غرام الذئاب الفصل السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر من الجزء الرابع بقلم ولاء رفعت (حصريه وجديده في مدونة قصر الروايات )



رواية غرام الذئاب الفصل السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر من الجزء الرابع بقلم ولاء رفعت (حصريه وجديده في مدونة قصر الروايات )


#الفصل_السابع_عشر

#غرام_الذئاب

#الجزء_الرابع_من_سلسلة_صراع_الذئاب

#ولاء_رفعت_علي


الألم ليس في فقدها فحسب، بل في كل ثانية تمر وأنا لا أعلم إن كانت بخير أم أن الخوف قد غلبها.

هناك مسافة بيننا ليست بالطرق أو المدن، بل مسافة من الصمت والظلال والوجوه المجهولة.

أُقسم أنني لو عرفت الطريق إليها، لسرت حافيًا على حد السكين حتى أصل.


يونس البحيري.. 


امتزج الصمت القاتم بأزيز أجهزة الطوارئ في ردهة المستشفى، حيث كان قصي واقف كتمثال حائر أمام غرفة الفحص، وقد تلبدت ملامحه بالقلق وانسحبت الظلال على قسماته، لا يعلم ما يدور خلف ذلك الباب المغلق.


وفي الداخل، كانت الطبيبة تجلس على مقعدها في هدوء محترف، تحدق في شاشة صغيرة تعكس نبض حياة في رحم الأم، بينما تحرك جهاز الفحص فوق بطن صبا التي كانت ترتعش كغصن هش في مهب العاصفة. 

  دموعها تنسال في صمت، لكنها ما لبثت أن انطلقت بصوت مرتجف، تتوسل بشيء من الرجاء

"بالله عليكي، قوليلي البيبي كويس؟، ولا جراله حاجة؟"


رمقتها الطبيبة بعين غلبها الأسى، وقد راعتها حالتها المضطربة، ثم ردت بنبرة هادئة تُغلفها الشفقة

"اهدي يا مدام، العياط وحالة الخوف اللي انتي فيها غلط عليكي وعلى الجنين"


أطلقت الأخرى شهقة حارة، وقد عادت تبكي بحرقة، ثم قالت بصوت ممزوج باليأس والوجع

"بقولك وقعت على ضهري، والوقعة كانت جامدة، وحاسة بوجع شديد عايزاني اهدي إزاي؟!"


أغمضت الطبيبة عينيها لبرهة، وكأنها تستجلب الصبر، ثم ما لبثت أن تنهدت وقد ثبتت نظرها على الشاشة، قبل أن تبتسم ابتسامة صغيرة وتهتف بطمأنينة

"عايزاكي تطمني، الحمد لله البيبي بخير، وعمره عشر أسابيع"


كان وقع تلك الكلمات كالماء البارد على قلب مشتعل، نظرت صبا نحو شاشة السونار، تملأ عينيها الدموع وابتسمت ابتسامة خجولة من بين بكائها، ثم بدأت تردد بتسبيح خافت

"الحمد لله... الحمد لله والشكر ليك يا رب"


رأت الطبيبة كيف ارتسمت السكينة على ملامحها المتعبة، فامتلأ وجهها بسعادة صافية، وسألتها وهي تعدل وضع الجهاز

"تحبي أسمعك نبضه؟"


هزت رأسها بالموافقة، وقد علا وجهها شيء من الأمل البريء، ما لبثت أن استدركت الطبيبة وكأن أمر تذكرته فجأة، وسألتها بنبرة فضول خفيف

"هو الأستاذ اللي واقف بره... يبقى جوزك؟"


تبدل وجهها فجأة، وزفرت بضيق مكتوم، ثم أجابت بامتعاض لم تحاول إخفاءه

"للأسف... جوزي"


رفعت الطبيبة حاجبيها كأنما دهشت من الرد، سألتها بلطف

"أنا ممكن أناديله ييجي يشوف البيبي معاكي ويسمع نبض قلبه"


لكن صبا رمقتها بنظرة صارخة بالرفض، واخبرتها بحدة لا تقبل النقاش

"لاء، وبعدين هو مايعرفش إن أنا حامل"


ثم انخفض صوتها شيئًا فشيئًا حتى كاد يتلاشى 

"لو عرف إني حامل... مش هيرضى يطلقني"


تسللت كلماتها الأخيرة إلى أذن الطبيبة كهمسة مشوبة بالخوف، فعقدت حاجبيها، محاولة التقاط الخيوط المتناثرة في الحديث.

  حدقت قليلًا في اللاصقة الطبية أعلى جبهة صبا، ثم سألتها بنبرة يغلفها الحذر

"هو اللي عمل فيكي كده؟"


وأشارت بأصابعها نحو الجرح المغطى على جبينها، كأنما تشير إلى جرح أعمق بكثير مما تراه العين.


                        ❈-❈-❈


كانت علا تقف بين يدي الله، تناجيه بقلب مثقل، وروح منكسرة. 

سجدت وركعت، ثم رفعت يديها المرتجفتين إلى السماء، تسكب ما بها من حيرة ووجع، وتهمس بدعاء لا يسمعه سواها

"اللهم إني لا أقوى، وإني لا أملك من أمري شيئًا، فامنحني الصبر، واغمرني بالقوة، واصرف عن قلبي ما يؤذيه، وإن كان حب أحمد شرًا لي، فانسني إياه، وابعده عني كما تبعد السماء عن الأرض"


أنهت صلاتها بتسليم خاشع، ورفعت بصرها المرهق فإذا بباب الغرفة يُفتح على مصراعيه، دون طرق أو إذن. اعتدلت في جلستها، وعيناها تتجهان إلى الوافدة.  

كانت داليا تقف عند العتبة، تتهادى إلى الداخل بابتسامة مريبة وقالت، بلهجة تقطر استهزاء

"تقبل الله يا... اسمك علا صح؟"


تجمدت الكلمات على لسان الأخرى واستشعرت السخرية تندس بين ثنايا تلك العبارة، فنهضت بتؤدة، وقالت بجمود لا يخلو من التحدي

"لو سمحتي، اتفضلي اطلعي بره... أحسن ما أناديلك أحمد يجي يطلعك بنفسه"


قهقهت داليا بخفة متعمدة، تقدمت ببطء

"أنا هنا ضيفة شيري، وقريب أوي هقولها يا طنط، على اعتبار إنها حماتي"


أخفت الأخرى ما جال بخاطرها، وردت بابتسامة لا تحمل أكثر مما تُبدي

"وجاية لي عشان أقولك ألف مبروك يعني؟!، ألف مبروك يا آنسة داليا"


رمقتها بدهشة ممزوجة بالريبة

"معقول؟، بسهولة كده؟، عادي يعني مستسلمة؟، وجوزك يتجوز عليكي كأنك مش موجودة؟"


ارتسمت على وجه علا ابتسامة مريرة، وقالت بما يُناقض العاصفة التي تضرب صدرها

"ده لو كان جوازنا طبيعي، أظن مدام شيريهان فهمتك سبب الجوازة، عشان ابني يفضل تحت وصايتهم، وقدام عينيهم"


تفرست الأخرى ملامحها وكأنها تحاول قراءة سطور مكتوبة خلف الجفون

"بس عيونك، ووقت الخناقة اللي شفتها بينك وبين أحمد، بيقولوا غير كده خالص، إنتي بتحبيه وهو بيحبك، اللي انتي ماتعرفيهوش هو اللي كلمني وطلب إيدي للجواز، وهنعمل خطوبتنا قريب أوي"


رفعت علا رأسها، ونطقت بكلمات متماسكة كصخرة تضربها أمواج الحقد

"تمام، طالما هو اللي طلب إيدك بنفسه، عايزاني أعملك إيه؟ هو حر، يتجوز، يخطب، يرافق، مش فارق معايا، أنا عايشة هنا عشان ابني"


ضيقت الأخرى عينيها، وبدت كمن لم تستوعب بعد ما تسمع، ثم تقدمت وجذبت كرسيًا جلست عليه، وجذبت آخر ووضعته أمامها

"تعالي هاقولك على حاجة، بس ياريت تفضل سر ما بيني وبينك، اللي خلاني أقولك إني حسيت كلامك صادق، مش كله، بس أكيد إن اللي يهمك ابنك، صح؟"


جلست علا أمامها في صمت يقترن بالتيقظ

"صح، وياريت من غير لف ودوران، قولي عايزة إيه من الآخر"


مالت للأمام، خافضة صوتها كأنها تخشى أن تسمع الجدران حديثها

"بصي، أنا عرفت إنك كذا مرة حاولتي تهربي من شيري وأحمد، وبرضه كانوا بيوصلوا لك، وبيهددوكي بابنك كل مرة، خصوصًا لو فكرت تطلبي الطلاق، و مهما عملتي أحمد استحالة يطلقك"


"ويا ترى أحمد اللي حكى لك؟ ولا شيري هانم؟"


ابتسمت الأخرى بمكر لا تخطئه عين

"تؤ تؤ، عرفت من مصادري الخاصة، نرجع لموضوعنا المهم، أنا هاعقد معاكي اتفاق لمصلحتك ولمصلحتي"


ارتفعت حاجبا علا في دهشة

"اسمعيني كويس، وركزي في كل كلمة، أنا مصلحتي أتجوز أحمد، واللي ما تعرفهوش إننا كنا على علاقة حب قديمة، واللي بيني و بينه أكتر من كده، بحكم إننا كنا قريبين أوي، ومصلحتك إنك تبعدي بابنك في مكان لا توصله شيري ولا حتى هو، فالحل إنكم تسافروا بره مصر، وبأسرع وقت"


تصلبت ملامح علا، واشتعل قلبها بغيرة كادت تنفجر، كيف لتلك الحمقاء أن تُطالبها بترك زوجها لها؟!، لكن صوت غريمتها جذبها من شرودها

"هقولك على سر كمان يخليكي تعرفي أنتي واقعة مين؟!"


تنهدت ثم اسطردت

" كان أحمد بيحب بنت موظفة عندهم اسمها روح، مفيش حد كان يعرف غير شيري، وهددته إنه لو ما بعدش عنها هتطردها وتبهدل عيلتها، لكن المفاجأة، طلع المرحوم ابو ابنك، كان بيحبها هو كمان"


ظلت تحدق للحظات إلي رد فعل تلك المصدومة فتابعت حديثها

"أحمد ما استحملش وسافر وشبه قاطعهم، جت تعمل نفس الحوار مع حازم لكنه رفض و عاند معاها، وقالها  أنا مش أحمد عشان تمشي كلامك عليا، وفعلاً اتجوز روح، واستقل عن العيلة تمامًا، لحد ما في يوم كان سايق بدل روح و اتقلبت بيهم العربية، كانوا بيقولوا كان سكران ساعتها، هو جاله شوية خدوش وكدمات، لكن روح ماتت، ومن يومها وهو بيدمر نفسه، بيشرب و بيعمل أي حاجة ينتقم بيها من نفسه"


وقفت تتجول في الغرفة ثم توقفت لتكمل

"المهم، شيري عمرها ما هتسيبلك ابنها، ولا هتخلي أحمد يحبك ويكمل معاكي، لأنك ببساطة مش من مستواهم، ومعلش يعني إزاي أحمد يقبل مراته تشتغل خدامة، وتقعد في أوضة زي دي في ڤيلا طويلة و عريضة،ليها فيها زي مامته؟"


هنا وقفت علا شامخة

"أنا اللي اخترت كده، محدش أجبرني على حاجة"

صمتت برهة، ثم أردفت

"أنتي عايزة توصلي لإيه يا داليا؟"


"ما أنا قولتلك يا لولو، سيبيلي أحمد، وخدي ابنك واهربي، لو وافقتي، أوراقك وأوراق ابنك هتكون جاهزة، ولو حابة أضرب لكم باسبورات بأسماء تانية، عشان محدش يعرف انتم سافرتوا فين ويوصلوا ليكم"


استغرقت علا في التفكير، وأفكارها تتشابك كخيوط العنكبوت، فسألتها داليا

"ها، قولتي إيه؟"


أفاقت من شرودها

"سيبيني أفكر، وهبقى أرد عليكي"


ابتسمت الأخرى بدهاء، وأخرجت هاتفها

"خدي، اتصلي علي رقمك و سجلي رقمي عشان نقدر نتواصل، بس أوعي تنسي كل حاجة بينا وبس، مضطرة أسيبك، عندي تحضيرات كتير للأيام الجاية"


وقبل أن تغادر أوقفتها علا

"أنتي مش خايفة من شيريهان أو أحمد لو عرفوا أنتي ساعدتيني أهرب؟"


أجابت بثقة تثير الريبة

"ما تقلقيش، أنا عاملة حسابي لكل حاجة، المهم فكري وردي عليا بسرعة"


عودة إلى الوقت الحالي...


                       ❈-❈-❈


يقف منتظرًا على أحر من الجمر، يتقلب بين أروقة القلق ولهيب الترقب، يتلصص بعينيه على باب الغرفة المغلق كأنما يود أن ينفذ من خلاله إلى ما وراءه، إلى حيث ترقد زوجته وتُفحص.


تساءل بدهشة مشوبة بشك داخلي، لماذا طلبت الطبيبة منه الانتظار بالخارج؟!، أيُعقل أن يكون مجرد فحص روتيني يتطلب إقصاءه؟!، أليس هو الزوج؟!، أليس من حقه الاطمئنان علي زوجته؟! 


لحظات أخرى مرت كأنها الدهر، وساعتها توقفت عقارب الانتظار، فلم يستطع أن يكبح جماح قلقه، ولا أن يقيد صبره المتهالك، فاندفع كالسهم نحو الباب، يقرعه دون تردد، ثم ولج.

وفي الداخل، كانت صبا قد زفرت بضيق ظاهر، كأنما تنفست عن صدر مثقل بالأحمال، ثم رمقت الطبيبة بنظرة ملغومة وقالت بصوت خافت أقرب إلى الرجاء

"ممكن حضرتك تسمعيني نبض قلب البيبي؟


أدركت الطبيبة من نبرة صوتها وفتور عينيها، أن تلك المرأة لا تريد خوض أي حديث الآن، ولا رغبة لها في مزيد من الأسئلة. 

  فاكتفت بالصمت، وأخذت جهاز "الدوبلر" بيديها وألصقت المسبار برفق على بطنها، فأخذ الجهاز يلتقط ذبذبات الحياة من داخل الرحم، وتحول الصمت إلى لحن عذب، إيقاعه دقات متسارعة، نابضة بالحياة.


استرقت صبا السمع، واهتز قلبها بذلك الصوت، كأنها تسمعه لأول مرة، رغم أنه جنينها الثالث. 

  لكنه هذه المرة، بدا لها الأمر مختلف، أقرب، أعمق بل أغلى.


وإذا بصوت اندفاع الباب يقتحم لحظة السكون تلك، وظهر قصي وجهه يحمل ألف سؤال، وعيناه تتحدثان بلغة لا يفهمها سواهما.


اتسعت عينا صبا، انتفض جسدها وازدردت ريقها، تخشى رد فعله، تخاف غضبه، تخشى لائمة لا طاقة لها بها.

أما هو، فخطا نحوها خطوات متثاقلة كأن الأرض تعيقه، لكن عينيه لم تفارقا شاشة السونار، وأذنه تتلذذ بسماع نبضات ذاك الكيان الصغير القابع في رحمها.


لم يصدق ما يرى، ولا ما يسمع، قلبه ارتجف، تراقص فرحاً، كأنها البُشرى الأولى لا الثالثة. 

  شيء ما بداخله تفتق، نور ما أضاء صدره، حب ما انفجر بين الضلوع.


جالت الطبيبة بنظرها بينهما، ثم استقرت على صبا التي كانت قد نهضت بجذعها قليلًا، تترقبه بعينين ملؤهما التوتر، ثم نظرت إليه، فوجدت في عينيه نظرة لم تفهمها


فاشارت له وبنبرة حاولت أن تجعلها حيادية

"تعالى حضرتك نتكلم بره وهافهمك كل حاجة و...


لكنه  لوح بكفه لها أن تصمت، كأن الحديث الآن لم يعد يعنيه، أو كأنه لا يريد أن يُقال له شيء.  

وفجأة وعلى غير المتوقع، ارتسمت على محياه ابتسامة عريضة، صادقة واسعة، كأنها كسرت جدران الغرفة كلها.


ثم التفت نحو زوجته، وتقدم منها دون تردد، وفي لحظة اختلط فيها الاندهاش بالعاطفة، اندفع نحوها واحتواها بين ذراعيه بقوة. 

  عانقها كما لو كان يعانق الحياة ذاتها، 

اصابها الذهول، بينما الطبيبة فقد وقفت مندهشة للحظة، ثم ما لبثت أن شعرت بالحرج فتمتمت

"طيب... عن إذنكم" 


وغادرت تغلق الباب خلفها في هدوء، تاركة خلفه لحظة لا تُنسى...

كان عناقه يشع دفءً يكاد يذيب قساوة الأيام المتراكمة بينهما، عناق تماوجت فيه المشاعر كبحر عاتٍ يفيض بشوق مقموع. تهدجت أنفاسه كأنها أنفاس من نجا بعد طول اختناق، وارتعشت على شفتيه ابتسامة باكية، ترتجف بين فرحة اللقاء وغصة الذكرى، بينما انسدلت من عينه دمعة وحيدة خرساء، تقاوم السقوط حتي انسدلت مرغمة على وجنته، شاهدة على صراع داخلي مرير.


وإذا بها صبا فؤاده وروحه، قد تجمدت لحظة بين ذراعيه، هيهات وإذا بها تدفعه فجأة بعيدًا عنها بعنف أفزع الوجدان، لم تكترث على ما خلفته من صدمة في ملامحه المرتبكة، ولا تبالي بارتباك روحه من رد فعلها القاسي.

فقالت بصوت مشحون بالعزم والانكسار

"ابعد عني ماتلمسنيش، وقبل ما تقول أي كلمة، أو تعاتب وتلوم، أنا هافضل على موقفي، هاتطلقني يعني هاتطلقني، ولو ما طلقتنيش، هارفع عليك قضية" 

ابتلعت لُعابها واردفت بكل جرأة غير آبهة لما سيترتب علي قولها الآتي بعزم و إصرار

"هخلعك يا قصي" 


لحظات كان فيها الصمت سيد الموقف، وإذا صدرت منها شهقة مذعورة باغتتها حين جذب الدثار من فوقها وألقاه بعيدًا، التقطها بذراعيه بقوة وحسم كأنما يختطفها من قرارها.


صرخت وهي تتشبث بكرامتها 

"نزلني يا قصي، نزلني يا إما هصرخ، وألم عليك كل اللي في المستشفى"


فأجابها بصوت هادئ مشوب بالعناد "صرخي براحتك، محدش ليه حاجة عندي... واحد وشايل مراته"


خرج من الغرفة، يخطو كمن لا يهاب عاقبة، يضرب الأرض بثقة المحارب المنتصر.  

تبعته الطبيبة بخطى مسرعة ووجه يكسوه الذهول، هتفت محاولة إيقافه

"استني عندك هنا، فين الأمن هنا؟، يا أمن!"


توقف والتفت إليها، يرمقها بنظرة حادة كالسيف

  "ارجعي على شغلك يا دكتورة، أحسن لك"


تلبسها الخوف، تجمدت قدماها للحظة، ثم تقهقرت إلى الوراء، وعادت أدراجها إلى عملها دون اعتراض.

بينما صبا كانت تلهث بغضب، وصاحت وهي تضربه بكفها المرتجف على صدره "وكمان بتهدد الدكتورة!، مش كفاية اللي عملته فيا؟!، فتحتلي دماغي وكنت هتسقطني، ولا الراجل اللي كسرتله سنانه وورمتله وشه؟!"


رمقها بنظرة يعتصرها الأسى والغيرة، وقال بلهجة ملؤها التبرير واللوم 

"قولتلك مكنتش قاصد أجي جمبك خالص، وبالنسبة للمخنث اللي مسك إيدك وباسها، لو رجع بيا الزمن كنت كسرتله إيده، مش سنانه كمان، وبعدين الغلط مش عليه لوحده، الغلط على اللي سمحت له بكده"


انتفضت كمن لدغها عقرب من بين كلماته، وهتفت باستنكار

  "قصدك إيه يعني؟، الراجل ضيف عندي وبيسلم، عايزني أحرجه وأكسفه؟!، إحمد ربنا إنه معملش فيك محضر بالتعدي"


توقف جوار سيارته وأنزلها برفق، يحاول كبح بركانه، ثم فتح الباب الأمامي وقال بصوت خافت فيه ما يُشبه الرجاء

  "اركبي يا صبا، ونبقى نكمل كلامنا في بيتنا"


صرخت بانفعال

  "بيتنا؟!، أنا هارجع على قصر بابا وهاتطلقني لإما هخلعك"


جزّ على شفته السفلى، وعيناه تشتعلان بتناقض بين الحب والغضب

  "اركبي، وهعملك اللي أنتي عايزاه"


رفعت ذقنها بتحد وقالت بعناد مرير 

"وأنا مش عايزة أركب معاك، امشي إنت وأنا هاتصل ببابا ييجي ياخدني"


شعر أن صبره يتآكل، وأن غضبه يتربص به على أطراف أعصابه، فتنفس بعمق وأطلق زفيره رويدًا رويدًا، ثم طلب منها بصوت هادئ لا يشبهه 

"ممكن ومن فضلك يا حبيبتي تركبي؟"


رمقته بحنق، عقدت ما بين حاجبيها، وصاحت

  "ماتقوليش يا حبيبتي"


كاد أن يضحك رغمًا عنه، فبين يديه يرى الآن صورة مصغرة من ابنته، طفلة مدللة في جسد امرأة ثائرة، فما كان منه إلا أن اتخذ القرار بنفسه.  

انحنى وحملها برفق، أدخلها إلى المقعد الأمامي.


صرخت متلوحة بذراعيها

  "بتعمل إيه؟!، أوعى، نزلني"


ثبت لها حزام الأمان، وأغلق باب السيارة، ثم التف إلى الجهة الأخرى وجلس في مقعد القيادة، أغلق الباب بسرعة وضغط على القفل الرئيسي الذي يغلق جميع الأبواب والنوافذ دفعة واحدة.


قالت من بين أسنانها وهي تنفجر من الغضب 

  "على فكرة، اللي بتعمله ده اسمه خطف"


نظر إليها وابتسم ابتسامة خبيثة ليشعلل من غيظها، وبدأ يقود السيارة.

اخبرها بنبرة ساخرة 

  "لما نروح، ابقي بلغي البوليس، قوليلهم جوزي خطفني"


جزت على أسنانها من شدة الغيظ، عقدت ساعديها أمام صدرها وزفرت بحنق بالغ يكاد يشعل الأجواء 

"بارد أوي"


ضحك بتهكم، ورد عليها بكلمات لا تخلو من نوايا لا تمت للبراءة بصلة 

  "بارد؟!، معلش بقى يا حبيبتي، أصلِك كنتي بعيدة عني الأيام اللي فاتت، لما ترجعي لقصرك وأوضتنا وسريرنا، ابقي دفيني"


صرخت به بحنق، ثم تناولت صندوق المحارم الورقية وقذفته في وجهه، أشاح وجهه نحو النافذة الأخرى، وانفجر ضاحكًا بصمت، يخفي ضحكته عن عينيها. 


                        ❈-❈-❈


كان يلهث تحت لهيب الشمس، يلتقط المجرفة بيدين متسختين، ويلقي بالرمال في جوف تلك الحفرة وكأنه يدفن معها كل أثر لجريمته.  

فمنذ أن أزهق روح صديقه الطبيب، سحبه من ذراعيه بغل مسعور، وجرجره عبر الممرات حتى ألقى به في حوض الاستحمام البارد. 

ومن هناك، خطط أن يُبيد كل دليل، أن يُواري الجثة في صمت حتى لا يفتضح أمره، وذلك بعد أن قام بتقطيعها إلي عدة أجزاء. 


انتهى من الردم، ومسح العرق عن جبينه بكم قميصه الممزق، ثم قفز إلى سيارته وغادر إلى مكان آخر. 

حفر قبراً جديداً، أخرج من صندوق السيارة كيساً بلاستيكياً أسود، ألقاه في جوف الحفرة، ثم طمره بالرمال.  

كرر فعلته تلك في خمس مواقع متباعدة، متعمدة الإخفاء، بعيدة عن المنزل الصيفي الذي شهد الجريمة.


حين أنهى مهمته، عاد وهو يعتقد في غروره أن خطته محكمة، وأن أحداً لن يكتشف أمره قبل موعد سفره.  

دلف إلى البيت حاملاً أكياساً مكتظة بالطعام، وأغلق الباب بإحكام، قفله بالمفتاح من الداخل، وأوصد عليه المزلاج المزدوج، ثم دس المفتاح في جيب بنطاله.  

وضع الأكياس على الرخام البارد في المطبخ، قبل أن يتوجه للاستحمام.


خلع ملابسه الملطخة بتراب الحفر، ارتدى بنطالاً قطنياً فقط وترك صدره العاري يلمع تحت الضوء الخافت.  

عاد إلى المطبخ وأعد الطعام لتلك النائمة في الغرفة... النائمة مكرهة، مكبلة اليدين بسلاسل معدنية، وعنقها تطوقه حلقة جلدية مهينة، ترتجف كطائر جريح وتبكي بين الحين والآخر، تهمس بدعاء خافت أن ينقذها الله من هذا المختل القاتل.


كان يطلق صفيراً مرحاً كأنه لم يزهق روحاً، دخل عليها حاملاً صينية الطعام، فما إن سمعت وقع خطواته حتى تظاهرت بالنوم، خوفاً من المواجهة، خاصة بعد ما لاقته منه طوال ليلة الأمس.


وضع الصينية على المنضدة المجاورة للفراش، ثم جلس على طرف السرير، يميل بجسده نحوها، يتأمل ملامحها عن قرب.  

فجأة، دوى صوت تنبيه الرسائل على هاتفه، فانتفض سريعاً ليرى المحتوى، 

كان من صديق له

«مهند لو لسه معاك كارين العزازي سيبها بسرعة، أهلها قالبين الدنيا، والسوشيال ميديا كلها بتتكلم عن خطفك ليها... أنت عارف أخوها مين... قصي البحيري ده لو عتر فيك هيخليك تقابل وجه كريم... ده غير جوزها نشر فيديو وأنت بتخطفها... لو اتمسكت مش هيرحموك، وأنا مش هقدر أساعدك أكتر من كده يا صاحبي»


اشتدت عضلات فكه، واشتعلت عيناه القاتمتان من الغضب. 

أرسل إليه رد حاد

«أنا مش هسيبها... هاخدها ونسافر، ولا قوة في الدنيا تقدر تاخدها مني... وبالنسبة ليك يا صاحبي، متشكر لحد كده، أنا هعرف أتصرف»


ضغط على زر الإرسال، ثم حظر رقم صديقه دون تردد.  

التفت إليها، فوجدها تحدق فيه بعينين واهنتين، تستجديه أن يحررها من هذا الأسر المُذل.


اقترب منها، وسحب الكرسي ليجلس بجوارها، ثم أطفأ لفافة تبغ متقدة في المطفأة الزجاجية على الكمود.  

ظل يتأملها في صمت، بلا مبالاة ظاهرة بحالها البائس، حتى بدأت تتلوى من الألم. ارتسمت على ملامحها علامات الاختناق، وارتجفت جفونها مع انسدالها، عندها وثب من مقعده، ونزع الشريط اللاصق عن فمها بسرعة، وربّت على خدها، وقلبه يرتجف من الخوف عليها، وهو يتمتم باضطراب

"لاء، لاء، فوقي يا كارين، بصي لي، هتبقي كويسة وهنسافر أنا وإنتي ونعيش مع بعض على طول، لازم تعيشي، مش هاتروحي، مش هاسيبك تروحي مني زيها"


هرع إلى المطبخ وأتى بكوب ماء وزجاجة عطر من فوق طاولة مرآة الزينة، نثر الماء على وجهها، ثم رش شيئاً من العطر على يده، ووضعه أسفل أنفها قائلاً بصوت مرتعش

"كارين، سمعاني؟، سمعاني يا حبيبتي؟"


ظل يربت بخفة على خديها، يهز جسدها المرتجف في محاولة لإيقاظها من الغيبوبة الطارئة، حتى بدأت أنفاسها تتسارع وتستعيد وعيها رويداً. 

وحين فتحت عينيها، وجدت نفسها بين ذراعيه، يحدق في وجهها بتمعن.

  استقرت نظراتها في عينيه الحادتين، وابتلعت ريقها بصعوبة، لتخرج بصوت واهن متقطع

"قتلت الدكتور... عملت في جثته إيه؟... أنا عايزة يونس... وديني ليه؟"


حدق فيها بتجهم قاتم، يجز على أسنانه في صمت، يكبح طوفان غضبه كي لا ينفلت زمامه فيؤذيها.

تظاهر باللامبالاة تجاه مطلبها، وفك قيودها الحديدية، وحملها بقبضتين ثابتتين نحو الحمام.  

وضعها برفق في حوض الاستحمام، وهي ما زالت ترتدي تلك القطع المهينة من الثياب، فعقدت ساعديها حول صدرها في محاولة يائسة لستر ما انكشف منها بسخاء فاضح.


وما إن أدار صنبور الماء، وانهمرت القطرات الباردة على جسدها، حتى شهقت وارتعشت، كمن اصابته صاعقة. 


جلس على ركبتيه جوارها، يمد كفه ليمسح خصلات شعرها المبعثرة، وهمس بصوت متموج بين القسوة والحنان

"كان لازم أقتله يا حبيبتي، كان عايز يبعدك عني"


لم يغب عنه ارتجاف جسدها، والخوف الذي يقطر من عينيها، والارتعاشة التي تلهب شفتيها.  

تابع قائلاً بنبرة مطمئنة زائفة

"ماتخافيش، أنا جمبك ومعاكي، مش هأذيكي طول ما إنتِ مطيعة وبتسمعي كلامي"


حدقت فيه بحذر شديد، والخوف يتربص في أعماقها، ثم تمتمت بصعوبة بالغة

"عايزة يونس، رجعني لجوزي وولادي ومش هقولهم حاجة، مش هاجيب سيرتك خالص"


كان يمسك بصنبور آخر متصل بخرطوم معدني مرن، وما إن تردّد اسم غريمه على مسامعه مرة أخرى، حتى اشتعلت شرارة الغضب في عينيه.  

ألقى بالصنبور على الحائط بعنف، وصاح بصوت وحشي متفجر

"كفاية بقى، كل شوية تكرري اسمه، انسيه لأنك مش هاتشوفيه تاني في حياتك، انسيه هو وعيالك"


ثم انقض على خصلات شعرها، قبض عليها بعنف، فأصابها الهلع وأوشك قلبها أن ينفجر رعباً، وهو يهدر

"مفيش غيري أنا، وهتجيبي ولاد مني أنا، أنا هابقى كل حياتك، كلك على بعضك ملكي، فاهمة؟، ردي عليا؟"


صرخ في آخر جملة، فهزت رأسها سريعاً، تردد بصوت مرتجف موافقة زائفة

"فاهمة... فاهمة"


ترك خصلاتها وجلس على الأرض، مسنداً ظهره إلى حوض الاستحمام.  

مال برأسه إلى الوراء، وأخذ يتنفس بعمق، قبل أن يبدأ في سرد ما بدا وكأنه اعتراف يخرج من قلب مشحون بالجنون

"كانت كل حاجة في حياتي، الهوا اللي بتنفسه، حبيت كل حاجة فيها، روحها و هدوئها، طاعتها واستسلامها ليا، كانت بتثق فيا أكتر ما بتثق في نفسها، عمرها ما قالتلي لاء على أي حاجة طلبتها منها، لو قولتلها روحي موتي نفسك، كانت عملتها من غير ما تتردد"


اعتدل في جلسته، وألقى بنظرة ثابتة نحو هذه المسكينة التي كانت تصغي إلى اعترافاته المريبة، بينما عقلها يضج بألف فكرة للهرب. 

  لاحظت حدّة عينيه وهي تتابع حديثه

"كنت بخاف عليها أوي من نفسي، بخاف عليها من الشيطان اللي جوايا، كنت عارف إنها استحملت عشان بتحبني، بس استسلامها كان بيغذي الوحش اللي جوايا، أوقات كتير ما بحسش بنفسي، ولما بفوق بلاقيها مرمية قدامي، وكل حتة في جسمها بتنزف دم، في كل مرة كانت هاتضيع مني، وبالصدفة بلحقها على آخر لحظة، لحد ما في يوم...


صمت فجأة، وعينيه تشرقان بوميض ذكرى أليمة.  

كان القاضي والجلاد في آن واحد، والندم –إن وُجد– لم ينجح يوماً في كبح وحشيته.


                        ❈-❈-❈


مشهد من الماضي... 

كان جالسًا في انتظـارها، يلتهم دخان سيجارته بنهمٍ كأنما يحاول أن يطفئ نيران تتأجج في صدره، وساقه تهتز بعصبية لا تخطئها العين، وملامحه تنذر بقدوم عاصفة لا نجاة منها.  

وما إن اخترق سمعه صوت المفتاح وهو يلامس قفل الباب، حتى أسقط لفافة التبغ المشتعلة على الطاولة، وكأن الأمر لم يعد يحتمل التأجيل.


قال بنبرة حادة

"كنتي فين؟"


دخلت زوجته وهي تجر قدميها بخطوات مثقلة، وجهها شاحب كصفحة القمر في ليلة شتوية، ملامحها منهكة، والظل تحت عينيها أعمق من بئر نسيان.  


أجابت بصوت خافت بالكاد يصل إلي مسامعه

"ممكن لو سمحت نتكلم بعدين، أنا تعبانة أوي، هادخل أرتاح ولما أصحى نتكلم"


لم تلتفت لرده، ومضت نحو غرفة النوم، لكنها لم تكد تخطو إلى الداخل حتى صرخت من فرط الألم؛ إذ جذبها بعنف من شعرها، وصوته يهدر كزئير وحش كاسر

"ما بترديش عليا ليه؟ قافلة تليفونك من الصبح، أستناكي تيجي الشركة ماتجيش، روحتي فين من ورايا؟ كنتي مع مين؟ ها؟"


تعلقت بيده محاولة تخليص خصلاتها التي كادت تُنتزع من رأسها

"إيه اللي بتقوله ده؟، حرام عليك أنت أكتر واحد عارف أخلاقي، وعارف إن عمري ما أبص حتى مجرد نظرة لحد تاني غيرك، وعشان أريحك وأقتل الشك اللي عمرك ما هتتخلص منه، هقولك كنت فين"


أفلتها أخيرًا، ووقف يحدق فيها بترقب، قالت بثقل يقطر آلام

"كنت عند دكتورة النسا، عملت عملية إجهاض"


حدق فيها كأنه لم يفهم، ثم أشار إلى أذنه

"عيدي اللي قولتيه تاني؟"


أجابته بمرارة

"كنت حامل وسقطت، لأني مش عايزة أجيب طفل يكون كل ذنبه في الحياة إن أنا و أنت مامته وباباه، ومن غير ما أخوض في تفاصيل، أنت فاهم كويس قصدي إيه"


حلّ صمت قاتل، يزداد وطأة مع كل ثانية، والخوف يتسرب إلى أعماقها مثل سم بطيء. 

  هي تعرف جيدًا ما يعنيه هذا الصمت، فقد ذاقت من قبل ويلات جنونه، وتدرك أن ما فعلته في نظره جريمة مضاعفة.

أولًا أخفت عنه خبر حملها، وثانيًا اتخذت قرار الإجهاض دون إذنه.  

لكن الذي أمامها الآن لم يعد مجرد رجل قاسٍ، ولا حتى وحش هائج، بل شيئًا أشد ضراوة، وأشر من الشيطان ذاته.


ليتها أنهت حياتها بيديها قبل أن تعترف له، وكأنها ألقت بنفسها في فوهة الجحيم. وما هي إلا لحظات حتى سحبها كالشاة إلى "غرفة الجحيم"، تلك التي اعتادت أن تتركه يمارس فيها ميوله المريضة تحت وهم الحب، دون أن تدري أنها تغذي وحشيته.


لكن هذه المرة لم يكن التعذيب لبلوغ متعة، بل انتقام صرف، عذاب يسحق الجسد والروح معًا، حتى لفظت أنفاسها الأخيرة وجسدها مغطى بالكدمات والسحجات التي شوهت ملامحها تمامًا.


عودة للوقت الحالي...

كانت كارين تهز رأسها برفض لما تسمعه؛ فهي أمام مجرم مختلّ، سادي النزعة، سايكوباتي النزعة الإجرامية. 

هل سيكون قدرها أن تموت على يديه، أم تتدخل عناية إلهية تنتشلها من هذا الجحيم؟! 


انتبهت لصمته الطويل، ورأت عينيه مغمضتين، كأنه غرق في وحل ذكرياته المظلمة.  

ابتلعت ريقها وهي تبحث عن وسيلة للفرار، ولو كان في ذلك مخاطرة بحياتها، إذ قد تتحول إلى الضحية التالية.


حسمت أمرها، ومدّت يدها إلى الصنبور المعدني المرن، ثم هوت به بكل ما تبقى في جسدها من قوة على رأسه، مرة تلو الأخرى، حتى سال الدم من جبينه وسقط على جانبه، وعيناه توشك على الإغلاق.


قفزت من حوض الاستحمام، وجسدها يرتجف من الرعب، تظن أنها قتلته.  

لكن لا وقت للتفكير؛ عليها أن تهرب، أغلقت باب الحمام من الخارج، وأسرعت إلى الغرفة التي حجزها فيها.  


أخذت تبحث عن ملابس، فعثرت على أكياس ورقية بداخلها أثواب وحقائب يد، يبدو إنها مشتريات سفر أعدّها لها من قبل.


نزعت الطوق المعدني عن عنقها، وارتدت في دقيقة ثوبًا أبيض من الكتان، تزين أطرافه نقوش أوراق سوداء، ثم التقطت إحدى الحقائب. 

  لملمت خصلات شعرها بعشوائية على هيئة كعكة غير مرتبة، وعيناها تبحثان في أرجاء المكان.  

لمحت هاتفه ملقى على الأرض، فالتقطته ووضعته في الحقيبة، وانطلقت مسرعة.


وصلت إلى باب المنزل فوجدته موصدًا، وتذكرت أن المفاتيح بحوزته.  

شعور التعب بدأ يتسرب إلى جسدها، لكنها قاومته، وذهبت تتفقد الغرف واحدة تلو الأخرى، وكلها مغلقة.  

  لم تجد سوى نافذة صغيرة في الغرفة التي كانت أسيرتها.


همست لنفسها وهي تلتقط أنفاسها

"يارب… يارب"


خطر لها مشهد من فيلم شاهدته قديمًا، فعادت تبحث عن سلاحه الناري. 

  تحركت بخفة، متجنبة إحداث أي صوت، حتى تجاوزت باب الحمام المغلق.

  دخلت الغرفة التي كانت بها منذ قليل، وفتشت الأدراج حتى وجدت المسدس.  


قبضت عليه وخرجت بحذر، لكن ما إن مرت أمام الحمام حتى شعرت بقلبها يهبط؛ لقد كان يحاول كسر الباب، وصوته يزلزل المكان

"افتحي الباب أحسنلك، هقتلك يا كارين… هقتلك"


ارتجفت يداها، وعيناها تتنقلان بين باب النجاة والرواق المؤدي إلى الجحيم. رفعت المسدس وصوبته نحو القفل، وأغمضت عينيها، ثم أطلقت طلقة اثنتين، ثلاثة، حتى تحطم القفل وانفتح الباب في اللحظة نفسها التي تحرر فيها هو من سجنه.


وبينما اندفع نحوها، أطلقت رصاصة عشوائية أصابت كتفه. 

  ركضت بجنون، مدفوعة بفيضان الأدرينالين، وهو يلحق بها رغم إصابة رأسه و الرصاصة المستقرة في كتفه.  


اختل توازنه، لكنه لم يتوقف بل أسرع نحو سيارته ليلحق بها.


بينما هي، فقد ركضت مسافة طويلة لا تدري إلى أين، حتى وجدت صخرة كبيرة فاختبأت خلفها، تلهث بشدة وقلبها يطرق صدرها طرقًا مروعًا.  

كانت تعلم أن قلبها المريض لن يتحمل هذا المجهود، لكنها لم تعبأ سوى بالعودة إلى زوجها.


أخرجت الهاتف، فوجدته مؤمّن بكلمة سر، جربت عدة محاولات عشوائية، ثم خطرت لها فكرة؛ كتبت اسمها فانفتح فورًا. 

ضغطت على الأرقام، واتصلت بزوجها… سمعت رنين الهاتف، وانتظرت إجابته.


                        ❈-❈-❈


يمكث في أركان معرضه، محاطًا بجدران الصمت الموحش، ينهش قلبه شعور العجز وقلة الحيلة. 

  لقد استنفذ كل سبل البحث عن زوجته المختطفة، ولم تُجدِ محاولاته أو محاولات الشرطة التي كلما هاتفهم جاءه صوتهم عبر الأثير بلهجة مكللة بالرجاء لا تيأس، فنحن نبذل قصارى جهدنا حتى نصل إليها.

  ومع ذلك، لم يكن اليقين حليفه، ولا الطمأنينة ضيف على قلبه.


في غمرة يأسه، تتقاطر عليه رسائل عبر منصة التواصل الاجتماعي، يزعم أصحابها أنهك وجدوا زوجته، لكن الضابط مدحت صديق شقيقه، يكشف له أن المتصل ليس سوى نصاب وضيع، يتلهف لابتلاع المكافأة المعلنة، وقيمتها عشرة ملايين جنيه.


كانت الطاولة أمامه ساحة فوضى؛ زجاجات خمر فارغة تتناثر فوقها وأسفلها، وطفايات سجائر مثقلة ببقايا محترقة تعبق برائحة احتراق خانقة.  


في الخارج، توقفت سيارة ياسين شقيقه، وقد جاء بعد أن دلته والدته على مأوى أخيه ذو القلب الممزق. 


أبصره حارس الأمن فابتسم مرحبًا به، ورد الأخر التحية، ثم ولج إلى الداخل متتبع أثر أخيه حتى وصل إلى غرفة المكتب.  

هناك كان المشهد يثير الرثاء؛ يونس ممدد على الأريكة الجلدية، غارق في سبات ثقيل، تحيط به بقايا زجاجات الخمر كما تحيط الجثث بخرائب المعارك.


ملامحه كانت ساحة غزو لليأس؛ عينان غائرتان، وجسد بلا روح، كأنما فقد نفسه.


مضى إلى البراد الصغير، التقط منه زجاجة ماء مثلج، وعاد ليقف جوار رأس أخيه. 

  فتح الزجاجة دفعة واحدة، وسكب محتواها البارد على رأس يونس الذي انتفض كمن لدغته أفعى، ونهض غاضبًا، أطلق سبّة لم يعهدها من فمه من قبل

"أنت يا...، أنت غبي يا لا!"


مسح الماء عن وجهه وشعره، ثم نزع قميصه المبتل وألقاه في وجه شقيقه

"غور من وشي، مش عايز أشوف حد"


نظر إليه ياسين بعين يختلط فيها الضيق بالرأفة؛ يعلم أن ما يراه أمامه ليس إلا صورة رجل يتعذب حتى النخاع، قلبه يضج بالخوف والألم لفقد زوجته. 


قال بصوت هادئ لكن ثابت

"وأنا مش حد يا يونس، أنا ياسين أخوك، أخوك اللي من سنتين كان في نفس حالتك، وإنت ما سبتنيش، فضلت جنبي لحد ما عديت الأزمة اللي كنت وما زلت فيها، فاكر قولتلي إيه وقتها؟"


اقترب وجلس إلى جواره، مكملاً

"قولتلي إن الخمرة ولا السجاير ولا إنك تعزل نفسك عن الدنيا، مفيش حاجة من دول هتحل مشاكلك أو تطلعك من اللي إنت فيه"


تلاقت نظراتهما، عيون مثقلة بما يفوق طاقة البشر من الألم والجراح.

رد يونس بمرارة وقهر

"أنا عملت كل اللي ممكن يتعمل، بقالي أيام وليالي ألف عليها، مرة مع مدحت صاحب أخوك والعساكر والمخبرين، ومرة أنا ورجالتنا ورجالة قصي أخوك، مالهاش أثر ولا عارفين نوصل للـ... اللي اسمه مهند، كأنه فص ملح وداب، خبر خطفها بقى تريند على السوشيال ميديا، وكنت فاكر هيفيد، لكن كل من هب ودب بيشتغلني، ويطلعوا شوية عيال ولاد... نصابين طمعانين في المكافأة"


تنهد ياسين وربت على كتف أخيه مواسيًا

"حاسس بيك، مريت بكل دقيقة إنت مريت بيها، بس أنا القدر خدها مني، وبرغم كده قلبي لسه مهداش ولا ارتاح، لكن كارين بإذن الله هنلاقيها وهترجع بالسلامة، وأول ما نوصل للمجرم اللي خطفها، وحياتك ما هنخليه يطلع عليه ضهر تاني"


لم يقوَ يونس على التماسك، فانهار على كتف أخيه يبكي بحرقة

"خايف عليها أوي يا ياسين، خايف يجرالها حاجة وملحقش أنقذها، كارين... لو حصلها حاجة أنا أموت فيها"


ربت الأخر على ظهره بحنو

"ما تخافش كلنا جنبك ومعاك، إن شاء الله هنلاقيها، كارين اللي نعرفها قوية وجدعة، ومهما واجهتها مشكلة هي قدها وقدود، فاكر لما وقفت قدام قصي زمان واتحدتوا عشان تبقى معاك؟"


كان قلب ياسين مثقلاً بحزن عميق، ليس فقط على كارين، بل على حال أخيه الذي يسير على حافة الانهيار.  

ومع ذلك جعل كلماته جسراً يمده بالصبر، ليحول دون سقوطه في هوة اليأس.


و في ظل الحالة التي يغرقا داخلها لم ينتبها إلي هاتف يونس الذي يهتز بصمت للمرة الثلاثون، يظهر على شاشته رقم مجهول، وفجأة يقطع الإنذار بفراغ البطارية، ليخبو الضوء وينطفئ الهاتف تلقائيًا.


                        ❈-❈-❈


«ربما يكون الهاتف مغلقاً أو غير متاح....»

تلك الرسالة المسجلة الباردة التي تلقتها كارين من هاتف زوجها، بعدما فرغت بطاريته حتى آخر أنفاسها.

انقبض قلبها كقبضة اليد على الجمر، وانفرجت شفتيها بمناجاة يائسة، وهمست بصوت متقطع

"ده وقته؟، طيب اتصل بمين دلوقتي يا رب ألهمني، مفيش غيره قصي يا رب يرد عليا"


ارتجفت أناملها وهي تنقر على الأرقام، وكادت تضغط على علامة الاتصال، حين اخترق مسامعها آخر صوت تمنت لو ظل غائباً عن الوجود

"لو روحتي لآخر الدنيا هاجيبك برضه"


التفتت كالسهم المذعور، فإذا به مهند يقف على بُعد خطوات، الدماء تسيل على جانب وجهه كمجرى أحمر قانٍ، ولفافة خشنة تحيط بكتفه، قد لطختها بقعة داكنة هي أثر رصاصة غادرة. 

مدّ يده نحوها ليقبض عليها، لكنها باغتته بحفنة من الرمال التقطتها من الأرض الجافة، وقذفتها في وجهه بكل ما أوتيت من قوة.


تطايرت الحبات كالسهام الصغيرة، لتغزو عينيه وتغمرهما بالوخز والحرقان، فراح يفركهما في ألم محتدم، ويضغط على جفنيه كأنما يطرد عن بصره شوك. 


ومع ذلك لم يتخل عن تهديده، بل زمجر بصوت أجش

"هاتروحي مني فين؟!، إحنا في مكان مفيهوش صريخ ابن يومين"


انتهزت كارين تلك اللحظة، وشرعت تركض، تلتهم الأرض بخطواتها، تبحث بعينين مسعورتين عن أي جدار أو مأوى، أي شق في صخرة، أو ظل شجرة، يمكن أن يحجبها عن أنيابه، بينما هو يظل خلفها نصف أعمى، يتخبط في أثرها، والريح تنثر حولهما الغبار مما يزيد المشهد وحشة واختناق. 


صاح بأعلي صوت له بوعيد سيقوم بتنفيذه لا محالة

"أنتي اللي قررتي عقابك بإيدك، ما تلوميش غير نفسك علي اللي هاعمله فيكي" 


يتبع...


#الفصل_الثامن_عشر

#غرام_الذئاب

#الجزء_الرابع_من_سلسلة_صراع_الذئاب

#ولاء_رفعت_علي


كنت أظن أن الغياب يطفئ الحب، لكنه اليوم أثبت لي أن الغياب يزيده اشتعالًا. 

  كنت في حضنه كطفلة أضاعها الطريق ثم وجدته أخيرًا، فبكيت على كتفه دون أن أشرح شيئًا.  

هو يفهم هو يعرف، هو الوحيد الذي يسمع بكاء قلبي قبل أن تخرج دموعي.  

شعرت أنني أذوب بين ذراعيه، وأنني مهما حاولت أن أبتعد، فإن هذا الحضن سيظل دائمًا وجهتي الأخيرة.


أحمد الشريف & علا


༺༻


عاد الملك يجر خلفه ظلال انتصاره، حاملاً بين ذراعيه ملكة قلبه وروحه، كأنما يضم بين كفيه كل ما تبقّ له من الدنيا.


كانت خطواته تدوي على أرضية الرخام البارد، وصدى أنفاسهما يملأ البهو الفسيح للقصر.  

ولما بلغ عتبة الداخل، التفتت نحوه بعينين مشتعلة باللهيب، وقالت وهي تتململ بين ذراعيه

"ممكن تنزلني، مش هاينفع اللي بتعمله كده، أنا أصلاً لسه على موقفي، ومش معنى إن رجعت معاك يبقى سامحتك"


وأشاحت بوجهها إلى الجهة الأخرى في حركة طفولية أثارت ضحكة مكتومة على شفتيه رغم إرادته.  

صاحت بغضب وهي تكز على أسنانها

"بتضحك على إيه؟!"


كفّ عن الضحك، وأجابها بنبرة تلونها جدية مصطنعة

"افتكرت حاجة ضحكتني، متاخديش في بالك"


"يا سلام؟!"


ابتسم ابتسامة جانبية

"ابتدينا بقى هرمونات الحمل والجنان هايشتغلوا"


حدقت فيه بحدة

"قصدك أنا مجنونة؟!"


أنزلها برفق أمام الدرج، وقال وهو يرفع حاجبيه

"وأنا مقولتش كده، بالعكس إنتي ست العاقلين كلهم"


وفجأة اخترقت صدى الحوار أنغام صوت مألوف، جاء من طرف البهو

"وأنا بقول القصر منور ليه، حمد الله على السلامة يا حبيبتي، نورتي بيتك"


كانت زينات قد حضرت لتوها، تلمع في عينيها فرحة صافية. 

  التفتت إليها صبا، ولما رأت تلك الأخرى اللاصق الطبي على جبهتها، اتسعت عيناها دهشة، فغمزتها صبا بعينيها في إشارة إلى أن الحديث مؤجل.


"وحشتيني يا داده"

قالتها وهي تعانقها بعناق يفيض بالشوق، فردت زينات وهي تضغط عليها بذراعيها

"حبيبة قلبي، وانتي كمان وحشاني قوي، ماتسيبيش بيتك تاني، ولو كررتيها أنا اللي هاسيبكم وامشي"


ابتسم قصي وتدخل قائلاً

"واحنا ما نقدرش نستغنى عنك، اطمني صبا مش هاتعملها تاني، وهاتفضل منورة قصرها هي والضيف الجديد اللي جاي في السكة"


لمعت نظرة سريعة بين زينات وصبا، أدركت فيها الأولى أن قصي قد علم بخبر الحمل الذي حاولت صبا إخفاءه. فتظاهرت وكأنها تسمع الأمر لأول مرة، وهتفت بانفعال صادق

"يا نهار ألف مبروك، ربنا يقومك بالسلامة يا بنتي، ويتربى في عزكم أنتي وأبوه"


"حبيبتي يا داده"


سألت زينات وهي تبحث بعينيها

"أومال فين الولاد؟"


كادت صبا تجيب، لكن قصي قاطعها

"هايقعدوا يومين عند عمي"


قالت زينات

"يرجعوا بالسلامة، وحشوني أوي، خلاص اطلعوا ارتاحوا أكون جهزتلكم الغدا علي طول"


قالت صبا وهي تصعد الدرج

"ماتعملوش حسابي، أنا مش جعانة عايزة أرتاح شوية"


أومأ قصي لزينات، وقال بصوت منخفض

"أنا مش جعان، خليهم يطلعوا لها الأكل فوق"


ثم لحق بها وما إن دخلت إلى الغرفة حتى أغلقت الباب وأوصدته من الداخل، زفر بنفاد صبر لكنه أخفى ذلك، وسأل بصوت مموه بالهدوء

"حبيبتي، بتقفلي الباب ليه؟"


أتاه صوتها من الداخل، حاد وجازم

"عايزة أقعد مع نفسي ومحدش يزعجني"


ابتسمت بمكر خلف الباب، فهي تعلم أنه مهما تظاهر بالصبر فلن يصمد طويلاً، غير أن ما حدث خالف ظنها، إذ قال بصوت هادئ على غير عادته

"خدي راحتك يا حبيبتي، وابقي سلمي لي على نفسك وبوسيها لي"


تركها مذهولة، ومضى إلى غرفة أخرى، جلس على طرف الفراش وانطفأت ابتسامته، لتحل محلها غيمة حزن ثقيل.


كانت صورة شقيقته تطارده، تلك التي فشل في الوصول إليها رغم محاولاته المستميتة. 

أخرج هاتفه وقام بالاتصال بأحد رجاله المكلفين بمهمة البحث

"وصلتوا لحاجة؟"


جاءه رد من الطرف الآخر

"للأسف يا باشا، معرفناش نوصل لأي حاجة تدلنا على مكان اللي اسمه مهند"


ارتفع صوته بغضب عارم. حتى اهتزت الجدران

"يعني إيه معرفتوش توصلوله لحد دلوقتي؟!، قولتلكم ماتسيبوش شبر واحد غير لما تدوروا عليه، أنا عايزه قبل ما البوليس يوصلوا"


"حاضر يا باشا، اعتبره حصل"


زمجر وعقب بسخرية وتهكم

"بقالي كذا يوم بسمع الجملة دي أنا عايز فعل، مش كلام"


"أمرك يا باشا"


أنهى المكالمة وألقى الهاتف إلى جواره بعصبية، وما لبث أن اهتز مجددًا بمكالمة واردة من رقم مجهول.


وفي مكان آخر، وسط عش مهجور في قلب الصحراء، كانت أنفاسها تتلاحق، دموعها تنحدر كخيوط المطر على وجه أرهقه الرعب، وقلبها يدق بعنف حتى كاد يخرق صدرها. 

  تمتمت برجاء يائس

"رد يا قصي، رد بالله عليك"


رفع الهاتف إلى أذنه، وما إن سمع صوتها المرتعش حتى انتفض واقفًا


"قصي، أنا كارين ألحقني بسرعة"


قال بلهفة ممزوجة بالذعر

"ماتخافيش يا حبيبتي، إنتي فين؟"


أجابته وسط شهقات البكاء

"مش عارفة، المكان حواليا معظمه صحرا و فيه بحر قريب من هنا، أنا بكلمك من تليفون المجرم اللي خطفني، قدرت أهرب منه، بس هو بيدور عليا، ولو لقاني هيقتلني أنا خايفة أوي"


ضغط على كلماته ليطمئنها

"حبيبتي، اهدي أنا جايلك بسرعة، حاولي تبعتيلي اللوكيشن، واستخبي في مكان آمن لحد ما أوصلك"


"حاضر"


أرسلت موقعها، ثم أضافت بصوت مرتجف

"خد بالك من نفسك ده سفاح، قتل الدكتور قدام عيني، وطلع قتل مراته بعد ما عذبها"


أجابها بحزم

"اطمني أنا جايلك حالاً، إنتي اللي خدي بالك من نفسك لحد ما أوصلك"


فتح الباب ليغادر، فإذا بزوجته واقفة أمامه بوجه متجهم

"مين دي اللي كنت بتكلمها ورايح لها؟!"


لم يكن ينقصه هذا الاتهام الآن، فحدق فيها وقال بما لا يدع مجالًا للشك

"كارين اتخطفت"


تركها ونزل الدرج بخطوات سريعة، أدركت حينها هول ما سمعت، فلحقت به حتى وصل إلى المكتب.  

كانت تتنفس بصعوبة، وسألته بصوت متردد

"اللي إنت قولته فوق بجد؟"


فتح درج مكتبه وأخرج سلاحه، وتأكد من امتلاء خزينته، ثم أعاد تركيبه بثبات، بينما تحدق فيه بعينين مذهولتين

"رد عليا"


قال وهو يضع السلاح خلف ظهره

"إنتي شايفة إيه؟!، أيوه مخطوفة بقالها كذا يوم، ومعرفناش نوصلها، هي اللي كلمتني ورايح أجيبها عن إذنك"


تركها وغادر، وفي طريقه أجرى اتصالًا

"مصعب حضر الرجالة حالاً واطلع بيهم، وقابلوني على اللوكيشن اللي هابعتهولك"


                        ❈-❈-❈


ما إن انقطعت المكالمة حتى انتفض واقفاً، كأن تياراً من العزم الجارف قد اجتاح أوصاله، فارتدى ثيابه على عجل، والتقط هاتفه ليهتف برجاله، صوته يقطر بأمر وحزم، حدد لهم وجهة اللقاء وموعد التحرك. 


وبينما كان يُعد عدته ويحكم تثبيت سلاحه خلف ظهره، انفرج باب الغرفة لتطل زوجته، ملامحها مشوبة بالقلق، وعيناها تفيض لهفة واستفهام، فسألته بصوت مرتعش

"لاقيته كارين؟"


رمقها بطرف عينه ثم آثر الصمت، يواصل تجهيزاته في صرامة.  

تقدمت نحوه بخطوات حذرة، ومدت يدها تمسك بيده، وقالت بصوت متهدج

"مصعب، أنا عارفة إنك زعلان مني من وقت ما كنا في القصر، مكنش قصدي والله أضايقك، أنا بس...


قاطعها بنبرة حاسمة، يغلفها ضيق مكبوت

"مش وقته أي كلام يا ملك، ننقذ بس مرات أخوكي ونرجع بالسلامة، ولسه لينا قعدة مع بعض أنا وأنتي"


تراجعت بضع خطوات إلى الوراء، تتأمل وجهه الذي ازداد صلابة، ثم وقفت قبيل خروجه وقالت برجاء أخير

"ممكن تاخد بالك من نفسك، وأول ما توصلوا ليها تكلمني أطمن عليها"


نظر إليها نظرة مقتضبة، واكتفى بهز رأسه، لكن قبل أن يخطو خارج العتبة، اندفعت نحوه دون تمهيد، تحيطه بذراعيها في عناق حار صامت، ثم انسحبت عنه في هدوء، تمتمت وهي تبتلع دموعها

"لا إله إلا الله"


أجابها سريعاً، وعيناه تحملان مزيجاً من اللوم والود الدفين

"سيدنا محمد رسول الله"


وما إن غادر البيت، حتى سارعت هي تبحث عن هاتفها كمن يبحث عن طوق نجاة. 

  كان أول اتصالها بشقيقها يونس، لكن يبدو إنه مازال لم ينتبه لهاتفه الذي فرغ من الشحن.

  لم تيأس، فاتصلت بشقيقها الآخر، غير أنه لم يرد في المحاولة الأولى، وعلمت في قرارة نفسها أنه ما زال يحمل عليها في صدره ضيقاً بعد المشادة الحادة التي اندلعت بينهما في قصر العائلة.


تنهدت بضيق، ثم التقطت أنفاسها وأرسلت إليه رسالة صوتية عبر تطبيق المحادثة، جاء صوتها حامل مزيج من القلق والرجاء

«ياسين حاول توصل ليونس وقوله قصي ومصعب عرفوا يوصلوا لكارين»


ضغطت زر الإرسال، ثم رفعت كفيها إلى السماء، تبتهل بصوت يتهدج بالدعاء

"يارب ترجعلينا بالسلامة يا كارين"


                        ❈-❈-❈


صمت مدقع يعم المكان من حولها، لا تسمع سوى صوت دقات قلبها، وقوتها التي انهارت، جسدها بدأ بالتراخي وشعور الخوف لا يفارقها، تنظر نحو الباب الخشبي القديم وتتوقع في أي وقت أن يقتحم هذا المجرم المكان من خلاله وتكون نهايتها علي يده. 


انتفضت فجأة عندما سمعت صوت سيارة يأتي من بعيد، ألتفت إلي النافذة الخشبية ونظرت بحذر من خلال فتحات التهوية، تنفست الصعداء عندما وجدتها سيارة لمسافرين عبر الطريق. 


أتتها فكرة أن تخرج وتطلب منهم النجدة و سوف تخبر شقيقها في الطريق، خرجت من المكان المهجور وأخذت تلوح للسيارة و تستغيث بصوت يخرج بصعوبة. 


توقفت السيارة و هبط منها رجلين، ركضت نحوهما، سألها الشيخ و كان رجل في عمر والدها

"إيه اللي جابك هنا يا بنتي؟" 


"أنا كنت مخطوفة و.... 


توقفت عن التحدث وعينيها تتسع بصدمة، رأت آخر ما كانت تتمني رؤياه، فقد كان مهند، هزت رأسها برفض وتراجعت إلي الخلف و نظرت إلي الشيخ الكبير بتوسل

"أرجوكم انقذوني، الراجل ده هو اللي خطفني و عايز يقتلني"


هبط مهند من سيارته، ورسم ابتسامة زائفة علي شفتيه و تحدث بكل ثقة

"حبيبتي مش قولتلك ما تخرجيش من الشاليه عشان المكان مش أمان؟" 


كان يتقدم منها فاختبأت خلف الشيخ، اوقفه الرجل الأخر 

"استني عندك رايح فين؟" 


تظاهر بالسلمية

"عايز مراتي" 


"مراتك، و لا اللي أنت خاطفها؟!" 


نظر مهند إلي كارين و بكل إحترافية و تمثيل متقن، قال لها

"عاجبك كده؟!" 


ثم نظر إلي الشيخ واخبره

"حد يخطف مراته برضه يا شيخنا؟!، هي بس زعلانة مني شوية، و أنا جيت وراها عشان أصالحها و نروح" 


صاحت كارين برفض

"ماتصدقهوش يا حاج، اقسم بالله ما جوزي، أنا متجوزة و عندي ولاد، و المجرم ده خاطفني وعايزني أعيش معاه بالعافية، خدوا بالكم ده سفاح و.... 


وضعت كفيها علي أذنيها بسبب، صوت طلقتان خرجت كلتيهما من فوهة سلاح آخر يحمله مهند، واحدة استقرت في رأس الرجل الذي أمامه فسقط في الحال، و الأخري استقرت في صدر الشيخ الكبير الذي لم يتحمل ووقع علي الأرض ينازع الألم. 


نظر مهند إلي تلك المسكينة، تهز رأسها و تشعر بالجنون، لا تصدق هول ما تراه، يقتل بكل دم بارد فماذا سيفعل معها هي؟! 


" شوفتي خلتيني اعمل بسببك إيه؟، قولتلك أي حد هيقف في طريقي عشان يبعدك عني مش هتردد ولو ثانية اقتله"


تتراجع إلي الخلف خطوة تلو الأخرى، تردد من بين دموعها برفض تام

"لاء، لاء" 


كان يتقدم منها بالتزامن مع كل خطوة تراجع لها

"هاتروحي فين مني المرة دي!" 


تعثرت في صخرة صغيرة، فوقعت إلي الوراء، تحركت سريعاً لتنهض، كادت ترفع رأسها وجدت حذائه الأسود أمامها مباشرة، رفعت وجهها فوجدته يبتسم إليها ثم هبط علي عقبيه، حاوط وجهها بين كفيه وقال بهدوء قاتل 

"مفيش حاجة هتفرقنا تاني عن بعض غير الموت" 


                       ❈-❈-❈


حل المساء وقد تناثرت أضواء الزينة كحبات اللؤلؤ المضيئة، تتدلى في أرجاء الحديقة الخارجية، تبث دفئها وتغمر المكان برونق إحتفالي يليق بالمناسبة.


تتهادى الألوان بين خيوط النور، بينما الخادمات يتحركن بنظام دقيق، يرتبن الطاولات والكراسي في مشهد يوحي ببهجة وشيكة، فالجميع في حالة استعداد قصوى لحفل الخطبة الذي أعلنت السيدة شيريهان عن إقامته.


وفي قلب المطبخ، روائح الشهية تتصاعد من أواني الحلوى، ممزوجة بعبق المشروبات المنعشة، بينما تتناقل الفتيات الصحون والكؤوس بخفة ومرح، يتغامزن ويتهامسن، والضحكات تلمع على وجوههن. 

وعلى الطرف البعيد، وقفت علا منعزلة بعض الشيء، تعدّ الكؤوس بهدوء متكلف، لكن أذنها كانت مشدودة إلى أحاديث زميلاتها التي بدا أنها لم تُلقَ مصادفة، بل بترتيب مقصود وربما بتحريض خفي من السيدة شيريهان.


قالت إحداهن، وهي تمد كوب عصير لصديقتها

"روحي يا سها طلعي كوباية العصير دي لداليا هانم"


أخذتها الأخرى وانصرفت، فتناهى إلى مسامع علا صوت إحداهن وهي تقول بنبرة مليئة بالتشويق

"عارفين يا بنات، داليا هانم دي الحب القديم بتاعت أحمد بيه، حصلت مشاكل وبُعدوا عن بعض، ورجعوا دلوقتي على خطوبة، وسمعت شيري هانم وأحمد بيه بيقولوا كتب الكتاب والفرح هيبقوا على آخر الشهر، وهياخدها ويسافروا بلاد بره"


قهقهت أخرى، وعينيها تلمعان بالفضول

"يا بختها، هتتجوز أحمد الشريف وهتسافر وتعيش بره، يا سعدها وهناها ناس ليها الحظ كله، وإحنا هنا مالناش غير المطبخ والخدمة"


ارتسمت على ملامحها ابتسامة ساخرة، وألقت بنظرات جانبية نحو علا التي أدارت ظهرها متظاهرة بعدم الاكتراث، بينما في داخلها تتصارع الكلمات مع المشاعر، كأمواج خفية تضرب شاطئ قلبها.


لم تكد تستغرق في أفكارها حتى سمعت إحداهن تأمر بصوت عال

"بطلي رغي إنتي وهي، وروحوا جهزوا التربيزات بره عقبال ما أطلع القهوة لأحمد بيه"


في تلك اللحظة وضعت علا ما بيدها، وغادرت المطبخ بخفة حذرة حتى لا يشعرن بغيابها. 

لحقَت بالخادمة التي تحمل فنجان القهوة، ونادت عليها بصوت خافت

"صفاء، يا صفاء"


توقفت الأخرى، فاقتربت علا وهمست

"هاتي إنتي القهوة هاطلعها له، وروحي كملي اللي أنا كنت بعمله"


ابتسمت صفاء ابتسامة دافئة، ثم التفتت يميناً ويساراً لتتأكد من خلو المكان، واقتربت تهمس لها

"ما تزعليش من البنات، أكيد إنتي فاهمة أوامر شيريهان هانم، بس عايزة أقولك على حاجة وعايزاكي تصدقيني، أو العكس برضه براحتك، أحمد بيه بيحبك أوي، وعمره ما هيجي عليكي، حوار الخطوبة ده أكيد ضغط من شيري هانم عشان تخليكي تكرهيه، خديها مني نصيحة، الراجل لما بيعشق بيبقى نفسه يجيب نجمة من السما ويحطها بين إيدين حبيبته، وإنتي مش حبيبته وبس إنتي مراته، ماتديش فرصة لحد يفرق بينكم"


لمعت عينا علا بشيء من الدهشة والامتنان، فأومأت برأسها، وأجابت باقتضاب

"متشكرة أوي يا صفاء"


ثم تناولت منها الصينية، وصعدت درجات السلم بخطوات متزنة، تحمل معها ثقل المشاعر وكلمات تدور في رأسها كجرس لا يتوقف. 


                        ❈-❈-❈


طرقت الباب مرتين فلم يأتها صدى لصوته، فتحت الباب ومضت بخطوات وئيدة إلى الداخل، وأغلقت خلفها الباب. 


جالت بنظرها في الأرجاء، تبحث عنه في زوايا المكان، فلم تجده.

  عندئذٍ تسلل إلى مسامعها خرير الماء، ففهمت أنه منهمك في اغتسال يعزله عن ضجيج العالم.


وضعت الصينية على الطاولة برفق، وقعت عيناها على بدلته السوداء الملقاة فوق الفراش، فانقبض صدرها بأسى؛ إذ كانت تراهن على لحظة تراجع منه عن انصياعه لرغبة والدته في الارتباط بتلك الداليا و أن ما ذكرته الخادمات صحيحاً، وكانت هي البلهاء في رواية إحدهم. 


لكنها ما لبثت أن استحضرت كلماته الأخيرة حين طلب منها أن تمنحه ثقتها، وأن تترك الخوف جانباً ليعيشا معاً حياة لا يهددها أحد، وألا تجعل من والدته حاجزاً بينهما. 

  يومها رفضت، وكان ردها قاسياً حد السيف، فتوعدها بندمٍ مُر.  

واليوم بدا وكأنه يمضي في تنفيذ وعيده، وفي خضم ذلك انبعث في ذهنها صوت داليا وهي تتحدث بثقة، فشعرت أن الفرصة سانحة لتغادره وتعيش مع ابنها بعيداً عن هذا الجرح المفتوح.


انتفضت فجأة حين انفتح باب الحمام، وخرج هو يجفف خصلات شعره المبللة، لا يستر جسده سوى منشفة قطنية تحيط بخصره، فيما يتباهى بقامته العارية.


كاد أن يبتسم لرؤيتها، لكن كبرياءه تظاهر باللامبالاة. 

  هي وقد اضطربت، حمحمت بحرج وأدارت له ظهرها

"أنا كنت جاية أحطلك القهوة، أي طلبات تانية؟"


كتم ابتسامة كانت على وشك الظهور، وأجاب بجدية مصطنعة

"آه، خرجيلي البدلة من الكيس وطلعيلي الجذمة من العلبة"


لمح انعكاس نظرتها إليه في المرآة وهو يقف أمام طاولة الزينة، فأردف بصوت يحمل أمر لا رجاء

"واقفة عندك متنحة كده ليه؟، اعملي اللي قولتلك عليه"


عضت على أسنانها، وكادت أن تقذف الحذاء في وجهه، لكنها امتنعت ونفذت ما طلبه. 

وحين انتهت، سألته بلهجة جادة تخفي خلفها غضب عارم

"أي أوامر تانية؟"


أنهى تجفيف شعره، ثم ترك المجفف واتجه نحوها بخطوات بطيئة جعلتها تتراجع، لكنه اكتفى بالجلوس على الكرسي أمامها، وما زال لا يرتدي سوى تلك المنشفة.


"هتستني لما أشرب القهوة، وبعدها هتساعديني ألبس البدلة والكرافت والجذمة"


زفرت بضيق وأطلقت سخريتها

"وهم الشغالات كانوا بيساعدوك في البدلة والجذمة؟!"


ارتشف رشفة قهوة، وأجاب ببرود

"لأ طبعاً، عشان ماينفعش واحدة فيهم تشوفني بالمنظر اللي قاعد بيه قدامك، لكن انتي مراتي حلالي، و لا إيه"


غمز بعينه، فابتسمت بتهكم وقالت

"طيب كويس إنك فاكر إني لسه مراتك"


رمقها بنظرة ذات مغزى وقال

"وعمري ما نسيت، ولا كنت قليل الأصل"


"تقصد إيه بكلامك؟"


أنهى قهوته، ونهض واقفاً بطوله الفارع أمامها، فارتجف جسدها حين صار قريباً منها حد الالتصاق

"قصدي انتي عارفاه كويس"


"أيوه بإمارة رايح تتجوز عليا حبك القديم!، طالما أنت بتحبها أوي كده، خدعتني ووهمتني بحبك ليه؟!، ما قولتلك إن كان على حق ابني في الورث مش عايزينه، وطلبت منك تطلـ...


وضع يده على فمها مقاطعاً إياها

"هشش، إياكي تنطقيها تاني، وأي حاجة سمعتيها بره أوعي تصدقيها، اسألي قلبك وهو هيدلك على الصح، اسمعيني ولو لمرة واحدة"


أزاح كفه برفق، وأمسك بعضديها

"بصي في عينيا وهتعرفي انتي بالنسبة لي إيه"


أخذ كفها ووضعه على صدره، عند موضع قلبه

"حسي بنبض قلبي واسأليه أول دقة حب حسها مع مين"


أغمضت عينيها، وقد وقعت في سحر كلماته وسطوة العشق، ولامست أنفاسه وجهها، فتمنت أن يقترب أكثر.


"حسيتي بيه؟"


أجابت بهمهمة

"ممم..."

أخبرها بكل صدق نابع من فؤاده العاشق المشتاق

"أنا على عهدي ووعدي معاكي، عمري ما هتخلى عنك، بلاش الخوف من المجهول يسيطر عليكي"


فتحت عينيها رويداً

"وأنا مش عايزة لا جاه ولا مال، عايزة الأمان والثقة، لو الدنيا كلها بقت ضدي، ألاقيك في ضهري، عمري ما هطلب منك تقف ضد والدتك ولا تبقى عدوها عشاني، لكن عايزة أعيش في سلام أنا وابني في حضن الإنسان اللي بحبه وبيحبني"


استند بجبهته فوق جبينها وقال لها بهيام وتيام

"والإنسان ده بيقولك ماتخافيش، هايفضل جمبك وفي ضهرك وسندك وأمانك طول ما فيه نفس، ثقي فيا يا علا، ولو مطلعتش قد الثقة، أوعدك هنفذلك طلبك حتى لو هموت بعدها"


نظرت إليه بحزن

"بعد الشر عليك، ما تقولش كده تاني"


"طالما بتخافي عليا وبتحبيني أوي كده، ليه اخترتي تبعدي عني حتى لو على حساب نفسك؟"


أبعدت يدها عن صدره وولت ظهرها، هاربة من عينيه

"محدش بيحب الإهانة، بس لو ده هيبقى تمن أكون جنب ابني وما أبعدش عنه، مش هقول لأ، حتى لو هاجي على كرامتي"


"كرامتك من كرامتي، ومفيش حد يقدر يبعدك عن ابنك، حتى لو كانت شيريهان ذات نفسها"


عانقها من الخلف، وهمس عند أذنها

"مش هسمحلك تبعدي عني تاني"


قربه كان فتنة تذيبها كما يذوب الجليد تحت شمس الصيف، وللمرة الأولى أذعنت لصوت قلبها.


"أحمد..."

همست باسمه، فشعر بحرارة اسمها على روحه، وأدارها لتواجهه

"انطقي اسمي تاني كده"


نظرت بعينين غارقتين في الهيام

"أحـــمــــد"


"أنتي عارفة بتعملي فيا إيه دلوقتي؟"


ابتسمت، فازدادت جمالاً، ورآها أجمل نساء الأرض

"بعمل فيك إيه يا سي أحـــمـــد؟"


حملها من خصرها

"تعالي، هقولك بالتفاصيل كلها"


وأمطر وجهها قبلات حانية وهي تضحك بدلال

"بس يا أحمد، أحمد، أحمد بس بقه..."


لكن حروفها ذابت داخل فمه، ابتعدت عنه لتلتقط أنفاسها، نزلت ووقفت جوار الفراش. 

كانت الغرفة يغمرها ضوء خافت يتماوج على الجدران، كأنه يرقص على أنغام نبضهما.

وقفا متقابلين، تتحدث عيناهما لغة لا تُترجم، لغة يكتبها الشوق وتوقع عليها الذكريات.

اقترب منها ببطء، وكأن كل خطوة تحمل اعترافًا جديدًا بحبه، حتى صار بينهما من القرب ما يكفي ليسمع كل منهما أنفاس الآخر.

مد يده، فلامس وجهها بحنان، كمن يلمس شيئًا يخشى أن ينكسر، ثم طبع قبلة دافئة على جبينها، تبعتها أخرى على وجنتيها، كأنه يرسم بخطاه الصغيرة خارطة عشقه عليها.

لم تتمالك نفسه، خلعت حذائها ووقفت علي أطراف أنامل قدميها واحتضنته بقوة، تلتمس منه الدفء والطمأنينة، فغمرها بذراعيه، وضغطها إلى صدره حتى شعرت أن قلبه يخفق بمحاذاة قلبها. 


همس في أذنها

"مشتاقلك أوي يا حبيبتي"

ابتسمت ونظرات عينيها تنضح بشوق وحنين، اقتربت بشفتيها نحو خاصته دون تردد ومنحته قبلة طويلة، لم يكن مجرد لقاء شفتين، بل كان وعد صامت بألا يترك أحدهما الآخر مهما ابتعدت المسافات.


ظلا على هذا الحال، يتبادلان الأحضان والقبلات، وكأنهما يحاولان تعويض ما سرقته الأيام منهما.

هيهات وشعرت به يدفعها برفق علي فراشه الذي ينعم الآن بدفء جسدها الساكن بين ذراعي صاحبه. 


الشعور باللذة كان أقل وصف يشعرا به، من همسات بكلمات نقشت علي جدران الأفئدة التي ذابت بنار الحب والعشق. 


لمسات متبادلة جعلت كل منهما يريد تخبأة الآخر بين ضلوعه، لاسيما لمساته الحانيه التي جعلتها تحرر مشاعرها نحوه كما حررها من كل عائق بينهما حتي ينعم بملمس بشرتها الناعمة وهي بين أحضانه، يعم السكون حولهما ولا يوجد صوت سوى صوت العشق المتبادل بينهما. 


                        ❈-❈-❈


عاد بها إلى المنزل الصيفي مرة أخرى، يجرها جراً كما تُساق الشاة إلى المذبح، بعدما أوثق معصميها معاً بحبل خشن تحت تهديد السلاح. 

  دفعها بقسوة فوق الأريكة، وصوته ينفث الوعيد والشرر

"لو رجلك طلعت خطوة واحدة بس برة الشاليه، أنا مش هاقتلك، أنا بس هخليكي ما تعرفيش تمشي عليها تاني خالص"


ابتلعت ريقها بخوف، وانخرطت في بكاء متقطع، صرخ بها بصوت أجش

"ماتعيطيش، بقولك ماتعيطيش، اخرسي"


واكبت كلماته الأخيرة صفعة حادة على وجنتها، فتفجر الدم من جانب شفتيها. جلس بجوارها، ينظر إليها بعينين متناقضتين؛ خليط من الشفقة الكاذبة والحزن الملوث بطبيعته المتوحشة

"شوفتي خلتيني أخرج عن شعوري ومديت إيدي عليكي إزاي؟!"


مد يده ليمسك وجهها، فحاولت التراجع، لكنه أحاط ظهرها بذراعه، يقيد حركتها، ودنا بشفتيه منها. 

  صاحت بكل ما بقي لها من قوة

"ابعد عني، ما تلمسنيش يا حيوان"


كمم فاها بكفه، ثم أخرج طرف لسانه ليلعق خط الدم المنحدر بجوار شفتيها، وكأنما يتلذذ بجرحها.  

لم يكتفِ بذلك، بل باغتها بقبلة جامحة، تصاعدت صرخاتها في جوفه، وكلما قاومته ازداد وحشية.


أرغمها على التمدد علي ظهرها وهو يعتليها، يلهث بين شهقة وضحكة شيطانية تعلو كلما زادت مقاومتها

"صرخي، عايزك تصرخي، كل ما هتقاومي وتصرخي أنا بكون في قمة متعتي"


اقترب من أذنها هامساً بصوت غليظ يقطر تهديدً

"فاكرة لما حذرتك وقولتلك، كل غلطة ليها عقاب؟، جه وقت العقاب يا كوكي، أنا عارف كل ذرة فيكي رفضاني ألمسك، وده بالنسبة لي أمتع إحساس في الدنيا"


كانت تحدق في سقف الغرفة بعينين متسعتين حتى كادتا تجحظان، تدعو في سرها أن يصل شقيقها قبل أن يكمل الشيطان جريمته.


وعلى الطريق المؤدي إلى المنزل، كان قصي يقود سيارته وجواره مصعب، فيما تتبعه سيارتان محملتان برجال الحراسة.


عيناه معلقتان على جهاز التعقب الذي يلتقط إشارة الهاتف الذي تواصلت منه كارين.  

فقد تعمدت حين عادت مع مهند تحت التهديد، أن تسقط هاتفه على الوضع الصامت وتترك الموقع متصلاً، دافعة بالهاتف بقدمها أسفل المقعد الأمامي، حتى يهتدي شقيقها إليها.


توقف قصي، فاصطفت السيارتان خلفه، وأمر مصعب قائلاً

"انزل وخلي الرجالة تحاوط المكان كله، مش عايزه يلاقي منفذ يهرب منه"


"تمام، هقولهم وهاحصلك"


لكن قصي نظر إليه بتردد، فقد كان قلبه يتوجس من هول ما قد يكون حال كارين، فقال

"خليك مع الرجالة أحسن، أنا كفيل بالحيوان ده، ولو فلت مني أوعوا حد يضربه ضربة موت، أنا عايزه حي عشان هدوقه العذاب كل ثانية"


خلع سترته وربطة عنقه، ألقى بهما على المقعد الخلفي، ورفع أكمام قميصه قبل أن يهبط من السيارة.


                         ❈-❈-❈


في الداخل كان مهند ما يزال ينهش شفتيها بعنف، يضغط على خديها بكفه، وكلما صرخت ابتلع صراخها في فمه.  


نهض بجذعه، وأمسك بمقدمة ثوبها ومزقه، و قبل أن يقبل علي فعله القذر، إذا بقبضتين قويتين جذبتاه بعنف من فوقها، وطرحاه أرضاً بقوة.


"يا ابن الـ… يا…"

زمجر قصي بغضب يفيض، وأمطر اللعين بوابل من اللكمات والركلات التي لا ترحم. نهضت كارين تلم شتات ثوبها، يسيطر عليها بكاء هستيري.


خلع قصي الحزام الجلدي لبنطاله، قام بلفه حول عنق مهند وبدأ يسحله على الأرض، ثم صرخ منادياً

"مصعب! يا مصعب!"


أقبل الآخر مسرعاً، وعيناه تقعان على كارين في حالة يُرثى لها، فغض بصره للحظات، يحاول كبح انقباض قلبه.  

التقط أوامر قصي على الفور والذي صاح آمراً إياه

"خدها من هنا"


خلع مصعب سترة بدلته وألقاها على كتفيها، ثم فك قيد معصميها، فأمسكت بذراعه واهنة.

"اهدي يا كارين، إحنا معاكي"


خف بكاؤها قليلاً، ونهضت بصعوبة، وقبل أن تغادر، لمحت قصي جالساً فوق مهند، يلهب وجهه ضرباً حتى غطته الدماء، فصرفت بصرها حيث تكره رؤية منظر الدم.


صرخ قصي وهو يواصل ضرباته الوحشية لهذا الذي يحاول أن يقاوم بضعف ووهن

"أقسم بالله ما هاسيبك يا ابن الـ…، تخطف واحدة من جوزها وتفتكر إنك هتفلت؟!، أنا هخليك ما تشوفش نور الشمس تاني، وهاتبوس إيدي ورجلي عشان أرحمك"


في الخارج داخل السيارة، لم يتوقف هاتف قصي عن الرنين. 

  كان المتصل يونس الذي ما إن علم من ياسين بأمر إيجاد زوجته وكيف كان غافلاً عن إتصالها به، حتى ثار جنونه.


تناولت كارين الهاتف، وأجابت بصوت متقطع بين دموعها

"يـ… و… نس…"


"كارين! أنتي كويسة؟! أنتم فين؟! الحيوان ده عمل فيكي حاجة؟!"


لم تستطع الرد، وانفجرت بالبكاء مجدداً. تناول مصعب الهاتف قائلاً

"ألو يا يونس، اطمن هي بخير، وقصي هياخد الواد ويرميه للرجالة ياخدوه على المخزن، مفيش حد يتصل بالبوليس، ونبه على آدم ما يكلمش مدحت صاحبه"


لكن يونس لم يكترث إلا بسؤال واحد

"كارين بخير يا مصعب؟، حصلها حاجة؟"


رمق مصعب كارين بطرف عينه، ثم قال بإنكار وهو ينظر إلى حالتها المزرية

"قولتلك هي بخير، ما تخافش"


"ابعتلي العنوان فوراً"


"إحنا جايين على طول، ما تقلقش"


"مصعب، إديني العنوان أو الطريق اللي هترجعه منه"


أملى عليه وصف و عنوان الطريق، وفي هذه الأثناء خرج قصي من المنزل يجر مهند من ذراعيه، فأسرع الرجال للإمساك به ونقله إلى سيارة أخرى.


انطلقت السيارات الثلاث، يقود مصعب الأولى، بينما جلس قصي في الخلف جوار شقيقته التي أسندت رأسها على صدره. أخذ الأخر يربت على يدها وذراعها بصمت، وقلبه يعتصر ألماً كلما تذكر ما كادت أن تمر به، فهي صغيرته التي رباها بين كفيه و لم يتحمل أن يري قطرة واحدة من دموعها، فماذا يشعر الآن بعد ما رأي ما كانت تمر به علي يد هذا المجرم السادي! 


                        ❈-❈-❈


بعد قطع مسافة طويلة، توقفت السيارات فجأة، حين أشار مصعب لقائدي السيارتين اللتين يسيرا خلفه بالوقوف.


رفعت كارين رأسها ببطء، حين لمحت يونس برفقة ياسين يخرجان من إحدى السيارات، همست بخفوت موجهة كلماتها إلى شقيقها

"أوعي تقول له اللي شوفته، بالله عليك"


أومأ لها بعينيه تأكيداً، ثم فتح باب السيارة، ووقف على الفور ليساعدها في النزول.


ما إن لمحت زوجها، حتى لم تجد فرصة للركض أو التراجع، إذ قطع هو المسافة التي كانت تفصل بينهما، فاصبحت بين ذراعيه.  

عانقها بقوة غامرة، وقبّل رأسها مراراً على مرأى مهند الذي جلس بين رجلين من الحراسة.


كان المشهد أكثر من أن يتحمله؛ فقد عجز  عن استيعاب رجوعها إلى زوجها، وما ينتظره من مصير أسود يثقل روحه حتى تفارق الجسد.


ورغم أنه منهك القوى، عاجز عن رفع ذراعه، استغل انشغال الرجال جميعاً بمشهد اللقاء بين كارين و يونس، و بسرعة خاطفة سحب مسدسه، ووجه فوهة السلاح علي رأسه.


في لحظة مروعة، أطلق رصاصة واحدة وسط فزع الرجال، وترك نظرات عينيه تتلاشى في اتجاهها، كأنها كانت بؤرة آخر رؤيته في هذا العالم.


                       ❈-❈-❈


على وقع موسيقى هادئة، و تبادل الضحكات بين الحضور، وقف في الشرفة المطلة على الحديقة يرافق والدته.

وفي الأسفل الصحفيون الذين لم يكفوا عن التقاط الصور للمدعوين، وكأنهم يرسمون بآلات التصوير خاصتهم لوحات للحظة تزف فيها الأخبار.


نظر إليها بسخرية يخبرها

"مش شايفة إنك تجيبي صحفيين ومصوريين في حفلة خطوبة ده أمر أوڤر شوية يا شيري هانم؟!"


ردت عليه والدته بثقة لا تخلو من قسوة

"بالعكس، وجودهم ضروري وفي صالحنا، خصوصاً بعد الكلام اللي كتر عننا والبلوة اللي أبوك بلانا بيها قبل ما يموت، بس أنت هاتخطب وهاتتجوز داليا بنت الحسب والنسب، والحمدلله مش الكل عارف بجوازك من خدامة أخوك الله يرحمه"


رمقها بحدة وغضب، قال لها بنبرة حادة

"ياريت بعد إذنك، من هنا ورايح تتكلمي عن مراتي بأسلوب أحسن من كده، أنا سيبتك تتمادي كتير الأيام اللي فاتت، لاقيت أفعالك مالهاش حدود، فممكن تشيلي علا من دماغك"


ابتسمت ابتسامة هادئة لكنها حاقدة، وردت بثقة

"بكرة هاتندم على أسلوبك وكلامك معايا، واللي واقف ليا الند بالند عشانها، هاتبيعك في أول فرصة تجيلها"


ضحك بسخرية باردة

"وأنا مستني اليوم ده، وهنشوف مين اللي هايندم الأول"


هم بالانصراف، فتوقف قليلاً وسألها

"مش المفروض الخطوبة تبقى عند العروسة؟"


ردت عليه بحسم

"هنا أفضل"


فأعاد السؤال متهكماً

"هنا أفضل ولا قاصدها عشان تقهري قلب علا؟!"


تهربت من الإجابة، وأخبرته مبتعدة

"عن إذنك، نازلة أسلم على المعازيم"


                          ❈-❈-❈


في الطابق الأسفل، كانت علا تجمع ثيابها بعناية داخل حقيبة سفرها، حين طرق الباب بخفة.  

توجهت لفتحه، وإذا بـ داليا تقف على عتبة الغرفة،  تكاد عيناها تلمعان من الفرحة بمجرد أن لمحت حقيبة السفر.


انفرجت أساريرها على الفور 

"كويس إنك حضرتي شنطتك، لأن السواق المفروض ييجي ياخدك بعد نص ساعة.ط، هيستناكم إنتي وابنك قدام البوابة اللي ورا"


أخرجت من حقيبتها المزخرفة بالكريستال بطاقة ائتمانية، ومدّت يدها بها إلى علا

"خدي الفيزا دي خليها معاكي، تقدري تصرفي منها في أي مكان، سواء جوه مصر أو بره، وكل شهر هاحوللك على الحساب فلوس تكفيكم وزيادة"


لم تتردد علا في أخذ البطاقة، وقالت لها بامتنان

"متشكرة أوي يا داليا، مش عارفة من غيرك كنت هاعرف أخرج من السجن ده إزاي"


ردت الأخرى بابتسامة زائفة

"مفيش شكر ما بينا، كل واحد ليه عند التاني مصلحة، مصلحتك خلاص على وشك تتم، وأنا مصلحتي هي أحمد وخلاص، كلها مسألة وقت وهابقى حرمه المصون"


ابتسمت علا، تخفي تحت ابتسامتها النيران المتأججة في صدرها، وقالت لها بمحبة زائفة

"ربنا يهنيكم ويسعدكم"


وما أن طرق الباب مرة أخرى، حتى تعالي صوت الطارق؛ فسمعت صوت أحمد وهو ينادي

"علا، أنتي جوه؟"


همست داليا بهدوء

"أنا هاستخبي في البلكونة، أوعي تحسسيه بأي حاجة"


ردت الأخرى بسرعة

"حاضر، حاضر ما تقلقيش"


أسرعت داليا لتختبئ في شرفة الغرفة، بينما فتحت علا الباب، ونظرت إليه بتوتر وسألته

"أحمد!، إيه اللي جابك هنا؟، مش المفروض هاتطلع إنت وخطيبتك للناس دلوقتي؟!"


ابتسم واخبرها بعشق ينضح من عينيه

"جيت أقولك إن لا داليا ولا ألف غيرها تقدر تاخد مكانك في قلبي، وجيت برضه أقولك وحشاني أوي"


كانت على وشك أن تفتح فمها للرد، فباغتها بقبلة مفاجئة، ودفعها برفق إلى الوراء حتى وجدت الحائط خلفها.


رأت داليا ذلك المشهد من خلف الستار، فجزت على أسنانها بغيظٍ شديد.


ابتعد عنها، والتقط كل منهما أنفاسه المتهالكة، فقال لها

"ياريت ما تخرجيش بره الأوضة، وهخليهم يبعتولك حمزة يقعد معاكي"


دفعت أحمد بقوة في صدره حتى كاد يختل توازنه ويسقط، وقالت بغضب

"اه، قول بقي كده يا ابن شيري هانم، جاي تجر معايا ناعم عشان ما أخرجش بره في الحفلة والناس تشوف مراتك اللي شغالة خدامة ليك وللست الوالدة، ومراتك التانية لما تشرف هنا على طول"


عقد حاجبيه بغضب 

"إيه اللي بتقوليه ده؟!، أولاً ما اسمحلكيش تتكلمي معايا بالأسلوب والطريقة دي، ثانياً أنا قولتلك كده عشان محدش يضايقك ولا تضايقي لما تشوفيني واقف مع داليا"


ردت بغضب

"فاكرني هاغير؟!، أنا لا يهمني ولا يهزني، حتى لو مامتك عملتلك حرملك وجابتلك جواري السلطان، مش هتتهز مني شعرة واحدة عشانك"


سألها بغطرسة

"بقي كده يا علا؟"


أجابت بلا تردد

"أه كده، وأكتر من كده كمان، واتفضل اطلع بره وروح لخطيبتك"


كظم غضبه، وقال بصوت منخفض

"أنا كده كده كنت طالع، بس استعدي للجاي، ولو النهاردة الخطوبة، هخليها بعدها بأسبوع أو أسبوعين بالكتير الفرح"


فتحت الباب ودفعته نحو الخارج وهي تقول بحزم

"اطلع بره، مش عايزة أشوف وشك تاني"


أغلقت الباب خلفه، ثم دخلت داليا من الشرفة إلى داخل الغرفة، وعلامات النصر ترتسم على ملامح وجهها

"برافو يا علا، برافو عليكي، كده خلاص كلها دقايق وهتودعي العذاب ده كله، عن إذنك بقي عشان المفروض نخرج أنا وهو للمعازيم، ويلبسني الخاتم"


                        ❈-❈-❈


وقف الجميع في استقبال العروسين، وخرج الاثنان وسط تهليل وتصفيق حار.


كان الصحفيون على وشك التقاط الصور، فأشار لهم أحمد بيده أن يتوقفوا، نظرت داليا إليه وسألته

"فيه إيه يا ميدو؟"


كان يبحث في جيوب سترته كأنه شيء مفقود، فأجاب

"شكلي نسيت الخواتم فوق، هاطلع أجيبهم ونازل بسرعة"


"خلي حد من الشغالين يجيبلك العلبة" 


"مش هاينفع يا حبيبتي، أنا شايلهم في الخزنة بتاعتي اللي في الدولاب"


ذهبت شيريهان لتسأل داليا، فأخبرتها بما قاله أحمد.


في الداخل، كانت علا تتسحب ببطئ، تلتفت من حولها بحذر حتى وجدت الخادمة صفاء، فسلمتها الحقيبة

"خدي يا صفاء، وزي ما اتفقنا"


جرت صفاء بحقيبة السفر وابتعدت، بينما كانت علا تسير في الرواق بتوتر وقلق، وإذا بيدٍ قوية تجذبها.


و في الخارج، الجميع في انتظار العريس الذي ذهب ليحضر خواتم الخطبة.


تفوهت داليا بغيظ وحنق شديد

"بقالك ربع ساعة، كل ده بتجيب الخواتم يا أحمد؟!"


همست شيريهان لها وتبتسم للحضور في آن واحد

"وطي صوتك الناس هاتسمعك، زمانه نازل"


توجهت أنظار الجميع نحو أحمد الذي خرج من الباب المزين بأكاليل الورود، يداً بيد مع علا التي ارتدت ثوباً ساحراً خطف أنظار الجميع، أثنى ذراعه فوضعت يدها على ساعده.


تعالت الهمسات بين الحضور، فمنهم الكثير اللذين لا يعلمون بأمر زواجه من علا. 


فتحت داليا فمها بصدمة صاعقة فوق رأسها، ولم تقل والدته عنها شيئاً، ربما حالتها أكثر سوءً، فلم تتوقع ما كان يخطط له ابنها.


سار أحمد وعلا نحو منصة جلوس العروسين، وأشار إلى أحد الحضور ليأتي له بمكبر الصوت، فسلمه إياه.


همست علا بقلق، ضاغطة على ساعده

"أنا خايفة أوي يا أحمد"


حدق بها بنظرة ملؤها العشق والأمان، تبث في قلبها شعور الطمأنينة

"ما تخافيش وأنتي معايا"


ضغط زر تشغيل مكبر الصوت، وبدأ يتحدث بصوته الواضح الذي صدح في أرجاء الحديقة

"مساء الخير عليكم جميعاً، أحب أشكر كل واحد لبى دعوة شيريهان هانم الشريف، وأنا كمان بشكرها جداً وبقولها شكراً يا أمي على اهتمامك بيا وإنك السبب في جوازي من علا مراتي وحبيبتي، اللي ما يعرفش إني كنت متجوز، ده بسبب إن بابا الله يرحمه كان لسه متوفي، واضطرينا ما نعملش فرح وقتها، ماما حبت تعوضنا بليلة فرح جميلة، وإن الكل يشاركنا الفرحة، وما أنساش طبعاً أشكر صديقتي العزيزة وصديقة العيلة داليا، هي اللي نظمت الحفلة وبعتتلكم كروت الدعوة"


كانت إحدى المدعوات تنظر في بطاقة الدعوة، فاختطفتها داليا من يدها، فوجدت البطاقة تختلف عن تلك التي أعدتها هي وشيريهان. 

بدا أن هناك أموراً خلف الكواليس، وأن المفاجآت لا تزال تتوالى.


أخرج أحمد من جيب سترته علبة يكسوها مخمل أحمر قاتم، و ما إن فتحها ظهر خاتم زواج مطعم بفصوص الألماس، يتوسطه ألماسة أكبرهم حجماً.


أخذ الخاتم برقة، ووضعه في إصبعها البنصر ليدها اليسرى، ثم قبّل ظهر يدها، تلاه تقبيل جبهتها، قبل أن يحتضنها أمام الجميع، فتهافت المصورون لالتقاط تلك اللحظات الساحرة.


ارتفع التهليل والتصفيق حاراً، و صمت الجميع حين تم تشغيل موسيقي كلاسيكية ليتراقصا العروسين عليها معاً. 


أمسك احمد بيدها ووضع الأخرى علي جانب خصرها، نظرت إليه و اخبرته بخجل

"ما بعرفش أرقص" 


ابتسم ورمقها بنظرة جعلتها أسيرة في عالمه 

"سيبيلي نفسك و ما تقلقيش، جاهزة؟" 


هزت رأسها بالموافقة، و ما أن بدأ يتحرك وجدت جسدها يتحرك معه بتناغم كالفراشة التي تطير. 


ابتسمت وكأنها تتذكر أمراً ما، مالت علي كتفه وهمست بجوار أذنه

"ده أنت طلعت ممثل بارع"


ضحك قائلاً

"مش أكتر منك يا روحي، ولا إيدك وإنتي بتزوقيني وبتطرديني برة الأوضة، على فكرة كنت هاقع بجد"


ردت مبررة بابتسامة ماكرة

"معلشي بقي يا حبيبي، أصلي اندمجت معاك في التمثيل، وقلت أسبك الدور حبتين عشان داليا تصدق وتبلع الطُعم"


"هي بلعته وعمرها ما هتنساه أبداً، وبعدين إيه حكاية الحرملك اللي أمي هاتعمله لي وجواري السلطان اللي هاتجيبهم لي؟!، أنا كنت هضحك وهبوظ كل اللي قعدنا نخطط فيه"


"أهو كلام طلع في وقته، أنا اللي كنت ماسكة نفسي بالعافية"


عاد بكتفيه للوراء ليجعلها تعتدل و تنظر له قائلاً 

"بس تصدقي فكرة حلوة، يكون عندي حرملك وحريم السلطان"


لكزته في كتفه 

"طيب أتلم بدل ما أخليك تحصل سنبل آغا"


سألها بتعجب

"مين ده؟"


أجابت ضاحكة

"ده واحد على نياته، كل البنات أخواته"


فهم ما تقصده، فأخبرها بفخر

"شكلك نسيتي الكلام المهم اللي حصل عندي في الأوضة، استعدي بقى، عشان هنتكلم كتير الليلة دي، أكتر من كلام السلطان مع حريمه كلهم"


انخرطت في الضحك، فقال لها

"اضحكي، اضحكي"


كانا في عالم آخر، حتى انقطعت تلك اللحظة الرائعة بصياح إحداهن بفزع

"ألحقوا مدام شيريهان أُغمي عليها"


التفت أحمد و تليه علا نحو مصدر الصوت، وجدا السيدة شيريهان قد فقدت الوعي.


يتبع...

#الفصل_التاسع_عشر

#غرام_الذئاب

#الجزء_الرابع_من_سلسلة_صراع_الذئاب

#ولاء_رفعت_علي


ليت الزمان يعود بي عندما طلبت العفو والغفران... فكان فؤادي شبه محترق حينها و الآن بفضلك أضحى رماد. 


~علياء البحيري~


كان الصمت قد أسدل ستائره الثقيلة على أرجاء منزل آل الشريف، حتى خُيل للداخل أن الحفل الذي ضج بالموسيقى والضيوف قبل ساعة، لم يكن سوى طيف عابر تلاشى في العدم. 

  وفي غرفة مترفة تتوشح بالستائر الداكنة، جلس الطبيب إلى جوار السيدة شيريهان يفحصها بعناية وقد ساعدته مديرة الخدم في إعداد ما يلزم.  

 

رفعت شيريهان بصرها إليه بنظرة نفاذة تحمل أكثر مما تحتمل الكلمات من إيحاء، فالتقط الرسالة سريعاً، وألقى بنظرة متفحصة حوله ليجد ابنها واقفاً بلهفة توشك أن تنفجر من صدره، وعلى مقربة منه زوجته وقد انعكس القلق واضحاً على محياها.


قال الطبيب بجديةٍ متزنة

"لو سمحتوا يا جماعة، ممكن تفضلوا برة شوية لحد ما أخلص الكشف، ما عدا مدام صابرين" 


تمتلك علا فراسة الأنثى ففهمت المعنى قبل أن ينطق زوجها باعتراضه، فمالت عليه هامسة

"تعالي يا أحمد نستنا برة، الدكتور أكيد ها يطلع يطمنا عليها" 


انصاع إليها رغم الغضب المشتعل في أعماقه، وألقى نظرة أخيرة على والدته التي تعمدت أن تُعرض بوجهها عنه، متحاشية النظر إليه، غارقة في صمت يقطر جفاء.  

 

خرج برفقة زوجته إلى الردهة، وهناك استوقفتهما مشهد صاخب؛ إذ كانت الخادمة واقفة عند السلم، تمنع داليا من الصعود، بينما الأخيرة تصرخ بحدة

"إنتي متخلفة؟!، بقولك أنا طالعة أطمن على شيري هانم، إيه؟ ما بتسمعيش؟!" 


ردت الخادمة بثبات

"ممنوع يا آنسة داليا، دي أوامر" 


هتفت الأخرى باستهجان

"ومين أمر بكده إن شاء الله؟!" 


فجاء صوت أحمد كالرعد الهادر، وهو يرميها بنظرة ملتهبة كالسهام

"أنا اللي أمرت، عايزة تدخليلها بصفتك إيه؟!، مش كفاية المسرحية السخيفة اللي فشلتي تكمليها؟!" 


ارتجفت داليا وتلعثمت شفتاها عاجزتين عن الرد، غير أن أحمد لم يمنحها فرصة التبرير أو الكذب، فتابع هجومه الكاسح


"أوعي تفتكريني نايم على وداني مش دريان باتفاقك مع شيريهان، واللي كنتي ناوية تعمليه في مراتي وابن أخويا!، أنا يا  داليا دبة النملة توصلني قبل ما ترن، اصحي وفوقي، الظاهر نسيتي مين هو أحمد الشريف!" 


تجمعت الدموع في عينيها من شدة الخزي، لكنها تماسكت وردت بكبرياء متصنع


"إنت اللي فوق لنفسك وشوف بتكلم مين، جاي تعمل عليا راجل وأنت من زمان و معروف عنك ابن أمك" 


انفجر الغضب في عروقه، فوثب إليها كالعاصفة، وقبض بكفه الغليظة على عنقها، صاح من بين أسنانه المطبقة


"أنا راجل غصب عنك يا...  ، ولا نسيتي أيام ما كنتي تتمني إني أبصلك بس؟!، جاية دلوقتي ترمي بلاكي علينا وبتتحشري ليه بيني وبين مراتي؟!" 


ارتجفت داليا، تتخبط أنفاسها انتابها سعال شديد تحت وطأة قبضته الحديدية، بينما اندفعت علا تصيح برجاء 


"أحمد سيبها بالله عليك، هاتموت في إيدك، هاتودي نفسك في داهية" 


تلاقت عيناه بعينيها، ورأى الرجاء الموجع فيهما، فأفلت قبضته أخيراً، ثم زمجر بصوت جارف


"يا عزت؟، يا عزت؟" 


وما هي إلا لحظات حتى اندفع عزت صاعداً الدرج مسرعاً، وقال باحترام


"أمرك يا أحمد بيه" 


أشار أحمد نحو داليا بازدراء، قائلاً

"خد البت دي من هنا، وشوف لها تاكسي يرميها في أي داهية هي تختارها" 


"حاضر يا بيه" 


تراجع عزت ليقترب منها، فقالت داليا بصوت مخنوق وهي تحاول حبس دموعها


"عايزة شنطة هدومي الأول" 


رمقها أحمد بعينين تقدحان شرراً، ثم أمر الخادمة صفاء

"روحي الأوضة اللي كانت قاعدة فيها، لمي حاجتها، وارميهالها على البوابة بره" 


أومأت صفاء بإذعان

"حاضر يا أحمد بيه" 


التفتت داليا نحوه قبل أن تنصرف، وأطلقت وعيدها بنبرة ملؤها الغيظ

"ما بقاش داليا لو ما خليتكش تندم على اللي عملته معايا يا ابن شيريهان" 


قهقه أحمد بسخرية لاذعة

"إيوه أظهري على أصلك، فرجينا بس ياريت بعدين عشان محدش فاضي لك" 


رمقته بنظرة ملتهبة، ثم قالت بصوت متهدج

"الأيام جاية كتير" 


وقبل أن تهم بالرحيل، استوقفها صوت علا وقد تذكرت شيئاً هاماً

"ثواني يا داليا" 


اقتربت علا من زوجها، وهمست في أذنه بما أرادت، فأخرج بطاقة من جيب سترته وسلمها لها.  

 التفتت علا نحو داليا وقالت بثقة

"اتفضلي، مش محتاجة الكريدت كارد بتاعتك، أنا معايا اللي أغلى من مال الدنيا وكنوزها" 


 تشبثت بذراع أحمد بحميمية واضحة أمام أعين داليا التي كادت تنفجر من الغيظ.  


أخذت داليا البطاقة وكسرتها نصفين، وألقت بها في وجهيهما، ثم هرولت نازلة السلم، يلاحقها عزت كظلها.


تنفس أحمد الصعداء كما لو أن كابوساً ثقيل الظلال قد انزاح عن صدره، غير أن هاجس مرض والدته ظل يتشبث بروحه كغصة عاليقة في حلقه.  

 

لم يكد يلتقط أنفاسه حتى سمع صرير باب غرفتها يُفتح على مهل، فاندفع بلهفة كأنما يسابق الريح، حتى بلغ الطبيب قائلاً باضطراب يفضح وجيب قلبه

"خير يا دكتور، طمني عليها" 


رمقه الطبيب بنظرة تحمل في طياتها عتاب وإشفاق معاً، ثم قال بجدية صادقة

 "والله يا أستاذ أحمد، مش هاضحك عليك وأقولك الوضع أحسن حاجة، شيريهان هانم ضغطها ارتفع لدرجة خطيرة، والصدمة عملت جلطة بسيطة سببت لها شلل نصفي" 


شهقت علا شهقة مدوية، فيما بدا أحمد متسمراً في مكانه، يحاول استيعاب وقع الكلمات التي نزلت على أذنه كالصاعقة، فسأل بعينين يكسوهما قلق ممزوج بإنكار


"شلل؟!، إزاي؟!، ده كان مجرد إغماء من صدمة، وكنا مفوقينها قبل ما حضرتك ما توصل" 


أجاب الطبيب بحكمة يغلفها شيء من الحزن

"بتحصل كتير يا أحمد بيه، غالباً اللي جرالها نتيجة صدمة ماقدرتش تتحملها، بس اطمن ده شلل مؤقت، ومع الراحة النفسية والانتظام على العلاج، هتتعافى إن شاء الله، وأنا هاجي أتابعها كل أسبوع" 


تظاهر بالنظر في ساعة هاتفه، ثم أردف معتذراً

"معلش بقى مضطر أستأذن، عندي حالات تانية في العيادة" 


حمحم ثم انصرف سريعاً، تاركاً أحمد غارق في بحر من الشرود والخواطر الممزقة.  

ولم يلبث أن أفاق على لمسة رقيقة من علا وهي تربت على كتفه مواسية

"ما تقلقش يا حبيبي، بإذن الله ماما هاتقوم بالسلامة وهاتبقى أحسن، ادخلها واطمن عليها، أنا كنت عايزة أدخل معاك، بس إنت سمعت الدكتور قال أهم حاجة راحتها النفسية، وانت عارف علاقتي بيها مش أحسن حاجة، وبعد اللي حصل أظن وجودي هنا مش مستحب" 


قطب ما بين حاجبيه وأمسك يدها بصلابة تفصح عن رفضه

"إيه الكلام ده يا علا؟!، ده بيتك ومكانك، ولا مخلوق يقدر يخليك تمشي من هنا" 


تلاقى نظرهما في صمت مشحون بالود، وكأن العيون تُفصح بما تعجز عنه الألسنة؛ كانت عيناها تقولان بصدق دامع، أنت ملاذي ومصدر أماني.


لكن وصلة النظرات انقطعت بصوت فتح الباب وخروج مديرة الخدم تحمل صينية عليها كوب ماء فارغ، فتوقف أحمد عن المضي نحو غرفة والدته، إذ استوقفته الأخرى بصرامة

"آسفة يا أحمد بيه، مش هاينفع تدخل" 


اتسعت عيناه دهشة وغضب، فهتف

"نعم؟!" 


رمقت علا ثم التفتت إليه قائلة بنبرة حازمة

"شيريهان هانم مش عايزة تشوف حد، خصوصاً حضرتك ومدام علا" 


كاد يندفع نحو الغرفة، غير أن يد علا استوقفت اندفاعه، وقالت برجاء خافت

"الدكتور قال الزعل مش في صالحها خالص، وأظن المفروض تكون إنت أكتر واحد فينا خايف عليها" 


نظر إليها فهزت رأسها بأسى وقد أشارت بعينيها أن ينصاع لما طُلب منه، كي لا يزيد الأمر سوءاً.


تغالب أحمد مشاعره المتناقضة؛ كان يوقن في أعماقه أن هناك لعبة تُحاك في الخفاء بين والدته والطبيب، غير أن عاطفته نحوها باعتبارها أمه مهما فعلت، كانت الأقوى والأثقل وزناً.


لم يتفوه بحرف، وترك المكان بخطوات سريعة، والنيران تشتعل في مقلتيه كجمرة متقدة. 

 هرولت علا خلفه حتى أدركته عند مرآب السيارات، حيث جلس خلف مقود سيارته، وقبل أن ينطلق، وقفت عند نافذته المجاورة وقالت بلهفة

"رايح فين؟" 


أجاب دون أن ينظر إليها، وهو يكظم جموح غضبه

"لو سمحت يا علا، سيبيني دلوقتي" 


"ما ينفعش تسوق وإنت في الحالة دي، وبعدين إحنا بالليل والوقت متأخر، انزل عشان خاطري" 


ارتعش قلبه من خوفها عليه، فأطلق زفيراً ثقيل لعله يُطفئ شيئاً من نيرانه، ثم التفت إليها قائلاً بهدوء متكلف

"ما تقلقيش عليا، هلف شوية بالعربية وراجع على طول، إنتي اطلعي اطمني على حمزة وروحي ارتاحي في أوضتنا لحد ما أجيلك" 


رأت في عينيه إصرار لا يقبل النقاش، فتمتمت بقلق صادق

"خد بالك من نفسك" 


ابتسم ابتسامة شاحبة وأجاب

"حاضر" 


تنحت جانباً لتفسح له الطريق، فانطلق مسرعاً بالسيارة، تاركاً خلفه قلبها مفعم بالخشية عليه أكثر من أي وقت مضى.


                         ❈-❈-❈


يغرق في غفوة ثقيلة على أريكة مكتبه الجلدية، بعد أن أنهى متابعة أعماله عبر الهاتف والحاسوب؛ فهو منذ زمن ليس ببعيد يعيش في أجواء متناقضة متقلبة، بين النقيض وضده، بين الصفح والخذلان، وبين الألفة والجفاء. 

  يعلم يقينًا أنها وإن غفرت له زلاته، فلن تمحو من ذاكرتها ما اقترفه بحقها، وهذا ما يراه في تصرفاتها الغريبة التي تمطره بها في الآونة الأخيرة.


انفتح الباب فجأة، فإذا بها تطل كالقمر في ثوب قصير من حرير أسود، خصلات شعرها منسابة خلف ظهرها كأمواج الليل، وقد أضفى الحمل على محياها مسحة من السحر، إذ تورد خداها كأنهما تفاحتان قُطفتا لتوهما من غصن نضير.


رمقته وهو غارق في نومه، زفرت بغيظ مكتوم، عقدت ساعديها فوق صدرها، ثم خطت نحوه بخطوات متوترة، تهمس الأرض تحت قدميها، ولكزته في كتفه بغيظ شديد، فانتفض مذعورًا كمن بُعث من سباته.


قال بفزع

"إيه في إيه يا دنيا؟!، أنتي كويسة يا حبيبتي؟"


جلست على الكرسي المجاور للأريكة، ورمت حديثها بلا تمهيد ولا مقدمات افتتاحية

"طلقني"


انعقد فمه دهشة، يحاول استيعاب الكلمة التي باغتته كالسهم في صدره، ثم تذكر أن هذا بات شأنها في الأيام الأخيرة.


قال متوسلًا بصوت مشوب بالعجب

"يا حبيبتي، ده أنا لسه ردك علي ذمتي من قريب، مبقالناش حتي شهر، عملتلك إيه يخليكي تقولي كده؟"


ظلت تحدق فيه بصمت للحظات، قبل أن تذرف دموعها فجأة. 

 فهب نحوها، جثا على ركبتيه أمامها، قبض على يدها بحنان، ومسح دموعها براحة يده الأخرى، وقال برفق يقطر قلق

"مالك بس يا حبيبتي؟، بتعيطي ليه؟!، حد زعلك؟ أنا زعلتك في حاجة؟"


فأجابته من بين دموعها، بصوت واهن كأنها طفلة ضائعة

"مش عارفة إيه اللي بيجرالي يا كنان، مرة أحس بخوف من غير سبب، ومرة تانية أشتاقلك أوي ونفسي ما أسيبكش لحظة، وفجأة أبقي مش طايقاك خالص، ولا طايقة أشوف وشك، ولا حتى أشم ريحتك"


تفطن إلى حالتها النفسية، فلم يجد إلا أن يضمها إلى صدره، يحتضنها برفق ويُربت على ظهرها علّها تهدأ، غير أنها بدل أن تستكين، دفعته عنها بعنف وهرولت إلى الخارج لتدخل الحمام.  

 لحق بها مسرعًا، فوجدها تُفرغ ما بجوفها في المرحاض.


وحين نهضت واعتدلت، إذا به يمدويده إليها، فتح صنبور الحوض وأمسكها برفق يغسل وجهها بيده.  


 غير أنها ابتعدت عنه بنفور، وضغطت أنفها بأصابعها قائلة في ضجر ممزوج بالاشمئزاز

"ابعد عني، ريحتك بتقلب معدتي"


تملكته الحيرة، فأخذ يشم قميصه القطني، وقال بتعجب

"أنا قبل ما أنام استحميت، وحاطط مزيل وپيرفيوم كمان"


رمقته في ضيق، وردت بصرامة

"هو البيرفيوم بتاعك اللي قلب معدتي، متحطوش تاني"


في لحظة لم يتردد، نزع قميصه القطني عن جسده، فبان جذعه عاريًا كلوحة محفورة بالرجولة، ثم قذف بالقميص داخل سلة الملابس المتسخة.  

 

التفت إليها قائلًا بابتسامة مشوبة بالرضا

"تمام كده يا حبيبتي؟، لو عايزاني أقلع البنطلون كمان ماعنديش مانع، المهم تبقي مرتاحة"


حينها لم تستطع كبح ابتسامتها، وظلت تحدق فيه بعينين تفيض عشقًا، وقلبها يرقص من السعادة والطمأنينة، فقد أيقنت أنه، في كل موقف يُثبت لها أنه تبدل حقًا، وأن حبه لها بات أصدق وأنقى من ذي قبل.


تحولت ابتسامتها الوديعة إلى نظرات أخرى مشوبة بالشغف، وعيناها تجولان بوله على تضاريس جسده المنحوت؛ من صدره العريض وعضلات بطنه المشدودة، إلى منكبيه الراسخين وذراعيه المفتولتين.  

 ورغم ما ينوء به من أعباء العمل ومسؤوليات البيت والأسرة، لم يهمل نفسه قط، بل ظل يحافظ علي لياقته الجسدية، كفارس لا يُسلم سيفه للصدأ.


كانت تحدق فيه كأنما تراه لأول مرة، تتأمل تفاصيله بعين مبهورة، ثم خطت إليه بخطوات مترددة، ووضعت كفيها المرتجفتين على عضلات صدره المتينة. كتم ابتسامته وهو يرقبها، فهو يعرف حالتها المضطربة التي تصيبها هذه الأيام.


قالت وهي تبتسم بعذوبة غامرة

"أنت كل مرة بتبقي قمر عن الأول يا كينو؟"


ردد بتعجبٍ حائر

"كينو؟!"


ابتسمت، ومالت برأسها بخجل دافئ، ثم همست

"بدلعك يا حبيبي، ولا مش عاجبك الاسم يا حبيبي؟"


هز رأسه مبتسمًا

"لاء طبعًا عاجبني، بس ياريت يفضل بيني وبينك بس"


لكنها كأنها لم تسمعه، إذ كانت غارقة في أسر دوامة عينيه، تحاصر عنقه بذراعيها، وتبوح في لحظة صفاء ممزوجة بندم طفولي

"أنا إزاي أقولك طلقني؟!، إزاي عايزة أسيب حبيبي القمر المسكر ده وأبعد عنه؟!، أنا حمارة"


ضحك بخفوت يخفي حرصًا على قلبها، ورد

"ما تقوليش على نفسك كده يا حبيبتي، أنا عارف إن هرمونات الحمل المتقلبة عندك هي اللي بتخليكي كل شوية تطلبي الطلب السخيف ده"


اقتربت بشفتيها من عنقه، تنفست قرب جلده، فتسارعت أنفاسه.  

 همست بصوت مبحوح بالحب والذنب

"شوفت طلع عندي حق لما قولت على نفسي حمارة؟!، إزاي أسيب جوزي حبيبي وأبو ولادي!، أنت ممكن تعملها يا كينو؟!"


ابتلع ريقه وأجاب في حسم لا يقبل الجدال

 "لاء يا حبيبتي، عمري ما هعملها حتى لو طلبتيها بجد"


نظرت في عينيه بعينين زائغتين من الهيام، وسألته

"للدرجدي بتحبني؟"


ابتسم وهو يرد بحنو

"إنتي شايفة إيه في عيوني؟"


قالت في انخطاف

"شايفة نفسي جوه عيونك وحاسة بدقات قلبك" 


ثم طبعت قبلة على عنقه وتابعت

"وحاسة بكل نفس بتتنفسه"


انجذبت شفتاها إلى شفتيه، وما لبثت أن انتقلت من وضع الفاعل إلى مفعول به في معادلة العاطفة، و إذا به يرفعها بين ذراعيه، فارتفعت قدماها عن الأرض وحملها بخفة وحنو إلى غرفتهما.


ألقاها على الفراش رويدًا رويدًا، حتى استلقت على ظهرها وهي ما تزال متشبثة بعنقه. 

 

 وفي تلك اللحظة، دوى رنين الهاتف من غرفة المكتب كجرس يقطع الوصال.


التفت ناحية الصوت 

 "مين اللي بيتصل في وقت متأخر؟!"


كاد ينهض، لكنها أمسكت به بعناد

"رايح فين؟!"


قال وهو يحاول أن يفلت منها برفق

"هاروح أشوف مين اللي بيتصل، شكله تليفون مهم"


صرخت برجاء متشبث

"لاء مش هتروح، اللي يتصل يتصل، أنت مش هتتحرك من جمبي"


ابتسم محاولًا إقناعها

"يا حبيبتي ثواني بس، يمكن يكون حد من الشركة عندي"


لكنها انتفضت فجأة، ودفعته حتى تمدد على الفراش مكانها، وقالت باصرار 

"مش هترد يعني مش هترد، أنا أهم من شغلك وشركتك ومن أي حد"


ثم صعدت فوقه، ثبتت ذراعيه على جانبيه، دنت منه وأطلقت صوت يقطر أنوثة وفتنة، أشعل في جسده نيران العشق المتوهجة

"الولاد قاعدين عند تيتا لبكرة، والناني معاهم، يعني مفيش حد غيرنا هنا، وأنت ملكي أنا، يا سبب كل اللي أنا فيه"


عقد ما بين حاجبيه، يسألها بابتسامة ماكرة

"طيب ده أعتبره إغراء ولا لوم وعتاب؟"


قوست شفتيها وردت بخفوت مثقل بالوجد

 "مش عارفة"


فأطلق ضحكة صغيرة وقال بدهاء ظاهر

"بس أنا عارف، وهعرفك دلوقتي"


هيهات وقد انقلب المشهد، فإذا بها تحت قبضته، وهو فوقها يفيض عشقًا، يطلق مشاعره لتتحد مع مشاعرها.  

 كم يحب هذه الحالة التي تداهمها الآن، إذ تغدو أسيرة هواه، سجينة محراب عشقه، تتلقى منه سيلًا من الكلمات والأفعال التي تذيبهما معًا في بوتقة واحدة، وتبًا لتلك الأفعال التي تجعل منه في حضنها عاشق مجنون، لا يرى في الدنيا سواها.


                          ❈-❈-❈


عادوا جميعاً إلى الديار، وكانت في عينيها نظرة شاردة كأنها تحمل على كاهلها جبال من الأوجاع. 

  وما إن لامست عجلات السيارة عتبة قصر عائلة البحيري حتى ألتفتت إلى زوجها، بصوت خفيض لكنه نافذ وقالت

"من فضلك خلي السواق يوديني على قصر بابا، أنا محتاجة أبقى لوحدي مش عايزة أشوف حد"


تصلبت ملامحه بالرفض، وكأن قلبه يأبى أن يتركها تواجه وحدتها، رغم وجود الحرس والخادمة المقيمة التي تعكف دوماً على تنظيف أركان القصر.  


همّ أن يجادلها لكن قصي قال له بحزم مشوب بالحنان

"اسمع كلامها يا يونس، سيبها تعمل اللي هي عايزاه"


رضخ يونس مرغماً، غير أن روحه لم تطاوعه أن يبتعد. 

  تركها تصعد إلى القصر العتيق، قصر رسلان العزازي، لكنه أبى أن يغادر.  

 

جلس في البهو الكبير متخفياً عن عينيها، وأوصى الخادمة أن ترعاها بعين اليقظة.


دخلت هي إلى غرفة أبيها الراحل، وما إن وطئت عتبتها حتى امسكت صورته، تضمها إلى صدرها كما يضم الطفل لعبته، وانهمرت دموعها كالسيل المنهمر، تصرخ بألم مكتوم

 "واحشني أوي يا بابا، ياريتك كنت لسه عايش، كنت اترميت في حضنك إنت يا حبيبي، أنا تعبانة أوي يا بابا مش قادرة أستحمل اللي حصلي، نفسي أجيلك وارتاح"


لقد أنهكتها التجربة المريرة خطف وتهديد، إذلال وتعذيب نفسي وجسدي، تركتها جريحة الروح، أسيرة لاضطرابٍ يفتك بعقلها الرافض للواقع.  


 كل ما مر بها يتلاطم في ذاكرتها بين لحظات طفولة بريئة في القصر، وأخرى مغموسة بالوجع والخوف.


وفي الأسفل، خرجت الخادمة تحمل صينية الطعام، فتلقاها يونس بقلق ملح

"هاتيها أنا هاطلع أطمن عليها وأدخلهالها"


صعد درجات السلم بخطى مثقلة، حتى بلغ الرواق المؤدي إلى غرفة والدها، ومن ورائه خيوط البكاء المنبعثة كأنين ناي حزين. 

 

 طرق الباب برفق، فجأة صوتها المرتجف، غاضباً ممزوج بالدموع

 "مش قولتلك ماتطلعيش ولا تخبطي؟!، مش عايزة أشوف حد إنتي ما بتفهميش؟!"


فتح الباب متردداً، ودخل بخطوات يعلوها الشجن، وصوته يختنق بحرقة

 "حتى أنا كمان مش عايزة تشوفيني؟"


أدارت وجهها بعيداً، تتهرب من لقاء العيون، ومنحته ظهرها وهي تقول برجاء متقطع

"أرجوك يا يونس، سيبني لوحدي"


ترك الصينية فوق الطاولة القريبة، واقترب من معشوقته التي غدت كطيف مثقل بالهموم.  

 وقف خلفها، تتقاذفه مشاعر الذنب، يظن أنها تلومه لعجزه عن إنقاذها طوال أسابيع اختطافها، فقال بصوت متهدج

"مش عايزة تبصي لي ليه؟، أنا كنت زي المجنون دورت عليكي في كل مكان، عملت تنويه وجايزة للي يوصل ليكي أو يجيبلي الحيوان اللي خطفك"


أجابته بنبرة منهكة، حروفها كأنها تنهار

 "أنا لا زعلانة منك ولا بلومك، بس أنا فعلًا محتاجة أقعد لوحدي"


تقدم نحوها وكاد أن يمسك بعضديها، فإذا بجسدها ينتفض لا إرادياً، صعق لرد فعلها، وتكسر قلبه حين لمح آثار القيود الغائرة في معصميها. 

  همس في ألم مكبوت

"مش عايزاني ليه أقرب منك؟، ولا ألمسك؟، هو.... "


أثر الصت، فكان السؤال الموجع يتردد في رأسه، سؤال يخشى حتى التفكير فيه، بينما هي قرأت ما في عينيه، فأجهشت بالبكاء و انهارت على الأرض، ساقاها تأبيان حملها، تبكي وتصرخ كطفلة تُساق إلى المجهول.


انحنى إليها، عانقها رغماً عن ارتجافها، ضمها بكل قوته كمن يتمسك بخشبة نجاة وسط الغرق، وهمس وهو يمسح على رأسها المرتجف

"ما تخافيش أنا جمبك يا كارين، حبيبتي اهدي بالله عليكي، بالله عليكي ماتعيطيش"


جذبها إلى صدره، وقد خانته دموعه هو الآخر.  

 بكى في صمت، بكاء رجل مكلوم على حال زوجته، وهي قلبه الذي يخفق به في هذه الدنيا الزائلة.  

 ولقد أيقن في تلك اللحظة أنه لو ملك كل  الدنيا وما فيها، لباعها راضياً في سبيل أن يرى ابتسامتها تعود، ولو لمرة واحدة.


                          ❈-❈-❈


أشرقت شمسُ اليوم التالي، وقد انبثق نورها الذهبي من بين ستائر الغرفة لينثر خيوطه على وجهها المتقلب بجوار زوجها الغارق في سباته العميق.  


 صدح رنين منبه الهاتف، ارتجف السكون واهتز هدوء اللحظة، فمدت يدها بخفة لتغلقه، فتحت درج الكومود الصغير أمامها، وأخرجت منه شريط حبوب منع الحمل. 


  بقيت تحدق فيه بعينين يملؤهما التردد،  بدا الشريط بكامل هيئته، لم تُنتزع منه حبة واحدة، فنهضت فجأة وألقته في سلة المهملات، ثم عادت إلى موضعها بجوار زوجها بعد أن أرسلت نحوه نظرة عابرة امتزج فيها شيء من الحنو وشيء من الاضطراب.


تمددت إلى جواره، فاستدار في نومه ومد ذراعه ليحتويها في عناق دافئ، بينما هي توليه ظهرها، تكاد أن تغمض جفنيها حينما اهتز الهاتف من جديد، فعلمت أنها مكالمة هذه المرة.  

 التقطته على عجل، وألقت نظرة إلى الشاشة، فإذا باسم المتصلة فجر.


فجر تلك الفتاة التي شاركتها أيام الكلية، والتي تورطت يومًا في علاقة بشاب ثري مدلل اعتاد أن يمد يده إلى كل ما تهواه نفسه، حتى قلوب الفتيات.  

 أحبته لكنها لم تحتمل البقاء طويلًا بعدما تبين لها طريق الضياع الذي يسلكه؛ إذ كان غارقًا في المخدرات، ثم انساق خلف أستاذ جامعي ماجن نفث في عقله سموم الإلحاد والتجرد من العقائد، فغدا عدو لكل دين وقيمة.


سعت فجر بصدق أن تنتشله من ذلك الجرف السحيق، أن تعيده إلى الهداية والتوبة لكنه أبى واستكبر، وحين سئمت محاولاتها تركته.  

 

هنالك جن جنونه، وأقسم ألا يتركها لقدرها، صار يلاحقها في كل مكان، حتى ضاقت الأرض عليها بما رحبت. 

 ولما أرادت أن تردعه، أعلنت له أنها ستخطب قريبًا لرجل آخر.


لكنه لم يتحمل وقع الخبر، فالهوس كان قد ملك قلبه وسيطر على عقله، وأصبح من المستحيل أن يتخيلها زوجة لغيره.

 وفي لحظة جنون غادرة، عاجلها بطعنة غائرة، قاصدًا إنهاء حياتها.


غير أن عناية الله سبقت، فشاهدت الجريمة خديجة، وسرعان ما جاءت سيارة الإسعاف، وحملت فجر بين أنياب الموت إلى المستشفى، فانتُشلت من حافة الفناء بمعجزة.


حينها لم تقف أسرة الجاني مكتوفة الأيدي، فأرسلوا محاميهم إلى خديجة، يساومونها بالمال لتنكر شهادتها، أو لتتراجع عن قولها. 

   لكنها رفضت بعزيمة لا تلين، وأصرت أن تقول الحق مهما كان الثمن.


ولما علم آدم بالأمر، واجهها بقلق ظاهر وأمرها أن تبتعد عن تلك المشكلة حتي لا تتأذي.

  فأجابته بعناد رزين بالرفض و أنها لم تكتم شهادة الحق. 


تأهب قلبه خوفًا عليها، لكنها لم تُعر تهديد الخطر بالًا.  

 وفي اليوم الذي عزمت فيه على الذهاب للنيابة لتدلي بشهادتها، ترصدها من وُكّل لردعها.  

 انطلقت رصاصة غادرة نحوها، وفي اللحظة الفارقة انبثق آدم من حيث لا تدري، فدفعها بجسده، واستقر الرصاص في كتفه عوضً عنها.


ومنذ ذلك الحين، انقطعت كل صلات خديجة بصديقتها فجر.

ما زال الهاتف يهتز بالاتصال إلحاحاً، حتى عقدت العزم على الإجابة.  

 أبعدت ذراع زوجها عن جسدها بحذر، خشية أن يستيقظ من سباته، ثم نهضت بخطوات وئيدة، والتقطت الهاتف بيد مرتجفة، وغادرت الغرفة نحو الشرفة حيث ينساب نسيم الصباح.  

 وضعت الهاتف على أذنها وقالت بصوت خافت

"ألو يا فجر؟"


غير أن الصوت الذي جاءها من الطرف الآخر لم يكن صوت صديقتها، بل صوت أنثوي متهدج بالأسى

"ألو يا خديجة، أنا مامت فجر، معلش يا حبيبتي، اتصلت بيكي الصبح بدري"


ابتسمت خديجة محاولة إخفاء قلقها

"أهلاً وسهلاً يا طنط، ولا يهمك، أنا كده كده كنت صاحية، فجر عاملة إيه؟"


أجابت الأم بلهجة تحمل مزيجاً من الرضا المرير والخذلان

"الحمد لله على أي حال، صحتها اتحسنت وخرجت من المستشفى من عشر أيام"


ثم سكتت برهة، كأنها تبتلع غصة في حلقها، قبل أن تتابع بآهة ثقيلة

"بس بنتي يا خديجة، بنتي بتضيع مني، وأنا مش عارفة أنقذها من اللي عايزة تعمله في نفسها"


تسارعت أنفاس خديجة وارتسم على وجهها قلق جلي

"حصلها إيه،؟ مش هم خلاص سجنوا باسم بعد ما فرغوا الكاميرات وقدروا يثبتوا إنه الجاني؟"


ردت الأم بمرارة

"ياريت الموضوع كان خلص على كده وبس، أنا عشان مطولش عليكي، ممكن لو ظروفك تسمح تعدي علينا النهارده محتاجاكي ضروري"


ترددت خديجة، وألقت نظرة خاطفة إلى السرير حيث كان آدم يتقلب، وكأنه على وشك الاستيقاظ.  

 

غامت نظرتها بتردد، لكنها سرعان ما سمعت نداء الأخرى

"ألو؟ ألو؟"


"معاكي يا طنط… تمام، هاجي بإذن الله النهارده، هكلم حضرتك أول ما أركب العربية"


"تمام يا حبيبتي، هستناكي"


وبعد تبادل السلامات، أنهت خديجة المكالمة قبل أن يستفيق زوجها.  

 تسللت إلى الغرفة على أطراف قدميها، لكنها ما لبثت أن تراجعت خطوة حين وجدت الفراش خالي.


وفجأة، دوى صوته من خلفها

"كنتي بتكلمي مين في البلكونة؟"


شهقت بفزع، والتفتت إليه بملامح يعلوها التوتر والخوف.  

 كانت تخشى أن تفصح عن اسم فجر أمامه؛ يكفي ما مر به بسببها وبسبب باسم الذي كاد أن يفتك بها.  

  

فالتفتت عنه متعمدة، وأعطته ظهرها لتتهرب من عينيه، قائلة بارتباك

"دي… دي واحدة صاحبتي، كنت كلمتها من يومين وقولت لها تبقى تصورلي الملازم والمحاضرات اللي فاتتني، واتفقنا إني هقابلها وأخدها منها"


اقترب منها بهدوء، وعانقها من الخلف قائلاً بصوت دافئ

 "ممكن تستنيني لما أرجع من مشوار النيابة، هاجي أخدك وأوصلك بنفسي ونرجع سوا"


التفتت إليه، محاولة إخفاء قلقها بابتسامة متكلفة

"لاء يا حبيبي، روح إنت براحتك، أنا هخلي عم شكري يوصلني ويرجعني، وأصلاً وأنا راجعة هعدي على كارين بعد ما تخلص تحقيق النيابة، صعبانة عليا أوي ربنا يقويها وينسيها اللي حصل معاها"


قبض على كفه بغيظ وهو يزمجر

"كل ما أفتكر اللي حصل لها وكان ممكن المجرم ده يأذيها أو لا قدر الله يقتلها دمي بيتحرق، كان نفسي الكلب ده يبقى عايش وإحنا اللي نخلص عليه بإيدينا"


ربتت على كتفه بلهجة مهدئة

 "قدر الله وما شاء فعل، الحمد لله كان ابتلاء وعدى، وهو عشان كان عارف وواثق هتعملوا فيه إيه انتحر، يعني عاش مجرم وقاتل ومات كافر، ربنا يعافينا يارب"


هز رأسه مستسلماً

"تمام يا حبيبتي، هدخل آخد شاور وخليهم يعملولي فنجان قهوة، وإنتي حضريلي طقم على ذوقك أروح بيه المشوار"


ابتسمت بخفة، وأشارت إلى عينيها

 "من عيوني الاتنين"


أعطاها قبلة سريعة وقال بحنان

 "تسلملي عيونك"


اتجه إلى الحمام، وما إن غاب عن ناظرها حتى تنفست الصعداء، لكن ملامحها انقلبت فجأة إلى حزن وضيق، تذكرت الكذبة التي تفوهت بها منذ قليل، فرفعت يديها هامسة بخشوع

"أستغفر الله العظيم وأتوب إليك، سامحني يا رب، مكنتش عايزة أكذب يا رب سامحني"


                       ❈-❈-❈


في غرفة الزيارات داخل السجن، حيث الجدران الباردة تصطف صامتة كأنها شهود عيان على كل ما يقال ويخفى، جلس المحامي إلى جوار والد باسم، ذلك الوكيل العابس الذي بدت على محياه قسوة السنين وغلظة الطبع، ينتظران خروج باسم، الابن الذي حمل عنهما أثقال الخيبة ومُرّ العاقبة.  

 وما إن أطل الشاب من وراء الأبواب الحديدية حتى توهج المكان بمزيج من المرارة والانتظار، وكأن اللقاء ساحة صراع لا مجلس مودة.


ما إن جلس باسم أمامهما حتى انطلقت الكلمات من فيه بمرارة حادة

"كويس إنك لسه فاكر ليك ابن تسأل عليه"


فانفجر والده بغضب، وصوته يجلجل كصاعقة في هواء خانق

"شوف الواد وبجاحته!، أنا لولا أمك اللي بتموت من ساعة ما أنت اتسجنت، مكنتش عبرتك، كنت سيبتك مرمي هنا لحد ما تتربى وتتعلم الأدب"


ضحك باسم ضحكة مشوبة بالسخرية، تحمل مزيجاً من الألم والاستخفاف

"طول عمري مش فارق معاك ولا كأني ابنك"


هنا تدخل المحامي مسرعاً، وقد نهض واقفاً كمن يريد إخماد حريق اندلع فجأة، وقال بصوت متزن متوسل

"اهدى يا باشا، ما ينفعش اللي بتعملوه ده خالص، وبعدين إحنا جايين لباسم بيه عشان نفرحه، مش عشان نزعله"


انتبه باسم إلى ما قاله المحامي، فتعلقت عيناه بوجهه القريب، وسأله بشغف ممزوج بالترقب

"قصدك إيه؟"


ألقى المحامي نظرة سريعة على الأب، ثم أعاد عينيه إلى باسم، وقال بنبرة مفعمة بالثقة

"إحنا جايين نطمن عليك، ونقولك ما تقلقش، كلها إجراءات بسيطة وهاتطلع من هنا"


انتفض باسم، وصاح بلهفة لم يستطع كبحها

"بجد؟!"


ابتسم المحامي ابتسامة واثقة، وقال في يقين لا يعرف التردد

"وإحنا من إمتى وإحنا بنهزر يا باسم بيه؟"


ازدادت نظرات باسم بحثاً عن الحقيقة، فقال بصوت يحمل ظلال الشك

"طيب… هايحصل إزاي؟، إلا لو فجر سامحتني واتنازلت عن القضية"


أجابه المحامي بابتسامة واثقة أشبه باللغز

"إزاي دي بقى، هاتعرفها في اليوم اللي هاتخرج فيه، المهم كل اللي طالبينه منك إنك ما يكونش ليك دعوة بحد من المساجين، ولا تحتك بأي حد فيهم، مش عايزين أي شغب، لحد ما تطلع لنا بالسلامة"


هز باسم رأسه مطمئناً، وقال بصوت رزين عكس خصاله الهوجاء

"ما تقلقش يا متر، من غير ما توصيني، أنا فعلاً مليش دعوة بحد هنا"


                        ❈-❈-❈


في سراي النيابة، حيث الجدران العالية تتدثر بالرهبة والوقار، جلست كارين تنتظر أمام غرفة وكيل النيابة، وحولها من الوجوه ما يزيد الصدر ثقل وما يبدده عزاء. 

  جوارها زوجها وإخوته جميعاً ما عدا يوسف، وأمامها من جآوا إليها كالسند في لحظة انكسار، علياء وصبا وملك تتصدرهن السيدة چيهان، التي حملت في نظرتها حكمة السنين وحنان الأم.


خرج المساعد فجأة من باب الغرفة، ونادى بصوت رتيب 

"كارين رسلان العزازي"


قبضت كارين على يد چيهان في توتر، فربتت الأخيرة على أصابعها المرتجفة، وهمست إليها كأم تواسي ابنتها

"ما تخافيش وخليكي قوية"


هزت كارين رأسها بعينين زائغتين، غارقتين في بحر من التشتت والرهبة، ثم التفتت نحو قصي، وقد أدرك الأخير من نظرتها أنها ترجوه أن يكون رفيقها في الداخل. 

 

 تقدم خطاه نحوها على الفور، تحت عيون يونس الذي أوشك أن يشتعل غيظاً من ذلك التجاهل الموجع.  

 

فمنذ الأمس وهو يلازمها كظلها، يمنحها دفء الطمأنينة بعناق صادق وكلمات عذبة يسقي بها قلبها المكلوم، ومع ذلك لم يقع اختيارها إلا على قصي.


دخلت كارين قاعة التحقيق، وجلست في مواجهة وكيل النيابة.  

 تبادلا التحية الرسمية، ثم أشار لها بالجلوس، وسألها بصوت حازم يحمل مزيج من الجدية والرأفة

"اتفضلي يا مدام كارين، احكيلنا كل حاجة حصلتلك من أول معرفتك بمهند عبدالرحمن لحد ما انتحر"


رفعت بصرها المرتبك نحو قصي، فالتقت عيناهما كأنهما جسر أمان ممتد، وقد أومأ إليها إيماءة واثقة، كأنما يقول لها دون أن ينطق، اسردي بكل أريحية فأنا إلى جوارك يا صغيرتي.


فأخذت نفس متقطع، ثم بدأت تسرد الحكاية؛ حكاية بدايتها الخداعة حين تسلل مهند إلى حياتها بوجه زائف تحت ستار العمل، بينما كانت هي الغاية والهدف.  

 

روت كيف تكشف قناعه شيئاً فشيئاً، حتى انتهى الأمر باختطافها، وما عانته من أهوال تُفتت القلب كلما عادت لخيالها.


 وحينما غلبتها الذكرى، انهمرت دموعها رغماً عنها، وارتعشت يداها، بل ارتجف جسدها بأسره، فتركها وكيل النيابة حتى هدأت، ثم استأنفت السرد مرة أخرى، حتى أفرغت في حضرته ما يثقل صدرها.


وبعد زمن بدت فيه الدقائق أثقل من السنين، خرجت كارين يتبعها قصي. 

  وما إن ظهرت حتى تقدمت السيدات نحوها، تتصدرهن چيهان التي فتحت ذراعيها، فانهارت كارين بين أحضانها، وبكت بكاء مُر كأنما تذرف ما تبقى من خوف وحزن دفين.


اقترب يونس من قصي، وصوته يلهث بقلق

"قالكم إيه وكيل النيابة؟"


أجابه قصي بهدوء لافت

"كارين حكت له كل حاجة ما تقلقش، هو كان مجرد إجراء روتيني عشان الموضوع يتقفل، خصوصاً بعد ما الـ…  موت نفسه"


تردد يونس، وصراعه الداخلي يعصف به، ثم اقترب أكثر وسأل بصوت خافت بالكاد يُسمع

"قصي… أنت لما روحت تنقذها، هو الواد ده عمل فيها حاجة؟"


أدرك شقيقه مرمى السؤال، فابتسم ابتسامة وادعة تُخفي حزن وشجن، وقال بثبات

"بص يا يونس، أنا فاهم وعارف إنك متضايق من تجنبها ليك، وإن دماغك راحت للي أنا فهمته من سؤالك، بس عايزك تطمن هو ما جاش جنبها ولا لحق يعمل حاجة، أنا أنقذتها قبل أي كارثة، هو كان خاطفها عشان يسافر بيها بره ويتجوزها، ده واحد دماغه ضايعة، كان متصور إنها هترضى بالأمر الواقع وتسمع كلامه، بس مراتك طلعت بميت راجل، كفاية إنها حاولت توصلنا، وخلت إنقاذها ممكن قبل ما يحصل لها أي أذى لا قدر الله أو كان عرف يسافر بيها برة مصر، كان الموضوع هيبقي صعب جداً"


تنفس يونس الصعداء، وكأن حمل ثقيل انزاح عن صدره، ثم قال بصوت متهدج يخالطه الحزن

"معلش اعذرني، أنا قلبي واجعني عليها، ومش عارف أتعامل معاها إزاي، مستعد أتحمل منها أي رد فعل بس نفسي أشوفها بتضحك تاني"


ربت قصي على كتف شقيقه بحنو ممزوج بالصلابة

"هترجع… وهترجع أحسن من الأول إن شاء الله، دي مسألة وقت مش أكتر، غير كده هي محتاجة تزور ثيرابيست أو دكتور نفسية يساعدها تتجاوز اللي عاشته"


ثم اجتمعوا جميعاً عند باب السراي استعداداً لمغادرة هذا المكان الموحش، صعدوا إلى سياراتهم، وتفرق كل واحد منهم إلى وجهته. 

                        ❈-❈-❈


بلغت خديجة عتبة بيت صديقتها فجر، والنهار يتهادى في أرجاء الحي، كأن أشعته تغسل الأرصفة بمسحة من ذهب خافت.  

 وما إن قرعت الباب حتى أطلت والدة فجر بوجه يجلله الوقار، فرحبت بها ترحيب دافئ، كأنها تستقبل ابنة ثانية في رحاب دارها.  

 

قادتها إلى الردهة حيث تتناثر مقاعد وثيرة كأنها تعانق الجالسين، وتظللها ستائر خفيفة تنفذ منها خيوط الضوء، فيرسم النهار لوحة شاحبة على الجدران.


ابتسمت الأم قائلة بصوت تحاول أن تجعله مرحاً، وإن خانته نبرة مثقلة بالهم

"تحبي تشربي إيه؟، ولا أقولك ده ميعاد الفطار، أنا هاروح أحضرلك فطار من إيدي هايعجبك أوي"


بادلتها خديجة ابتسامة شاكرة، وأجابت بلهجة ملؤها الامتنان

"تسلمي يا طنط، ما تتعبيش نفسك، أنا فطرت قبل ما أجي لحضرتك، المهم طمنيني على فجر، هي صاحية أدخل لها؟"


تنهدت السيدة وجلست في الكرسي الملاصق لخديجة، وانطبع الحزن على محياها كغيمة سوداء تحجب نور الأمل، ثم قالت بصوت تخلله الأسى

"هي في كل حال ما بتخرجش من أوضتها غير على الحمام بس، بنتي من ساعة ما رجعت من المستشفى وهي منعزلة، مش عايزة تشوف ولا تسمع حد خالص، لدرجة خوفت لتعمل في نفسها حاجة، خصوصاً لما أبو الولد اللي اسمه باسم، ربنا ينتقم منه هو والمحامي بتاعهم كانوا هنا إمبارح"


شهقت خديجة باندهاش عاتب، وألقت بسؤالها وكأنها تكشف الستار عن حقيقة خفية

 "طبعاً جايين عشان يخلوا فجر تتنازل عن القضية وعرضوا عليكم فلوسهم؟"


أطرقت الأم بعينين دامعتين وقالت بمرارة

"ياريت... على الأقل كان يبقى أخرتها رفض، واللي عندهم يعملوه، تسجيلات الكاميرا أثبتت عليه الجريمة خلاص"


ازدادت حيرة خديجة، فمالت بجسدها نحو السيدة، تسألها بلهفة

"أومال حصل إيه؟"


سكتت الأم لحظة، وانفرجت ذاكرتها كأنها شريط سينمائي يُعرض أمام عينيها، فإذا بها تعيش من جديد وقائع الأمس القريب


«مشهد من الأمس» 

في جو مشحون بالترقب والضبابية، جلست أم فجر على مقعد خشبي قديم يئن تحت وطأة جسدها ووطأة القلق الذي ينهش قلبها، فإذا بصوتها يخرج صارماً كالسيف

"طالما إنكم مش عايزين بنتي تتنازل عن القضية، جايين عايزين إيه؟"


ابتسم والد باسم ابتسامة متكلفة، غلفها التصنع وأثقلها التعالي، وقال بنبرة متزنة من الظاهر، متغطرسة من الباطن

"عايزين القُرب يا أم فجر"


رمقته بنظرة نارية، تسلل منها الاستهجان والاستهزاء، وقالت مستفهمة بحدة

"قُرب من مين إن شاء الله؟"


اعتدل في جلسته، ورفع رأسه كمن يعلن نصراً وشيك، ثم أجاب بثقة متعجرفة

"أنا جاي أطلب إيد الآنسة فجر لابني باسم على سنة الله ورسوله"


شهقت المرأة شهقة كادت تخنق أنفاسها، وضربت بكفها على صدرها في حركة غريزية، ثم نهضت كالعاصفة، وصاحت بصوت ارتجفت منه الجدران

"نعم؟!، إنت عايز بنتي تتجوز ابنك المجنون؟!، اللي عشان سابته وبعدت عنه، راح طعنها بالمطواة وكان عايز يموتها وربنا نجاها بأعجوبة وقامت بالسلامة؟!، أروح أنا أسلمها لإبنك المجرم عشان يخلص عليها المرة دي؟!"


تدخل المحامي الذي كان يجلس إلى جوار والد باسم، محاولاً تهدئة الموقف، فقال بنبرة وادعة

"اهدي يا مدام أم فجر... الباشا عرف كل حاجة من ابنه، وعارف قد إيه هما بيحبوا بعض، واللي حصل ده كان نتيجة غيرته عليها لما عرف إنها هتتخطب لواحد جاركم على ما أعتقد"


رفعت المرأة حاجبيها، والشرر يتطاير من عينيها، ثم ردت بعناد لا يلين

"وأنا بنتي ما كانتش بتخبي عني أي حاجة، وهي بعدت عن باسم لما لقته  مدمن وأعوذ بالله بقى كافر"


كأن الكلمة وخزت كرامة والد باسم، فانتفض صارخاً

"مين ده اللي كافر يا وليه إنتي؟!"


لكن المحامي عاجله بنظرة حادة تأمره بالصمت، فإذا بأم فجر توبخه بلسان لاذع

"ولية في عينك، قاعد في بيتنا وبتغلط فيا؟!، أنا ما شوفتش بجاحة أكتر من كده"


حاول المحامي احتواء الموقف مجدداً، قائلاً باعتذار خافت

"حقك عليا أنا يا ست أم فجر... الباشا ما يقصدش، هو برضه في النهاية أب، ومش ها يستحمل كلمة كده ولا كده على ابنه"


أشاحت بيدها في غضب، وقالت بحسم قاطع كالسيف

"وأنا ما غلطتش في المحروس ابنه و لا الحقيقة بتزعل!، على العموم كلامي خلص معاكم، مش عايزين حاجة غير القانون هو اللي يحكم ويجيب حق بنتي، وبالنسبة لموضوع الجواز طلبكم مرفوض يا باشا، وياريت تتفضلوا من هنا"


لكن صاعقة مدوية هبطت على الجميع، حين انطلق صوت ناعم لكنه ثابت

"بس أنا موافقة يا ماما"


كان صوت فجر، التي خرجت لتوها من حجرتها، تحمل ملامحها شحوباً وقرار صادم، ألقت كلمتها كالرعد على مسامع والدتها. 


                        ❈-❈-❈


عودة إلى الحاضر...


كانت خديجة تجلس إلى جوار والدة صديقتها، تستمع بكل جوارحها إلى هذا السرد الموجع عن زيارة الأمس، وعن الموافقة المفاجئة التي خرجت من فم فجر.  

 كانت كلمات المرأة كالسكاكين تغرس في وعيها، حتى كادت تفقد القدرة على التصديق.


نهضت خديجة متوجسة، وقد عقد الدهشة حاجبيها، ثم سألت بصوت يتهدج

"هي فين أوضتها؟"


أجابت المرأة بصوت خافت، يختلط فيه التعب بالخذلان

"آخر أوضة في الطُرقة"


ذهبت خديجة بخطى مترددة، يسبقها قلبها المثقل بالهم، وطرقت الباب طرقات خفيفة، فجاءها الرد من الداخل بصوت متعب متهدج، ظنت الطارق والدتها

"عايزة مني إيه يا ماما؟، قولتلك مليش نفس أفطر"


دفعت خديجة الباب ببطء، وما إن انفرج حتى بدا وجه فجر الشاحب أمامها.

 رمقتها بعينين متسعتين من الدهشة، كأنها لم تتوقع حضورها، ثم سرعان ما فطنت السبب، فأشاحت بنظرة باردة توحي باللامبالاة.


ابتسمت خديجة ابتسامة متحجرة، وقالت وهي تحاول الاقتراب منها

"حمد الله على سلامتك يا فجر"


مدت ذراعيها لتعانقها، غير أن الأخرى اكتفت بمد كفها في مصافحة فاترة، فارتسم الحرج على ملامح خديجة، وسرت في قلبها غصة خفية.


جلست لحظات تتأمل صديقتها، فإذا بها ترى وجهًا آخر غير الذي عرفته من قبل؛ ملامح مغايرة قاسية، كأن المحنة قد أعادت تشكيل قسماتها، لتطل أمامها فجر أخرى.


قالت الأخيرة بنبرة جامدة

"لو إنتي جاية عشان تطمني عليا، يا أهلاً وسهلاً بيكي، لكن لو ماما اللي كلمتك وحكتلك عن زيارة إمبارح، وإنك جاية عشان تقنعيني أرفض جوازي من باسم، يبقى ما تتعبيش نفسك لأني مهما اقنعتيني برضه موافقة"


لم تُبد خديجة تراجعاً، بل جلست على الكرسي المقابل، ثم قالت بجدية مفعمة بالإخلاص

"أنا وجودي هنا واجب، لما ألاقي الناس اللي بحبهم في مشكلة ما ينفعش أتفرج وأسكت، واجبي إني أوقف جنبهم"


رمقتها فجر باستعلاء يخالطه العناد، وقالت بجفاف قاسٍ

"وأنا مش محتاجة وقفتك، ولا محتاجة أي حاجة من حد، أظن أنا واحدة في سن الرشد وصاحبة قراري، وعارفة مصلحتي كويس"


هزت خديجة رأسها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة، كأنها تُكذب ما تسمع

"بالعكس، اللي أنا شايفاه قدامي دلوقتي مفيهوش لا عقل ولا تفكير، لأنك يا إما لسه بتحبيه وسامحتيه رغم إنه حاول يقتلك، يا إما بتفكري تتجوزيه عشان تنتقمي منه، بس خدي بالك... المنتقم قبل ما يولع في اللي أذاه، هو أول واحد بيتلسع من النار"


صرخت فجر بصوت متهدج ممزوج بالدموع، كأنها تُفرغ جمر سنوات مضت

"وهو أنا لسه ما اتلسعتش من النار؟!، أنا كنت بين الحيا والموت يا خديجة، وبرغم اللي عمله فيا لسه عايزني أبقى بتاعته، يبقى خلاص يستحمل اللي جاي"


نهضت خديجة من مقعدها، واندفعت نحوها تعانقها بحرارة، كأنها تحاول أن تقيها من نفسها

"اهدي... وبلاش عياط، أنا خايفة عليكي، ومامتك بره مقهورة، يعني إنتي مش بتأذي نفسك بس إنتي بتأذيها كمان، فكري يا فجر واعقليها كويس، الجواز مش لعبة ولا حاجة سهلة، وبعدين عيلة باسم مش سهلين، جوزي لما سأل عنهم عرف إنهم مجرمين بتوع تجارة سلاح ومخدرات، ناس قلبها ميت، تفتكري لو لمستي ابنهم بأي أذى هم هايسيبوكي؟!"


ابتعدت فجر عنها فجأة، ومسحت دموعها بكفها المرتجف، ثم استدارت تولي ظهرها بجمود متصنع

"أنا عارفة بعمل إيه كويس، مش محتاجة نصايح من حد، وياريت ما تدخليش في حياتي تاني"


شعرت خديجة بوخز الخيبة يثقل صدرها، وتضاعف الضيق في قلبها من هذه الحمقاء التي تعاند مصيرها. 

 همت بالمغادرة، وقبل أن تدير مقبض الباب، التفتت وقالت بصوت حاسم، كمن يلقي وصيته الأخيرة

"أنا فعلاً مش هاتدخل في حياتك تاني، بس كلمة أخيرة عشان أبقى عملت اللي عليا قدام ربنا، افتكري اللي مريتي بيه واللي حصلك على إيد باسم، كل ده مش هايجي ذرة في اللي هايحصلك لو اتجوزتيه، إنتي بتدخلي عش الدبابير برجليكي، وساعتها الندم مش هاينفعك أبداً"


تنهدت بمرارة، ثم أردفت بخطوات متسارعة نحو الباب

"مع السلامة يا فجر"


ألقت كلماتها وغادرت، لم تمهل حتى والدة صديقتها لتحدثها، ركضت الأم إلى غرفة ابنتها، وعيناها تقدحان لوم ووجع

"إنتي عملتي إيه في صاحبتك؟ خلاها تمشي ومش شايفة قدامها؟"


صرخت فجر في وجهها بحدة هستيرية، ودموعها تتناثر كالرصاص

"ماعملتش حاجة، وأرجوكي سيبيني في حالي، اطلعي بره، اطلعي بره"


خرجت الأم مطأطئة الرأس، وأغلقت الباب خلفها، أسندت ظهرها إلى الجدار البارد في الردهة، وانفجرت في بكاء مرير، ترتجف شفتاها بالدعاء، وعيناها شاخصتان إلى وجهة السماء

"يا رب، يا رب"


                       ❈-❈-❈


تفرق أفراد عائلة البحيري؛ فمنهم من آوى إلى منزله، ومنهم من انطلق إلى عمله، بينما آثرت كارين العودة إلى شقتها، وقد طلبت من يونس أن يأتيها بولديها، كأنّ

 قلبها لم يهدأ إلا حين تراهما أمام عينيها.


بينما آدم، فقد مضى إلى الشركة بخطوات مسرعة، لا يلوي على شيء سوى انهماكه في دوامة الأعمال، ولحقه قصي الذي أوصل زوجته إلى قصرهما، قبل أن يطوي المسافة نحو مقر عمله.  

 كذلك مصعب، إذ أوصل زوجته إلى البيت ثم اندفع إلى عمله. 


وعادت علياء إلى القصر مثقلة بوطأة الإرهاق، فأخبرت مساعدتها أن تلغي مواعيد الفحوصات المقررة لليوم، إذ لم تعد تطيق مواجهة المرضى بوجه مرهق ونفس متعب.  

 

وما إن خطت نحو غرفتها، حتى وقعت عيناها على زوجها جالساً أمام الحاسوب، غارقً في عالمه الإلكتروني، لا يكاد يحس بوجودها.  

 جلست على كرسي طاولة الزينة، و تخلع حذاءها ببطء، ثم التفتت إليه بحدة وقالت

 "و لما أنت مش رايح المستشفى مجتش معانا ليه النيابة؟، كل إخواتك كانوا هناك"


فأجابها ببرود زجاجي لا ينفذ منه دفء

"كان عندي مؤتمر دولي أونلاين، لسه خلصان من ساعة، ومكنش ينفع محضرهوش، وبعدين كارين رجعت بالسلامة خلاص، إيه لازمتها الكل يروح النيابة؟!"


رمقته بسخط، وهزت رأسها في ضيق يقطر استياء، ثم نهضت واقفة أمامه، كأنها حاجز يريد أن يعترض انغماسه في عزلة جليدية.


"أنت مالك بقالك فترة واخد جمب من الكل كأنك عايش لوحدك، ماتخليش شغلك يلهيك عن حياتك وعني أنا وولادك والعيلة يا دكتور"


نهض هو الآخر، واستدار نحوها، وقد تلون صوته بتهكم 

"أومال لو مكنتيش دكتورة وبتمري بنفس ظروف شغلي، كنتي عملتي إيه؟"


فأجابت بحدة، تدفع عن نفسها سهامه

"أنا فعلاً ببقى مشغولة كتير، بس في نفس الوقت متابعة الولاد، وأي مشكلة بتحصل في القصر بكون أول واحدة موجودة وبقدم اللي مطلوب مني، لأني فرد من عيلة البحيري يا دكتور يوسف"


ابتسم بسخرية تستفز الصبر، ورد ببرود يوشك أن يطفئ الدم في عروقها

 "لو خلصتي كلامك روحي شوفي إنتي بتعملي إيه، وخرجيني من دماغك"


ثم أدار ظهره متجهاً إلى الخارج، لكن صوتها أوقفه عند العتبة، نبراته تحمل إنذار صريح


"خليك على وضعك يا يوسف، بس بعد كده ماتزعلش لما تلاقينا إحنا كمان بنتجاهلك"


ارتسمت على شفتيه ابتسامة هازئة، رفع بها جانب فمه، وكاد أن يخطو بعيداً، فإذا بها تردف من جديد

 "وآه، عشان ما انساش، إحنا معزومين على عيد ميلاد ولاد آسر وهاجر"


تبدل وجهه فجأة، وسرى عليه وجوم ثقيل كغيمة داكنة حجبت شمس يوم صاف، فعاد إليها يسألها بنبرة تحمل دهاء ومكر

"يا ترى مين كلمك وعازمك؟، بنت خالتك ولا جوزها الدكتور آسر بنفسه؟"


انعقد حاجباها في استنكار صريح، ورمت سؤاله بنظرة حادة

"قصدك إيه من سؤالك وتلميحاتك السخيفة؟!"


ابتسم ابتسامة خبيثة، ولفظ كلماته ببطء كمن يسكب سُم في كأس صاف

 "والله إنتي أدرى باللي بيحصل من ورا ضهري"


فانفجرت بغضب جامح، وقد تجاوز معها كل الخطوط الحمراء، صرخت بمرارة تزلزل الجدران

 "خد بالك، أنا عديتلك كتير وكنت بعمل نفسي مش فاهمة، آسر ده في مقام أخويا، غير إنه جوز بنت خالتي، لو خيالك المريض مصورلك حاجة تانية غير كده، يبقى تروح تتعالج أحسن، ولا أقولك احجزلك أوضة في المصحة جنب طليقتك، أهو تونسوا بعض"


كانت كلماتها كالرصاص الطائش تخترق سكون الغرفة، فأججت غضبه حتى غلت الدماء في عروقه كحمم متدفقة، وأظلمت بصيرته حتى لم يعد يرى سوى وجهها المستفز أمامه. 


 لم يشعر بنفسه إلا وهو يهوى عليها بعنف، يجذبها من شعرها كمن ينتزع غصن من شجرة، ويلوي ذراعها خلف ظهرها بقبضة من حديد، وقال من بين أسنانه المطبقة، وقد تقطر صوته من الغيظ

"أول وآخر مرة تتكلمي بالأسلوب ده تاني معايا، ولا كلامي بقى هم على قلبك، ولا يمكن أنا شخصياً مش عاجبك؟!، ها؟"


ارتجفت وهي تستشعر خصلات شعرها تنتزع من رأسها، وذراعها يكاد يُكسر بين يديه، فصرخت متوسلة بألم يقطع نياط القلب

"عيب يا يوسف اللي بتعمله ده، سيب شعري، ودراعي هايتكسر"


لكنه لم يُعر توسلها أدني إهتمام، ولم يرق قلبه لوجعها، بل ازداد صوته قسوة، كأنه مطرقة تحطم كبرياءها


"فاكراني مغفل وعبيط؟!، أنا فاهم وعارف كل حاجة بتحصل من ورايا، واللي في دماغك مش هايحصل أبداً…


وفجأة، دوى رنين الهاتف الموضوع أعلى طاولة الزينة، فقطع حبل غضبه لحظة.


 دفعها دفعاً نحو الطاولة، والشرر يتطاير من عينيه، ثم التقط الهاتف بعينه، فرأى اسم المتصل، فقهقه بسخرية لاذعة

"طبعاً بيتصل عشان يطمن عليكي وصلتي ولا لأ… صاحبي طول عمره قلبه حنين، ردي عليه"


صرخت وهي تتلوى ألماً من قبضته وتهوره

"كفاية جنان بقى، والله هاتندم على اللي قولته واللي بتعمله فيا يا يوسف"


زمجر في وجهها 

"وطي صوتك وبطلي رغي، ردي عليه وشغلي الإسبيكر"


ثم ألقى بها على الكرسي، وتركها تتألم وهي تفرك ذراعها الذي لا يزال يؤلمها من شدته. 

  رمقها بعينين متقدتين وأمرها بصوت لا يقبل العصيان

"اخلصي"


أخذت الهاتف بيد مرتجفة، وضغطت زر الاتصال، ثم شغلت مكبر الصوت، ورفعت عينيها تحدق في يوسف بامتعاض  قبل أن ترد بصوت متماسك


 "ألو"


جاءها الصوت من الطرف الآخر، مفعماً بالود

"ألو يا لولو، معلش يا حبي بكلمك من موبايل آسر، أصل الفون بتاعي الولاد وقعوه مني في البيسين إمبارح، وآسر خدوا للصيانة"


أجابت بنبرة وديعة تخفي اضطرابها

"حبيبتي ولا يهمك، ربنا يعوضك"


تابعت المتصلة بمرح لا يدرك ما يدور خلف الجدران

"أنا عارفة إنك مشغولة، بس قولت أكلمك وأأكد عليكي ميعاد العيد ميلاد بعد بكرة أوعي تنسي بقى، هنستناكم"


"حاضر يا حبيبتي، إن شاء الله جايين"


"هاسيبك بقى عشان ماعطلكيش، سلام يا لولو"


"سلام"


لمست بعصبية علامة إنهاء المكالمة، وأمسكت الهاتف كأنها تكتم به بركان يتأجج في صدرها.  

نهضت واقفة، وملامحها تنضح بالامتعاض والسخط، ثم أطلقت كلماتها في وجه زوجها كقذائف لا رجوع فيها

"من النهاردة أنا هنام جنب الولاد، وأول ما ياخدوا الأجازة هاخد عز الدين وأروح أقعد عند ماما، ولا لسانك يخاطب لساني، ولا عايزة أشوفك قدامي"


وكانت كلماتها هذه أشبه بإعلان حرب باردة، ختمت بها لحظة من القهر، وفتحت أبواب لعاصفة قادمة لم تخمد نارها بعد. 


يتبع…

جاري كتابة الفصل الجديد للروايه حصريا لقصر الروايات اترك تعليق ليصلك كل جديد أو عاود زيارتنا الليله

لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كامله من هناااااااااا

مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا

مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا


تعليقات

التنقل السريع