القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية غرام الذئاب الفصل الثالث عشر والرابع عشر من الجزء الرابع بقلم ولاء رفعت (حصريه وجديده في مدونة قصر الروايات )

 رواية غرام الذئاب الفصل الثالث عشر والرابع عشر من الجزء الرابع بقلم ولاء رفعت (حصريه وجديده في مدونة قصر الروايات )





رواية غرام الذئاب الفصل الثالث عشر والرابع عشر من الجزء الرابع بقلم ولاء رفعت (حصريه وجديده في مدونة قصر الروايات )

#الفصل_الثالث_عشر

#غرام_الذئاب

#الجزء_الرابع_من_سلسلة_صراع_الذئاب

#ولاء_رفعت


ما زالت تائهة بين موج وموج

تسأل عن ماض يطاردها

عن كوابيس تحاصرها

عن حقيقة تخشى أن تخرج للنور فتوجعها


وهو هناك بين الصبر. والرجاء

يحملها بنظراته بحنانه

يهمس لها لا تخافي أنا معكِ

وكأنه قسم من قلب لا يعرف الجفاء


على مشارف مدخل محافظة القاهرة، كان منطلقًا بسيارته بعد أن قرر العودة، أو ربما أدرك أن المغادرة باتت ضرورة، لا من أجله بل من أجل تلك التي تجلس إلى جواره، تحدق عبر النافذة بشرود، تغوص في لجُة مصيرها المجهول. 


منذ اللحظة التي عرض عليها الزواج، تبعثرت مشاعرها، رغم يقينها بدوافعه الخفية خلف هذا الطلب كان الجواب ثقيلًا على لسانها، لا تدري أترفض أم تقبل؟، لم ترغب أن تكون عبئًا عليه، فهي كما ترى مجهولة الهوية، فاقدة للذاكرة، لا تعلم من تكون ولا أين تنتمي.  

 بينما هو طبيب ينتمي إلى عائلة ثرية، ينتظره مستقبل مشرق، وحين يفكر في الزواج، فلا بد أن يختار امرأة تليق به، لا امرأة تائهة في متاهات النسيان.


كانت هذه الأفكار تعصف بذهنها، وانعكاسها بدا جليا على ملامحها التي يغلب عليها الحزن والهموم.  

لم تلحظ عيناه التي تراقبها بطرف خفي، يتابع تقلب تعابير وجهها؛ تارة يغمرها التوتر، وأخرى يغلب عليها الأسى.  


كل يوم يكتشف فيها صفة أصدق وأنبل من سابقتها، يكفي أنها حين طلب منها الزواج، أبت ورفضت على نقيض أي امرأة لو كانت في ذات الظروف التي مرت بها، لكانت قبلت دون تردد سيما أنه يجسد أحلام الفتيات في فارس أحلام مكتمل الصفات.  

 لكنه أيقن سبب رفضها؛ فقد أدرك أنها شعرت بأن مطلبه هذا لم يكن سوى ضرب من الشفقة، وهي رغم قسوة ما تمر به، تأبى أن تكون محل شفقة أو تُجرح كرامتها بتوبيخ ومعايرة، كما فعلت والدته معها.


و بعد مرور وقت... 

داخل حي مصر الجديدة، حيث المنازل ذات التراث العريق والمباني التي تحكي قصص الزمن الماضي، توقفت السيارة أمام مبنى قديم. 


لاحظت أميرة توقف السيارة، فاعتدلت في مقعدها ونظرت إليه متسائلة، وقد شاب نبرتها بعض التوجس

"إحنا وصلنا؟"


ابتسم رحيم ابتسامة خفيفة، كأنما يحاول انتشالها من أفكارها المثقلة بالحزن، ثم رد بمزاح خفيف

"لأ، لسه في إسكندرية"

تسللت شبه ابتسامة إلى ثغرها، ولمعت عيناها ببريق صاف أشبه بالذهب المصقول. 

أردفت

"طيب، إحنا وقفنا هنا ليه؟"


لكن سؤالها تلاشى مع صوت قادم من ناحية بوابة المبنى. 

 كان حارس العقار، رجل من الوجه القبلي يرتدي جلبابًا بسيطًا، تقف على وجهه علامات الطيبة والخبرة التي نحتها الزمن

 "أهلًا وسهلًا بالدكتور الغالي، ابن الغاليين"

ارتسمت على وجه رحيم ابتسامة دافئة وهو يرد

 "الله يكرمك يا عم ربيع"


 "الله يبارك لك يا دكتور رحيم، أنا جيبتلك واحدة نضفت الشقة وخليتهالك فلة"


أخرج رحيم محفظته وأخذ منها بضع أوراق نقدية، ثم مد يده بها إلى الرجل

 "تسلم يا عم ربيع"


لكن الحارس وقد بدا عليه الامتناع، لوح بيده مستنكرًا

"وعليا الطلاج ما هاخد چنيه واحد، يا بيه، خيرك سابق، ده أنا لحم اكتافي من خيرك وخير البيه الوالد الله يرحمه"


قطب رحيم حاجبيه وهو يرد بلطف حازم

 "ما تحلفش لأزعل منك، دي حاجة بسيطة"


ازدادت ملامح عم ربيع إصرارًا وهو يقول بابتسامة ودودة

"خلاص يا بيه، يرضيك أطلج الچماعة بتوعي؟!"


ضحك الأخر وهو يهز رأسه قائلاً

"لا طبعًا، ربنا يبارك ما بينكم"


ثم اقترب الحارس منه بعض الخطوات، كمن يحمل سرا، وهمس إليه

 "بقولك إيه، زي ما اتفقنا، أوعي والدتك تعرف إن قريبة البيه الوالد الله يرحمه هنا"


هز رحيم رأسه، وقد علت وجهه نظرة فهم ممتزجة بالحنين

 "عيب يا بيه سرك في بير، البيه والدك الله يرحمه كان بيچي هنا يقعد بالأيام، كل ما يزهق من الدنيا والناس، ده غير إن والدتك فاكرة إنه باع الشقة دي من زمان"


ألقى رحيم بنظره إلى الأمام، كأنما يرى أطياف ذكريات قديمة، مشاهد من طفولته عندما كان يشهد شجار والديه المتكرر، وكانت والدته لا تكف عن توبيخ والده، متهمة إياه بأنه طيب إلى حد السذاجة، يقوم الجميع باستغلاله


أغمض عينيه، راغبًا في طرد هذه الذكريات بعيدًا عن ذهنه، ثم زفر ببطء وقال للحارس

 "تمام يا عم ربيع روح أنت، ولو فيه أي حاجة هاكلمك، بس مش هوصيك، آنسة أميرة أمانة في رقبتك طول ما أنا مش هنا"


أشار الحارس إلى عينيه، في لفتة تدل على الوفاء والاطمئنان

"العين دي قبل العين دي يا دكتور، وطلباتها أوامر"


"تسلم يا عم ربيع"


حينما التفت رحيم إلى أميرة، وجدها تنظر أمامها في استحياء، وكأنها تخشى التقاء نظراتهما. 

  تأملها للحظة قبل أن يقول بصوت هادئ

 "يلا ننزل؟"


فتحت الباب ونزلت، وهو أيضًا، ألقت نظرة على المبنى، وإذا بألم مباغت يداهم رأسها، فتهاوت الصور في ذاكرتها كالأمواج المتلاطمة، مستحضرة ماضي بعيد لمبنى حديث شاهق الارتفاع وبدلًا من رحيم، كان هناك رجل آخر ذو ملامح مبهمة، لكنها رأت فمه وابتسامته بوضوح، يمد يده نحوها في دعوة صامتة.  

ارتعش جسدها رغمًا عنها، وتناهى إلى مسامعها صوت بعيد

 "أنتِ كويسة؟"


ضيقت عينيها لتتبين صاحب الصوت غير أن الرؤية ازدادت تشوشًا، واختلط صوتان مختلفان في أذنها؛ أحدهما يناديها "أميرة!"، والآخر يردد "ياسمين!"


قبل أن تسقط أرضًا، كان رحيم قد لحق بها وحملها بين ذراعيه بثبات.  

 من بعيد لمح الحارس المشهد فأسرع إليهما وسأله بقلق

"مالها الهانم؟ ألف سلامة عليها"


أجابه رحيم وهو يسابق الخطى نحو المبنى

"معلش يا عم ربيع، اسبقني على فوق وافتح باب الشقة بسرعة"


هز الرجل رأسه بإذعان

 "أمرك يا دكتور"


صعد الدرج متجهًا إلى المصعد العتيق، الذي لا يزال محافظًا على طرازه القديم، بينما رحيم كان يحدق في وجهها، يراقب ارتجاف جفونها وهذيانها بكلمات غير مفهومة، تفتح عينيها لوهلة ثم تغلقهما من جديد.  

 ناداها برفق محاولًا إعادتها إلى وعيها

 "أميرة؟ سامعاني؟"


حين وصل إلى الطابق المطلوب، وجد الباب مفتوح على مصراعيه.  

 دلف إلى الداخل ولا تزال بين ذراعيه، فاستقبلته رائحة الماضي العتيق، تلك التي لطالما التصقت بجدران المنزل العريق، الذي شُيد منذ خمسينات القرن الماضي.  

سقف عال، أكثر من أربع غرف وردهة فسيحة تكتظ بالأثاث العتيق.


اتجه مباشرة إلى إحدى الغرف، حيث وضعها فوق الفراش بحذر.  

 ما إن تأكد من أنها مستقرة، حتى غادر الغرفة بخطوات مسرعة متجهًا نحو غرفة أخرى بدت كمكتب خاص. 

 فتح خزانة صغيرة، وأخذ يتمتم لنفسه بقلق

 "يارب يا بابا متكونش اتصرفت في أي حاجة من حاجات جدي"


 وجد ضالته أخيرًا، حقيبة جلدية مهملة في زاوية خفية، كأنها تنتظر من ينفض عنها الغبار ويعيد إليها الحياة.  

 فتحها بعجلة، فلمع بريق سماعة فحص طبية تحت ضوء المصباح الخافت، يجاورها جهاز لقياس الضغط وبعض الأدوات الأخرى، أغلق الحقيبة بحركة سريعة وعاد إلى حيث ترقد أميرة، جسدها يرتجف تحت الغطاء كزهرة تذبل تحت وطأة الصقيع.


أمسك بمعصمها، أنامله تتحسس نبضها الواهن ثم التقط جهاز الضغط، وضعه حول ذراعها، وضغط على المضخة في توتر حتى ظهرت القراءة… منخفض.

  انقبض قلبه فالتقط هاتفه على الفور وأجرى مكالمة سريعة، صوته يتشابك بين الحزم والاستعجال

"اطلع يا عم ربيع، هبعتلك ورقة فيها أسماء أدوية، تجيبها من أقرب صيدلية وتيجي بسرعة"


أنهى المكالمة ودون الأسماء في خط ثابت لا يعرف التردد، ثم ناول الورقة للحارس، وعاد بخطوات مسرعة إلى أميرة.  

كانت ملامحها مكفهرة، وكأنها تغوص في كابوس يوشك على ابتلاعها.

جلس على عقبيه بجوار الفراش، اقترب منها بحذر كمن يقترب من غصن هش يخشى أن ينكسر بين يديه، ثم ناداها بصوت خافت حتى لا يفزعها

"أميرة؟"


ظل يردد اسمه كمن يحاول انتشالها من أعماق اللاوعي، حتى ارتعشت جفونها وداهمها طيف مشؤوم، وجه محمود ابن السيدة خيرية، يلوح أمامها ضاحكًا بخبث وشر متربص يتغلغل في ملامحه. 

  ارتعش جسدها كمن أصابته صاعقة، فجأة انتفضت جالسة بفزع، صرخت بصوت مرتجف

"لأ"


صدرها يعلو ويهبط بسرعة، أنفاسها متلاحقة كأنها عادت من الموت للتو. راحت تنظر حولها في ذهول، كأنها تحاول التمسك بشيء مألوف ينقذها من دوامة الذعر التي تلتف حولها.  

 إلى أن وقعت عيناها على رحيم، كان جالسًا إلى جوارها، يراقبها بعينين تفيضان بالهدوء ثم ابتسم في رفق، وبمزاح خفيف قال

 "حمدالله على السلامة"


كانت كلماته كموجة دافئة ارتطمت بساحل روحها المتعبة، لكن قلبها ما زال يترنح بين الماضي والواقع، بين الخوف والحقيقة. 

 حدقت إليه بعدم فهم، كأنها تائهة بين الحلم واليقظة، تبحث عن إجابة لسؤال لم تدركه بعد.  

شفتاها ارتجفتا بغير وعي، قبل أن تهمس بصوت واهن

"هو حصل إيه؟، آخر حاجة فاكرها لما نزلنا من العربية، حسيت بدوخة ومش فاكرة أي حاجة بعدها"


نهض وجلس إلى جوارها، متكئًا على حافة السرير، عيناه مسكونتان بقلق دفين، لكنه حاول إخفاءه وهو يجيبها بنبرة هادئة

 "كل اللي حصل إنك عشان مابتاخديش علاجك بانتظام وماكلتيش كويس بقالك كام يوم، طبعًا ضغطك نزل وجالك تشنجات وشبه حالة إغماء"


ازدردت ريقها بصعوبة، بينما عيناها امتلأتا بأسى واضح، كأنها تلوم نفسها أكثر مما يلومها هو.  

 أطرقت برأسها قليلًا و رفعتها بحرج ثم همست بصوت خفيض

"أنا مش عارفة أعتذرلك عن إيه ولا إيه... أ...

 كفه ارتفعت بإشارة حاسمة ليقطع حديثها، وعيناه ثبتتا عليها بحزم 

 "مش إحنا اتفقنا مفيش بينا الكلام ده؟ وإنك من هنا ورايح مسئولة مني؟ حتى لو موافقتيش على طلب جوازي منك، برضه مش هتخلي عنك مهما حصل"


صمتت، لكن عينيها أفصحتا عن أشياء كثيرة لم تنطقها، كأن كلماته لامست شيئًا خفيًا بداخلها، شيئًا يرفض التصديق لكنه يتمنى أن يكون حقيقة.  

 ابتسمت وتلألأ وجهها كالقمر ليلة اكتماله.


 شرد في ملامحها التي سحرت عينيه رغمًا عنه، وكأنها تغزلت في روحه قبل أن تلامس نظره. 

  لم يدرك أنه تحدث بصوت مسموع حتى فاجأته كلماته نفسها

 "ضحكتك حلوة أوي، زي القمر"


تغضنت وجنتاها بخجل، واحمرت بلون الورود المبتلة بندى الفجر. 

  حمحم بحرج، ونهض يحك عنقه كأنه يبحث عن مفر من اعتراف غير مقصود، ثم قال بسرعة

"أنا، أنا رايح هحضرلك حاجة تاكليها، عقبال ما عم ربيع يجيبلك الأدوية"


تحرك مبتعدًا، لكنه ما لبث أن توقف فجأة، استدار إليها مجددًا وقال بنبرة جادة

"ونسيت أقولك، إن شاء الله بكرة هاخدك لاستشاري مخ وأعصاب جاي من لندن، كنت باعتله إيميل عن حالتك ومعاه التقارير اللي خدتها من المستشفى، ورد عليّ وقال إنه هيوصل بكرة الصبح، هنروح له، وبعد ما يطلب أشعة وتحاليل، هيقرر ينفع نعملك العملية ولا لأ"


قطبت جبينها بضيق وعيناها تقلبت بين الخوف والرفض ثم تمتمت بشك

 "عملية إيه؟"


وبعد لحظة صمت، أكملت بحدة

"تقصد العملية اللي قولتلي عليها قبل كده؟، بس أنا مش عايزة أعملها"


نظر إليها بدهشة، لكن قبل أن يتكلم، استرسلت بلهجة مرتعشة

"مش خايفة من الموت، أنا خايفة لو نجحت العملية وعرفت أنا مين، ألاقي كابوس أو حقيقة يكون وضعي الحالي أرحم منها بكتير"


ضاقت عيناه بغموض، ثم قال ببطء

"يعني عاجبك حالات الإغماء والتعب اللي بتجيلك كل وقت والتاني؟"


رفعت عينيها إليه بحزن، وأجابت بصوت خافت لكنه محمل بأثقال من الألم

 "مفيش حد بيعجبه التعب والمرض يا دكتور، أنا حاليًا نفسيًا متدمرة، بقيت أخاف أنام عشان ماحلمش بكوابيس، وحاسة إني عايشة مهددة، هتصدقني لو قولتلك إني بخاف أنزل الشارع لوحدي؟، هواجس كتير بتطاردني، خايفة أتحول لمريضة نفسية أو أتجنن" 

ألتقطت أنفاسها ثم اردفت بضعف

"أنا تعبانة أوي يا رحيم، تعبانة نفسيًا أكتر من تعبي الجسدي"


لم تستطع منع الدموع التي انهمرت كالسيل، فتوقف الزمن للحظة كأن العالم كله بات محصورًا بين نظراتهما.  


  مد يده يمسح دموعها برفق وقال بصوت دافئ كحلم في ليلة باردة

 "ماتخافيش طول ما أنا جنبك"


ثم ابتسم بعفوية، وأردف مازحًا ليخفف عنها

 "وعلى فكرة، أنا ما استسلمتش لسه، وهفضل أقولك تتجوزيني لحد ما تقولي، أجل يا طبيب، موافقة وهيا بنا إلى أقرب مأذون" 


ضحكت وسط دموعها، كأن مزاجها تغير بلحظة، لكنها عادت لتسأله هذه المرة بجدية

"ولو وافقت والدتك هتوافق؟، هتقول للناس إيه لما يسألوك عني؟ هي مين؟ مين أهلها وأصلها وعيلتها؟!، وأنا ماعنديش حاجة أقدر أقدمها لك"


نظر إليها بعمق و اخبرها بثقة

"وأنا مش عايز منك أي حاجة، وسبق وقولتلك جوازنا مش هيخلي حد يقدر يقربلك، وهتفضلي في أماني وحمايتي، وبالنسبة لماما عمرها ما هتقف في طريق سعادتي"


تأملته بحيرة، ثم تمتمت بتردد

"وأنت سعيد معايا؟"


ابتسم وأجاب بسؤال آخر

"وأنتِ شايفة إيه؟"


ابتلعت ريقها، ونظرت بعيدًا للحظات قبل أن تهمس

 "أنا شايفة تديني فرصة أفكر، على الأقل أكون مستعدة نفسيًا"


شرد قليلًا، كأنه يفكر في أمر هام وأخبرها بنبرة واثقة

"حالتك النفسية علاجها موجود عندي"


نظرت إليه بتوجس، وقالت ببطء

"مش فاهمة، تقصد إيه؟"


ابتسم بغموض واجاب بهدوء

"اديني وقت وهتعرفي كل حاجة بنفسك المهم، أنتِ واثقة فيا قبل كل شيء؟"


هزت رأسها بالإيجاب دون تردد، وابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيها وهي تهمس بصوت صادق

 "ومن أول يوم شوفتك"


ساد الصمت بينهما، لكنه لم يكن صمتًا عابرًا بل ذلك النوع الذي يحمل بين طياته آلاف الكلمات غير المنطوقة، ويدوي في الأجواء رغم هدوئه.


                          ❈-❈-❈

                   

يمكث قبالة المدفأة ذات النيران المشتعلة، يرفع كأسه إلى شفتيه مرة بعد أخرى، يرتشف نبيذًا أحمر كدمائه التي تغلي في عروقه.  

انعكست ألسنة اللهب في عينيه المضطرمتين، فيما كانت الأخشاب تتآكل تحت وطأة النار، كما يتآكل قلبه تحت وطأة الذكريات.  

كلما استعاد خيانتها الآثمة، تآكلت روحه أكثر واشتد وجعه كأن جراحه لم تندمل قط.


كان القيصر قد همس له بصوت حذر، كلماته كسهام مسمومة تخترق وعيه

"احذر من تلك الحية، أنتَ مجرد وسيلة لتصل إلى غايتها"


ترددت الكلمات في ذهنه كصدى بعيد، ومنذ أن عاد بها إلى القلعة، لم يفارق خياله مئات السيناريوهات الانتقامية التي راودته. 

 أراد أن يعاقبها، أن يذيقها ذات الألم الذي تجرعه، أن يجعلها تتوسل عند قدميه طلبًا للصفح، لكنه سقط في شَرَك قلبه... وهذا ما يثير جنونه.  

 كيف له أن يتردد؟ كيف يسمح لعاطفته أن تقوده وهو الذي لم يعرف للرحمة سبيلًا؟!


قطع شروده صوت خطوات منتظمة تخترق صمت المكان، ارتفع صدى ارتطام كعب الحذاء بالأرضية الرخامية، حتى وقفت صاحبة الخطوات عند مدخل القاعة، وانحنت قليلًا قبل أن تقول بنبرة يكسوها التردد

"سيدي، السيدة سيلينا لم تأكل شيئًا إلى الآن، كلما أدخل إليها الغرفة وأضع صينية الطعام، لا تنظر إليها حتى وتمر الوجبة تلو الأخرى دون أن تتناول لقمة واحدة"


لم ينبس ببنت شفة، ظلت نظراته مسمرة على النيران المتراقصة أمامه، وكأنما يستمد منها يقينًا.   

وبصوت أجش حاسم أمرها

"اذهبِِ أنتِ الآن"


انحنت الخادمة مرة أخر وانصرفت على الفور، بينما نهض هو بخطوات ثابتة واتجه نحو الدرج الحجري المؤدي إلى الأسفل. 


فُتح الباب الحديدي الكبير بصرير ثقيل اخترق السكون، وتلاه باب آخر بعد خطوات معدودة.  

 كان المشهد يوحي بالرهبة، بل يبعث في النفس رجفة لا إرادية.

  سار في ممر طويل، تتراقص ظلاله تحت إضاءة خافتة تزيده وحشة، مع برودة رطبة تتسلل إلى العظام، كأنك تخطو بين جدران سجن روماني قديم، حيث تختلط الرهبة بالغموض.


توقف أمام باب حديدي أقل حجمًا من البوابة الرئيسية وإلى جانبه قفل إلكتروني لا يُفتح إلا ببصمة اليد.  

 وضع كفه فوق اللوحة، فتوهجت الأضواء الصغيرة بلون أحمر قبل أن تصدر صوتًا ميكانيكيًا خافتًا، وانفتحت الأقفال تلقائيًا.  

 عبر العتبة بخطوات ثابتة، وما إن دلف إلى الداخل حتى بدت الغرفة أشبه بزنزانة معتمة، تجرد السجين من كل أمل، وتهيئه لأسوأ أيام حياته.


كانت جالسة في الزاوية، تسند ظهرها إلى الجدار البارد، وقد ضمت ساقيها إلى صدرها، تحتمي من قسوة البرد بين ذراعيها. 

 رغم أن المكان مدعم بنظام تدفئة مركزي، إلا أنه تعمد تعطيله هنا، في هذه الغرفة تحديدًا، كما يفعل دائمًا مع كل عدو يقع في قبضته، أو كل خائن يحاول التمرد عليه.


تقدم بخطوات رتيبة، لم يكن بحاجة إلى إصدار صوت، ومع ذلك شعرت بقدومه قبل أن ترفع رأسها.  

 لم تكن بحاجة إلى أن تراه لتعرف أنه هو، فذاكرتها لا تزال تنزف من ذاك اليوم، حين جرها من خصلاتها كما يُساق الشاة إلى الذبح.


فعندما فاجئها بوجوده في منزل التابع للقيصر، ولج في سكون وألقى عليها معطفه الثقيل بعنف، لم يكن فعلًا نابعًا من شفقة، بل كان غطاءً فرضه عليها لتستر جسدها، إذ لم تكن ترتدي سوى الغلالة والمأزر الخاص بها فوقها، استعدادًا للقاء حميمي مع القيصر، ألد أعدائه!


وعند عودتهما إلى القلعة، لم يمهلها لحظة لالتقاط أنفاسها.  

نزلت من السيارة، فأطبق على خصرها بذراعه وسار بها وسط رجاله و الحراس المنتشرين في الأرجاء يراقبون المشهد في صمت مطبق.  

 لم ينبس ببنت شفة حتى بلغا هذا المكان، حيث يقف الآن.


عندها رفعت رأسها أخيرًا، تحدق فيه بعينين زائغتين، وكأنها تستجدي منه شفقة لن تأتي.  

بصوت مرتعش، حاولت أن تتوسله

"رجاء فلاد انصت لي... 

 كادت تنهض و تمسك بيده فأوقفها باشارة من يده و أمرها بصوته الأجش

" كلمة أخرى و سأقتلع لسانك بيدى"


ازدردت ريقها بصعوبة، عينها تتعلق به كالغريق الذي يبحث عن طوق نجاة، لكنه لم يمنحها سوى مزيد من الهاوية.  

 ارتسمت على وجهه ابتسامة قاتمة، لا تحمل أي رحمة.


كان الهواء مشبعًا برائحة دخان التبغ الممزوجة بعطره النفاذ، وعبق الخمر الذي يتسلل بين أنفاسه، كأنه طيف من الظلام يحوم حولها، يحيط بها من كل جانب، يخنقها دون أن يلمسها. 

 وقفت أمامه، ووجهها شاحب، وعيناها تنضحان بالقهر، لكنها لم تتفوه بحرف واحد.


رفع حاجبه بازدراء وسألها بصوت منخفض يحمل نذير الخطر

"لماذا لا تأكلين؟"


لم تجب بل تجاهلت سؤاله كأنها لم تسمعه، لكن صمته لم يدم طويلًا، إذ عاد يسألها بنبرة ملؤها الغضب الكامن

"ألم تسمعي؟ أم أصابك الصمم؟" 


رفعت رأسها ببطء، نظرت إليه بعينين تحدقان في وجهه ببرود، وكأنها تعلن تحديها الصامت، ثم نطقت بجملة مقتضبة حملت بين طياتها كل ما تشعر به من رفض

"لا أريد" 


انحنى أمامها وارتكز على عقبيه، رفع يده إلى شعرها الأشقر، يعبث به ببطء كمن يربت على حيوان أليف قبل أن يُجهز عليه، ثم همس بصوت خفيض لكنه محمل بالتهديد

"الطعام هنا ليس اختياريًا بل إجباريًا" 


جذب خصلاتها بين أصابعه، شدها قليلًا حتى مال رأسها للخلف، ثم تابع بصوت خبيث يتسلل إلى أعماقها  و كأنه سم زعاف

"لا تتعجلي أمر موتك، فما زال لديك متسع من الوقت، هيا أخبريني ما الصفقة التي بينكِ وبين القيصر؟ وما المقابل؟، أهو جسدكِ؟! هل بعتِ نفسكِ له كعاهرة بلا ثمن؟" 


ارتجف جفناها، لكنها تماسكت، رفعت عينيها بحدة، كانت نظرتها صريحة ومليئة بالكراهية والعداء، ثم أجابته ببرود قاتل

"ليس من شأنك" 


ضحك ضحكة قصيرة خالية من المرح، ثم اعتدل واقفًا، تمتم بصوت خافت ساخر


"أجل، إنه بالفعل ليس من شأني" 

لكن كلماته الأخيرة بالكاد خرجت من شفتيه، إذ عاجلها بجذب خصلاتها بعنف ضار، أجبرها على إمالة رأسها، حتى أصبح وجهها قبالة وجهه، أنفاسه الحارة تلفح بشرتها، وعيونه تخترق أعماقها، رأى الخوف الذي تحاول إخفاءه.


ابتسم ابتسامة قاتمة، ثم رفع يده الأخرى، وهوت كالسوط على وجهها بصفعة مباغتة، ارتد رأسها للخلف تحت وطأة الألم، وصرخة حادة شقت حنجرتها، لكنها لم تلبث أن تلاشت في الفراغ.


همس وكأن الصفع لم يكن سوى بداية ناعمة لما هو آت

"ما زال الوقت مبكرًا على الصراخ، وقت الحساب لم يحن بعد، والآن قولي لي الحقيقة، لأنني إن اكتشفتها من مصادري الخاصة، وليس منكِ، فحينها ستتمنين الموت من فرط العذاب الذي ستتلقيه علي يداي" 


شعرت بحرارة الألم تتغلغل في خدها، وفروة رأسها تكاد تُقتلع مع خصلاتها، لكنها تماسكت، عضت على أسنانها، وأجبرته على سماع صوتها، رغم كل شيء

"وماذا ستفعل معي؟" 


ثم انفجرت ضاحكة، ضحكة مجنونة مشبعة بالمرارة، وكأنها تتحدى عذابها،  أردفت بصوت يحمل من الألم أكثر مما يحمل من السخرية

"هل ستجعل رجالك يتناوبون عليّ، كما فعل شقيقك بي من قبل؟" 


دفعها نحو الجدار تاركًا  خصلاتها،فتراجع إلى الخلف مع قوة اندفاعها نحو الجدار، أطلق ضحكة متهكمة حادة كنصل السبف، ثم أخبرها بصوت مشحون بالسخرية والقسوة

"أنا لست نيكولاس بلا نخوة، وليتكِ أدركتِ الفرق بيننا قبل فوات الأوان، لقد أخطأت حقًا حين منحتكِ قيمة ومكانة لا تستحقينها، كنت أصم أذني عن حديث أخي، حينما كان يخبرني عن أفعالكِ القذرة، ظننتُ أنه يسعى إلى إبعادي عنكِ بدافع الكراهية، لكن ليتني أصغيتُ له! كنتُ مخطئًا، فشقيقي كان محقًا، أنتِ لستِ سوى عاهرة لكل الرجال"


شعرت بطعنة في صدرها من كلماته، لكن كبريائها لم يسمح لها بالاستسلام أو الانكسار، اعتدلت بصعوبة تتلمس بيدها الجدار خلفها حتى استوت واقفة رغم الألم الذي كان يتخلل عظامها.  

رفعت وجهها المدمى إليه، وبعينين تضجان بالسخرية سألته بنبرة متهكمة

"ولما طلبت الزواج بي إذًا؟ وأنتَ ترى فيّ امرأة بلا شرف؟!"


لم تمنحه فرصة الإجابة، بل اقتربت منه رغم الألم، رغم النزيف الذي خط شفتها السفلي أثر صفعته، رغم الوجع الذي خلفه عنفه عليها، اقتربت أكثر حتى لامست أنفاسُها الساخنة وجهَه المتجهم وهمست بثقة وزهو

 "سأخبرك أنا فلاديمير، لأنني أجري في عروقك كما تجري دماءك بها، لأنك تعشقني، لأنك متيم بي حتى الجنون، أليس كذلك؟"


تشنج فكه من وقع كلماتها، وأظلمت عيناه بالغضب، فقد لامست في قلبه وترًا حساسًا، وكأنها ضغطت بجرأة على موضع الجرح الذي كان يحاول إنكاره.  

هي تعرف مدى عشقه لها، وتتمادى في إذلاله بتلك المعرفة، تستفزه لأنها تعلم أنه لن يؤذيها، أو هكذا كانت تظن.


لكن الحمقاء لم تدرك أن للصبر حدودًا، وأن بركانه الخامد قد بدأ بالثوران.  

لم يرَ أمامه سوى غيمة سوداء حجبت كل منطق، فلم يشعر بنفسه إلا وهو يطبق بيده على عنقها، ويدفعها بقوة نحو الجدار البارد.


شهقت وهي تشعر بقبضته تزداد إحكامًا حول عنقها، نظرت إليه برعب، فهي تعلم أنه حين يغضب لا يعود يعرف للرحمة طريقًا، وأنه حين يصل إلى هذه المرحلة، فهو كالنار المضرمة، لا تهدأ حتى تحرق كل ما يمر في طريقها، ولا تترك خلفها سوى رمادٍ هش.


همس بصوت هادئ، لكنه كان أكثر رعبًا من صراخ الغاضبين، همس بكلمات جعلت أطرافها ترتجف رغم محاولتها الحفاظ على تماسكها

 "نعم، كنت أحبكِ، وطلبتُ يدكِ للزواج، وكان زفافنا سيشهد عليه شعب روسيا بأكمله، كنتُ أراكِ جوهرة لا تقدر بثمن، ولكني كنتُ أعمى وأحمق حين منحتكِ قيمة لا تستحقينها، لكنني أستفيق الآن، وستعرفين مكانتك الحقيقية علي حالًا"


اقترب منها أكثر حتى كاد يلتصق بها، همس في أذنها بنبرة تقطر قسوة

"من اليوم لن تكوني سوى عشيقتي، بل عاهرتي"


هزت رأسها برفض غير مصدقة ما تسمعه و عينيها تتسع من الفزع عندما فهمت ما يرمي إليه، فصاحت بصعوبة من ضغط قبضته علي نحرها

" أنا لست عشيقة لأحد، و لم أحبك يوماً، أنت، أنت الذي توهمت هذا الحب، اتعلم شئ؟"


ابتسمت ثم اردفت

"أنا أكره عائلة رومانوف جميعاً، والدك الذي كان يعاملنا كالعبيد لديه، و أخيك المجنون، و أخيراً أنت، و لو كان الأمر بيدي كنت سأتخلص منكم جميعاً منذ سنوات" 


كلماتها كانت أشد قسوة عن كلماته لها، اصابته في مقتل، فهي لديها حقد دفين من الماضي تجاه عائلته و كانت تتظاهر بالحب و الود لأجل أهداف أخرى، صاح بقسوة

" لماذا؟"


"قولت لك يا أحمق ليس من شأنك" 


هدر معقبًا علي ردها اللاذع 

"إذاً عليكي أن تتحملي ما ستتلقيه من الآن فصاعداً" 


و قبل أن تدرك مغزى حديثه، باغتها بجذب معطفه و قام بخلعه عنها عنوة تحت صراخاتها و مقومتها


"اتركني، اتركني أيها الـ*****" 


مد يده إلي تلابيب المعطف الحريري "كوني عشيقة مطيعة و ارضي سيدك، أليست تلك الثياب ارتديتها من أجل امتاع هذا الـ****" 


قام بتمزيق المعطف و الغلالة بكل ضراوة، أخذت تقاومه و محاولاتها ضعيفة أمام قوته، فماذا ستفعل أمام الوحش الضاري وهي بتلك الضعف و الحالة المزرية، أخذها عنوة ودون رحمةأو شفقة.


تعالت صرخاتها وتردد صداها بين الجدران لتصبح بالفعل عشيقة له بدلاً من زوجته! 


                        ❈-❈-❈


 جلست تُلبس صغيرها قميصه الأبيض المكوي بعناية، كانت يدها تتنقل بين أزراره برفق، بينما أمسكت الهاتف بين كتفها وأذنها، تتحدث بصوت هادئ لكنه يحمل شيئًا من العجلة

"ما تقلقيش عليا يا تيتا، باخد بالي من أكلي كويس، وعندي متابعة مع الدكتورة بعد ساعتين و بجهز الولاد عشان الناني هتاخدهم النادي ولما أخلص المتابعة هعدي عليهم آخدهم، وهانجيلك على طول"


جاءها صوت جدتها عبر الهاتف، مزيج من القلق والحنان يحمل دفء السنوات التي قضتها راعية ومحبة

 "هتيجي ولا هاتضحكي عليا زي المرة اللي فاتت؟"


ابتسمت ابتسامة صغيرة، وكأنها تستطيع رؤية تعبيرات وجه جدتها رغم المسافة، ثم ردت تطمأنها

"لاء، جاية لك ما تقلقيش، المرة اللي فاتت تمارين الولاد كانت متأجلة، وما ينفعش يغيبوا، قصي عنده بطولة يا تيتا"


تنهدت الجدة وبصوت يغلبه الدعاء والرضا قالت

"ربنا يعينك ويقويكي على تربيتهم يا حبيبتي، خدي بالك من نفسك ومنهم"


 "حاضر يا تيتا، مع السلامة... سلام"


وضعت الهاتف برفق على سطح الكومود، بينما كانت عيناها لا تزالان معلقتين بنظرة حانية على صغيرها.  

أخذت نفسًا عميقًا، تحاول أن تكبح ذلك التوتر الخفي الذي تسلل إلى صوتها حين هتف طفلها بالسؤال الذي طالما خشيت سماعه.


"لو سمعت من الناني أي شكوى منك تاني، هحرمك من النادي والتمارين والتليفون، وأي حاجة أنت بتحبها"


بدت حازمة وعيناها تشعان بصرامة لم يألفها، إلا أن الصغير لم يتراجع، بل زفر بضيق واضح، متأففًا بأسلوب كشف عن استيائه المكبوت.


قطبت جبينها ونبرتها صارت أكثر حدة "أنت بتنفخ ليه؟، كلامي مش عاجبك؟"


لم يتحمل قصي الصغير كبت مشاعره أكثر، فصرخ بانفعال طفولي موجوع

 "وأنا زهقت منك، عايز بابي، ما بقاش ييجي ليه؟، سابنا ليه؟!"


كلماته أصابتها كسهام مسنونة أوجعتها رغم أنها كانت مستعدة لها، بل وتوقعت هذا الانفجار الصغير منذ مدة. 

  للحظة، شعرت أن جسدها قد تجمد، وكأنها نسيت كيف تنطق أو تبرر.  

 لكن سرعان ما تماسكت، وأجابت بصوت هادئ تخفي به رجفة قلبها

"بابا مشغول اليومين دول في الشركة، وأول ما يخلص هيجي ياخدكم ويخرجكم في الإجازة"


لم تدرِ إن كانت كذبتها البيضاء ستُقنعه، لكنها كانت عاجزة عن مواجهة الحقيقة أمام طفلها في هذه اللحظة.


وقبل أن تتطور المحادثة إلى ما هو أشد إيلامًا، جاءها صوت طرقات خفيفة على الباب ثم أطلت المربية برأسها قائلة

"مدام دنيا، يلا لو سمحتِ كده هنتأخر"


أحست بارتياح طفيف، كمن أُعطي فرصة للهرب من موقف خانق.  

أجابت على الفور وهي تلتقط نفسًا عميقًا


"خلاص يا سحر، الولاد جاهزين"


نظرت مرة أخرى إلى صغيرها، لم تكن متأكدة إن كان اقتنع بما قالته، لكن لم يكن لديها وقت لتفسير المزيد.  

كل ما أرادته الآن هو أن تمضي هذه اللحظة الثقيلة دون أن تترك أثرًا أكبر في قلب طفلها الصغير.


سلمت الأولاد إلى المربية وأوصتها عليهم، وما إن غادروا حتى وجدت نفسها وحيدة، غارقة في أفكارها.  

سرحت طويلًا في كلمات ابنها، ذاك الذي لم يعلم بعد بأمر انفصالها عن والده. 

  يبدو أن غياب طليقها بدأ يترك أثرًا نفسيًا على صغارهما، بل عليها أيضًا.  

فمنذ أن ألقي عليها اليمين، وهي ليست على طبيعتها، تميل إلى العزلة، تبكي وتنهار، تشتاق إليه، تمسك متعلقاته أو ثيابه، تستنشق عبقه العالق بها، ثم تنفجر في نحيب مُر، تصرخ باسمه بشوق ولوعة، وكأن النداء قد يعيده إليها.


أفاقت من شرودها على بلل دموعها الساخنة على وجنتيها، فسارعت إلى مسحها قبل أن تتذكر موعد فحصها الطبي للاطمئنان على جنينها.


نهضت بتثاقل، وتوجهت إلى الحمام، أدارت صنبور المياه، وضبطت درجة الحرارة، ثم بدأت في خلع ثيابها استعدادًا للاستحمام، علّ المياه تغسل عنها شيئًا من تعب روحها، من اشتياقها، من وحدتها التي تسكنها منذ أن أصبح بيتها بلا ظله.


وفي الخارج، فُتح المصعد وخرج منه، فقد عاد لتوه من الشركة بعد أن مكث فيها أيامًا، محاولًا دفن نفسه وسط أكوام العمل، علّه يهرب من صخب أفكاره.


فتح باب المنزل بمفتاحه، فاستقبله هدوء ثقيل. 

  المصابيح مطفأة، ما عدا ضوء خافت يتسلل من غرفة النوم، وصوت خرير الماء يشي بأن الحمام مشغول.


أدرك أنها بالداخل، حدق في الغرفة الأخرى الخاصة، وكأنما يتفحص غيابه عنهم. 

 شرد لحظة، ثم تذكر مكالمة أحد رجاله، الذي أخبره أن أولاده برفقة المربية، متجهين إلى النادي الرياضي.


توجه إلى الخزانة، فتحها وأخرج حقيبة ثياب شاغرة، ووضعها على الفراش، لكنه ما لبث أن لمح ملابسها الملقاة بعفوية على السرير. مدّ يده إليها، أمسك بثوبها برفق، ورغم أنه نظيف ومغسول، إلا أن رائحتها لا تزال عالقة به.


رفع الثوب إلى أنفه، واستنشق بعمق، أغمض عينيه وكأنه يعانقها بين طياته. يضمه إلى صدره وتركه بين ذراعيه، كأنما يحتضن شبحها، كأنما يحاول أن يستعيدها ولو للحظة عابرة، قبل أن يلفظه الواقع من جديد إلى قسوته.


خرجت من الحمام، فوجدته، 

تسمرت في مكانها، وجف الدم في عروقها، بينما هو واقف هناك، يحتضن ثوبها القطني، يرفعه إلى وجهه، يستنشق عبيره العالق به، تمامًا كما كانت تفعل هي حين يشتد بها الشوق إليه!


راقبته بصمت، وتحركت شفتاها باسمه دون أن تصدر صوتًا. 

"كنان!" 

كانت روحها تتهجى وجوده أمامها، تتلمس ملامحه التي تحفظها عن ظهر قلب، وقد أضاءت عيناه ببريق الحنين. أحس بوجودها، فانتفض ناظرًا إليها بنظرة حملت كل معاني الاشتياق واللوعة.


كانت تقف أمامه، مُتلفعة بمنشفة قطنية تلف جسدها، تبدأ من أعلى صدرها حتى منتصف فخذيها، بينما التفت منشفة أخرى حول شعرها المبلل، فتتساقط قطرات الماء من أطرافها لتتلاشى فوق كتفيها العاريين. 

 لاحظت حركة شفتيه الخافتة، يهمس بكلمة واحدة 

"وحشتيني"


لم تشعر به وهو يقترب منها، عيناه تفيض بالهيام، أنفاسه تلتهب شوقًا، لكنه توقف فجأة، وكأنه تذكر شيئًا، لقد ألقى لفظ الطلاق، فهل يجوز له هذا القرب؟، أهو حلال أم حرام؟


لكن قبل أن ينطق، تفاجأ بأناملها تُطبق على شفتيه برفق، ومن بين وجيب أنفاسها، انطلقت همستها

"رُدني ليك"

اتسعت عيناه بدهشة غير مصدق، هل تطلب منه الرجوع حقًا؟، أهذه حقيقة أم محض حلم يوشك على التبدد؟!


أومأ برأسه، شفتاه ترسمان بسمة مغمورة بالحب، ثم همس بصوت عميق

"أنا رديتك"


وما إن خرجت كلماته، حتى ألقت نفسها بين ذراعيه، تعانقه بكل ما أوتيت من قوة وكأنها تخشى أن يُنتزع منها مرة أخرى.


"واحشني أوي"

خرجت الكلمات من بين شفتيها متلهفة، تائهة بين شهقات الحب، وما لبثت أن رفعت رأسها نحوه، تطبع قبلة دافئة على عنقه، فاشتعلت نار الشوق في جسده، واستعر به الحنين حد الاشتعال.


أبعد رأسها قليلًا، ينظر في عينيها المتوهجتين، لم يعد قادرًا على كبح جماح مشاعره، فانقض على شفتيها، يقبّلها بكل ما يختلج في قلبه من عشق واشتياق.


بادلته الشغف، تفيض منه وتنهل إليه بلا قيود ولا حواجز، كأنها تريد أن تعوض كل ما فات، كل لحظة قهر وافتقاد.


أبعد المنشفة عن رأسها، وألقى بها بعيدًا، ثم أمسك بخصلاتها المبللة، وعيناه تتابعان قطرات الماء التي انسابت على كتفيها العاريين  كأمطار هطلت فوق زهرة لم تروَ منذ زمن.


ألتقم عنقها بقبلات متوهجة، جعلت أنفاسها تتلاحق، وشعرت بجسدها يتهاوى من بين يديه، حتى وجدت نفسها مستلقية على الفراش، يداها بجوارها، تتخلل أنامله أصابعها، بينما ما زال يجوب شفتيها وعنقها، ينتشلها من بحر الفراق الذي غرقت فيه طويلًا.


توقف للحظة، ينظر إليها بعينين يملؤهما العشق ثم قال بنبرة تشع حبًا، تتفجر منها الكلمات دون تصنع، تحمل في طياتها ما يعجز عنه الوصف

"أنا مقدرتش أستحمل أبعد عنك أكتر من كده، أنا نفذتلك طلبك، وطلع أصعب من الاحتمال، أنا بحبك يا دنيا، لا ده أنا بعشقك أوي"


استمعت إليه ونظراتها هائمة في ملامحه، مغمورة بعشقه، لم تره يومًا بهذه الصورة، ولم يرها هو كذلك من قبل، كانت في أوج رغبتها واحتياجها إليه، ولهذا لم يتردد لحظة في تلبية نداء قلبها. 


اقترب منها ببطء، كمن يخشى أن تذوب بين يديه إن لمسها، لكن نظرتها إليه كانت مزيجًا من الحنين والتسليم، فأدرك أن لا شيء يمنعه من الغرق في هذا العالم الذي لا يتسع الآن إلا لهما.

شعرت بحرارة أنفاسه تلامس عنقها، فتسارعت دقات قلبها، تترجم ما عجزت شفتاها عن البوح به.


لم يكن في تلك اللحظة سوى همسات متناثرة، أنامل تستكشف ما كان مألوفًا لكنه يتجدد كل مرة، وكيانان يلتقيان في انصهار لا يحتاج إلى تفسير. 


و بعد لقاء لن ينسي و سيظل محفور في ذاكرة كليهما، لم يبقَ سوى صدى أنفاس متقطعة وجسدين يحتضنهما سكون دافئ، حيث لا زمن، ولا مكان، فقط نبضان توحدا في لحن أبدي. 


                         ❈-❈-❈


ظلام وسكون يُخيمان على أرجاء الغرفة، لا صوت سوى أنفاس متقطعة تتردد في الأرجاء، كأنما المكان يلفظ أنفاسه معها. تلك الممددةُ فوق الفراش، استيقظت على وقع إحساس غريب يسري في جسدها.


 فتحت عينيها، ولكن لم ترَ شيئًا!


 كانت هناك عُصابة سوداء تحجب عنها الرؤية، أكانت مجرد وسيلة لمنع الضوء من إزعاجها أثناء النوم؟ أم أن الأمر أخطر من ذلك؟!


حاولت أن تُحرك جفونها مجددًا، ولكنها شعرت بثقل غريب يضغط على رأسها، وكأن روحها تُسحب من بين أضلاعها.


 اخترقت أنفها رائحة دخان كثيف، نفاذة إلى حد أن أنفاسها أصبحت متقطعة، فكانت رايحة احتراق لفافة تبغ! 

إذاً لم تكن وحدها في الغرفة.


شعور بارد تسلل إلى ساقها، أنامل غريبة تتحرك ببطء، تصعدُ من أسفل ثوبها حتى بلغت فخذها، تململت بجسدها في اضطراب، وخرج صوتُها واهنًا مرتجفًا

"يونس، بتعمل إيه؟"


لكن الصمت كان سيد اللحظة!

حاولت أن تحرك يدها لتزيح العُصابة، لكن لا جدوى!، حيث توجد قيود حديدية تحكم وثاق معصميها، تمنعها من الحركة بحرية.  

ارتعشت أصابعها وكأنها تتحسس مصيرها المجهول. 

 وفي تلك اللحظة، تسللت صورة خاطفة إلى ذهنها، آخر ما تتذكره قبل أن تفقد وعيها. 

نظرات مرعبة، نظرات ذاك الرجل!

شهقة مرتعبة أفلتت من صدرها، حاولت النهوض بجذعها، ولكن القيود كبلت حركتها.  

 زفرت أنفاسها في هلع ثم صرخت بأعلى صوتها، تستغيث باسم زوجها

"يونس؟، يونس؟، الحقني"


وفي تلك اللحظة، تُنزع العُصابة عن عينيها بعنف، يُلقى بها إلى أحد أركان الغرفة، فتتسع حدقتاها في فزع وهي تحدق في الوجه الذي تجلى أمامها، في الرجل الذي لم يكن زوجها! 

رددت بصدمة 

"مهند".

#يتبع



#الفصل_الرابع_عشر

#غرام_الذئاب

#الجزء_الرابع_من_سلسلة_صراع_الذئاب

#ولاء_رفعت_علي                  

ظلام وسكون يُخيمان على أرجاء الغرفة، لا صوت سوى أنفاس متقطعة تتردد في الأرجاء، كأنما المكان يلفظ أنفاسه معها. تلك الممددةُ فوق الفراش، استيقظت على وقع إحساس غريب يسري في جسدها.


فتحت عينيها، ولكن لم ترَ شيئًا!


كانت هناك عُصابة سوداء تحجب عنها الرؤية، أكانت مجرد وسيلة لمنع الضوء من إزعاجها أثناء النوم؟ أم أن الأمر أخطر من ذلك؟!


حاولت أن تُحرك جفونها مجددًا، ولكنها شعرت بثقل غريب يضغط على رأسها، وكأن روحها تُسحب من بين أضلاعها.


اخترقت أنفها رائحة دخان كثيف، نفاذة إلى حد أن أنفاسها أصبحت متقطعة، فكانت رايحة احتراق لفافة تبغ! 

إذاً لم تكن وحدها في الغرفة.


شعور بارد تسلل إلى ساقها، أنامل غريبة تتحرك ببطء، تصعدُ من أسفل ثوبها حتى بلغت فخذها، تململت بجسدها في اضطراب، وخرج صوتُها واهنًا مرتجفًا

"يونس، بتعمل إيه؟"


لكن الصمت كان سيد اللحظة!

حاولت أن تحرك يدها لتزيح العُصابة، لكن لا جدوى!، حيث توجد قيود حديدية تحكم وثاق معصميها، تمنعها من الحركة بحرية.  

ارتعشت أصابعها وكأنها تتحسس مصيرها المجهول. 

وفي تلك اللحظة، تسللت صورة خاطفة إلى ذهنها، آخر ما تتذكره قبل أن تفقد وعيها. 

نظرات مرعبة، نظرات ذاك الرجل!

شهقة مرتعبة أفلتت من صدرها، حاولت النهوض بجذعها، ولكن القيود كبلت حركتها.  

زفرت أنفاسها في هلع ثم صرخت بأعلى صوتها، تستغيث باسم زوجها

"يونس؟، يونس؟، الحقني"


وفي تلك اللحظة، تُنزع العُصابة عن عينيها بعنف، يُلقى بها إلى أحد أركان الغرفة، فتتسع حدقتاها في فزع وهي تحدق في الوجه الذي تجلى أمامها، في الرجل الذي لم يكن زوجها! 

رددت بصدمة 

"مهند!"


المكان كان أشبه بقفص من العتمة، جدرانه الصامتة تتآمر مع الهواء الخانق على كتم أنفاسها.  

 لحظة الكشف عن وجه هذا الجالس أمامها لم تكن مجرد مفاجأة بل كانت كصفعة باردة على وجهها الذي أصبح شاحبًا من الخوف لاسيما عندما رأته يحدق بها بتلك النظرات التي دبت الرعب و الرجيف داخل فؤادها الضعيف.


تراجعت بجذعها إلى الوراء رغم القيود، حدقت فيه كأنها لا تزال تأمل أن يتبدد هذا الكابوس، أن تنشق الأرض ويخرج منها يونس ليأخذها بعيدًا عن هذا الرعب المجسد أمامها.


لكن هذا المهند لم يكن ذلك الوجه العابر الذي لمحته في الفندق، بل كان الآن أقرب، أقرب مما يجب وأكثر غموضًا مما يمكن احتماله، لا تدرك أو ربما لا تصدق لما اختطفها وتخشي الإجابة! 


اقترب بخطوات بطيئة، كل خطوة منه تحدث صدى في قلبها المرتجف، كان يحمل سيجارة مشتعلة في يده، ينفث دخانها بهدوء، عيناه لا تتركان وجهها، وكأنها لوحة مرسومة، أو فريسة محاصرة.


تحدث بنبرة منخفضة يشوبها سخرية باردة

"يونس مش هايسمعك لو فضلتي تنادي طول عمرك و لو بأعلي صوتك"


شهقت وهي تهز رأسها بعنف، تحاول استيعاب ما يحدث

"أنت جبتني هنا إزاي؟، إحنا كنا في الفندق و أنا كنت بره وحسيت بـ.... 

صمتت للحظات علها تتذكر ما حدث، لكنه

أطلق ضحكة هازئة و مرعبة في آن، لا تحمل فيها أي دفء

"هو إيه اللي حصل ولا إمتى أو إزاي؟، كلها اسئلة مش لازم تعرفي إجابتها"


اقترب أكثر حتى بات يظللها بظل جسده، ثم انحنى قليلًا وهمس بجوار أذنها

"بس عارفة؟، أنا من أول مرة شوفتك  و أنا بحلم باللحظة دي، كل حاجة فيكي كانت بتندهلي و بتقولي إنك هتبقي بتاعتي"


صرخت في وجهه من الصدمة و محاولة استيعابها للخطر التي سقطت في براثنه، حاولت أن تفلت من القيود 

"أنت مجنون، أنت مريض"


قهقه مجددًا ونظر في عينيها نظرة باردة، لمحت فيها شيئًا حقيقيًا هذه المرة، شيئًا مظلمًا ومرعبًا.


"مجنون؟!، هعديهالك المرة دي و هعذرك"


اطلقت صرخة استغاثة فابتسم وأخذ

يدور حول الفراش ببطء وبدأ يتحدث كأنه يحدث نفسه، أو كأن هناك مَن يسمعه سواها

"وفري صوتك، لأنه مش هيوصل لحد ولا حتى لنفسك، إحنا في شاليه في مكان مفيهوش صريخ ابن يومين، و لا ليه وجود علي الخريطة، ما تقلقيش وضع مؤقت لحد ما يجي ميعاد سافرنا يا حبيبتي"


كفت عن الصراخ بعد أن تلقيها صدمة تلو الأخرى، فعاد يحدق فيها من جديد ذات الابتسامة المخيفة، وبنظرة مطولة، مسح ببصره ملامحها المرتجفة ثم اخبرها بنبرة أكثر هدوءً، لكنها كانت تحمل في طياتها وعيدًا خفيًا

"النهاردة هنبتدي اللعبة، بس القواعد أنا اللي بحددها"


تسارعت أنفاسها وانهمرت دموعها بصمت، غير قادرة على تصديق ما تنحدر إليه الأمور أو الوحل الذي انزلقت فيه، و رغم ذلك هناك صوت داخلها يبث إليها الطمأنينة و ألا تستسلم للخوف، لكنها تشعر بأن القادم أسوأ، أسوأ بكثير!!


رمشت بعينيها سريعًا، كأنها تطرد خيالات الجنون، لكن الواقع كان أكثر فظاعة، تحرك جسدها المرتجف لا إراديًا، تقاوم القيد البارد المغروز في معصمها، لاحظت

وقوف هذا المختل عند طرف الفراش، مائل الرأس، يمعن النظر فيها كمن يقرأ كتاب مفتوح، ثم قال ببطء

"لو عايزاني أفوكلك ايديكي ورجليكي اوعديني الأول أنك هاتسمعي كل كلمة اؤمرك بيها عشان لو حصل عكس كدة هضطر اعاقبك، و عقابي مش هايعجبك خالص" 


شهقت وعيناها توسعتا من الرعب، حاولت الحديث لكن الكلمات خانتها، حشرجت أنفاسها في حنجرتها، قبل أن تنجح أخيرًا في التمتمة بشجاعة تلبستها للتو

"أنت، مش طبيعي، و لا بني آدم، أنت حيوان، و يكون في علمك جوزي زمانه قالب الدنيا عليا ولو وصولوا لك هو و أخويا هيخلوك تتحايل عليهم عشان يرحموك من اللي هايعملوه فيك"


ابتسم ابتسامة مائلة، تلك التي لا تعكس سعادة بل تهكم قاتم ثم مال بجسده فجأة نحوها، حتى شعرت بأنفاسه على وجهها

"أنا هعذرك عشان لسه ماتعرفنيش، كل اللي اقدر أقوله لك دلوقتي مفيش قوة علي الأرض تقدر تبعدك عني، و زي ما قولتلك كل ساعات و هانكون بره مصر"


تراجعت بوجهها ما استطاعت، لكن القيد شدها إلى الخلف، فتأوهت بصوت خافت،  و بمجرد رؤيتها وسماع آهة الألم خاصتها اغمض عينيه بمتعة عارمة، مما جعلها تشعر بالخوف أكثر لا سيما بعد أن فتح عينيه و رفع يده نحو عنقها ليمسدها، انتفضت و كأن شئ مقزز قد لمسها

"ابعد إيدك عني يا حيوان" 


باغتها بقبضته علي نحرها، اتسعت عينيها بهلع، اخبرها محذرًا إياها من بين أسنانه

"غلطة منك مرة تانية و هخليكي انتي اللي تتحايلي عليا عشان ارحمك من العذاب اللي هاتشوفيه، فاهمة يا كاري" 


لم تملك سوي أن تطعه مؤقتًا خاصة بعد مداهمة شعور بعدم التوازن و خفقات قلبها التي زادت، بدي عليها الإعياء، وجهها اصبح شاحبًا و شفتيها تحولت من الوردي إلي الأبيض، فك قبضته علي الفور و نهض، أخذت تلتقط أنفاسها و إذا بها تجد علبة دواء القلب يُلقي أمامها، رفعت رأسها، فاخبرها

"عشان تعرفي أنتي مهمة عندي أوي و عارف عنك كل حاجة، حتي مرضك المزمن و كل الأدوية اللي بتاخديها" 


سألته بوهن

"اشمعنا أنا؟!" 


فطن مقصد سؤالها، جلس أمامها وكوب وجهها بين كفيه ليجيب 

"لأن كنت فاكرها راحت خلاص ومش هترجعلي تاني، و أول ما شوفتك حسيت الدنيا بتصالحني و رجعتها ليا، أنتي هي و هي أنتي، و مستعد احارب العالم كله و ما تبعديش عني تاني، ما صدقت روحي رجعتلي، أنا بحبك، بحبك أوي" 


لم يعط لها فرصة لفهم كلماته فانقض علي شفتيها بقوة و لم يبالي لمقاومتها الضعيفة أمام عنفوانه أو لصراخاتها المكتومة و تردد صداها في جوفه! 


                         ❈-❈-❈


ترك قدح القهوة على الطاولة، وعيناه معلقتان ناحية الدرج، يترقب رؤيتها كما يترقب العطشان قطرة ماء بعد قيظ طويل. 

  فمنذ أن وطئت قدماه الدار لم يبصر وجهها، بل كان في استقباله حموه، وزوجة أبيه التي لبثت غير بعيد، تنتظر أن يفرغ من قهوته لتبلغه الأمر، وقد ترددت قليلاً قبل أن تنطق، كأنما الكلمات حجر ثقيل على لسانها

"هي نايمة ومش هتصحى دلوقتي، لأنها نامت بعد ما تعبت وأرهقت نفسيًا"


وما إن انتهت من عبارتها، حتى بادرها عابد بنبرة جمعت بين الجد والحزم، وصوته كسيف يشهر في وجه خصم تجرأ على تجاوز الحدود

"ممكن أعرف عملت فيها إيه وصلها للحالة اللي هي فيها؟ وإنها كمان تسيبلك البيت وتمشي؟"


قطب حاجبيه من لهجة والد زوجته، وكان في صدره ما يضيق به الفضاء، لكنه ترفع عن الرد بانفعال؛ فهو ما جاء إلا ليجمع ما تبعثر، ويصل ما انقطع.  

 حمحم بصوت خفيض ثم أجاب متجنبًا التصعيد

"ممكن أطلع لها وأتكلم معاها الأول"


زفر عابد زفرة كأنها تحمل ثقل أعوام من الكظم والكبح، ثم أطلق ما بجوفه من لهيب كلمات كانت مؤجلة، لكنه لم يعد قادرًا على احتوائها

"بص يا قصي، أنا كنت كل مرة بعديلك، علشان عارف دماغ بنتي، ومدى عنادها اللي بيخلي الحجر ينطق، لكن تخليها توصل للحالة اللي هي فيها دي؟!، لحد هنا وكفاية"


لمعت عينا قصي بوميض الغضب، وتحولت ملامحه من رجل يحاول أن يتحلى بالصبر إلى آخر على وشك أن ينفجر، لكنه تمالك نفسه ووارى ما يعتمل بداخله خلف ابتسامة شاحبة، لم تكن لتخفى على جيهان؛ أدركت على الفور ما لم ينطق به، وكم يُشبه أباه في تلك اللحظات التي يكون فيها الصمت أبلغ من الكلام. 


فإذا بها تنهض من مقعدها، وتغمر وجهها بابتسامة رقراقة كالماء، تطفئ النيران التي اندلعت للتو بين الرجلين.  

 نظرت إليه بعينين فيهما رجاء وهدوء

"تعالى نتكلم شوية بره في الجنينة"


نظر الأخر إلى عابد تارة ثم أعاد نظره إلى جيهان، وكأنه يوازن بين البقاء والانصراف، ثم أومأ موافقًا

"تمام"


في حديقة القصر، جلسا متقابلين حول منضدة تحف بهما الورود في الأرجاء، 

بدأت جيهان الحديث بصوت هادئ كنسيم المساء، تخترق كلماتها حاجز الجمود

"ما تزعلش من عابد، في الأول والآخر يبقى والد صبا، وما تستغربش من رد فعله اللي أنا شايفاه طبيعي، لو كان حد غيره، كان ممكن رد فعله هيبقي أقوي و أعنف"


رفع عينيه نحو شرفة الطابق الثاني حيث تقع غرفة زوجته ثم أعاد بصره نحو زوجة والده ليعقب بنبرة ملؤها الثقة

"اطمني، عمري ما زعلت ولا هازعل من حمايا، وهو عارف قد إيه أنا بحب صبا"


نظرت إليه نظرة من يختبر الصدق في ملامح قائله، ثم سألته وقد انسكبت على صوتها مرارة خفية

"واللي بيحب حد يأذيه لدرجة إنه يسبب له ضرر نفسي؟، ويا عالم حصل إيه تاني؟!"


شعر بالاضطراب، فقد ظن أنها علمت من صبا بما دار بينهما، غير أن جيهان بددت ظنونه سريعًا وهي تتابع

"على فكرة، هي ما حكتليش إيه اللي حصل ما بينكم، وأنا ما حاولتش أسألها، لأن دي أسرار ما ينفعش تخرج ما بينكم، بس حابة أوصلك معلومة، الست مننا لما بتعشق بتدي وعطائها من غير حدود، وارد يحصل خلاف وده طبيعي، لأننا مختلفين، بس المفروض نكمل بعض، مش نقف ند لبعض، و لو طرف غلط التاني مفروض يحتويه ويحل المشكلة"


تنهد وقد بان عليه التعب من حوار طال صمته في داخله، ثم اخبرها بصوت مبحوح

"وعمري ما هاكون ليا رد فعل من أول مرة، أنا بديلها فرصة والتانية، وبنبهها وأكتر واحدة حافظة طباعي، بس هي بتتعمد تعصي كلامي، ولما تلاقي مني رد فعل أطلع أنا الظالم والمفتري"


نظرت إليه جيهان نظرة عميقة

"مش يمكن رد الفعل غير عادل؟، أو بيكون انتقامي شوية؟، وبعدين إيه تعصي كلامك دي، الجواز مودة ورحمة والأمور المفروض تبقى شورى بينكم، لاقيت منها غلط احتويها وشوف هي ليه بتعمل كده، مش يمكن بتحاول تلفت انتباهك، أو عايزة تبقى شغلك الشاغل"


تأملها قصي لحظات قبل أن ينطق، وقد تكسرت حروفه على ضفاف صدقه

"أنا يا چيچي ما بحبش أتكلم في أموري الخاصة أو العادية اللي بيني وبين مراتي، بس أنا باعتبرك في مقام والدتي، وعارف إن موقفك حيادي، وإنك بتحاولي تصلحي الأمور، ومش هخبي عليكي أنا حرفيًا تعبت ومش عارف هي عايزة إيه" 


توقف ليتنفس ثم تابع

"ما أنكرش كنت وحش معاها في أول جوازنا، كنت بحاول أخليها تحبني، وطريقتي كانت غلط جدًا، وباعترف بده وندمت، غيرت من نفسي عشانها و كنت عايز أتغير فعلاً، و عشان ولادي ومع الوقت حسيت إنها ضمنت حبي ليها، وإنها مهما عملت هعدي وهسامح، 

وأكتر صفة حاولت أغيرها فيها وأوقات كنت بتأقلم معاها هي العند، لدرجة إنها بقت تقولها لي صريحة، اللي عندك اعمله، وبتنفذ اللي في دماغها، كان لازم آخد موقف حازم حتى لو قاسي خلتني أطلع أسوأ ما فيّ"


أطرقت برأسها قليلًا، ثم رفعت بصرها إليه لتعقب

"والقسوة بتولد قسوة، وتحول الحب لنفور، أنا قولتلها الحل وهقوله ليك، أنتم محتاجين تقعدوا تتكلموا مع بعض، من غير شد وجذب ولا خناق، كل واحد فيكم يسمع التاني، و الطرف الأقوى يحتوي الطرف الأضعف، ويبقى مصدر أمان وحماية مش مصدر خوف"


كان يصغي إليها بتمعن وعيناه تسبحان في فراغ يسكنه صراع مرير بين كبريائه وندم يتسلل من قلبه، لم يكن بحاجة إلى أن يعبر عن ندمه، فقد فضحته نظراته التي تنضح بالأسى.


قطعت عليه شروده، حين سألته بابتسامة حانية

"أنت معايا؟"


أومأ لها برأسه 

"معاكي، ممكن أطلع لها؟"


ابتسمت ولم تجب، لكنها بعينيها منحته الإذن.

                      ❈-❈-❈


دخل الاثنان إلى القصر، وما إن تجاوزا عتبة البهو حتى لمح قصي والد زوجته يهبط من أعلى الدرج. 

 همّ بالصعود لكن عابد أوقفه بنبرة صارمة

"استناها في مكتبي وهي اللي هتقرر، ترجع معاك ولا تقعد هنا وهتنفذلها اللي طلبته منك"


فتح قصي فمه ليعترض لكن قاطعته جيهان وهي ترفع عينيها إلى أعلى وتنادي

"صبا، بقيتي أحسن يا حبيبتي؟"


رفع قصي عينيه بدوره، فرأى صبا واقفة أعلى الدرج، تحدق فيه بنظرة جمعت بين القوة والغضب، السخط والعتاب، فيما تجمعت في عينيها دموع صامتة تحمل وجعًا دفينًا، كأنها تصرخ دون صوت! 


و داخل غرفة مكتب والدها، وقفت في المنتصف، عاقدة ساعديها على صدرها، كأنما تحتمي بنفسها من عاصفة لا مفر منها.


سألته بصوت متهدج يخالطه الغضب والمرارة

"جاي تنفذ تهديدك ليا؟، ولا هتاخدني بالعافية وترجعني القصر عشان تعرف تعاقبني كويس ومحدش يسمع ولا يعرف اللي عملته فيا؟!"


رغم مجهوداتها المضنية في كبح جماح دموعها، إلا أن عبراتها تجمعت عند أطراف أجفانها، تتوسل إليها أن تطلقها، لكنها كانت ترفض، يكفيها ما نالها من ضعف وقهر أمامه.


همّ أن يتقدم نحوها، ومد قدمه خطوة ثم أخرى، فرفعت يدها في إشارة صارمة للتوقف، وحذرته بنبرة حاسمة

"خليك مكانك وما تقربش مني، أنا مكنتش أصلاً ناوية أنزلك، ولا كنت عايزة أكلمك، وقولت لبابا إن الموضوع بقي بينك وبينه، ومش هتراجع عن قرار طلاقي منك"


كانت كلماتها كالسياط تلهب كبرياءه وتستفز أعماقه، كلما نطقت بمطلب الطلاق، كلما تصاعدت مخاوفه وتفاقم قلقه من فقدانها، رغم علمه بتعقيد علاقتهما وتشابك مشكلاتهما. 

 ومع ذلك لم يكن ليرضى يوماً بانفصالها عنه، ولن يسمح لها بالرحيل طواعية.  

 لذا تقبل كلماتها وتحملها في صمت العارف بعواقب الأمور.


قال بصوت متهدج، يخفي خلفه مرارة الأسى

"ومين اللي وصلنا للحال اللي بقينا فيه؟"


ابتسمت بسخرية لاذعة، وهزت رأسها بتهكم

"كالعادة، هاطلعني غلطانة وتبرر لنفسك اللي عملته معايا، كلامك الجارح ليا ولا أفعالك اللي كلها قسوة، أنت عارف عملت فيا إيه؟! أنت كسرتني"


كان صدى كلماتها كصفعة على قلبه، أعادت إليه مشهداً شاهده من قبل، أطلق زفرة عميقة خرجت من قاع قلبه المنهك، كأنها محاولة لتخفيف ثقل الندم الجاثم على صدره.  

 رؤيتها في تلك الحالة ألهبت ضميره، وأيقظت فيه وجعًا عميقًا، تمنى لو عاد به الزمن ليمنع كل ما ارتكبه في حقها، ها هو مهما ادعى القوة، ومهما تظاهر بالقسوة، ينهار أمام ضعفها، ويُهزم أمام دموعها.


قال محاولًا أن يحتوي حجم الألم المتراكم بينهما

"وأنا مش جاي أبرر اللي عملته معاكي، ولعلمك قبل ما أوجعك، أنا جوايا اتوجعت أضعاف اللي حسيتيه، عمري ما كنت أتخيل إننا نرجع لنقطة الصفر، بس أفعالك هي اللي وصلتنا ليها، أيوه أنا بالغت في رد الفعل، وندمان عليه، وندمان بجد ومش هقدر أطلب منك تسامحيني، لأني مش هسامح نفسي، بس كل اللي هطلبه منك بلاش الفراق، اللي بيني وبينك مش سهل دي تكون نهايته، خدي حقك مني زي ما أنتي عايزة، إلا الطلاق"


استمعت إلى كلماته، وشعرت بالعجز يعتصرها، وضعت كفها على فمها لتمنع شهقة كانت على وشك الانطلاق، وخارت قواها فجثت على عقبيها، وأطلقت العنان لدموعها المنهمرة.


لم يتحمل رؤيتها بهذا الانكسار الذي شطر قلبه نصفين، اندفع نحوها وهبط على ركبتيه أمامها، واحتواها بين ذراعيه، يناجيها بنبرة مخنوقة بالألم والتوسل

"بالله عليكي كفاية، أنا مش قادر أستحمل أشوفك في الحالة دي"


ضمها بقوة، و نادرًا ما يصل إلي تلك الحالة حيث انسابت دموعه على خديه، يبكي بحرقة، وما أصعب بكاء الرجال!


قال وهو يربت على ظهرها

"عشان خاطري، اعملي فيا اللي يرضيكي، بس كفاية دموع، حقك عليا يا حبيبتي"


أبعدها قليلاً ليرى وجهها، ونظر في عينيها المبللتين، فرأى فيهما انكسارًا يفتت الحجر، نقيض ما كانت تبدو عليه دومًا من صلابة. 

  رؤيتها على هذا الحال كانت خناجر تنهش فؤاده، وتلقي به في أتون جحيم الندم.


قال بصوت خفيض

"قولي كل اللي جواكي، خرجي أي حاجة في قلبك هتريحك، أنا سامعك وهعملك كل اللي نفسك فيه"


نظرت إليه من بين دموعها، ونظراتها كالسكاكين تشق نحره بلا رحمة ثم قالت بجمود وقهر

"عايز تريح قلبي، طلقني"


هز رأسه رافضًا بعزم لا يلين

"مش هقدر، أنا آخري ممكن أسيبك يومين هنا، لكن أطلقك ده مستحيل"


ظلت تنظر إليه والدموع لا تتوقف. وكان صمتها هو الهدوء الذي يسبق عاصفة لا ترحم 

ثم صرخت بصوت يعلو تدريجيًا

"وأنا ما بقتش قادرة أستحمل، طلقني، بقولك طلقني"

ثم انقلبت صرخاتها إلى عويل، وبدأت تضرب صدره بقبضتيها الضعيفتين.


ضمها من جديد وحاول أن ينهض بها، وهو يردد برجاء

"اهدي، حاضر، حاضر هعملك اللي أنتي عايزاه، بس اهدي عشان خاطري"


لكن فجأة  توقفت شهقاتها وخرست صرخاتها مما بعث الرعب في قلبه،  ذلك بالتزامن مع دخول عابد و جيهان، بينما قصي كان همه القابعة في حضنه، أدرك أن صمتها لم يكن إلا دلالة على فقدانها الوعي بين ذراعيه!


                        ❈-❈-❈


كان يونس كمن أصابه مس من الجنون، يتآكله القلق مع كل مرة تعاد فيها الرسالة الصوتية ذاتها

 "الهاتف الذي تحاول الاتصال به مغلق حالياً..."

دوى الصوت الآلي في أذنيه كجرس إنذار، فاندفع كالمذعور يفتش عن زوجته بين أروقة الفندق، داخل قاعة الحفل، وفي الحمامات، لم يدع زاوية إلا وطاف بها بعينين متحفزتين ويدين ترتجفان.


وها هو الآن واقف داخل غرفة مراقبة الكاميرات، يتابع شاشات العرض مع موظف الأمن، يدقق في كل مشهد كأنه يفتش عن بصيص نجاة.  

 لم يظهر لها أثر إلا حين غادرت القاعة واتجهت نحو الساحة الخارجية.


تنهد موظف الأمن بأسي

"للأسف، ده آخر تسجيل قبل ما يحصل عطل في السيستم"


انتفض يونس، وصاح بغضب كاسر

"إزاي مفيش تسجيلات؟!، ده أنا أوديكم في ستين داهية"


تقدم مدير أمن الفندق محاولًا تهدئته

"اهدى يا يونس بيه، وبإذن الله هنلاقيها"


رمقه الأخر بنظرة حادة، وقد علا صوته بنبرة تجمع بين القهر والشك

"هنلاقيها فين وأنا وإنتم لفينا كل شبر جوه وحوالين الأوتيل، حتى سألنا كل النزلا، ووريناهم صورتها محدش شافها، وتسجيلات الكاميرات ناقصة، قولي إنت كل ده معناه إيه؟!"


وقبل أن يرد المدير، دلفت إلى الغرفة موظفة بثيابها الرسمية ونظرة قلق مرتسمة على ملامحها، اقتربت بخطى حذرة وهمست للمدير

"فيه واحدة من الجيست عرفت اللي حصل من السكيورتي، وقالت إنها شافت مدام كارين"


ما إن التقط يونس الكلمات حتى اندفع نحو الخارج، كمن لمح بصيص أمل في عتمة اليأس، اقترب من السيدة التي كانت تنتظره وسألها بلهفة لا تخفى

"حضرتك شوفتيها فين؟"


أومأت برأسها ثم أجابت بثقة

"أنا كنت رايحة أجيب حاجة من عربيتي في جراچ الأوتيل، لاقيت واحد شايل المدام اللي شوفت صورتها مع السكيورتي وواضح جدًا إنها كانت فاقدة الوعي"


اتسعت عيناه دهشة، وتجمد فكره على نقطة واحدة سألها بنبرة متوجسة

"حضرتك عارفة شكل الراجل ده كويس؟"


هزت رأسها بالإيجاب

"آه، فاكرة شكله، هو مش طويل أوي، ولا قصير، و....... 


قاطعها بتعجل


"معلش، تعالي معايا دقيقة"


أخذها على عجل إلى غرفة المراقبة، وأمر الموظف أن يعرض له تسجيل الحفل، وخصوصًا مشهد تسليم الجوائز. 

  ركز بصره على الشاشة، ثم أشار بإصبعه

"وقف هنا"


نظرت السيدة إلى الشاشة للحظات، ثم شهقت وقالت

"هو ده، هو ده اللي كان شايل المدام وخدها في العربية"


ألتفت يونس إلى المدير كمن لمح الخيط الأول في خيوط المؤامرة، انطلقا معًا إلى موظفي الاستقبال، فسأل عن الشخص المشتبه به، فأخبرتهم إحدى الموظفات بنبرة ثابتة

"أستاذ مهند عمل تشيك آوت من قبل الحفلة ما تبدأ"


أخرج هاتفه على الفور، وأجرى اتصالًا سريعًا، ثم قال بحزم شديد

"تجيبي لي عنوان وكل معلومة عن اللي اسمه مهند عبد الرحمن حالاً"


                       ❈-❈-❈


 الأروقة صامتة إلا من همسات متقطعة، وزفير متثاقل يصدر عن صدور أثقلها القلق.  

 وبينما عقارب الساعة تزحف ببطء، كانت جيهان تمسك بساعد قصي محاولة تهدئته، كمن يوقف انسياب نهر هائج.


قالت له بصوت خفيض يرتجف بالرجاء

"بلاش عشان خاطري، كلها دقايق والدكتور يخرج يطمنا عليها، وعابد معاها جوه"


زم شفتيه وجز على أسنانه، كأنما يحبس بركانًا داخله يكاد ينفجر، ثم تساءل بصوت يقطر حنقًا

"يعني عاجبك أسلوبه معايا؟!، لاء، ويحلف عليا ما أدخلش أوضة مراتي؟!"


حاولت أن تبرر لعله يهدأ، فأجابت بصوتها الرقيق

"معلش، اعذره رد فعله من خوفه على بنته"


رفع يده في انفعال مكظوم، ثم قال بعينين موشوحتين بالذهول

"وأنـا جيت عشان أصالحها، وإحنا بنتكلم مرة واحدة انهارت واغمي عليها"


ربتت جيهان على كتفه بحنو، وكأنما تطفئ النار بلمسة من ماء

"ما تقلقش، إن شاء الله هاتكون بخير، وارد جدًا الإغماء يكون نتيجة ضغط عصبي، عشان كده قولت لك سيبها يومين ترتاح، ما تحاولش تضغط عليها، وأنا هافضل جمبها مش هاسيبها"


كان صدره يعلو ويهبط كأمواج تتقاذفها عاصفة، فأدركت جيهان أن نيران الغضب تشتعل داخله، رغم محاولته البائسة لإخفائها.


وما هي إلا لحظات حتى فُتح باب الغرفة، وخرج منه عابد يليه الطبيب، الذي شرع يشرح بنبرة مهنية واثقة

"الراحة ثم الراحة يا عابد بيه، زي ما قولت لمدام صبا وماتنساش تاخد الأدوية اللي كتبتها في الروشتة، مع الأكل الصحي، وابعدوها عن أي ضغط نفسي أو عصبي، وده مش بس عشان حالتها الصحية، لكن كمان عشان...


إلا أن عابد قاطعه فجأة، بصوته الأجش ونظرته الحاسمة

"اطمن يا دكتور، بنتي هاتفضل قاعدة عندي في هدوء من غير أي ضغط أو حاجة تنكد عليها"


كان في قوله رسالة مبطنة، انطلقت كسهم موجه إلى قلب قصي، الذي كاد يرد لكنه لم يمهل، إذ سارعت جيهان بالتدخل، قائلة بسرعة

"تمام يا دكتور، أنا هافضل جمبها وأراعيها بنفسي"


لم يحتمل قصي أكثر من ذلك لقد بلغ الصبر منتهاه.د، مضى بخطى سريعة إلى الغرفة، كأن قلبه يسبقه، راغبًا فقط في أن يطمئن على من صارت نبض روحه.


تحرك عابد خلفه، لكن جيهان اعترضته بلطف، ووضعت كفها على صدره، كمن يحجز ريحًا عن اقتلاع باب

"أرجوك... سيبه يطمن عليها"


بينما دلف قصي إلى الداخل بخطى بطيئة مثقلة، استقبله مشهد لم يكن ليتحمله، كانت  ممدّدة على الفراش، شاحبة الوجه، ساكنة الجوارح، كأن الحياة تخلت عنها على استحياء. 

  في ظهر يدها أنبوب طبي يتصل بمحلول معلق، والمحقن يقطر ببطء،  تحدق في السقف بعينين زجاجيتين، لا أثر للحياة فيهما، وقد خبت منها شرارة الروح التي طالما ألهبت قلبه.


جلس على طرف الفراش متوجسًا، نظر إليها طويلاً، ولكنها لم تحرك ساكنًا، وكأن وجوده بات شفافًا لا يرى.  

 شعر بوخز الألم يخترق صدره، فقد كان يعلم بل متيقنًا أنه السبب الأوحد في ما آلت إليه حالها.


همس بصوت متهدج، أقرب إلى الانكسار منه إلى الاعتذار

"آسف... آسف على كل لحظة قسيت عليكي فيها، آسف على كل وجع و ألم سببته ليكي، ما انتي عارفاني في حالة الغضب مابشوفش قدامي، و القسوة بتغمي عينيا و بتخليني أعمل حاجات بندم عليها طول عمري"


مد يده المرتعشة، وأمسك بكفها المتصلب كأنما فارقته الحرارة، فطبع على ظهره قبلة خافتة، امتزجت بالندم والرجاء ثم أردف بصوت خافت مفعم بالحرص

"أنا هاسيبك هنا تاخدي فترة راحة، وكل يوم هاطمن عليكي، هاخد الأولاد عشان المدرسة، عشان امتحانات الفينال قربت، وهابقى أجيبهملك يقعدوا معاكي، بس لو لسه ليا خاطر عندك خدي بالك من نفسك ماتـفكريش في أي حاجة"


توقف برهة، كأن الحروف استعصت على الخروج من بين شفتيه، ثم تابع بصوت متهدج، تنوء كلماته تحت ثقل الألم

 "و بالنسبة للطلاق، أجّلي الكلام فيه لحد ما تقومي بالسلامة"


لم يتلقَ منها ردًا، لكن دمعة خافتة هربت من طرف عينها، كشفت عن صراع داخلي عميق لم تستطع إخفاءه، فمدّ إصبعه يمسحها بطرف إبهامه برقة لا تصدر إلا عن عاشق يائس.  

 اقترب منها وكاد أن يطبع قبلة على وجنتها، لعلها تسعفه ببعض القبول أو العفو لكنها أشاحت بوجهها إلى الجانب الآخر، وبدا على ملامحها امتعاض ورفض قاطع.


وبينما هو غارق في بحر ندمه وقلقه، اهتز هاتفه بمكالمة واردة، فألقى نظرة على الشاشة، إنه شقيقه يونس! 


وفي غرفة أخرى خيم عليها التوتر، بدا وكأن النقاش فيها قد اشتد بين اثنين، لا يكاد أحدهما ينهي جملة حتى يبادره الآخر بالرد، فتعالى الصوتان وتداخلت العبارات.


قالت بنبرة رجاء تحمل في طياتها شيئًا من الحزم

"إحنا بنحل ونصالح يا عابد، مش عايزين نهد اللي ما بينهم"


لكنه وقد استبد به الغضب، أجابها بعينين ضاقتا سخطًا وصوت خافت إلا من نصل الحدة

"وأنا كنت مديه الثقة، وسيبته يعمل ما بداله معاها ومطلعش أهل للثقة، عايزاني أرجعها له عشان تموت من القهر هي واللي في بطنها؟!"


تصنمت في مكانها، وقد شلتها مفاجأة كلماته الأخيرة، وتطلعت إليه بقلق ممزوج بالريبة، سألت لتتأكد

"هي صبا حامل؟"


تغير وجهه فجأة، وارتسم عليه طيف من الندم، وكأنه أفلت سرًا لم يكن ينوِي البوح به، أو كأن ابنته قد استأمنته ألا يفصح عنه.  

 فخفض صوته واخبرها

"أيوه حامل، وياريت الخبر ده ما يعرفوش غيري أنا وإنتي، صبا هي اللي طلبت مني ماقولش لجوزها"


اتسعت عيناها بدهشة صريحة، وسألته باستغراب لا يخلو من الحيرة

"وهي مش عايزاك تقوله ليه؟، هي ناوية ما تتنازلش عن طلب الطلاق؟"


زفر زفرة طويلة، كأن في صدره دخانًا لا يريد أن يتبدد، ثم أجابها بصوت متعب، مزيج من الإذعان والاهتمام

"ما رضتش أضغط عليها وأسألها عن سبب طلبها للطلاق، بس مضطر أسمع كلامها لحد ما تقولي اللي في دماغها، وأيا كان تفكيرها، أنا لازم أؤدبه وهخليه يعرف قيمتها"


نظرت إليه بتردد، وصمتت لحظة وكأنها تزن الكلمات في رأسها قبل أن تنطق بها، ثم صرحت له بالحقيقة على استحياء

"هقولك على حاجةوما تضيقش؟، موقفك جاي متأخر للأسف، لو كنت من بداية جوازهم أخدت معاه واقفة، مكنش عمل معاها كده وكذلك هي كمان، لو كنت فهمتها يعني إيه حياة زوجية وإزاي تتعامل مع مشاكلها ومع جوزها بحكمة، مكنش وصلوا لحيطة سد"


جلس عابد على المقعد القريب، وقد بدا عليه الانكسار، أسند يديه إلى رأسه كمن يحاول احتواء ثقل الخطايا الماضية.  

وكأنه يعترف أمام نفسه قبل أن يعترف لها

"عندك حق، أنا فعلًا كنت سلبي، وضيعت حقها أكتر من مرة، لكن المرة دي لازم آخد موقف، ولازم آخد لها حقها، وهخليه يفكر مليون مرة قبل ما يبص لها حتى بصة تزعلها"


رفعت حاجبيها قليلًا وقالت وهي تقرأ في وجهه ملامح تصميم لم تألفه منه من قبل

"تمام، بس هتوافقها على الطلاق؟"


نهض من جلسته، ووقف ثابتًا يحدق أمامه كمن حسم أمرًا جللًا، ثم قال بلهجة قاطعة لا تقبل التراجع

"هوافقها على أي حاجة تكون فيها راحتها حتى لو اتطلقت منه"


                        ❈-❈-❈


في غرفة الفحص حيث يهمس الصمت بثقله على الجدران البيضاء، وقف رحيم بجوار الطبيب الأجنبي المختص بحالة  أميرة. 

كان الضوء المنبعث من الجهاز اللوحي المعلق على الجدار يُلقي بوهج خافت على وجهيهما، فيما كانت الأشعة المقطعية تعرض تعقيدات لا تُرى إلا لعين خبيرة. 

  أشار الطبيب بعصا دقيقة إلى بعض النقاط المظلمة على الصورة، ثم التفت إلى رحيم قائلاً بصوت خفيض يشوبه الأسى

"للأسف دكتور رحيم، كما ترى الأضرار التي خلفها الحادث تركت أثراً بالغاً على نسيج المخ لدى الآنسة أميرة، تلك الأضرار تجعل من نجاح الجراحة أمراً شبه مستحيل، بل وقد يؤدي إلى...


توقف عن الكلام، كأنما ثقل الكلمات قد خنقه، اكتفى بنظرة حزينة تنطق بما عجز عنه لسانه.  

نظر إليه رحيم طويلاً، ثم قال بصوت متماسك رغم ما توارى خلفه من قلق

"حسناً دكتور، لقد فهمت فما الحل الآن؟"


تنهد الأخر ثم أجابه وقد استعاد نبرة مهنية مشوبة بالإنسانية

"الحل في هذه الحالة هو العلاج النفسي، على المحيطين بها من الأهل والأصدقاء أن يعيدوا سرد ذكرياتها معهم، أن يملؤوا يومها بالدعم العاطفي، والحنان والاستدعاء المستمر لتفاصيل حياتها الماضية هكذا، وبمرور الوقت قد تبدأ ذاكرتها في إعادة بناء ذاتها، وبالطبع لا بد من متابعة طبية دقيقة، فقد تظهر حالتها تطورات إيجابية مع الأيام"


أومأ رحيم برأسه ببطء، وشبه ابتسامة شكر ارتسمت على شفتيه رغم ما يعتصر قلبه من ألم


ـ"شكراً لك دكتور"


ابتسم الطبيب الآخر بحرارة صادقة وقال

"العفو دكتور رحيم، فأنت طبيب ماهر، ولدي يقين بأن مستقبلك سيكون زاهراً في هذا المجال، أتمنى لك كل التوفيق"


                      ❈-❈-❈


غادر رحيم الغرفة بخطى متثاقلة، يحمل في صدره مزيجًا من الثقة والتوتر، وكأنما الكلمات التي سمعها لا تزال تتردد في أذنه بصدى ثقيل.  

 سار نحو أميرة التي تنتظره بشوق مشوب بالقلق، تمسك بأطراف أمل لا تدري إن كان سيتفتق نورًا أم ينطفئ خيبة.

وما إن وقعت عيناها عليه، حتى نهضت من مقعدها بلهفة، وصوتها يسبق خطاها

"ها، الدكتور قالك إيه؟"


توقف أمامها لحظة، ثم أجاب بصوت هادئ يخفي وراءه جهداً كبيرًا في كبح مشاعره

"للأسف مش هاينفع نعمل العملية، بس هنستمر في المتابعة والعلاج النفسي زي ما قولتلك"


تغيرت ملامح وجهها في لحظة، وكأن الحزن قد صبغ قسماتها بلون شاحب. نظرت إلى الأرض قليلًا، ثم رفعت رأسها وهمست بنبرة مؤمنة

"خير، كله خير بإذن الله"


اقترب منها خطوة، وكأنه يسعى أن يطمئن قلبها بما هو أعمق من الكلمات، وقال بحنو ظاهر

"أميرة، مش عايزك تزعلي ولا تيأسي، كل خطوة ربنا كتبها لينا فيها خير، ومش عايزك تقلقي أبدًا، أنا هافضل جنبك وعمري ما هتخلى عنك، وهبني لك حياة جديدة هاكون معاكي فيها، ولا مليش مكان؟"


نظرت إليه نظرة خجل ممزوجة بامتنان، وابتسامة رقيقة تزين وجهها

"أنا فعلاً مطمنة طول ما أنا معاك، وفي نفس الوقت مش عايزة أكون سبب مشاكلك، خصوصًا مع والدتك"


هز رأسه نافياً، وقد لمعت في عينيه لمحة تحد محبب

"أنا وماما على طول بينا مشاكل من زمان، بس هي كل اللي يهمها سعادتي وراحتي النفسية، ما تشيليش انتي هم أي حاجة، أنا معاكي وفي ضهرك"


تأملته لحظة والسعادة تنضح من عينيها، كأنما ابتسم قلبها قبل وجهها، فقال وهو يربت على كتفها

"يلا بينا نروح نتغدى، لأن أنا واقع من الجوع، وعايز أعمل مكالمة مهمة بس بعد ما ناكل"


أومأت برأسها، وعيناها تضحكان في براءة كعيني طفل رأى أمانه

 "يلا بينا"


                       ❈-❈-❈


سكبت شراب الكاكاو بالحليب الساخن الذي تفضله في الكوب الزجاجي، تناولته بهدوء وسارت بخطى وئيدة نحو الشرفة. جلست على المقعد المقابل لحاسوبها المحمول، متربعة في حضن نسمات الهواء الهادئة، تُقلب أناملها صفحاته. 


كانت تتصفح الصفحة الرئيسية لموقع التواصل الاجتماعي الشهير، حين وقع بصرها على منشور لم تستطع تجاوزه خاطرة مكتوبة بمشاعر نابضة، مرفقة بصورة له.

كم بدا وسيماً، أنيقاً إلى حد يكاد يُربك النظر، تسلل إلى قلبها شعور مُربك، لا تدري ما يحدث معها، أم هو الندم، كيف لا وقد واجهت بعد زواجها نفور بارد ومعاملة قاسية، وتجاهل يكوي، مَنْ أحبته لم يحبها، بل تعمد أن يُطفئ في قلبها كل شرارة حب، وأن يُفهمها أنها ارتكبت خطيئة الزواج منه.


بحركة مترددة فتحت ملفه الشخصي، وأخذت تتنقل بين صوره، حتى توقفت أمام صورة تجمعهما معاً، وكأنها تراها للمرة الأولى.  

 كانت نظرته إليها في تلك الصورة تبوح بما لا يقال، تنطق بلغة العشق التي لا تترجم. 

 في تلك اللحظة تيقنت أن كليهما كان يحفظ الآخر أكثر من نفسه.

كم كانت حمقاء حين تركت من يعشقها من أجل سراب!


أغلقت شاشة الحاسوب، وزفرت في ضيق لم تحاول حجبه، تناولت الكوب وأخذت ترتشف منه ببطء، فإذا بهاتفها يرن، صوته يعلو كمن يوقظ من سبات. نظرت إلى الشاشة، فإذا باسمه يتلألأ أمامها، خفق قلبها بعنف مباغت، وكأنه لم يستأذنها في الحنين.

ترى، أيمكن أن يفكر بها في اللحظة ذاتها التي تفكر فيه؟!


ابتلعت ريقها في تردد، وترددت أن تُجيب، عادت إلى ذاكرتها كلمات زوجها التي حُفرت كالنقش في الحجر، أن تقطع كل صلة بابن خالتها، وألا تراه ولو حتى في مناسبة عائلية.  

 ابتسمت بسخرية، وخاطبت نفسها

«اللي يسمعه وهو بيهددني، يحسبه بيغير عليّا من كتر الحب، بس هو طبعه كده، حدِّي ومسيطر وخلاص...» 


لم تُطل التفكير ولأن زوجها في عمله، ولأن الفضول كان أقوى، قررت أن تُجيب. حاولت أن تلتقط أنفاسها بانتظام، ثم اجابت بصوت منخفض

"رحيم؟"


جاءها صوته بنبرة عادية، خالية من أي مشاعر، على عكس ما توقعت


"إزيك يا دكتور رودينا؟"

عجبت من تلك الرسمية، فردت وقد نالت منها الدهشة

"الحمد لله يا دكتور رحيم"


قال دون أن يُبدل نبرته

"آسف على الإزعاج، بس أنا مش هطول عليكي، عشان معملكيش مشاكل مع الأستاذ ياسين"


رفعت حاجبها بدهشة ممزوجة بمرارة، وأجابت

 "اتفضل، اتكلم براحتك مفيش أي إزعاج ولا مشاكل"


قال بهدوء

 "أنا عايزك في موضوع مهم يخصني من ناحية شغلك، ورسالة الدكتوراه اللي بتحضريها"


"ممكن أعرف إيه المطلوب؟ وأنا تحت أمرك"


"مش هعرف أشرح في التليفون، لو فاضية النهارده أو بكرة، ممكن نتقابل أنا وانتي والحالة في مطعم أو كافيه، ولما تيجي هشرحلك كل حاجة، يناسبك يوم إيه؟"


لم تفكر كثيراً، وجدت نفسها تجيبه دون تردد

"أنا لسه في إجازة، فممكن جداً النهارده، ابعتلي عنوان المكان، ونتقابل بعد ساعة كده، تمام؟"


"تمام، هابعتلك اللوكيشن وإحنا في انتظارك"


"أوك... باي"


فيما انقطع الخط، بقيت تحدق في الفراغ بعينين غائمتين، وكأنها تنقب في السكون عن إجابة لسؤال زوجها إلي أين ستذهب، 

نعم، ستكذب لا مفر. 


تناولت هاتفها بنفور ظاهر، ضغطت على اسمه في سجل المكالمات، وانتظرت...

الرنين يتكرر، ولا رد كعادته، يغيب حين تحتاجه، ويظهر فقط ليعاتب يلقي اللوم.


همست بسخرية لاذعة، وقد بدت الكلمات كأنها طعنة في الهواء

"أوك يا ياسين، ما عنك ما رديت، أحسن برضه وعشان ما يبقاش ليك حجة وما تصدق تنكد عليا"


وضعت الهاتف جانبًا، ثم فتحته مجددًا، ولكن هذه المرة لتسجّل رسالة صوتية.

"أنا كنت بتصل عليك عشان أقولك رايحة لمامي، لما تبقى فاضي كلمني"


ضغطت على زر الإرسال، ثم وضعت الهاتف جانبًا كمن ألقى عبئًا كان يجثم على صدره.

تقدمت نحو خزانتها بخطى واثقة، 

اختارت ثوب بلون الليل، انساب على جسدها كأنّه خلق لأجلها وحدها، أبرز أنوثتها في رشاقة لا تقاوم.

ثم جلست أمام مرآتها، وكأنها تعقد صلحًا مع انعكاسها.

مر إصبعها برفق فوق بشرتها، يوزع المساحيق برقة متناهية، لا تخفي ملامحها بل تبرِزها، كأنها لوحة فنية تستكمل بألوان دقيقة.

انتهت من رسم عينيها، ثم التقطت أنبوب طلاء الشفاه، ومررته على شفتيها الممتلئتين بحرص مغر، ثم ابتسمت...

تلك الابتسامة لم تكن عفوية، بل امتلأت بدهاءٍ أنثوي تدرك تمامًا ما تفعله.


حدقت في المرآة، تذكرت نظرات رحيم، كيف كان يتفحصها بشغف لا يخفى، كأنه يحاول فك شيفرة جمالها...

كانت تلك النظرات كافية لأن ترضي غرور أنثى اعتادت أن ترى، أن ترغب، أن تلاحظ.

وها هي الآن، تستعد للذهاب، لا إلى والدتها بل إلى لحظة قد تغير كل شيء.

هل تندم؟!، ربما لاحقًا، أما الآن فالعطر الذي نثرته على عنقها، كان أبلغ من كل القرارات.


                       ❈-❈-❈


انطلقت بسيارتها كمن يهرب من عبء ثقيل، أو كمن يسابق نبضه اللاهث في صدره، لم تلتفت إلى القادم في الاتجاه المعاكس، ولا أبصرت ما كان يتهادى أمامها من خطر محدق، كانت تسير مدفوعة بفيض من الانفعال، يغشي على بصرها وبصيرتها، فلم تنتبه أن القدر نفسه قد وقف لها بالمرصاد على قارعة الطريق.


في تلك اللحظة، كان هو يفتح الرسالة الصوتية المرسلة من هاتفها، فدوى صوتها في أذنه كنصل يخترق السكون، وكأن نبرة صوتها وحدها كافية لإشعال نيران الغضب في صدره.


قبض على أسنانه بقسوة حتى صدرت عن فكه فرقعة خافتة، ثم تمتم بنبرة محمّلة بالغيظ

"الهانم بعتالي فويس نوت، وما استنتش حتى أديلها الإذن، أنتي اللي جيبتيه لنفسك يا رودينا، وما تزعليش من اللي هاعمله فيكي"


كأن الشر قد استوى على عرشه بين يديه، أدارت أنامله عجلة القيادة بزاوية حادة، متخذًا مسار  معكوس، وانطلقت سيارته كالسهم يشق طريقه في اتجاه سيارة زوجته، وكأن الأرض ضاقت عليه بما رحبت، ولم يبقَ له سوى لحاقها.


وفيما كان يضغط على مكابح البنزين دون هوادة، صدح رنين الهاتف فجأة، قاطعًا عليه أفكاره المسعورة، فامتدت يده إلى الهاتف، ولما لمح اسم شقيقته على الشاشة، تسارعت نبضاته أكثر.  

 تذكر أن ابنته قد توسلت إليه البارحة أن يأخذها لقضاء العطلة مع بنات عمتها، فأخذها معه في الصباح إلى هناك، غير دار بما يخبئه القدر في جوف اليوم.


أجاب بسرعة

"أيوه يا ملك، ياسمينا بخير؟"

….....


 "ماله يونس؟"

….... 


 "إزاي كارين اختفت؟!"


ثم جاءت الإجابة كصفعة على وجهه

"إيه؟!"


ضغط على المكابح بكل ما أوتي من قوة، فصدر صوت احتكاك العجلات بالأرض، توقفت السيارة فجأة، كأن الكون كله توقف معها.


صاح بعينين تتوهجان من القلق

"اتخطفت إزاي؟! أنا جاي على القصر دلوقتي، وخليكي إنتي مع البنات، ولو في أي حاجة هابلغك، سلام"


أغلق المكالمة بعصبية، وحدق أمامه وكأن الطرق كلها صارت دهاليز لا مخرج منها، شد على المقود بقسوة حتى أبيضت أنامله من شدة التوتر، وتمتم وهو يقلب عينيه بين الغضب والفزع


"هو يوم باين من أوله، لما أخلص من المصيبة اللي إحنا فيها، والله لأوريكي يا رودينا"


                       ❈-❈-❈


انتهى من طعامه للتو، وأخذ نفس عميق وهو يضع الملعقة جانبًا، وقال بصوت ممتلئ بالراحة والاطمئنان

"الحمد لله، كان الواحد جعان"


نظرت إليه أميرة بابتسامة خفيفة، ولم تستطع أن تكبح ضحكتها فقالت له

"واضح جدًا، كنت جعان أوي"


ضحك ثم رد بسرعة

"إنتي اللي ما بتاكليش، الأكل لو مش عاجبك شوفي عايزة تاكلي إيه وهبلغ الويتر يجيبه لك"


ابتسمت  بشيء من الحياء

"بالعكس، الأكل حلو أوي، بس أنا لما ببقى متوترة أو ورايا حاجة، ما بقدرش أؤكل"


عادت ملامح وجهه لتأخذ منحى جديًا، فسألها

"قلقانة من مقابلة الدكتور النفسي؟"


أجابت وقد تردد في صوتها خجل بالغ

"مش كده بالظبط، الموضوع وما فيه بتحرج من أي حد ماعرفهوش، خصوصًا لو راجل غريب"


قهقه ضاحكًا، و اخبرها بلطف

"مش اتفقنا قبل كده بلاش جو الخوف والقلق من أي حاجة، وخليكي شجاعة"


ردت عليه وهي تبتسم ابتسامة خفيفة ولكنها محملة بمشاعر مختلطة

"غصب عني يا رحيم"


نظر إليها بعينين يملؤهما التفهم، وقال بهدوء

"فاهم وعارف إنه غصب عنك، عموماً اطمني، هي دكتورة مش دكتور، تبقي بنت خالتي"


"بنت خالتك؟"

سألته بتعجب وقد ارتسمت على وجهها علامات الارتباك.


لاحظ ذلك، ورأى في عينيها مزيجًا من الحرج والخجل، خاصة مع ما يختلج في صدرها من خوف من رد فعل ابنة خالته إذا كانت على شاكلة والدته. 

 فابتسم ابتسامة هادئة 

"على فكرة، لما تتعرف عليكي هاتحبك جدًا، لأن أي حد يعرفك يحبك من أول مرة"

ثم اختتم كلماته بنظراته التي جعلتها تغرق في بحر من الخجل.


نهضت من مقعدها على عجل، فتبعها رحيم، وسألها بصوت خافت

"رايحة فين؟"


أجابت وهي تسير 

"رايحة الحمام وراجعة على طول"


لكنها كادت تتعثر في خطواتها، فبادر إلى مساندتها، فاصبحت في لحظة بين ذراعيه.  

 توقف الزمن في تلك اللحظة، وكأن العالم من حولهما قد تجمد، فشعرت بنبض قلبه يزداد تسارعًا، وكأن فؤادها أيضًا بدأ يضرب بقوة متوافقة مع إيقاعه.


وعلى مسافة قريبة، وصلت إلى المكان المرسل إليها، وبحثت عنه بين الزحام حتى توقفت عن السير فجأة، فوجدت نفسها أمام مشهد غير متوقع، حيث كان رحيم يعانق امرأة قد ولت ظهرها إليها.


 عقدت ما بين حاجبيها، وهمست بصوت مكتوم داخل رأسها

"بقي أنت جايبني عشان توريني أنك لاقيت البديل اللي هتنساني بيها يا رحيم؟!"


بينما كان الأخر ما زال أسير اللحظة الماضية، همس إليها

"إنتي كويسة؟"


أجابت أميرة وهي تبتعد بحرج من بين ذراعيه

"آه، حسيت بدوخة شوية، أنا بخير اطمن"


ظهر صوت آخر قادم من خلفهم

"هاي دكتور رحيم"


نظر رحيم إلى صاحبة الصوت دون أن ينبس بكلمة، بينما تمرد لسانه وأبى أن يتحرك. 

  كانت تلك المرأة أمامه تحمل سحرًا لا يمكن مقاومته، وهكذا تبادلا النظرات، عينيه تحملان مزيجًا من الشوق والعتاب، بينما عينيها كانت تخبره دون كلمات، لن تستطع نسياني أيها الطبيب.


ثم ألتفتت أميرة نحو المرأة الأخرى، وابتسمت ابتسامة هادئة رغم كل ما يعتمل داخلها من مشاعر متناقضة

"أهلاً بيكي يا دكتور"


وفي تلك اللحظة استرجعت رودينا في ذاكرتها مشهد  قديم، حيث كانت جالسة مع ابنة زوجها، تعرض عليها صور والدتها التي رحلت، وتخبرها

"دي صورة ماما ياسمين، الله يرحمها"


ثم انتقل شريط الذاكرة إلى مشهد آخر، عندما استيقظت في الليل لتجد زوجها نائمًا، يضم في يديه ألبوم صور، وعندما فتحته، اكتشفت أنه كان ألبوم يجمع صور له مع زوجته السابقة في لحظات مليئة بالذكريات.


تفوهت بصدمة، وكأن صاعقة قد أصابتها

"ياسمين!"


يتبع...



جاري كتابة الفصل الجديد للروايه حصريا لقصر الروايات اترك تعليق ليصلك كل جديد أو عاود زيارتنا الليله

لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كامله من هناااااااااا

مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا

مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا


تعليقات

التنقل السريع