القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية غرام الذئاب الفصل العاشر والحادى عشر والثاني عشر من الجزء الرابع بقلم ولاء رفعت (حصريه وجديده في مدونة قصر الروايات )

 

رواية غرام الذئاب الفصل العاشر والحادى عشر والثاني عشر من الجزء الرابع بقلم ولاء رفعت (حصريه وجديده في مدونة قصر الروايات )




رواية غرام الذئاب الفصل العاشر والحادى عشر والثاني عشر من الجزء الرابع بقلم ولاء رفعت (حصريه وجديده في مدونة قصر الروايات )



#الفصل_العاشر

#غرام_الذئاب

#الجزء_الرابع_من_سلسلة_صراع_الذئاب

#بقلم_ولاء_رفعت


الساعة تشير إلى التاسعة مساءً بتوقيت روسيا، وكان واقفًا أمام ساعة حائط ضخمة شبيهة بساعة بيج بن، لكنها نموذج مصغر منها، تتوسط أكبر جدار في غرفة مكتبه. 

وقف بملامح جامدة، يداه تعبّران عن توتره؛ إحداهما في جيب بنطاله والأخرى تحمل كأسًا من النبيذ المعتق.

 بدا وكأنه ينتظر شيئًا معينًا، يتمني عدم حدوثه، الصمت يملأ المكان حتى قطعه صوت هاتفه يرن، ليجيب عبر سماعته اللاسلكية بصوت مترقب

"هل من جديد؟"


أجابه المتصل بلهجةٍ تخفي ارتباكًا

"أجل سيدي، تركنا لها حرية التحرك والتسوق داخل المجمع التجاري دون قيود، كما أمرتنا"


زفر ببطء، ثم سأل بصوت هادئ، لكنه يحمل نبرة قاتلة

"وماذا بعد؟"


ردّ الآخر بسرعة

"تمكنت من التخفي والهروب، وشاهدها السائق بالخارج وهي تركب سيارة سوداء"


رفع الكأس إلى شفتيه وارتشف منه قليلاً، قبل أن يرد بهدوء جليدي

"سأرسل لك عنوانًا الآن، اذهب إليه وانتظرني هناك"


أغلق المكالمة فجأة، دون أن يمنح المتصل فرصة للرد، وعيناه كانت ثابتة على عقرب الثواني ومراقبته لحركات البندول المتأرجح يمينًا ويسارًا. 

صوت دقات الساعة اندمج مع نبض قلبه المتسارع، حتى بدأت عروقه البارزة تنبض بشكل واضح.

 قبضته على الكأس ازدادت قوة، إلى أن تحطم الزجاج تحت أصابعه، وتمتم بين أنفاسه المتهدجة

"اللعنة سيلينا!"


و في مكانٍ آخر بعيدٍ عن الأنظار، توقفت السيارة السوداء أمام منزل حجري عتيق، حجمه الكبير وشكله المخيف يعكسان غموض المكان.

 ترجل منها رجل ضخم البنية، وجهه كالصخر، واتجه لفتح الباب الخلفي للسيارة. 

هبطت منها وأخذت تتلفت حولها بحذر، وكأنها تحاول التأكد من خلو المكان من أعين رجال فلاد. 


انتفضت عندما شعرت بيدٍ تربت على كتفها، ثم سمعت صوت امرأة تقول لها بابتسامة

"مرحبًا بكِ سيدتي، تفضلي من هنا"


نظرت إليها سيلينا، وعينيها تمتلئان بالقلق، شعرت بإحساس غريب ينذرها بأن هناك أمورًا خفية تدور حولها. 

مشت خلف المرأة، وعندما دخلت إلى المنزل، أخذت تلاحظ نظرات العاملات وابتساماتهن الغامضة التي زادت من توترها، سألت الفتاة المرافقة لها بصوت مضطرب

"أين القيصر؟"


أجابت الفتاة وهي تمد يدها إليها بهاتف محمول

"سيدي يريد التحدث معكِ"


أخذت سيلينا الهاتف ورفعته إلى أذنها، ثم سألت بلهجة حادة تخفي مشاعر متناقضة

"أين أنت؟"


جاءها صوته هادئًا مريبًا

"عزيزتي، أعتذر لعدم استقبالي لكِ بنفسي، حدث أمر طارئ اضطرني إلى مغادرة المنزل، لكنني سأعود قريبًا، انتظريني في غرفتي، وتهيئي للقاء لن تنسيه ما حييتِ"


رسمت على شفتيها ابتسامة تخفي قلقها، وردّت عليه بنبرة مفعمة بالإغراء

"سأكون في انتظارك، وعلى أتمّ استعداد، عزيزي"


داخل غرفة واسعة تتسم بالفخامة، يغلب عليها اللونان الأسود والفضي، كانت كل زاوية تعكس ذوقًا حديثًا ومترفًا. 

في وسط الغرفة، برز سرير كبير مغطى بدثار حريري أسود. 

خرجت من الحمام بعد أن بدّلت ملابسها بثوب يكشف الكثير و الكثير بسخاء. وقفت أمام المرآة، رفعت شعرها الأشقر الطويل إلى الأعلى وثبّتته بمشبك الشعر، ثم تأملت انعكاسها في المرآة بشيء من الغرور.


التقطت هاتفها من فوق طاولة الزينة، فتحت تطبيقًا شهيرًا للتواصل الاجتماعي، ودخلت إلى الصفحة الشخصية الخاصة بمن يسرق من عينيها النوم لليالي بائسة. حدّثت الصورة بصوت خافت، يحمل همسات جنون الحب

"من أجلك حبيبي سأفعل كل شيء، لن يكون هناك عائق بيننا بعد القادم"


تنهدت بحرارة، وأكملت وهي تقبّل الشاشة التي تحمل صورته

"أحبك قصي"


قطع لحظاتها صوت خطوات تقترب من الغرفة، أثار دهشتها وصول القيصر بهذه السرعة! 

أغلقت الهاتف و تركته علي الطاولة ثم التقطت الروب الخاص بثوبها وارتدت سريعاً.

 سمعت طرقات خفيفة على الباب، فسألت بصوت مرتفع

"من الطارق؟ القيصر؟"


جاءها صوت توهمت هو مَنْ في الخارج

"أجل"


ضحكت بدلال واخبرته

"تفضل أيها القيصر الوسيم، لكن أغلق عينيك، ولا تفتحهما إلا عندما أقول لك"


جلست على حافة الفراش، التقطت كأس النبيذ الذي أعدّته سابقًا، ورفعت الكأس إلى شفتيها بابتسامة عريضة، تنتظر لحظة دخوله.

 لكن ما إن انفتح الباب، وظهرت هيبته الطاغية و ملامح وجهه الحادة المخيفة حتى تجمّدت في مكانها. 

جحظت عيناها من المفاجأة، وسقط الكأس من يدها على الأرض، وهي تصيح بذهول

"فلاد!"

                         ❈-❈-❈


استفاقت على صوت رنين هاتفها، يتردد صداه في الغرفة المظلمة كناقوس يُزعزع هدوء الليل. 

تململت تحت غطاءها الثقيل، تحاول انتزاع نفسها من بقايا النوم العالق بجفونها المثقلة.

 اعتدلت ببطء، وقد تدلى شعرها البني كفوضى حول وجهها الشاحب. 

بيدين مرتجفتين، جمعت خصلاته بإهمال وأرجعته إلى الخلف، ثم أنزلت قدميها العاريتين على أرضية باردة، شعرت بوخزها الحاد وكأنه ينذر بيوم ثقيل قادم.


خطت خطوات متثاقلة نحو الحمام، وجسدها يئن تحت وطأة إرهاقٍ خفي.

 ما إن بلغت المغسلة حتى أدارت صنبور الماء، ليتدفق سيله البارد ويتراقص تحت ضوء مصباح شاحب.

 مدت يديها النحيلتين أسفل الماء، فتجمدت فجأة حين وقع بصرها على معصمها، حيث ظهرت علامات حمراء داكنة مائلة إلى الزرقة، تحيط به كأنها أطواق من ألم.


رفعت بصرها ببطء نحو المرآة، لتواجه انعكاس ملامحها المنطفئة.

 عينان غائرتان تتخللهما مسحة من الحزن، وشفتان مرتعشتان تحاولان كتمان سؤال يصرخ في أعماقها، كان على عنقها وكتفها آثار داكنة، دوائر متناثرة بلونٍ أحمر قاتم! 

تسمرت أمام المرآة، تتأمل تلك العلامات وكأنها خارطة ألم تحكي قصصاً لا ترغب في تذكرها.

 شحب وجهها أكثر، وتجمدت ملامحها في تعبير يجمع بين الصدمة والقهر. أغمضت عينيها فجأة، ولفّها شعور عارم بالإنهاك، كأن الذكرى التي حاولت دفنها قد استيقظت من سباتها، لتطاردها بلا رحمة.


ومع انغماسها في ألم اللحظة، تدفقت الصور إلى ذهنها كطوفان.


 تذكرت ليلة الأمس... التفاصيل التي حاولت طمسها، الكلمات التي اخترقت روحها كالسكاكين، والأفعال التي تركت ندوباً أعمق من آثارها الظاهرة.

 شعرت وكأن قلبها ينكمش، وكأن الألم يأبى إلا أن يُحيي كل ما دفنته بداخلها.


«مشهد من الأمس» 


في ساعة متأخرة من الليل، كان الأرق يفتك بها كوحش شرس.

 منذ رحيل زوجها، وذهنها يضجّ بأسئلة بلا أجوبة، تتكرر كأنها تُعاقب نفسها

 يا ترى ماذا كان يقصد بحديثه!، هل سيعود كما كان بطباعه التي طالما كرهتها وخاصة طبع القسوة؟!، كانت فكرة عودته بتلك الخصال التي تمقتها في السابق تؤرقها، فهي تعلم أن ردود أفعاله غير متوقعة، وأن اندفاعه قد يفتح أبواباً للندم والخوف.


بدأت تشعر بوخز الندم، ينهش قلبها شيئاً فشيئاً، على أفعالها وعنادها. 

لكنها سرعان ما تصطدم بصوت شيطانيّ من داخلها، يبرر لها أخطاءها، هو السبب!، هو من يحب السيطرة والتحكم، يريدني أن أكون خاضعة إلي أوامره، وطالما أنه يحبني عليه أن يتحملني، أليس كذلك؟! 


لكن في مواجهة ذلك التبرير، يعلو صوت ضميرها كناقوس يحذرها من السقوط في دوامة الخطأ،يخبرها إنها على خطأ، العناد والمكابرة لن يقودا إلا إلى نتائج عكسية.

 ألم يكن عليها فهم طباعه؟، إنه يحبها ويحاول إسعادها، فلمَ لا تبادله ذلك؟ بدلًا من أن تقحم حياتهما في دوامة الحزن والغم!


وبين صراع ضميرها ومبرراتها، جاءها صوت مألوف، كالرعد يخرق سكون الليل، كان صوت سيارته يتوقف أمام بوابة القصر.

 شعرت بوخزة في حلقها، وابتلعت ريقها بتوتر، وجملته الأخيرة تتردد كصدى لا ينفك يقرع مسامعها

"لما أرجع بالليل، ألاقيكِ جاهزة لجوزك حبيبك"


انتفضت من مكانها كمن لسعته النار، ركضت نحو السرير كطفلة مذعورة تبحث عن ملاذ. 

ألقت بجسدها على الفراش، وسرعان ما جذبت الغطاء الثقيل لتغطي نفسها بالكامل، وكأنها تحتمي من شيء مخيف. الغطاء كان أكثر سماكة مما لا يناسب أجواء الصيف الحارة، لكنه كان ضرورة لتخفي توترها.

 أغمضت عينيها بقوة، ومثلت أنها غارقة في نوم عميق، فيما كان قلبها يدق بعنف كأنه يُعلن عن حضور عاصفة لا مفر منها.


وبعد دقائق معدودة، فتح باب الغرفة ودخل، كانت الإضاءة خافتة، يتسلل منها نور ضعيف ينبعث من مصباح زينة بجانب السرير. 

لاحظ أن زوجته مستلقية تحت الغطاء، تغطي نفسها من قدميها حتى رأسها. ابتسم بطيف من السخرية، فقد كان واثقاً أنها تحاول التهرب منه، ومتيقناً أنها تتظاهر بالغضب.

 تركها تواصل "تمثيلها"، واتجه نحو غرفة الملابس لتبديل ثيابه، قبل أن تسمع خطواته متجهة نحو الحمام.


زفرت هي بأريحية حين شعرت بابتعاده، وقررت أن تبعد الغطاء قليلاً عن وجهها لتتنفس بحرية.

 فجأة صرخت بفزع عندما رأته واقفاً أمامها، واضعاً يديه في جيوبه، وعيناه تتابعانها بنظرة ساخرة. 

يخبرها بنبرة هازئة

"وإنتي بقى فاكراني هصدق حركاتك القديمة دي؟!"


اعتدلت بسرعة، تُزيح الغطاء عن جسدها كأنها تزيح جبلاً يثقل صدرها، ثم وقفت أمامه متحدية 

"آه، بَتهرب منك وزعلانة أوي كمان"


رفع حاجبه بسخرية، لكن الابتسامة ظلت مرتسمة على وجهه.

 فجأة، أمسك بيديها بحنان وقال بهدوء

"وأنا جاي أصالحك"


ثم جذبها إليه، وأحاط خصرها بذراعيه، نظرت إليه بدهشة، إذ لم تكن تتوقع هذا التحول المفاجئ في تصرفاته.

 كانت ملامحه هادئة ونظراته مليئة بالدفء، على عكس ما كان عليه قبل قليل حين بدا وكأنه لا يطيقها.


ترددت للحظة، ثم سألته بشك

"يعني إنت مش متضايق مني؟"


أمسك طرف ذقنها برفق، ومسّد شفتها السفلى بإبهامه، وقال بصوت هادئ وابتسامة تزين ملامحه

"وأنا هضايق منك ليه؟ عملتي حاجة يا حبيبتي؟!"


رغم ابتسامته، كان في نبرته شيء من السخرية، فتحت فمها لترد عليه، لكنه وضع إصبعه على شفتيها ليمنعها من الحديث

"أنا مش جاي أعاتب، خلينا نتصالح من غير عتاب"


كانت الغرفة غارقة في هدوء متوتر، تتراقص ظلال النور الخافت على الجدران، كأنها شاهدة على تلك اللحظة التي انصهر فيها الزمن بين القرب والرغبة والتوتر، عيناه تحكيان قصصًا لم تفهمها كاملة، لكن إحساسها كان ينذرها بالخطر. عندما أحاطها بذراعيه، بدا وكأنه يحتمي بها، يدفن وجهه ما بين كتفها وعنقها، كأنه يبحث عن شيء مفقود بين ملامحها وصمتها.


كانت هي واقفة بين المفاجأة والريبة، شعور غريب تسلل إليها؛ بين رقة الاحتواء التي لم تستوعبها، وبين قلق غامض ارتسم في ملامحها.

 شعرت بأنفاسه الحارة تداعب عنقها، فتسللت القشعريرة إلى جسدها كنافذة تُطرق بشدة في ليلة عاصفة.


فهمت حينها نواياه؛ كان يمهد لشيء أكبر، شيء لا تشعر أنها مستعدة له، خاصة في ظل حالتها النفسية المضطربة. 

حاولت الانسحاب بهدوء، تسحب جسدها بخفة من بين ذراعيه كمن يحاول الهروب من دوامة تسحبه إلى الأعماق. 

همست، تحاول أن تجعل صوتها طبيعيًا رغم تسارع نبضاتها

"قصي، ممكن نخلي الموضوع ده بعدين؟ تعالي نتكلم شوية"


 لم تتوقع أنه سيعاند رغبتها بهذه الصورة؛ فاجأها تمامًا، كأنه انقلب إلي شخص آخر في لحظة.

 قبض على رسغيها بعنف، يجرها إلى قربه أكثر، ذراعيها مقيدتان خلف ظهرها، ووجهه قريب جدًا من وجهها، حتى صار صدره يضغط على خاصتها بقوة. 

خرج صوته من بين أسنانه كزئير أسد يعلن سيطرته

"أنا اللي أقرر مش إنتي"


ارتعشت نظرتها أمام نظرته الثابتة، الخوف تسلل إلى قلبها كأنه ظلال ليل لا تُمحى.

 أدركت من تلك اللحظة أن ملامحه القديمة التي اعتقدت أنها اختفت مع الزمن، عادت تفرض نفسها بقوة. 

تلك النظرة المتوحشة، ذلك الطبع المسيطر الذي حاولت أن تنساه، عاد ليطفو على السطح، كأنه كان يترقب اللحظة المناسبة للظهور من جديد.


بلعت ريقها بصعوبة، تحاول أن تخفي ارتجاف جسدها، كانت تعلم أن المقاومة الآن لن تفيد. 

قررت أن تسايسه، أن تحاول تخفيف هذا التوتر الذي يشبه النار المستعرة، ابتسمت له بهدوء مصطنع، وهمست بصوت مبحوح بالكاد خرج منها

"وأنا ما رفضتش يا حبيبي، بقولك بس تعالي نتكلم"


كانت كلماتها محاولة لخلق مساحة أمان بينها وبينه، لكن في أعماقها كانت تعرف أن ما حدث لتوّه ليس إلا بداية لعاصفة قد لا تهدأ قريبًا.


في ظلام الغرفة، كان السكون ثقيلًا، لا يُقطَع إلا بصوت أنفاسها المتلاحقة،  انحنى برأسه، وهمس قرب أذنها، بصوت يخلو من أي رحمة

"خلص الكلام يا حبيبتي، فياريت تخلي ليلتك تعدي على خير"


لم يمهلها فرصةً للرد، باغتها بقبلة على عنقها بدأت بلطف يشوبه التحذير، لكنها سرعان ما تحولت إلى سلسلة من القبلات العنيفة، وكأنما يريد أن يُشعرها بسطوته دون أي مراعاة. 

حاولت أن تتحرك، أن تُبدي اعتراضها، لكن صوتها خرج متقطعًا، مهزومًا

"كفاية... كفاية بقى!"


توقف أخيرًا، محررًا إياها من بين يديه، لكنها لم تسلم تمامًا.

 رفعت يدها المرتعشة تلامس آثار شفتيه وأسنانه التي تركت ندوبًا حمراء على عنقها، قبل أن تدرك ما يحدث، باغتها بدفعة قوية جعلتها تهوي على الفراش، مستلقية على ظهرها.


أنحنى فوقها، وجهه قريب من وجهها، وكلماته خرجت صارمة، قاسية

"مش قولتلك أنا اللي أقرر؟! استحملي بقى"


لم تستوعب ما كان يقصد حتى شعرت بقبضته القوية تمسك يديها معًا، يرفعهما فوق رأسها ويضغط على معصميها بقوة. لم تكن مجرد قبضة، بل إعلان واضح عن نيته، انقض عليها كعاصفة لا تهدأ، شفتيه تتحرك بلا هوادة على وجهها، عنقها، كتفيها، ونحرها.

 يده الأخرى كانت تعمل على نزع ثيابها، قطعةً بعد أخرى، دون أن يُبقي لها مجالًا للمقاومة أو الاعتراض.


تحولت اللحظة التي كانت يومًا تعني السعادة والأمان إلى جحيم يخنقها، شعرت بأنها لم تعد أمام زوجها، بل أمام شخص آخر غريب عنها، يُفرغ بها غضبًا دفينًا مكبوتًا بداخل قلبه.


وسط هذا العنف، اجتاح ذاكرتها مشهدان لم تفلح الأيام في محوهما. 

الأول كان في بداية زواجهما، حين أخذ حقه منها عنوة في الطائرة الخاصة، دون أي اعتبار لمشاعرها أو ارتباكها.

أما الثاني، فهو ما حدث في القبو، حيث كرر أفعاله وكأنما يريد أن يُرسّخ قناعته بأنها ملكٌ له، بلا حق في الاعتراض أو المقاومة.


استسلمت للحظة، غير قادرة على الفكاك، وكل ما شعرت به هو مزيج من الألم والخوف والخذلان.

كانت الليلة شديدة السواد كأنما أغلقت السماء ستائرها عن الأرض، تاركةً الظلام يلفهما معًا. 

كانت تنظر بعيون منطفأة إلى السقف،  كيف عاد إلى هذا الطبع بعد كل هذه السنوات؟!، كيف يمكن لقصي الذي كان يومًا عنوان الأمان لها، أن يتحول إلى هذا الكابوس المخيف؟


لماذا يفعل بي ذلك؟!، سألت نفسها وصوتها الداخلي يرتعش وكأنه يخشى الإجابة. 

لم تكن تدرك هل هو الغضب أم الانتقام أم مجرد قسوة باتت جزءًا من شخصيته؟


فجأة، قاطع صمت أفكارها صوته الحاد، و قبضته القوية كانت تطبق على فكها، تضغط بشدة، فأحست بألم يمتد كاللهب إلى أعماقها، عينيه صوب عينيها، نظراته تحمل ما يكفي ليزرع الرعب في قلبها، يخبرها بصوت خافت ولكنه كالسياط

"كنتي فاكراني بقولك كلام في الهوا؟!"


تهدجت أنفاسه، كانت متسارعة وكأنها انعكاس لغضبه الذي يتصاعد بلا حدود.

 شعرت صبا بالعجز التام، عيناها المغرورقتان بالدموع خانتاها، فاضطرت أن تغمضهما، محاولةً الهروب من الحاضر. لكنه لم يدع لها هذا الملاذ البسيط، فصاح بصوتٍ جافٍ قاسٍ حتى شعرت برذاذ كلماته يلطخ وجهها

"افتحي عينيكي وردي عليا"


ببطء، فتحت عينيها التي باتت مثقلة بالدموع الوشيكة، وبصوت خافت يحمل رجاءً وهميًا قالت

"أرجوك كفاية يا قصي..."


ترك قبضته عن فكها، لكنها شعرت أن الألم لا يزال محفورًا في عمق عظامها، رفع حاجبه بازدراء وقال بصوتٍ لا يعرف الرحمة

"مش كفاية يا صبا، إنتي لسه ما شوفتيش مني حاجة، أنا لسه على كلامي ليكي، قصي أبو قلب حنين ده تنسيه خالص"


شهقت وألمها الداخلي والخارجي امتزجا كجرحٍ مفتوح يرفض الالتئام، جسدها الذي انهار تحت وطأة قسوته، كان يرتجف كأنه يعبر عن احتجاجه الصامت. لكنها كانت تعرف بل متيقنة، أن بكاءها لن يغير شيئًا، فهو الآن أسير غضبٍ طاغٍ يعميه عن أي شيء سوى الانتقام الذي يحرقه من الداخل.


لم يكن ما فعله حبًا، بل كان انتقامًا باردًا، يقتص من شيء ما دفين في أعماقه. ورغم ذلك، جسدها استجاب له رغمًا عن إرادتها، وكأن الألم أصبح جزءًا من كيانها.

 وحين شعر بوصوله إلى غايته و ذروة متعته، قام عنها ببرود قاتل، تاركًا إياها مكسورة، في مواجهة احتياجها العاطفي والجسدي الذي صار عذابًا مضاعفًا.


سمعت صوت باب الحمام يغلق بقوة، وكأنه أغلق آخر باب بينهما. 

مدت يدها، لملمت الغطاء على جسدها، واستدارت على جنبها، متخذةً وضع الجنين. 

ظلّت تبكي بصمتٍ، كأن البكاء هو اللغة الوحيدة التي تفهمها في تلك اللحظة، لغة الوجع والألم! 


«عودة إلي الوقت الحالي» 


كانت تجلس في غرفتها، شاردة الذهن، تحاول لملمة شتات نفسها بعد أحداث الأمس التي أرهقتها نفسيًا وجسديًا، تقف أمام المرآة تنظر إلى وجهها الشاحب بعينين متورمتين من أثر البكاء. 

دموعها تساقطت فجأة دون أن تشعر، تمتزج بمياه الصنبور المتدفقة في الحوض، وكأن الحوض صار شريكًا لصمتها في تحمل عبء الألم.


بعد قليل، وجدت نفسها واقفة أمام مرآة الزينة، تحاول تصفيف شعرها المتشابك بأصابع مرتجفة.

 كانت عيناها تفضحان التعب والحزن رغم محاولتها تغطيتهما.

 تناولت علبة مستحضرات التجميل، التي نادرًا ما تلجأ إليها، وبدأت في إخفاء آثار البكاء وانتفاخ جفونها، وهي تراقب انعكاس وجهها الباهت في المرآة.


رنَّ هاتفها فجأة، فاختطفته بسرعة وكأنها تنتظر خبرًا لا تعلم إن كان سيفرحها أم يثقل كاهلها أكثر.

"ألو؟"

 أجابت بصوت متعب، جاءها صوت مساعدتها على الجانب الآخر

"مدام صبا، لازم حضرتك تيجي حالًا، فيه مشكلة كبيرة في الشركة"


"إيه اللي حصل؟" 

سألت بتوتر، لكن المساعدة أجابت بارتباك

"مش عارفة أوضح أكتر في التليفون، بس لازم حضرتك تيجي فورًا"


تنهدت بعمق، ثم قالت بجدية

"ماشي، أنا جاية ولو حصل حاجة بلغيني عقبال ما أوصل"

ردت المساعدة على الفور

"أوامر حضرتك"


أنهت المكالمة، ثم أسرعت تطلب رقم زوجها. 

وضعته على مكبر الصوت لتسمع الجرس يتكرر دون أن يأتيها أي رد، كررت المحاولة مرة ثانية، لكن لا رد! 


زفرت بضيق، وهي تفكر في احتمال أن يغضب إن غادرت القصر دون إخباره. 

كان ما حدث بينهما بالأمس كافيًا لإشعال أي خلاف جديد.

حاولت الاتصال بمكتبه، فجاءها صوت السكرتيرة وهي تبلّغها أن-سعادة الباشا- في اجتماع، ولن ينتهي قبل ساعة.


شعرت بغصة تخنقها، ولم تجد حلاً سوى كتابة رسالة قصيرة له

"فيه مشكلة كبيرة في الشركة، وأنا مضطرة أروح أشوفها، هرجع أول ما أخلص"


رمت الهاتف على الفراش، ثم أسرعت ترتدي ملابس رسمية. 

استبدلت معطف الحمام القطني بفستان داكن وحذاء أنيق، بينما كانت تتابع عقارب الساعة وهي تتحرك ببطء، وكأن الزمن يثقل كاهلها أيضًا.


بينما ترتدي معطفها، جاءها صوت تنبيه رسالة جديدة، أمسكت الهاتف لترى رد زوجها

"مفيش خروج من القصر"


جزَّت على أسنانها بغضب مكتوم، كتبت له رسالة أخرى

"لازم أروح، دي مشكلة كبيرة، وهخلص بسرعة وهرجع"


انتظرت، وهي تتمنى أن يلين قلبه هذه المرة، لكنه جاءها برد قاطع ومتوقع

"أنا كلامي بقوله مرة واحدة، مفيش خروج من القصر يعني مفيش خروج"


شعرت وكأن الكلمات تضيق حول عنقها كطوق من حديد. 


رمت هاتفها المحمول بعنفٍ على الأريكة، وكأنها تُفرغ فيه شحنة قهرٍ تجتاح قلبها، ثم انخرطت في بكاءٍ مرير يتخلله صراخ ممزوج بالعجز والألم. 

كان صوتها الجريح كناقوسٍ مدوٍ داخل المنزل، جذب انتباه زينات التي دخلت الغرفة بخطى مترددة، وعلى وجهها علامات الخوف والقلق وهي تُلقي نظراتها هنا وهناك

"يا ستير يا رب، إيه اللي حصل يا بنتي؟"


لم تُجبها صبا، بل ما إن وقعت عيناها على زينات حتى جرت نحوها، وارتمت في حضنها، كطفلة تبحث عن ملاذٍ آمن. انهمرت دموعها بغزارة وهي تقول بصوتٍ متهدج بين شهقاتها

"ليه عايزني أكرهه يا داده؟! ما بقتش قادرة أستحمل معاملته معايا!"


ربتت الأخرى على ظهرها بحنو، تحاول تهدئة ثورتها العاطفية، وقالت بصوتها المفعم بالطمأنينة

 "معلش يا حبيبتي، الشيطان بيحب يدخل بين أي اتنين"


رفعت رأسها من حضن زينات، وعيناها غارقتان بالدموع، وقالت بانفعال يكشف مرارة قلبها

"هو ما بقاش يحبني، داده! اللي بيحب حد مهما حبيبه غلط، عمره ما يقسى عليه بالطريقة دي، أنا عارفة إني غلطت وتماديت، بس أنا مش صغيرة عشان يعاملني كده، أنا مراته وأم ولاده، بيعمل فيا كده ليه؟!"


وضعت زينات كفها الحنون على خدها، تمسح دموعها وتهمس بلطف

"طيب، بطلي عياط واهدي الأول يا بنتي"


ردت بصوتٍ مختنق

"مش قادرة يا داده، أنا مخنوقة أوي، ولو معيطش ممكن يجرالي حاجة"


ابتسمت زينات ابتسامةً صغيرة تخفي قلقها 

"طيب عشان خاطري، قومي اغسلي وشك وتعالي نقعد نتكلم"


أطاعت الأخرى كلامها، ذهبت إلي الحمام وغسلت وجهها، تحاول استجماع شتات نفسها.

 خرجت بعد لحظات، ممسكةً بالمنشفة، تمسح بقايا الماء عن وجهها.

 لم تكن قد انتهت من تجفيفه حين فوجئت بدخول قصي.


نهضت زينات فور رؤيته وقالت بلهجةٍ رسمية

"أهلاً يا قصي بيه"


أجابها باقتضاب دون أن يلتفت نحوها

 "أهلاً"


كان يخلع جاكيت بدلته بحركاتٍ سريعة متوترة، فسألته زينات بحذر:

"أخليهم يحضروا الغدا؟"


رد وهو يلقي بالسترة على طرف الأريكة

"مش هنتغدى دلوقتي، اتفضلي أنتي"


استجابت لإشارته، خرجت وهي تحاول إخفاء شعورها بالإحراج، لكنها لم تستطع كتم قلقها على صبا. 

ألقت نظرة خاطفة على الأخيرة قبل أن تغادر، فوجدتها واقفةً في مكانها، تنظر إلى قصي بنظراتٍ مشحونة بالحزن والغضب.

كان الصمت فرض سيطرته كضيف ثقيل، كانت صبا تقف في الزاوية القريبة من النافذة، تحاول تهدئة العاصفة التي تعصف بها من الداخل.


خرجت زينات بخطوات مسرعة، وكأنها كانت تود الهروب من توتر الأجواء، وما أن أغلق قصي الباب خلفها حتى انتفضت صبا في مكانها، كطائر جريح فزع من قفصه. 

لم تنتظر طويلاً قبل أن تسأله، بصوت حاولت أن تجعله هادئاً، رغم أن اضطرابها كان واضحاً بين نبراتها


"لما كنت في الطريق ما بتردش ليه؟، وخلّيت السكرتيرة تقولي إنك في اجتماع؟، وأنت أصلاً رجعت بدري عن ميعادك من الشركة"


لم تكن تنتظر جواباً مباشراً؛ فقد كان قصي معروفاً ببروده وهدوئه اللذين يسبقانه في كل المواقف.

 بدأ في خلع ساعته ببطء، ثم فكّ أزرار قميصه دون استعجال. 

رفع عينيه إليها بعد لحظة، وأجابها بسؤال حاد كالسيف

"وإنتِ بقى لابسة كده ورايحة الشركة؟، مع إني باعتلك مفيش خروج؟!"


كانت نبرة صوته أشبه بإنذار، كفيلة بجعلها تقف على حافة الحذر.

حاولت أن تبدو متماسكة أمامه رغم أن قلبها كان يخفق بعنف داخل صدرها. أجابته بثبات مصطنع

"وأنا ما خرجتش، وبعدين اتصلت عليك عشان أستأذنك، وإنت عارف الباقي"


ألقى بقميصه على كرسي طاولة الزينة بلا اكتراث، ثم خطا نحوها ببطء، خطواته أشبه بوقع المطر الثقيل على أرض رطبة. تراجعت خطواتها للوراء بحذر، لكنها لم تكن تعرف إلى أين يمكنها الهروب. 

فجأة، مدّ يده وأمسك بمعصمها بقوة، مانعاً إياها من التراجع أكثر. 

ضغط على ساعدها وهو يسأل بنبرة فيها من الصرامة ما يكفي لتحطيم جدار ثقتها

"هو أنا كلامي ليه ما بيتسمعش؟، ولا عاجبتك المعاملة الجديدة؟"


نظرت إليه بعيون مرتجفة، ثم هزت رأسها برفض خافت، لكنها فاجأته بقولها

"بالعكس، أنا خايفة أكرهك"


ابتسم ابتسامة ساخرة، شقت طريقها ببرود على شفتيه حتى ظهرت نواجذه.

 ردد كلمتها وهو ينظر إليها نظرة لم تخلو من التحدي

"تكرهيني؟!"


"آه... هكرهك لو استمريت في معاملتك ليا بالقسوة والعنف، زي ما عملت فيا امبارح، وعلى فكرة أنا عمري ما هنسي اللي حصل"


اقترب منها أكثر، أمسك بخصلة من شعرها بيده، فارتدت برأسها للخلف بخوف لا يمكنها إخفاؤه.

 لف خصلة شعرها حول إصبعه بخفة مريبة، ثم تحدث بصوت خافت لكنه كان مشحوناً بالحدة

"إنتِ اللي اخترتي، الحنية واللين ما بينفعوش معاكي، وفاكرة عشان بحبك هسكتلك على غلطاتك؟"


"إنا ما عملتش حاجــــ... 

حاولت أن تجيب، لكن كلماتها ضاعت بين شفتيها حين جذب خصلة شعرها بقوة، فأطلقت تأوهاً مكتوماً.

 قال ببرود أشد من برد تلك الليلة

"لا... عملتي واللي عملته فيكي امبارح ده و لا حاجة، ده يعتبر... دلع"


كانت نظراتها تتوسل رحمة لم تأتِ، وكأنها عرفت في تلك اللحظة أن صراعها معه لن ينتهي بسهولة.


حاولت جذب ساعدها من قبضته، ولكنها فشلت. 

وفي لحظة، دفعها بقوة ناحية الفراش، فسندت على يديها وكأنها كانت تنوي الزحف إلى الوراء، إلا أن قبضته على فخذيها منعتها من التحرك. 

انحنى نحوها فجأة وسألها بنبرة مليئة بالتحدي

"مالك يا حبيبتي؟، في واحدة تخاف من جوزها حبيبها برضه؟"


نظرت إلى جانبها، تحاول أن تتجنب النظر في عينيه، امسكها من ذقنها وأجبرها على أن تحدق له مباشرة.

 قائلًا بصوت هادئ قاطع

"لما أكلمك، عينيكِ تبقي في عينيا، اطمني ماليش مزاج دلوقتي"


غمز بعينه وتركها، ثم وقف أمامها متفحصًا إياها.

"المشكلة اللي عندكِ في الشركة كانت مع موظفين من مصلحة الضرائب، بعت لهم المحامي عشان يخلص معاهم الإجراءات، وحولت له المبلغ المطلوب دفعه"


وقفت فجأة، مبتعدة عنه بخطوتين، ثم قالت، وتهتز نبرتها بنبرة اعتراض واضحة

"مكنش فيه داعي تدفع لي الضرائب، ده شغلي، وأنا المسئولة عنه"


أطلق ضحكة ساخرة، وكان له وقعها العميق في قلبها، ثم قال بصوت خافت

"ضحكتيني بجد"


فأجابته بنبرة صارمة، تخفي وراءها غصة

"وإيه اللي بيضحك في كلامي، إن شاء الله؟"


"كلامك كله ضحكني بصراحة"


ردت وهي ترفع صوته بغضب، وقد تجاوزت مرحلة السكوت

"وأنا ما بقولش نكت يا قصي، بتكلم بجد و ياريت تخليك في حالك وتسيبني في حالي، ولو كنت اعتبرت سكوتي على امبارح ضعف، يبقى أنت غلطان"


تحولت ابتسامته إلى وجوم، وعيناه ضيقتا وهو يطرح السؤال بحذر، كما لو كان يستشعر القادم من العاصفة

"الكلام ده ليَّ أنا؟"


وقفت أمامه بتحدٍ، وعادت إليها ملامحها المتمردة من جديد، ثم قالت بصوت واثق، يملؤه القوة

"اه ليك، وما تقلقش، أنا مش هادخل بابي بينا تاني، بس أنا كفيلة أحل أموري بنفسي، وأخد حقي كمان"


ضاقت عينيه وهو يسألها بهدوء ساخر، يسبق العاصفة

"وهتاخدي حقك من مين بقى؟"


رفعت حاجبها الأيسر، ثم أجابت بثقة لا مثيل لها، وبنبرة تحدٍّ

"منك أنت، وحقّي منك هو إن أنا..."


ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم أكملت كلامها، وهي تكاد تخرج الكلمات من بين أسنانها

"أنا عايزة أطلق"


يتبع....

#الفصل_الحادي_عشر

#غرام_الذئاب

#الجزء_الرابع_من_سلسلة_صراع_الذئاب

#بقلم_ولاء_رفعت


كم من المظاهر تخفي تحتها حقائق موجعة؟... وكم من الكلمات تصير كالسهام التي لا تُمحى آثارها؟... تلك كانت ليلة خُطت فيها ذكريات، لن تُنسى أبداً.


انطلق الصوت مدوياً من مسجل السيارة، أغاني صاخبة تتناغم مع إيقاع الإطارات التي تزحف بعنف على الطريق السريع المؤدي إلى مدينة العلمين الجديدة.


  تتحرك السيارة في انحرافات مفاجئة يميناً وشمالاً، فكانت بملامح متوترة، تمسك يديها بقوة في أطراف الكرسي الذي تجلس عليه، تصرخ وقد بدا الرعب يسيطر على نبرتها

"بطل جنان يا يونس، العربية هتتقلب بينا"


كان يضحك بحرارة، وجهه مشرق بحماس طفولي، صوته يتناغم مع هدوء داخلي غريب رغم الفوضى.

ألتفت إليها وعيناه تضجّان بالحياة، قائلاً بصوت لا يخلو من المرح

"اعذريني يا كوكي، مش مصدق نفسي أنا وإنتِ هنقضي أسبوع لوحدنا، نعيد أمجاد الهني مون"


نظرت إليه بوجه غاضب، أنفاسها متلاحقة، ثم قالت بنبرة عاتبة

"أنا بقى متضايقة، هايجيلي نفس إزاي أتفسح وأؤكل وأشرب من غير الولاد؟"


هدأ ضحكه قليلاً، وبدا الامتعاض يتسلل إلى ملامحه، ثم قال وهو ينقل نظره بين الطريق ووجهها

"أنا ممكن ألف وارجع على القصر أوديكي ليهم، وأنا اللي هسافر لوحدي"


نظرت إليه بدهشة، ثم رفعت حاجبيها بسخرية خفيفة

"لاء يا حبيبي، دعوة المؤتمر دي جاتلي أنا الأول قبل ما تجيلك، ولا أنت كنت عايز تسافر لوحدك عشان ما اتكرمش؟!"


ابتسم ابتسامة بريئة، أقرب إلى البلاهة، وقال وهو يحاول تلطيف الأجواء

"ما أنتي وأنا واحد يا حبيبة قلبي، نجاحك من نجاحي، وعيب عليكي لو كنتِ فاكراني بغير من نجاحك، وبعدين الأولاد زمانهم فرحانين وخديجة مدلعاهم"


تغيرت ملامحها فجأة إلى نعومة وعاطفة غامرة، مدت يديها وأمسكت بيده لتضعها بينهما، تحاوطها بإحكام وكأنها تعانق قلبه، ثم نظرت إليه بنظرة مليئة بالعشق وقالت بصوت منخفض

"بالعكس، إنت اللي على طول بتشجعني أكبر وأتطور من شغلي، ولولاك مكنش هيبقى عندي أكبر جاليري في مصر"


ساد صمت بينهما للحظات، لم يكن صمتاً عادياً، بل كان ممتلئاً بأحاديث غير مرئية، قلوبهما تتكلم لغة لا يدركها إلا من جمعهما الحب والمودة. 

استقام يونس على عجلة القيادة، خفّف من السرعة قليلاً، ثم قال بصوت هادئ، وكأنها كلمات خُتمت في صدره منذ زمن

"وإنتِ لولاكِ، مكنش هيبقى عندي حياة"


خفّض صوت الأغاني المنبعثة من المذياع، وانحنى قليلاً نحوها وهمس بنبرة أقرب إلى الدفء منها إلى الجرأة

"كارين..."


رفعت رأسها إليه، عيناها يملؤها الوجد وقلبها يخفق كأنه يناجيه بصمت.

تمعّن في شفتيها بنظرة اشتهاء واضحة، ثم قال بجرأة أصبحت مألوفة لديها

"ما تجيبي بوسة؟"


قبل أن تتسنى لها فرصة الرد، اخترق سكونهما صوت زمور حاد لشاحنة نقل ضخمة تقترب بسرعة جنونية. 

انتفض كلاهما، وصرخت كارين بفزع

"حاسب يا يونس!"


استجاب بسرعة، وانحرف بالسيارة عن مسارها، فصعدت فوق الرصيف المجاور محدثة ارتجاجًا عنيفًا وفرقعة مدوّية من أحد إطاراتها.


ضرب يونس كفه على عجلة القيادة بضيق، ثم قال بنبرة تحمل الغضب

"أنا كان قلبي حاسس العربية هاتعملها معانا"


نفخ بعصبية، فمدّت كارين يدها تربّت على كتفه بحنان، محاولة تهدئته

"معلش يا حبيبي، قدر الله وما شاء فعل، ده الحمد لله إحنا نفدنا بأعجوبة، النقل كانت خلاص هتفرمنا"


أطلق زفرة طويلة، وكأن الكلمات لم تخفف من وطأة توتره، وقال بامتنان مكتوم

"الحمد لله، كان فاضل تلاتة كيلو على الفندق"


ثم التفت إليها قائلاً

"هكلم أقرب مكتب خدمة صيانة ونستناهم"


هزت رأسها مترددة، وقالت وهي تشير بيدها خارج النافذة إلي المكان المحيط بهما

"أنت بتهزّر؟ ده مكان مفيهوش صريخ ابن يومين، هتلاقي فين خدمة صيانة؟ وكمان مفيش شبكة"

رفعت هاتفها أمام وجهه، نظر إلى شاشة هاتفه، فوجد بالفعل أن الإشارة مفقودة تمامًا. 


عادت برأسها علي المسند الخلفي وأطلقت تنهيدة عميقة ثم قالت

"وبعدين؟، هانتصرف إزاي دلوقتي؟، أنا قولتلك ماتنساش تغير العجلة الاستبن، و كالعادة تكبير دماغك على طول بيحطنا في مواقف زي الزفت"


رفع حاجبه بامتعاض، ثم نظر إليها نظرة ضيقة تحمل الضيق والغضب

"ممكن تسكتي خالص؟"


عقدت ساعديها أمام صدرها ونفخت بغضب

"هاسكت خالص عشان ترتاح، بس ياريت تشوفلنا حل لأن الجو حر أوي ومفيش مكان ضل نقعد فيه"


ظل صامتًا للحظة، يفكر في الحلول الممكنة.

فاخبرها بنبرة تقطع حبل التوتر

"كده مفيش قدامنا غير حل واحد"


رفعت حاجبيها باهتمام، وعيناها تلمعان بالفضول

"حل إيه؟"


                         ❈-❈-❈


في حديقة القصر الغنّاء، حيث امتزجت ألوان الزهور بعذوبة الهواء ونسماته، كانت خديجة تلعب مع الصغار.  

عينيها محجوبتان بوشاح حريري رُبط خلف رأسها بإحكام، وابتسامتها الوضاءة ترتسم على شفتيها.  

كانت تجري بينهم بخفةٍ كالفراشة، تتبع أصوات خطواتهم الصغيرة وضحكاتهم المتناثرة هنا وهناك، وهم يمرحون حولها في لعبة الغميضة.  

قالت بصوت مرح، وقد مدت يديها في محاولة لإمساك أحدهم

"روحتوا فين؟، هاه، هامسكوا برضه، مفيش مجال للهروب النهارده"


في تلك اللحظة، انفتح باب البهو الزجاجي الكبير، وخرج منه آدم بخطوات هادئة وثقة واضحة.  

لمح الصغار وجوده، فتوقفوا عن الركض، وابتسموا بحماس وكأنهم وجدوا قائدهم، لكنهم لم ينبسوا ببنت شفة حين أشار لهم بإصبعه أمام شفتيه علامة على الصمت.


علت شفتيه ابتسامة ماكرة وهو يراقب خديجة التي استمرت في تحركاتها العشوائية، غافلةً تمامًا عن وجوده بسبب الوشاح الذي يغطي عينيها.


اقترب منها بخفة دون أن يصدر أي صوت، بينما هي ما زالت تنادي بصوت مليء بالتحدي

"فينكم؟! أنا حاسة بيكم حواليا، متستخبوش مني، هامسككم... 


وفي غفلةٍ منها، وجدت جسدها فجأة محمول في الهواء، فصرخت متفاجئة وهي تحاول التملص.  

رفعت الوشاح عن عينيها في الحال لترى آدم يحملها بين ذراعيه بقوةٍ وابتسامة ساخرة تعلو وجهه. 

كان ابنها وابناء عمه يقفون حولهم يضحكون من قلوبهم، مستمتعين بالمشهد الذي بدا كمسرحية فكاهية.


لكزته في كتفه بخفة وقالت بنبرة خافتة مغلفة بالخجل والغضب

"إنت بتعمل إيه؟! نزلني حالاً و اتلم، إحنا قدام العيال"


لكنّه تجاهل كلماتها وكأنه لم يسمع شيئًا، واستدار نحو الأطفال، ليصيح بنبرة مليئة بالمرح

"إيه رأيكم يا شباب؟ نحكم على خديجة بإيه النهارده؟"


رفعت جوليانا يدها بحماس وقالت

"تحكيلنا قصة جديدة"


ثم قاطعها أخيها الصغير وهو يرفع يده قائلاً بفخر

"لأ، خدها وارميها في البانيو وافتح عليها الدش، زي ما بابي بيعمل في مامي لما بنلعب كوتشينة وبيطلع معاها الشايب"


ساد لحظة من الصمت الممزوج بالدهشة قبل أن ينفجر الجميع بالضحك، بما فيهم خديجة التي لم تستطع أن تمنع نفسها من الابتسام. 

بينما آدم، فقد كان يحاول جاهدًا كتم ضحكته، لكنه لم يفلح، وانطلق ضاحكًا بصوت عالٍ ثم قال بصوت خافت

"الله يخربيت جنانك يا يونس"


اقترب يوسف الصغير، بعينيه الصغيرتين اللتين تتوهجان فضولاً، رفع رأسه نحو والده قائلًا

"بابي، أنا عايز نونو يكون أخويا أو أختي، زي ولاد أعمامي و عمتو، كل واحد عنده أخت وأنا لاء"


شعرت خديجة بوقع كلماته البريئة في قلبها، ألتفتت نحوه وجلست بجواره، أخذت يده الصغيرة بين يديها برفق

"حبيبي يا يوسف، ولاد عمامك هم كمان إخواتك، وأنا وبابي بإذن الله هندعي ربنا يرزقنا بنونو قمر زيك كده"


نظر إليها صغيرها بعينيه اللامعتين، وسألها ببراءة كطفل يبحث عن أسرار الدنيا


"وإنتم هتجيبوا النونو منين؟"

قبل أن تجيب خديجة، اندفع رسلان الصغير بجرأته المعتادة، وبابتسامة طفولية تحمل شبهًا كبيرًا بوالده، قائلاً بثقة

"أنا سمعت بابي بيقول لمامي تعالي أقولك كلمة سر في بوقك ونجيب نونو جديد"


ضرب آدم كفًا على كف، وعلت ملامحه دهشة 

"يخربيت عقلك الضارب يا يونس! هتبوّظ أخلاق ولادك"


لم تستطع خديجة منع ضحكتها التي كادت تفلت من شفتيها، لكنها سيطرت على نفسها بصعوبة، ولكزت آدم بخفة وهي تقول بصوت منخفض يشوبه الحزم

"اسكت إنت، ما تلفتش انتباه الولد"


ثم التفتت نحو رسلان، وابتسمت له بحنان وهي ترفع حاجبها كإشارة تحذير لطيفة

"حبيبي، تعال هنا"


أطاعها رسلان دون تردد، واقترب منها بخطوات خفيفة. 

أشارت إليه ليجلس بجوارها، ثم رفعت رأسها ونادت

"چولي، خدي يوسف وروحوا المكتبة، و أنا هاجي لكم كمان شوية وأحكيلكم قصة جديدة"

فرحت الصغيرة و فعلت ما أمرتها به زوجة عمها. 

وقفت خديجة أمام الصغير رسلان، بابتسامة وديعة تُخفي جدية رسالتها، همست له بنبرة هادئة مليئة بالحب والحرص

"حبيبي، ما ينفعش أي حاجة نسمعها أو نشوفها في بيتنا نروح نحكيها لحد، خصوصًا لو حاجة تخص بابا أو ماما، عارف ليه؟، لأن اللي بيعمل كده الناس بتبعد عنه، وربنا بيزعل منه، بس أنا عارفة إنك ولد مؤدب وزي القمر، وعمرك ما هاتعمل كده تاني، صح؟، وعد؟"


هزّ الصغير رأسه بثقة

"وعد، يا ديجا"


لم يكد ينهي كلمته حتى أتى آدم من خلفه ولكزه بخفة على مؤخرة رأسه، قائلاً بلهجة ساخرة

"اسمها طنط خديجة ياض"


نظرت خديجة إلى آدم بنظرة تحذيرية مختلطة بابتسامة، ثم انحنت نحو الصغير، وقالت بحنان

"ملكش دعوة يا عمو آدم، رسلان حبيبي بيدلعني، وأنا اللي قايلة له يناديني يا ديجا"


ربتت على كتف الصغير برفق وأضافت "يلا يا بطل، روح ليوسف و لچولي في المكتبة، وأنا جاية وراك"


تهلل وجه الصغير بالفرحة، وانطلق يركض بخفة نحو الداخل.


ما إن غاب الصغير عن الأنظار حتى التفتت خديجة إلى آدم، وضعت يدها على خاصرتها وسألته بابتسامة تحمل عتابًا خفيفًا

"سمعت ابنك نفسه في إيه؟"


رفع آدم حاجبيه متظاهرًا بعدم الفهم

"لاء، ما سمعتش"


لم تتراجع، بل رفعت حاجبها متحدية 

"بطل تتهرب مني كل ما أجيبلك سيرة الخلفة"


تنهد بضيق وزفر قائلاً بلهجة لم تحتمل الصبر

"تاني يا خديجة؟ مش اتفقنا كفاية يوسف؟، وبعدين انتي مش المفروض تركزي في دراستك بدل ما تجيبي لنا مشاكل جديدة؟"


ضيّقت عينيها، ثم أخذت نفسًا عميقًا وهي تحاول أن تتمالك نفسها. 

بدا على ملامحها الهدوء، لكنها كانت تغلي من الداخل، تستعين بالصبر كي لا تفقد أعصابها.  

قالت بصوت متماسك، وإن كانت نبرته مشوبة بغضب مكتوم

"أولًا، أنا ما اتفقتش معاك على حاجة بخصوص الخلفة، أنا قولت هأجل الموضوع مؤقتًا، و أديك سمعتها بودانك، ابنك نفسه في أخ، والحمد لله مفيش أي مانع، أما بالنسبة لدراستي والمشاكل اللي جت من وراها، فيا حبيبي أي مكان في الدنيا فيه مشاكل، ولو كلنا بعدنا عن الحاجة اللي بنعملها عشان نتجنب المشاكل، مكنش حد اتعلم ولا اشتغل، وخلاص قفلنا على الموضوع ده، و باسم خد جزاءه" 


رفع رأسه إليها بصمت، مترددًا قبل أن يتحدث. 

كان يدرك جيدًا أن قراره لن يروق لها، لكنه اتخذه عن قناعة، ولم يكن على استعداد للتراجع.  

أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال ببرود متعمد

"تمام، وأنا ما بحبش المشاكل، عشان كده سيادتك هاتكملي دراستك من البيت أونلاين، وهاتروحي بس على الامتحانات" 


صاحت بحدة وهي ترفع حاجبيها في دهشة واضحة

"نعم؟!" 


لم يهتز من اعتراضها، بل تابع ببروده المزعج

"زي ما سمعتي، أنا مش ضامن ممكن يحصل إيه تاني، وأنتِ ما شاء الله عليكِ، فاكرة نفسك مصلحة اجتماعية، وآخرتها هنلاقي نفسنا متورطين في حوارات كنا هانروح فيها أنا وإنتِ" 


كتمت غضبها وهي تحاول أن تلجم لسانها، لكن ذلك كان أشبه بمحاولة تهدئة بركان على وشك الانفجار. 

رأى صمتها فابتسم بسخرية مستفزة، ثم قال بتحدٍّ

"ساكتة ليه؟ مش المفروض لما جوزك يقولك على حاجة تقولي حاضر وتسمعي كلامه؟" 


عند هذه النقطة نفذ صبرها، ولم تعد قادرة على الاحتمال.  

انفجرت فجأة وقالت بصوت غاضب، وإن كانت نبرته تحمل استهزاءً مبطنًا

"ماشي يا آدم، مش هاروح الجامعة وهكمّل من البيت، بس مش لأنك إنت عايز كده، لأني عايزة أركز الأيام الجاية عشان ربنا يرزقني بأخ أو أخت ليوسف" 


تركته واقفًا مكانه وهي تتحرك نحو الداخل بخطوات مسرعة، لكنه لم يدعها تغادر دون أن يلقي آخر كلماته المسمومة

"وده هتركزي فيه إزاي لوحدك؟ هتتكاثري ذاتيًا يعني؟!" 


توقفت فجأة، ثم استدارت إليه بابتسامة صفراء تنذر بعاصفة، وقالت بنبرة هادئة لكنها لاذعة

"مش بمزاجك يا باشمهندس" 


عقد حاجبيه بدهشة وقال متسائلًا

"يعني إيه؟" 


ردت وهي تتراجع بخطواتها، مبتسمة بسخرية

"يعني الموضوع إجباري مش اختياري" 


وقبل أن يتمكن من الرد، ألقت عليه وشاحها بحركة مفاجئة وركضت نحو الداخل.  

وقف مكانه يحدق في أثرها بفم مفتوح غير مصدق لما سمعه، تمتم لنفسه بصوت خافت

"دي اتجننت دي ولا إيه؟!، هستنى إيه يعني من واحدة صاحبتها تبقى شيماء!" 


                        ❈-❈-❈


بعد السير لمسافة طويلة تحت وهج الشمس الحارقة، ووسط أجواء المناخ الجاف الذي أثقل خطواتهما، وصلا أخيرًا إلى الفندق.

كانت آثار التعب واضحة على ملامحهما، لكن بريق الأمل في الراحة والتخلص من عناء الرحلة لم يفارقهما.


تقدّم العمال بخطوات ثابتة، وتسلّموا حقائبهما بعد أن تأكّدوا من هويتهما. أظهرا بطاقات الدعوة الرسمية التي تخصّ المؤتمر الفني والثقافي المقام بمدينة العلمين الجديدة، ذلك الحدث الذي يجمع كبار الفنانين التشكيليين وأساتذة كليات الفنون الجميلة من مختلف المحافظات، بالإضافة إلى مشاركين من دول أوروبية.


توقّف يونس ليلتقط أنفاسه التي أثقلها الإرهاق، ثم تقدّم نحو موظفة الاستقبال وسألها بنبرة تفيض بالتعب

"لو سمحتي، الحجز بتاعنا باسم يونس عزيز البحيري وكارين رسلان العزازي"


ابتسمت الموظفة ابتسامة خفيفة تحمل في طياتها شيئًا من الحرج، ثم أجابتهما

"للأسف، الغرفة اللي حاجزينها فيها إصلاحات وصيانة، والعمال شغالين عليهم دلوقتي"


ارتفعت حرارة الحوار، وزفر يونس بامتعاض واضح وهو يعلّق

"هو ده اللي ناقصنا كمان، تعبنا ومشينا طريق طويل لما الواحد اتحمص من الشمس، وفي الآخر نلاقي الغرفة مش جاهزة"


بجانب يونس، نظرت كارين إليه بضيق، لكنها اختارت أن تعبّر عن رأيها بأسلوب أكثر حدة.

"إيه يا يونس؟ مش وقت هزارك ده خالص، شوف لنا حل، بدل ما نضطر ننام على الرصيف"


قاطعتهما الموظفة بسرعة، محاولة تهدئة الأجواء

"ما تقلقوش يا فندم، إحنا عاملين حسابنا، حجزنا لكم سويت بيطل على ڤيو البحر أكيد هيعجبكم"


على الفور، بدت السعادة تلوح على ملامح كارين بابتسامة عريضة وقالت بحماس

"ياريت، أنا أصلًا كان نفسي الرووم تطل على البحر"


مدّت الموظفة يدها بالمفتاح الإلكتروني، وقدّمته ليونس بابتسامة هادئة

"اتفضلوا، السويت جاهز، ونتمنى ليكم إقامة سعيدة"


تناول يونس المفتاح، واتجه بصحبة زوجته نحو المصعد. 

حين وصلا إلى الغرفة، فتح يونس الباب بهدوء، وما إن دخلت كارين حتى ركضت إلى الداخل كطفلة صغيرة غمرها الحماس.

فتحت باب الشرفة الزجاجي بسرعة، ليملأ الغرفة نسيم عليل يحمل معه عبق البحر المالح.


وقفت هناك، وشعرها يتطاير مع الهواء النقي، وعيناها تستقران على مشهد الشاطئ الممتد بأمواجه الهادئة ورماله الذهبية، وكأنها أمام لوحة فنية مرسومة بعناية. 


وقف يونس خلفها، يحيط خصرها بذراعيه كأنما يحميها من نسمة باردة تسللت على استحياء.

سألها بصوت رخيم يشوبه دفء الحنين

"فرحانة يا حبيبتي؟"


وضعت يديها على يديه وأرخت ظهرها على صدره، وكأنها وجدت في حضنه ملاذًا لا تطاله هموم الدنيا. 

أجابته بابتسامة ناعمة ملؤها الرضا

"أنا مبسوطة أوي، بجد كنا محتاجين الإجازة دي جداً، صحيح هي ليها علاقة بالشغل، بس فعلاً كنا محتاجين نستجم شوية ونفصل عن الروتين وجو البيت ودراسة الأولاد"


انحنى برأسه وطبع قبلة على خدها بحب، ثم قال بنبرة هادئة تشي بامتنان عميق

"أنا اللي الفرحة مش سيعاني، واقف قدام منظر طبيعي خرافي، و معايا أجمل ست في العالم، هاكون عايز إيه تاني من الدنيا؟"


استدارت بين ذراعيه حتى أصبحت وجهاً لوجه معه.

نظرت إليه بعينين لامعتين، امتلأتا بعشق لم تنطفئ جذوته. 

قالت وهي تحاول اختبار مشاعره بشيء من المزاح

"إنت فعلاً شايفني أجمل ست في العالم يا يونس؟ ولا دي مجرد مجاملة؟"


اتسعت ابتسامته التي ملأتها العذوبة والتيم، ورد بثقة تتسلل إلى القلب بلا استئذان

"أنتِ في عيوني أجمل ست في المجرة كلها، وعشان أثبتلك تعالي جوه وهتعرفي بنفسك"


وقبل أن تدرك ما يقصده، حملها بين ذراعيه بقوة، فتفاجأت وصرخت وهي تضحك كطفلة صغيرة

"يا مجنون نزلني!، أنا جسمي مدغدغ من المشي، مفيش أي طاقة"


ضحك من قلبه وهو يتقدم بها نحو الحمام، ثم قال بمرح وهو يومئ برأسه كأنه يطمئنها

"تعالي ناخد شاور وهجددلك طاقتك، هخليكي تنوري من كتر الطاقة"


مرت لحظات من الانسجام داخل أجواء تنبض بالحب والراحة. 

وبعد أن خرجت من الحمام، كانت ترتدي معطف الإستحمام القطني، وتُجفف شعرها بمنشفة بيضاء ناعمة. 

أما يونس، فكان يقف أمام المرآة، يُمشط شعره و يرتدي المعطف القطني أيضًا، يُغني بصوت مرح

"يا خارجة من باب الحمام، وكل خد عليه خوخة، خوخة، خوخة، خوخة"


توقفت أمام السرير تبحث عن شيء ما، فتوقف عن غنائه ونظر إليها عبر المرآة. سألها وعينيه تتابع ما تفعله

"بتدوري على إيه؟"


أجابت دون أن ترفع عينيها عن ما تبحث عنه

"على الفون بتاعي، عايزة أتصل بجوليانا أطمن عليها هي ورسلان"


اقترب منها بخطوات هادئة، لكنه كان يحمل في عينيه رغبة مضمرة. 

جذبها نحوه برفق حتى التصقت به كلياً، وصوت أنفاسه المتسارعة يعلن عن شوقه الذي لا ينتهي. 

همس بصوت منخفض، أشبه بنغمة مشحونة بالدفء

"أنا كلمتهم واطمنت عليهم وأنتِ كنتِ بتاخدي شاور، وبيقولوا لك بليز مامي، خلي بالك من بابي ودلعيه آخر دلع"


رفعت حاجبها بابتسامة خفيفة، مستندة على دفء حضوره، وردت بنبرة مازحة

"متأكد إنهم قالوا لك كده؟" 


هز رأسه تأكيداً، وعيناه لا تفارق ملامحها التي تحمل كل مفردات الجمال

"آه طبعاً متأكد، يلا بقى دلعيني" 


ضحكت وهي تسحب المنشفة من فوق خصلات شعرها المبللة وتلقي بها علي كرسي طاولة الزينة

"ممكن تسيبني أغير هدومي وأسرح شعري" 


نظر إليها نظرة تفيض بالعشق، ورفع إحدى خصلاتها بين أصابعه وهو يستنشقها بعمق، وكأنه يستنشق الحياة ذاتها. 

ابتسم قائلًا بمتعة تغمره

"أنا طول عمري بحب شعرك وهو مبلول، وريحته اللي زي ريحة الفراولة" 


ابتسمت بخجل كلما تسمع إطراءً، وقد زادها خجلها جمالاً، فأخبرته

"دي ريحة البلسم" 


ضمّها بين ذراعيه بقوة، حتى شعرت وكأنها جزء من كيانه، ثم أسند جبهته على جبهتها وهمس بصوت مشبع بالحنان

"إنتِ البلسم، وإنتِ الفراولة، وإنتِ كل أنواع الفاكهة" 


صمت وأطلق تنهيدة من قلبه المشتعل بالعشق فناداها بهمس

"كوكي؟"


ردّت بدلال وكأن كلماتها أغلقت أبواب عقله عن أي شيء آخر

"وروحها، وعمرها كله" 


همس لها بشوق لا يعرف حدوداً

"أريد حباً وحناناً، زيديني عشقاً وأماناً" 


ضحكت بخفة، وهي تحاول كتم دقات قلبها التي علت

"جوزي حبيبي طلع مش فنان وبس، ده بقى أديب وبيقول شعر كمان" 


ابتسم بمكر، واخبرها بجدية لكنه لا يخلو من المزاح

"أومّال إيه يا قلب قلبي، أنا بتاع كل الفنون والأدب، وقلة الأدب كمان، تعالي أوريكي" 


حملها بين ذراعيه، وهي تضحك بلا توقف، وذهب بها إلى الفراش حيث اختلطت ضحكاتهما بدفء اللحظة، ليصنعا معاً لحظة من السعادة الخالصة، غير عابئين بما يدور في العالم حولهما.


و إذا بهذا المشهد الرومانسي تحول فجأة على شاشة حاسوب مضيئة، داخل غرفة شبه مظلمة، يملؤها سكون ثقيل كأنه صدى للحياة التي تمضي بلا ضجيج. تتخلل من بين ستائر الغرفة المغلقة خيوط خافتة من أشعة الشمس، ترسم ظلالاً باهتة على الجدران.

بجوار الحاسوب، استقرت مطفأة زجاجية تتكدس فيها بقايا لفافة تبغ محترقة، وكأنها شاهدة على ليالٍ طويلة من الوحدة والتأمل.


قطع السكون صوت اهتزاز هاتف موضوع على الطاولة، مدّ الرجل يده إلى الهاتف ببطء، وضغط على زر كتم الصوت للحاسوب قبل أن يلتقط الهاتف ويرد بصوت منخفض خالٍ من أي انفعال

"ألو؟"


جاءه صوت أنثوي ناعم من الطرف الآخر، وكأنها تحاول أن تكون حذرة في حديثها

"مهند بيه، فيه واحد بيسأل على حضرتك، بيقول إنه مندوب من شركة العربي للمقاولات" 


تبدلت نبرته قليلاً، لكنه ظل محتفظاً ببروده

"قولي له أنا مسافر بره مصر" 


"تمام يا فندم، هبلغه بكده، سوري على الإزعاج" 


أنهى المكالمة بلا كلمة إضافية، وأعاد هاتفه إلى مكانه.  

عاد بنظره إلى شاشة الحاسوب، لكن هذه المرة كانت عيناه تضيقان بتعبير لا تخطئه عين؛ غضب مشتعل، وكأن كل شيء فيه يتمرد بصمت.

برزت عظام فكه وهو يضغط على أسنانه، مدّ يده إلى كوب الخمر الموضوع أمامه، ثم تجرعه دفعة واحدة بعصبية.


دوى صوت الكوب وهو يرتطم بالأرض ويتحطم إلى قطع متناثرة.


                       ❈-❈-❈


كانت أميرة تجلس على حافة القبر، منكبة على التراب، تلمسه بأصابعها المرتعشة كأنها تبحث عن الأمان بين ذراته. 

دموعها تبلل وجنتيها، وتزيد من خشونة كلماتها التي خرجت متقطعة، مثقلة بالألم. قالت بصوت متحشرج

"محتاجة لك أوي يا ماما خيرية، مكنش ليا حد غيرك، كنتِ الأب والأم، والسند، ليه سيبتيني لوحدي؟ ليه؟!"


كانت كل كلمة تخرج منها كأنها تمزق قلبها، وعينيها لا تفارق نقش اسم "خيرية" على شاهد القبر. 

كأنها تحاول أن تستعيد دفء الذكريات، لكنها لا تجد سوى صمت الموت.


و في مكان ليس ببعيد، كان محمود يقود سيارته بسرعة جنونية، يمسك هاتفه المحمول بيد، بينما يده الأخرى تتحكم بعجلة القيادة. 

قال لأخيه، وهو بالكاد يكتم غضبه 

"هاتجنن يا مأمون لافيت إسكندرية شارع شارع، وحارة حارة، عشان ألاقي بنت الـ... دي، مش لاقي لها أثر نهائي"


رد شقيقه بصوت حاد عبر الهاتف

"يعني إيه يا محمود؟ اتبخرت؟!"


"مش عارف والله، الواحد مش عارف يترحم على أمي ولا يقول إيه، لما تخلي حتة بت لا نعرف لها أصلها من فصلها تورث معانا، ولا كمان الوصية ما تتفتحش غير لما تكون هي موجودة!"


بينما كان محمود يتكلم، قاطعه صوت تنبيه مكالمة واردة علي الإنتظار، نظر سريعاً إلى الشاشة، قرأ اسم المتصل، وقال لأخيه

"عمك صبحي بتاع التُرب بيتصل عليا، عايز إيه ده كمان؟، سلام هكلمك بعدين"


ضغط على زر الإجابة

"خير يا عم صبحي؟، مش أخدت فلوسك؟ عايز إيه تاني؟"


جاء صوت الرجل العجوز من الطرف الآخر، متهدجاً لكنه حازم

"يا محمود بيه، فيه واحدة دخلت المدافن اللي تبعكم، قاعدة من أول ما الشمس طلعت لحد دلوقتي وبتعيط، وسمعتها بتنادي على الحاجة الله يرحمها، بتقول يا ماما خيرية"


ضغط محمود على فرامل السيارة فجأة، فصدر صوت صرير عالٍ جعل المارة ينظرون إليه باستغراب. 

سأل صبحي بلهفة

"البت دي شكلها إيه؟ في أواخر العشرينات كدة؟ و بيضة زي لهطة القشطة؟"


رد صبحي بارتباك

"ما دققتش في وشها يا بيه، بس شوفتها مرة مع الحاجة الله يرحمها، أيام ما كانت بتيجي تقرأ الفاتحة للحاج الله يرحمه"


لم ينتظر مزيداً من التفاصيل

"طيب، بالله عليك ما تخليهاش تتحرك من عندك، أنا جاي دلوقتي حالاً، أصلها قريبتنا، وشكلها جت البيت وما لقتش حد، وهي كانت بتعز أمي أوي"


رد صبحي مطمئناً إياه

"حاضر يا بيه، هقولها تستناك"


صرخ الأخر بانفعال

"تقولها مين يا غبي!، ما تجيش جنبها خالص، أنا جاي في السكة"


أنهى المكالمة وأعاد تشغيل السيارة بسرعة كأن الشوارع تضيق عليه.

تمتم لنفسه، وهو يشد قبضته على المقود

"أخيراً لاقيتك، صبرك عليا لما أشوفك"


انطلقت السيارة كالسهم، يتردد صدى كلماته في داخله.  


                         ❈-❈-❈


ما إن خارت قواها من البكاء حتى استسلمت للتعب والإرهاق. 

لقد تركت فيلا عائلة رحيم وهي لم تأكل لقمة واحدة منذ ذلك الحين.  

هامت على وجهها في الطرقات بلا هدف، بحثت عن مأوى يحميها، لكن الأبواب كانت توصد في وجهها الواحد تلو الآخر. حتى انتهى بها الحال إلى سطح منزل السيدة "خيرية"، حيث اختبأت في غرفة صغيرة من الخشب القديم، تحتمي بجدرانها المهترئة من قسوة الليل وبرودته.


على بُعد خطوات من بوابة المقابر، أوقف محمود سيارته ونزل منها. 

ألقى نظرة سريعة على المكان قبل أن يلمح عم صبحي حارس المقابر، ينتظره كعادته. 

أخرج ورقة نقدية من محفظته ومدّها إليه قائلاً بصوت هادئ، وإن كان يخفي وراءه نوايا أخرى

"معلش يا عم صبحي، ممكن تجيبلي علبة سجاير؟ وخلي الباقي علشانك"


نظر صبحي إلى الورقة النقدية، اتسعت عيناه في دهشة ممزوجة بفرحة، وقال بحماسة

"حاضر يا باشا، عينيا ليك"


أسرع الرجل مبتعدًا عن المكان، غير مدرك أن الأخر أراد التخلص من وجوده لتنفيذ ما كان يدور في رأسه.


تسلل محمود داخل المقابر بهدوء، كانت عيناه تبحثان عنها.  

حتى وقعتا عليها أخيرًا.

كانت أميرة جالسة على الأرض، وظهرها مستند إلى حافة قبر والدته.  

عيناها تغرقان في ظلال الحزن واليأس، وحالتها يرثي لها.

تقدم نحوها بخطوات ثقيلة، يُخفي بيده مُدية صغيرة كان قد خبأها في جيب بنطاله.


اقترب حتى أصبح خلفها مباشرة، ثم بصوت خافت ولكنه يحمل تهديدًا صارخًا 

"بهدوء كده يا حلوة، قومي معايا بدل ما أخليكي ترقدي جمب أمي"


رفعت رأسها ببطء، ألتفتت نحوه، و ما إن رأت ملامحه واستوعبت وجوده حتى شهقت بصوت مكتوم، وكانت على وشك أن تصرخ، لكنه لم يمهلها الفرصة. 

وضع يده بقسوة على فمها وهمس

"أقسم بالله لو عملتي أي حركة، شايفة المطوة الحلوة دي؟ "

أشار إلى المدية التي تتلألأ تحت ضوء الشمس، ثم أكمل ببرود 

"هشقك بيها نصين وأدفنك مكانك، خليكي شاطرة ويلا معايا على العربية"


أومأت برأسها برجاء، محاولة استجداء رحمته، إلا أن نظراته الباردة لم تُظهر أي شفقة على حالتها المزرية.


"مش هياكل معايا جو أمينة رزق اللي أنتي عايشالي فيه ده، يلا قدامي، أحسن لك"

نهضت ببطء، بينما كانت عيناها مغرورقتين بالدموع، وذراعيها ترتعشان من شدة الخوف. 

قادها تحت تهديد السلاح نحو السيارة، متعجلاً تنفيذ خطته قبل أن يعود عامل المقبرة. 


وبالفعل، عندما عاد الحارس بعد دقائق، وجد المكان خاليًا. 

توقف قليلًا، ناظرًا إلى سيارة محمود التي تحركت مبتعدة، ثم نظر إلى علبة السجائر وباقي النقود بين يديه وقال بصوت خافت وكأنه يحدث نفسه

"حلال عليك السجاير والفلوس يا واد يا صبحي"


وابتسم ابتسامة عابرة، غير مدرك لما جرى خلف ظهره في تلك اللحظات! 


                         ❈-❈-❈


و في حي كفر عبده، كانت سيارة سوداء فارهة تتسلل بهدوء عبر بوابة الفيلا، حتى توقفت أمام الباب الكبير. 

ترجل منها الطبيب الوسيم، تظهر ملامح الإرهاق واضحة على وجهه. 

أسرع الحارس ليستقبله

"حمدالله على السلامة يا دكتور رحيم"


نظر إليه الأخر نظرة واهنة، وكأن التعب قد استنزف قواه، فاكتفى بإيماءة صغيرة دون أن ينبس ببنت شفة، ثم خطا بثقل إلى داخل الفيلا. 

هناك، وجد والدته تنتظره في بهو المنزل، وقد ارتسم الغضب على ملامحها التي لم تستطع إخفاء حدة تعبيراتها.


"بقالك يومين سايب الفيلا وشغلك، وبتلف في شوارع ربنا عشان البت اللي  جايباها من الشارع؟!"


كان رحيم يقف قبالتها، عيناه غارقتان في الإرهاق، ووجهه يحمل مزيجًا من الصمت والتعب.  

لم يتفوه بكلمة، لم يكن يملك طاقة الدخول في أي جدال.  

أدركت والدته ذلك، لكنه لم يشفع له عندها، إذ صاحت بعصبية وهي تتابع خطواته الثقيلة التي بدأت تتجه نحو الدرج

"براحتك يا رحيم! بس خُد بالك، البت دي لو رجعت هنا، أنا بنفسي هاخدها وأسلمها للبوليس، هم يشوفوا حكايـتها إيه، إحنا مش ناقصين مصايب في البيت ده، نخلص من بلوة بنت خالتك، تطلع لنا مصيبة جديدة مش عارفين أصلها ولا فصلها، يا أبو قلب رهيف زي أبوك الله يرحمه"


كانت كلماتها أشبه بطعنات متتالية، لكنه لم يلتفت، تركها تهدد وتنفث غضبها، وأكمل طريقه إلى الطابق العلوي، مثقلًا بحمل أثقل من أن يتحمله كتفاه المنهكتان. 

وبينما كانت قدمه على وشك أن تطأ عتبة غرفته، وكأنه مغناطيس خفي قاده، وجد نفسه يتجه إلى الغرفة التي كانت أميرة تسكنها قبل رحيلها.


ضغط زر الإضاءة، لينير الغرفة التي بدت كأنها حكاية معلقة بين الحضور والغياب.

ألقى بجسده المرهق على الأريكة، وراح ينظر حوله. 

كل زاوية في هذه الغرفة كانت تحمل أثرها، لمسة من روحها التي لا تزال تطوف في المكان رغم غيابها. 

زفر بعمق، وأغمض عينيه، و في تلك اللحظة، ألتقطت عيناه حقيبة يد موضوعة على طاولة الزينة. 

كانت حقيبتها، شعر بقلبه ينبض بسرعة غريبة، ووجد نفسه ينهض من مكانه، وكأن طاقة مجهولة تدفعه.  

توجه بخطوات ثابتة إلى الطاولة، ومد يده ليمسك بالحقيبة.

فتحها ببطء، وبدأ يفتش بين أغراضها. كان كل شيء بداخلها يحمل رائحتها، أثرها. 

فجأة، وقعت عيناه على بطاقة هويتها، حمل البطاقة بيد مرتجفة، وتوقف للحظات يتأمل العنوان المكتوب عليها.

هناك، في زاوية البطاقة، كان مكتوبًا عنوان منزل السيدة خيرية. 


رفع رأسه ببطء، وقد اتسعت عيناه بدهشة، تلك الكلمات البسيطة كانت تحمل مفتاحًا جديدًا. 

أخذ البطاقة ووضعها في جيبه، وقد اشتعل داخله الأمل من جديد. 

"لازم أوصلها!" 

قالها بصوت حاسم، وخرج من الغرفة، تاركًا وراءه كل التعب والضياع، عازمًا على المضي نحو وجهته الجديدة.


                       ❈-❈-❈


وصل محمود أمام البيت، أوقف السيارة ونظر إليها بعينين جامدتين قبل أن يخرج. 

نبرة صوته كانت هادئة لكنها تحمل تحذيرًا صارخًا:

"زي ما فهمتك وإحنا في الطريق، هيجوا إخواتي ومعاهم المحامي، تتفتح وصية أمي، تمضي على الأوراق اللي هيقولك عليها، وبعدها تمضي لي على التنازل، فاهمة يا قطة؟"  


ردت بصوت مرتجف بالكاد يخرج من بين شفتيها 

"فاهمة"  


لم تمض دقائق حتى كانت تجلس على الكرسي، تشعر بالقلق والخوف. 

عيناها تتجولان في المكان، تتأمله كأنها تودعه. 

هذا البيت الذي عاشت فيه لحظات من الدفء والحنان أصبح الآن أكثر مكان تخشاه. 

شعرت وكأن الجدران تهمس بالغدر، سألت بحذر، وهي تلتقط أنفاسها

"فين المحامي وإخواتك؟"  


أشاح وجهه بعيدًا وكأنه منشغل بالهاتف، ثم رد بنبرة لا مبالية

"زمانهم جايين، ما تقلقيش"  


توجه نحو الشرفة وهو يتحدث في الهاتف بصوت منخفض 

"ألو يا مأمون، إنتم فين؟"  


جاءه الرد من الطرف الآخر

"إحنا لسه ما اتحركناش من مكانا، المتر عنده حالة وفاة وأجل الموضوع لبكرة، البت لسه معاك؟"  


"آه، ومش هاينفع أسيبها لتهرب"  


"خد بالك منها، وأوعي شيطانك القذر يخليك تعمل فيها حاجة، إحنا ما صدقنا لاقيناها لحد ما ناخد حاجتنا، وبعد كده سيبها لحال سبيلها"  


ضحك بسخرية خبيثة

"ما تقلقش يا أخويا، هحطها في عيني"  


ألتفت نحوها بطرف عينه، فوجدها تنهض بحذر. 

أنهى المكالمة سريعًا واقترب منها بخطوات ثابتة، أمسك بذراعها بقوة، بينما يده الأخرى ترفع مديته. 

  

"رايحة فين؟"  


بلعت ريقها وهي تحاول السيطرة على ارتجاف صوتها

"رايحة الحمام، ممكن تسيبني؟"  


ابتسم ابتسامة خبيثة 

"اتفضلي يا حلوة، قدامك خمس دقايق و ترجعي تترزعي على الكرسي"  


نظرت إلى المدية بخوف واضح ثم قالت بصوت خافت:

"حاضر"  


أسرعت إلى الحمام وأغلقت الباب خلفها، أخذت نفسًا عميقًا وحاولت تهدئة نبضها المتسارع. 

نظرت إلى نافذة الحمام التي تطل على الشارع الخلفي، لم تتردد لحظة واحدة. فتحت الصنبور ليغطي صوت المياه على محاولتها فتح النافذة.  


كانت النافذة صغيرة، لكنها لم تيأس. فتحتها بحذر دون أن تصدر صوتًا.  

عندما نظرت للخارج، رأت أن المسافة بينها وبين الأرض ليست قليلة، لكنها اغمضت عينيها وتمتمت بدعاء سريع قبل أن تضع قدمها على الحافة.  

فجأة، سمعت صوت طرقات عنيفة على الباب 

"كل ده بتعملي إيه عندك؟"  


لم ترد عليه، دفعت نفسها نحو النافذة، لكن صمته لم يدم طويلًا. 

دفع الباب بجسده بعنف مرة بعد أخرى، حتى انفتح. 

رأى ما كانت تحاول فعله، فصاح بغضب  

"يا بنت الـ...، عايزة تهربي؟!"  


في لحظة، حملها من خصرها وجذبها بعنف إلى الداخل.  

أخذت تصرخ وتقاوم 

"سيبني! سيبني يا حيوان"  


رد عليها بتهكم ساخر

"إنتي اللي جبتيه لنفسك يا حلوة"  


دفعها إلى داخل غرفة وأغلق الباب بقدمه ثم ألقي بها على السرير. 

جلست وهي ترتجف، عيناها تملؤهما الرعب

"هتعمل إيه؟ أبعد عني، لاموتك!"  


أخذت تبحث بعينيها عن أي شيء تدافع به عن نفسها.  

حاولت النهوض لكنه أمسك قدمها بقوة وجذبها نحوه. صرخ وهو يقترب منها 

"رايحة فين يا قشطة؟، ده أنا ماسك نفسي عنك بالعافية وقلت أستحمل لحد ما نخلص حوار الورث، لكن حظك خلي الموضوع يتأجل لبكرة، يعني أنا وإنتِ هنفضل لوحدنا، ليلتنا هتكون طويلة"  


حاولت المقاومة بكل قوتها، كانت تصرخ وهو يكتم فمها بيده، و بيده الأخرى حاول رفع ثوبها، قائلاً بلهجة مستفزة

"بطلي حركة! خليكي هادية ومطيعة، ده ليلتنا هتبقى حلوة"  


فجأة، أزاح يده عن فمها وهمّ بتقبيل شفتيها، لكنها كانت أسرع منه. 

عضّته في خده بقوة حتى صرخ من الألم، دفعها بعيدًا وهو يسبّها بأقذر الألفاظ. 


و كان في الخارج أمام المنزل، قد وصل  رحيم للتو و وقف متأملاً لوحة الرقم المثبتة بجانب الباب. 

كانت عيناه تجولان بين الأرقام المدونة على البطاقة في يده وبين تلك المعلقة على الجدار، وكأنه يتأكد من أنه في المكان الصحيح. 

وبينما هو على وشك الاقتراب أكثر، تناهى إلى مسامعه صوت صراخ بعيد، بالكاد يصل إليه.  

ألقى نظرة سريعة حوله، فكل شيء بدا هادئًا، لكن الصوت استمر، صارخًا، مستغيثًا. 


وما إن عبر الفناء حتى تبدلت نبرة الصوت، صارت أوضح، أقرب. 

هذا الصوت، لا يمكن أن يخطئه. 

إنه صوتها، قلبه تسارع كأنه يدق بعنف في محاولة لتسريع خطاه.  

وعندما اقترب من باب الشقة، بدا الصراخ أكثر ارتفاعًا، دفع الباب بقدمه عدة مرات، ولم يتوقف حتى انفتح على مصراعيه. 


دخل يلهث من الانفعال، ينادي بصوت عالٍ 

"أميرة؟، يا أميرة؟" 


و من الداخل، جاء ردها المرتجف مليئًا بالفزع، وكأنها تستغيث بحياتها كلها 

"ألحقوني" 


اندفع نحو مصدر الصوت بلا تردد، حتى وجدها في غرفة داخلية. 

المشهد أمامه أشعل كل غضبه. 

كان محمود، ذلك الذئب الجبان فوقها يحاول الاعتداء عليها بلا رحمة. 

انفجرت طاقة رحيم في جسده، ولم يدع عقله فرصة للتفكير. 

جذبه بعنف من فوق أميرة وسدد له لكمة قوية في وجهه. 

تأوه الأخير، لكنه سرعان ما انتفض واقفًا وكأنه يستعد للرد، لكن رحيم كان أسرع، ركله بقوة في معدته، ما جعله يترنح، ثم قبض على نحره بكل قوته ودفعه نحو الحائط. 


توسلت أميرة بصوت مخنوق ومذعور 

"سيبه يا رحيم، هاتودي نفسك في داهية عشانه، ده كلب ما يستاهلش" 


تردد رحيم للحظة وهو يرى نظرات الرجاء في عينيها، لكنه كان بالكاد يستطيع كبح غضبه.  

أرخى قبضته عن نحر محمود، لكنه لم يتركه دون أن يبصق على وجهه بازدراء.


"قذر!" 

قالها بصوت مليء بالاحتقار، ثم دفعه ليسقط على الأرض يلهث ويكافح لالتقاط أنفاسه. 


رفع محمود عينيه نحو رحيم، وصوته مبحوح من أثر الاختناق 

"والله، والله لأوريك! انت وهي" 


ألتفت رحيم نحو أميرة، يسألها وهو يلهث 

"مين ده؟ وإزاي دخل هنا؟" 


ردت بصوت مبحوح مشوب بالبكاء 

"ده يبقى ابن ماما خيرية، الله يرحمها، شافني وهددني بالمطوه عشان أمشي معاه، قالي إنه لازم أكون موجودة لإعلان الوراثة، لكن طلع كداب، جابني هنا عشان يعمل اللي كان هايعمله زي قبل كده" 


جن جنون رحيم عند سماع كلماتها، وألتفت بحدة نحو محمود الذي ما زال مرميًا على الأرض.  

دون تفكير، سدد له ركلة قوية في وجهه جعلته يتلوى من الألم ويتأوه بشدة. 


تقدمت أميرة بخوف، ممسكة بذراعه 

"بالله عليك كفاية يا رحيم، أنت مش ناقص مصيبة تانية بسببي" 


نظر إليها، وإذا به يرى في عينيها خليطًا من الذعر والخوف. 

لم تكن تخشى محمود فقط، بل كان خوفها عليه، من أن تؤدي أفعاله الغاضبة إلى شيء أكبر. 


هدأ قليلًا، أنزل يديه وهو يكتم غضبه، ثم نظر نحو محمود الذي ما زال متلوّيًا 

وعاد بنظره نحو أميرة، ليجدها تجهش بالبكاء، اقترب منها وربت على كتفها بخفة، محاولًا تهدئتها 

"خلاص، أنا هنا، محدش هيقدر يأذيكي تاني"


مرت ثوانٍ معدودة قبل أن تجد نفسها جالسة في سيارة رحيم، تنطلق بأقصى سرعة، بعيدًا عن تلك الحارة الضيقة المظلمة.


                         ❈-❈-❈


وقفت أمام الموقد تُقلب بيديها المرتجفتين وعينيها المُرهقتين محتويات القدر، تُحضر طعاماً لابنها. 

في الخلفية كانت الهمسات الخافتة من بعض الخدم تتسلل إلى أذنيها، تثير فضولها وتُشعل حنقها.


قالت إحداهن بنبرة خافتة لكنها مشحونة بالفضول

"هي إيه حكاية اللي اسمها دودا؟، دي تاني مرة شيري هانم تعزمها في نفس الأسبوع"


ردت الأخرى بتعجل، كأنها تحمل سراً كبيراً

"أنا سمعت امبارح شيري هانم وهي بتتكلم مع مدام انتصار، قالتلها تحضر الأوضة اللي جمب أوضة أحمد بيه، اللي فهمته إنها هتيجي تقعد هنا، بس هموت وأعرف هتقعد هنا بصفتها إيه؟!"


لم تُكمل الثانية عبارتها حتى أردفت الأولى بابتسامة خبيثة

"مش محتاجة ذكاء يا ناصحة، واضحة أوي، شكل شيري هانم هتجوزها له، يا عيني عليكي يا ست علا، هتلاقيها منين ولا منين"


لكزتها زميلتها في خصرها وهي تهمس بتحذير

"وطي صوتك، لتسمعك وتعمل لنا مشكلة"


لم تمض لحظات حتى ظهرت مديرة الخدم انتصار بوجه متجهم وملامح جامدة تعكس قسوة داخلية.  

وقفت أمام علا وقالت بلهجة جافة

"مدام شيري بتقولك جهزي السفرة وما تنسيش الفروت سالاد بتاع مدموزيل داليا"


رفعت علا رأسها ببطء وحدقت في الأخرى بنظرة غاضبة، شعاع من النار كان يتقد في عينيها وهي ترد بحزم

"تمام، هآكل الولد وهاعمل اللي قولتي عليه"


لكن انتصار بعنجهيتها المعهودة، لم تدع الحوار ينتهي عند هذا الحد. 

 نظرت إلى العاملات اللواتي وقفن يتابعن الموقف وكأنهن يشاهدن مشهداً مسرحياً، ثم التفتت إلى علا وقالت ببرود

"الولد سيبيه للناني تأكله، وأنتي اتفضلي على شغلك"


شعرت علا بالضيق، لكنها لم تُخفِ غضبها وهي ترد بصوت لم يخلُ من تحد

"إنتي بتتكلمي معايا كده ليه؟"


أجابت انتصار بلهجة متعالية

"عشان أنا هنا مديرة كل اللي بيشتغلوا في الفيلا، واللي من ضمنهم أنتي"


ارتفع حاجبا علا في تعجب ساخر، ثم قالت بتحد واضح

"طيب روحي لشيريهان هانم اللي مشغلاكي، وقوليلها علا لما تأكل ابنها هتحضر السفرة والسم الهاري بتاع الآنسة داليا"


تصاعدت الضحكات المكتومة من العاملات الواقفات بجوار الموقد، لكنهن صمتن سريعاً حين التفتت إليهن انتصار بنظرة صارمة، كأنها تُهددهن بالعقاب. عادت بنظراتها إلى علا، التي كانت تتابعها بملامح غاضبة ممتزجة بالازدراء، وقالت بوعيد واضح

"تمام، هاروح أبلغها بكلامك واتحملي النتيجة"


ردت الأخرى بنبرة مقتضبة، مفعمة بالاشمئزاز

"براحتك"


ثم تركت انتصار المكان بخطوات متوترة، بينما بقيت علا أمام الموقد، تقبض الملعقة بيدٍ مشدودة وكأنها تُمسك بآخر خيط من صبرها.


                          ❈-❈-❈


توقفت السيارة فجأة على شاطئ البحر، فكان البحر أمامها واسعًا، مياهه تلامس السماء في امتداد غير محدود. 


نظر إليها نظرة سريعة قبل أن يصدر أمره ببرود

"انزلي"


نزلت من السيارة، وهو يتبعها عن كثب. وقفا على الشاطئ، حيث كانت الأمواج تتكسر على الصخور بينما هو يقف أمامها، غاضبًا للمرة الأولى. كانت تلك هي المرة الأولى التي ترى فيها ملامحه تحمل هذا القدر من الغضب.


سألها بصوتٍ قاسي، حاملاً في طياته عتابًا ثقيلًا

"هربتي ليه من الفيلا؟" 


لم تجب، بل غاصت أفكارها في ذكريات مؤلمة، حينما صمَّت والدته أذنيها بكلمات لاذعة، ملأت قلبها بالحزن والمرارة، واتهمتها بأنها مجرد فتاة من الشارع! تجمعت الدموع في عينيها، قبل أن تقول بصوت يكاد ينكسر

"لأن مكنش ينفع أقعد في بيت حد لا أعرفه، ولا يعرفني، وما بحبش اتحط في محل اتهامات" 


أدرك من ملامحها أنها قد سمعت حديث والدته، وفجأة وقبل أن ينبس بكلمة أخرى، قالت له

"دكتور رحيم، أنت راجل جدع وطيب ومحترم، وابن ناس، ومالكش ذنب أنك تتورط معايا ولا تعمل مشكلة مع والدتك عشاني" 


حدق نحوها بحدة، نبرته تعكس قسوة لم تعهدها

"أنتي جبانة"


شعرت بكلماته وكأنها صاعقة ضربت أذنيها. 

نظرت إليه في دهشة وامتزجت مشاعرها بالضيق، ثم اقترب منها أكثر، حتى أصبحت المسافة بينهما معدومة، وقال

"أيوه جبانة، ما بتعرفيش تواجهي، وكل ما بيحصلك مشكلة بتهربي، ممكن تقوليلي أخرة هروبك ده بيبقى إيه؟" 


وقفت صامتة، لا تملك من الكلمات ما تدافع به عن نفسها. لكن رحيم أكمل حديثه بنبرة صارمة

"أخرتها زي اللي كان هايحصلك من شوية قبل ما أجي وأنقذك من إيد الكلب اللي كان...


قاطعته بغضبٍ غير متوقع، وانفجرت بالبكاء، وأدرَت ظهرها له حتى لا يرى دموعها. 

كان شعور الأسف يعتصر قلبه لرؤية ضعفها بهذا الشكل، لكن كلماته كانت قد سببت ألمًا عميقًا لها.


قالت بصوتٍ مبحوح من بين دموعها، وهي تلتفت إليه

" أيوه أنا جبانة، ماليش حد، معرفش مين أنا، الكل بيتهمني إن واحدة...


كانت تمسح دموعها بيديها، وعينيها تغرقان في بحر من الألم. 

أخرج من جيبه محرمة ورقية، وكاد يمسح بها دموعها، لكنه توقف، معتذرًا قائلاً

"أنا آسف" 


لكنها جذبت المحرمة منه، وجففت دموعها بنفسها، قائلة بصوت ضعيف ولكن عميق

"ما تعتذرش يا دكتور، أنا اللي المفروض اعتذرلك، وعمري ما هنسي وقفتك معايا، وجميلك هايفضل في رقبتي" 


نظرت إلى البحر من حولها، كانت نظراتها تتنقل بين المدى المفتوح والموج المتكسر. 

وبشعور بالضيق العميق اخبرته

"مع السلامة يا دكتور" 


همت بالرحيل، إلا أنه أوقفها بكلماتٍ كانت بمثابة صدمة لم تتوقعها. 

قال لها بصوتٍ جاد، يبدو وكأنها جزء من حلم غير واقعي

"تتجوزيني؟" 


                        ❈-❈-❈

في غرفة الطعام، كانت قد انتهت من إعداد السفرة بعناية. 

 الأطباق موضوعة بإتقان، والملاعق تلمع تحت وهج الضوء، وكأن كل شيء في مكانه ينطق بالأناقة والاهتمام.  

دخلت شيريهان وجهها عابس ونظراتها حادة تنبئ بعاصفة لا مفر منها. 

 جلست على الكرسي، تستند بظهرها بإظهار متعمد لعدم الارتياح.  

كان واضحاً من نظراتها الحادة أن انتصار قد ملأت أذنيها بكل صغيرة وكبيرة، وأنها جاءت محملة برسالة تفيض بالسخرية والانتقام.


لم يمر وقت طويل حتى دخلت داليا بخطوات خفيفة ممزوجة بدلال سافر، وكأنها تعتلي مسرحاً تنتظر التصفيق.

 جلست على الكرسي المقابل لـشيريهان، ثم قالت بلهجة تتصنع البراءة

"هاي شيري، معلش اتأخرنا عليكي، أصل الطريق كان زحمة قوي، وميدو حبيبي اضطر يمشي من طريق تاني بس طويل أوي وخدنا وقت"


علا التي كانت منشغلة بصب الماء من الدورق، أرهفت السمع بلا وعي وانسابت يدها لتسكب أكثر مما يتحمل الكوب. ارتطمت قطرات الماء بالصينية، مما دفع شيريهان لتصيح بحدة

"ما تاخدي بالك من شغلك بدل ما انتي رامية ودانك معانا، طبعاً ما دي عادة الخدامين، تلميع الأوكر"


توقفت علا لبرهة، رفعت عينيها ببطء ونظرت إلى شيريهان نظرة مشبعة بالاشمئزاز، كأنما تقول بلا كلمات إنها تتجاوز كل الحدود. 

 لكن تلك النظرة أشعلت الغضب في عيني شيريهان، التي وقفت بغتة واقتربت منها بخطوات متوترة، وقالت بسخرية

"إيه؟، كلامي جه على الجرح؟!"


تنهّدت علا وهي تحاول كبح أعصابها التي بدأت تفلت منها، ثم ردّت باقتضاب

"السفرة جهزت، عن إذنك"


أدارت ظهرها مستعدة للخروج من الموقف الذي يكاد يخنقها، ولكن صوت شيريهان أتى صارماً كالسيف

"اقفي عندك"


تجمدت قدما علا في مكانهما، وأدركت أن تلك المواجهة لن تنتهي هنا.  

كانت تعلم أن حماتها، لن تضيع الفرصة لتمزيق كبريائها أمام الجميع.  

وفي تلك اللحظة دخل أحمد بخطوات واثقة، فلفت وجوده انتباه الجميع.  

نظر إلى علا ثم توقفت عيناه عندها لوهلة، وكأن بينهما لغة سرية لا يفهمها أحد.


و بالطبع لم تغفل والدته عن تبادل النظرات بين ابنها وزوجته، شعرت بالغليان يتصاعد في صدرها.  

حركت رأسها نحوه وهي تسأل بابتسامة مصطنعة تكسوها نبرة متعمدة لإثارة الغيرة

"إيه الأخبار يا حبيبي؟ مش ناوي تفرحني إنت وداليا؟!"


لم تنتبه علا في البداية إلى ما قيل، أو بالأحرى تظاهرت بعدم الاكتراث، لكنها شعرت بسهم في قلبها حين أدركت القصد من الكلام. 

 حاولت الخروج سريعاً لتتجنب مزيداً من الألم، ولكنها توقفت فجأة كأن قدميها قد تجمدتا في الأرض. 

 السبب لم يكن صوت حماتها هذه المرة، بل كان الرد الذي أتى من أحمد نفسه.


قال بنبرة هادئة ولكن حاسمة، كأنه يقطع بحكم لا رجعة فيه

"بعد يومين إن شاء الله"


كلمات قليلة، لكنها كانت كفيلة بأن تجعل عالم بأسره ينهار بصمت، وكأن الحياة انسحبت فجأة من ملامح وجهها. 


غادرت الغرفة بخطوات مثقلة بالألم، وهي تدرك أن العاصفة لم تهدأ بعد، بل على العكس، ستزداد شراسة في الأيام القادمة.


وإذا بالصغير يركض نحو والدته، يختنق بالبكاء، ويردد بنبرة مفجوعة

"ماما، ماما!" 

 ألتفتت إليه سريعًا، ودنت منه بحنان جارف، ضمته إلى صدرها بحماية أم ترى في صغيرها كل العالم. 

 نظرت إلى المربية بنظرات ممتزجة بالغضب والقلق، وكأن عينيها تسأل بلا كلمات

"حصل إيه؟"


تحاول المربية تبرير الموقف بصوت مضطرب 

"كنا بنلعب، وفجأة لاقيناه بيعيط وبيقول عايز حضرتك"


ارتمي الصغير في حضن أمه كمن وجد الأمان الذي كان مفقودًا.  

راحت تمسد على ظهره برفق، وقالت بصوت خفيض يفيض حنانًا

 "مالك يا حبيبي؟ بتعيط ليه؟"


رفع الصغير رأسه، وعيناه تغرقان في دموع بريئة، وقال بصوت متقطع 

"حمزة عايز يروح بيتنا، هنا وحش"


اقترب أحمد، الذي كان يراقب المشهد بصمت، وانحنى قليلًا ليراعي مستوى الصغير، ثم مسح على ظهره بلطف وقال "حمزة حبيبي، تعالَ هنا عندي"


لكن حمزة، في تمرد طفولي حاد، نفض جسده عنه، وتمسك أكثر بحضن والدته، وهو يرفع صوته

"أنا مش بحبك، أنت بتزعل ماما، ومش بحب نناه، بتزعل ماما"


ألتفت أحمد نحو علا، التي كانت تحملق فيه بنظرات تحمل عتابًا أشد من ألف كلمة. 

حاولت علا تهدئة صغيرها، فابتسمت بحزن خفي 

"مفيش حد يقدر يزعلني طول ما أنت موجود معايا يا حبيبي"


ثم أبعدت رأسه عن صدرها برفق، أحاطت وجهه بيديها كأنها تمسح عن وجنتيه غبار الألم

"ممكن نبطل عياط ونشوف أحلى ضحكة؟"


وكأن كلماتها عصا سحرية، توقف حمزة عن البكاء، وابتسم ببراءة ملأت الغرفة دفئًا. 

 فتحت ذراعيها على وسعهما، وارتمى بينهما كأنه يذوب في عناقها، وهي تغمض عينيها، كأنها تخبئه من هذا العالم القاسي.


وقف أحمد يراقب المشهد بصمت، وتسلل إلى قلبه شعور مختلط بالغبطة والغيرة، تمنى لو كان بإمكانه أن يحظى بجزء ولو ضئيل من ذلك الحب المتدفق، من ذلك الحنان الذي بدا وكأنه لا ينضب.


قطعت علا لحظات السكون بقولها

"يلا يا حمزة، حبيب ماما روح مع الناني وأنا جاية وراك"


أطاع الصغير أوامرها دون تردد، وغادر الغرفة، بينما بقيت هي تتابع أثره بعينيها حتى اختفى عن الأنظار، ثم التفتت نحو زوجها الذي كان ما يزال يحدق بها، وقالت بلهجة حازمة 

"أظن سمعت بودانك وشوفت بعينيك الحالة اللي وصل لها ابني بسببك وبسبب الست والدتك، ياريت ومن غير جدال تطلقني، وكل واحد يروح لحاله"


لم يمهلها الوقت للرد، إذ انطلقت شيريهان بنبرة لا تخلو من الاستعلاء

 "حفيدي مالوش مكان غير بيت أهل أبوه الله يرحمه، إنما إنتِ لو مش عاجبك عيشة الفلل والقصور، أو مش متعودة عليها، اتفضلي ارجعي للحارة اللي كنتِ عايشة فيها"


التفتت علا إليها، والشرر يتطاير من عينيها، وردت بحدة 

"أنا موجهتش الكلام ليكي، ولولا إنك ست كبيرة في سن والدتي، كان هيبقى ليَّ رد تاني خالص على اللي بتعمليه معايا"


تدخل أحمد بلهجة صارمة، محذرًا إياها 

"علا، احترمي نفسك وخدي بالك إنك بتتكلمي مع أمي"


انفجرت الأخرى غير قادرة على كبح جماح غضبها المكبوت 

"مش لما تحترموا نفسكم أنتم الأول!، أنا من وقت ما جيت المكان الملعون ده وأنا بتذل وبتهان، وأنت شايف وسامع وبتكمل عليَّ، كان عندي حق لما ما صدقتش الأوهام ولا الكدب اللي كنت بتحاول تقنعني بيه، ومش هاستغرب أنت ليه عملت كده، لأنك ابن شيريهان هانم، ابن أمك.... 


وقبل أن تنهي عبارتها، باغتها بصفعة مدوية، تردد صداها بين جدران الغرفة، تاركة الجميع في صدمة مروعة!


يتبع..


#الفصل_الثاني_عشر

#غرام_الذئاب

#الجزء_الرابع_من_سلسلة_صراع_الذئاب

#ولاء_رفعت


ناديت باسمـك، لا أدري بما اعتصرت

روحـي

أهذا نجـاة؟! أم بداية عمـري؟!

في الليل خوفي قد تهاوى الأمنُ واحترقا

وتاه صوتي بين أصداء الأسى غرقًا

عيناي مغمضة، لكني أبصر الظلما

أرى القيود، أرى شِباك الخوف مُندفقًا


تدخل أحمد بلهجة صارمة، محذرًا إياها 

"علا، احترمي نفسك وخدي بالك إنك بتتكلمي مع أمي"


انفجرت الأخرى غير قادرة على كبح جماح غضبها المكبوت 

"مش لما تحترموا نفسكم أنتم الأول!، أنا من وقت ما جيت المكان الملعون ده وأنا بتذل وبتهان، وأنت شايف وسامع وبتكمل عليَّ، كان عندي حق لما ما صدقتش الأوهام ولا الكدب اللي كنت بتحاول تقنعني بيه، ومش هاستغرب أنت ليه عملت كده، لأنك ابن شيريهان هانم، ابن أمك.... 


وقبل أن تنهي عبارتها، باغتها بصفعة مدوية، تردد صداها بين جدران الغرفة، تاركة الجميع في صدمة مروعة!


كانت الصدمة كالصاعقة التي هوت على رأسها دون سابق إنذار.  

أكانت هذه صفعة؟، بل طامة كبرى ضربت صميم كرامتها!، أكان يثأر لوالدته أم لنفسه؟

نظراته إليها لم تقل صدمةً عن صدمتها، كأنها مرآة تعكس ارتباكه وهو يسأل نفسه، كيف سمحتُ لنفسي أن أفعل ذلك؟


عيناها الغارقة بالدموع، لم تحمل إليه سوى سؤال واحد -لماذا؟-، ذلك السؤال الذي خنق صوتها، ولكنه زأر في صمتها، كأنه طعنة تسري في صدره.  

بينما هي فقد شعرت بمزيج من القهر والخذلان، قهر أشبه بحرقة نيران مستعرة وألم أعمق من أن يصفه الكلام.  

كان ينبغي له أن يكون سندها وحاميها من غدر والدته، لكنه اختار أن يغرس الخنجر في قلبها بدلاً من ذلك، لذا ما فعله لم يكن سوى القشة التي قسمت ظهر البعير، فكيف يمكن أن تلتئم الجراح بعد هذا؟! 


لو كان للمشاعر صوت، لكانت الآن صرخة غضب تجلجل كغليان ماء المهل الذي بلغ الغليان ذروته، داخلها نيران قد بلغت عنان السماء. 

لم ترَ أمامها سوى شيء واحد، شيء لا يحتمل التأجيل، نظرت أولاً إلى حماتها التي كانت تبتسم بشماتة تُشبه سِمًا يتقطر من عينيها، ثم التفتت إلى تلك الدخيلة التي وضعت يدها على فمها كأنها تحاول إخفاء ابتسامة انتصار، لكنها لم تخفَ عنها، كانت نظراتها نسخة أخرى من نظرات شيريهان في مشهد درامي لا يحتمل المجاملة.


عادت لتحدّق إليه، ذلك الذي تجمد في مكانه، وكأن الزمن قد توقف عنده.  

عيناه كانتا مزيجًا من ذهول وندم، لكنه لم يتحرك قيد أنملة. 

وهنا قررت أن تُعيد إليه ما فعله، ولكن على طريقتها! 

فجأةً وفي لحظة لم يتوقعها أحد، رفعت يدها وصفعته صفعة مدوية ملأت المكان، تلتها أخرى دون تردد، وكأنها كانت تسترد شيئاً من كرامتها المسلوبة.


الدهشة علت وجوه الجميع، لكنه كان الأكثر ذهولاً بينهم. 

فذلك الغضب الكامن في أعماقها كان أقوى من أن يُحتوى، وأشد من أن يُكبح.

لم تكتفِ بالصفعتين، بل اندفعت تصرخ من ألم قلبها، تضربه في صدره بكل ما أوتيت من قوة، وعيناها تشتعلان غضبًا ووجعًا. 

تردد بصوت منكسر لكنه مزلزل

"ما تمدش إيدك عليَّ، أنا بكرهك، أنا بكرهك"


كان جسده يهتز مع كل ضربة تسددها إليه، لكنه لم يحاول إيقافها. 

ظل واقفًا، مستسلمًا أمام زوبعة انفعالاتها، يراقبها في ذهول غير مصدق للحالة التي وصلت إليها. 

يدرك أنها لم تكن تضربه بقدر ما كانت تفرغ جرحًا نازفًا في روحها.


اجتمع الخدم على وقع صراخها، تكدسوا عند باب القاعة، عيونهم متسعة بالدهشة والخوف. 

لمحتهم شيريهان فانتفضت غاضبة، تصيح بهم في حدة

"إنتم واقفين بتعملوا إيه؟، كل واحد يروح على شغله، بره"


ما إن دوى صوتها في المكان حتى تفرقوا على الفور، كأن رياحًا عاتية دفعتهم بعيدًا.

بينما هو ما إن أدرك أن الأمور خرجت عن السيطرة، حتى قبض على معصمي علا بقوة ناظرًا في عينيها مباشرةً. 

كانت أنفاسها متسارعة، والدموع تغرق وجهها، لكنه لم يمهلها لحظة أخرى.  

فجأة انحنى وحملها على كتفه بقوة، غير عابئ بصراخها أو تململها، سار بها أمام أمه و داليا التي ظلت تتابع المشهد في صمت، تتأرجح نظراتها بين الدهشة والغضب.


"نزلني، نزلني بقولك، أنا بكرهك"

كانت كلمات صراخ علا و هي تضربه على ظهره، تحاول الفكاك من قبضته، لكنه لم يُعر صراخها أي انتباه، صاعدًا بها درجات السلم بثبات، يتجه نحو غرفته في الطابق العلوي، بينما ضجيج اعتراضها يتردد في أنحاء القصر، شاهقًا كنداء جريح.


و بمجرد أن وطأت قدمه الغرفة، دفع الباب بقدمه خلفه فأحدث صوتًا ارتجت له جدران المكان، ثم أطبق عليه بعنف. وقفت أمامه بثبات، وعيناها تتفحصان المكان حتى أدركت أنها في غرفته. التفتت إليه وشرر الغضب يتطاير من عينيها، فهتفت بحدة

"أنت جايبني هنا ليه؟!، ناوي تاخد حقك مني؟، ولا كرامتك اتجرحت لما رزعتك قلمين؟!، أنت اللي بدأت وأنا حذرتك قبل كده وقلتلك لو مديت إيدك عليا ها.... 


كانت تشير بإصبعها نحوه في تحذير صارم، غير أن كلمتها انقطعت حين جذبها نحوه علي غفوة منها ودون أدنى تمهيد، التهم شفتيها في قبلة خاطفة، سرعان ما تحولت إلى عناق طويل محموم، حمل بين طياته شوقًا جارفًا ورغبة متقدة.


تلاشت حدة الغضب في عينيها، وسرعان ما تحولت من عاصفة هوجاء إلى نسمة وادعة تتهادى بين ذراعيه، كأنها فقدت السيطرة على نفسها، أو كأن الزمن توقف عند تلك اللحظة.  

كان ينهل من شفتيها بشغف، بينما هي غارقة في دوامة من المشاعر المتناقضة، تضيع بين أحضانه وكأنها قبلة المحياه التي أعادت إليها أنفاسها.


وحين بدأ كلاهما يلهث ابتعدا قليلًا، فأسند جبهته إلى خاصتها، يستجمع أنفاسه المبعثرة، ثم همس بصوت خافت تغلفه نغمة ساخرة

"لسه بتكرهيني؟"


جملته باغتتها كصفعة أيقظتها من نشوتها العابرة، كأنها استيقظت من حلم لم ترد أن ينتهي.  

انتفضت و تراجعت خطوة إلى الوراء، حدّقت فيه بعينين متقدتين غضبًا، ثم صاحت

"أيوه، بكرهك ومش عايزة أقعد ثانية واحدة هنا، هاخد ابني وأمشي ومش خايفة لا منك ولا من مامتك، وأظن خلاص هي لاقيت لك الزوجة اللي تليق على أحمد بيه الشريف ابن الأكابر"


راقبها بصمت ثم لمعت ابتسامة خفيفة على طرف شفتيه حين لمح غيرتها الصريحة التي فاضت من كلماتها، لم يكن بحاجة إلى تأكيد، فقد رآها في عينيها قبل أن يسمعها من شفتيها.  

حك ذقنه بنظرة ماكرة وسألها بصوت يحمل من التحدي بقدر ما يحمل من السخرية

"بتغيري عليا؟"


اتسعت عيناها دهشة وأنكرت مشاعرها، يكفيها ضعفًا أمامه، رفعت ذقنها بتحد مصطنع وقالت بجمود

"وهغير عليك ليه؟، فوق من الوهم اللي أنت عايش فيه، أنا مش بحبك ووافقت على الجواز منك عشان خاطر ابني وبس"


تحرك نحوها خطوةً فتراجعت مذعورة، حتى كادت تتعثر في الكرسي خلفها، فامتدت يده في لمح البصر وأحاط خصرها ليمنع سقوطها.  

التصقت أنفاسها بأنفاسه، واشتعلت نظراته ولهًا وهو يهمس بنبرة سلبت عقلها واضطربت لها أنفاسها

"طب واعترافك ليا لما كنا في شقتي؟، وكل اللي حصل ما بينّا هناك؟، واللي شايفه في عينيكي دلوقتي؟، واللي حصل من شوية؟، كل ده ومش بتحبيني؟!"


كانت كلماته تحاصرها كطوفان لا مفر منه، وأذناها تسمعان صوته، لكن قلبها كان قد أعلن العصيان عليها.  

نظرتها المرتجفة تنضح بالعشق، لكن ما إن تذكرت ما فعله بها منذ أن أحضرها إلى الفيلا حتى اشتعلت النيران في داخلها من جديد، خاصة حين لمحت داليا...


همست بصوت متحشرج وكأنها تنتزع الكلمات من قلبها انتزاعًا

"كنت، كنت حبيتك وأمنت لك قبل ما أكتشف خداعك وكذبك عليّ"


كأنما أطفأت كلماتها اللهب في مقلتيه، فاحترقت ملامحه بخيبة مفاجئة.  

صرخ بها بصوت تخللته نبرة خذلان موجعة

"افهمي بقى عشان خاطري و لو لمرة واحدة، أنا عمري ما كذبت عليكي، الكلام اللي سمعتيه بيني وبين أمي هو اللي كدب، هي اللي فهمتك إني بضحك عليكي عشان تفضلي إنتي وحمزة تحت سيطرتنا"


نظرت إليه بغضب لا يهدأ، وهتفت بحدة تتخللها مرارة الشك

"وفرضًا لو أنا صدقت كلامك، ليه بتقولها كده؟ ليه بتخبي عليها مشاعرك ليا؟!، إنت بتضحك عليا ولا عليها! ولا على نفسك!، ولا خايف من إيه بالظبط؟"


ارتجف شيء في عينيه، كأنها أصابته في موضع لم يكن يتوقع أن يُمس.  

أطرق برأسه للحظة، ثم رفعها مجددًا وهزها بسأمٍ وحيرة

"أنتي ماتعرفيش حاجة ولا فاهمة حاجة"


كانت كلماته تلك بمثابة ستار أسدل على المعركة الدائرة بينهما، لكنها لم تكن نهاية الحرب، اضطربت الأجواء و كأن السماء تلبدت بغيوم ثقيلة تعكس ظلمة المشاعر المتشابكة بينهما. 

وقف كلاهما في مواجهة الآخر، بينما كانت نبراتها الحادة تقطع سكون الغرفة كخنجر يشق ستار الليل.

ابتسمت بسخرية ثم قالت بلهجة مشوبة بالتحدي

"لاء، أنا فاهمة كل حاجة يا أحمد بيه، وشايفة بعينيا الحقيقة كلها" 


ابتلعت ريقها الجاف، كأنها تحاول دفع مرارة الكلمات العالقة في حلقها، قبل أن تتابع بصوت أكثر حدة، صوت يشبه احتدام العاصفة قبل انفجارها

"على فكرة أنا مش هضايق ولا هغير عليك زي ما أنت فاهم، لو خطبت أو اتجوزت داليا أو غيرها، ولا فارق معايا أصلاً، بس اعمل حسابك المأذون اللي هاتجيبه عشان تكتب كتابك عليها، هتخليه يطلقنا، وما تقلقش أنا متنازلة عن كل حقوقي، حتى حق ابني في الميراث اللي خايف عليه أنت والهانم والدتك، ولعلمك لو ما نفذتش اللي بقولك عليه هاخد ابني، والمرة دي هاسيبلك البلد كلها، ومش هاتعرف لي طريق جره" 


تغيرت ملامحه في لحظة، كأن صاعقة ضربت قلبه. 

انقبض فكه بشدة حتى برزت عظامه، واشتعلت عيناه ببريق قاتم، يخبرها بصمته أنها تخطت الحدود. 

نظر إليها بثبات لكن توتر عضلاته أفشى عنف العاصفة التي تتخبط داخله. 

فقط فكرة هروبها مرة أخرى كانت كفيلة بإشعال نيران في دمائه، كأنها تضع أصابعها على جرح مفتوح، تضغط عليه بلا رحمة.


أطلق زفرة طويلة، محاولة أخيرة لكبح جموح نفسه ثم قال بصوت هادئ لكنه يخفي وراءه عاصفة لا تقل عن تلك التي اجتاحت ملامحه

"أنا مراعي الظروف النفسية اللي بتمري بيها، وهاعمل نفسي مش سامع حاجة، بس عايزك تفهمي إنك طول ما أنتي معايا، هتبقي في أمان وفي حمايتي" 


رفعت عينيها نحوه بعدم فهم، بينما كان في داخلها إصرار لا يلين على معرفة ما يدور في رأسه.  

تشابكت أفكارها واختلطت بمخاوفها، لكنها لم تتراجع بل واجهته بسؤال جاء كطعنة في صدر صبره المتهاوي

"و عشان أكون في أمانك وحمايتك، أفضل مغصوبة على العيشة هنا تحت رحمة شيريهان هانم؟!، تهيني وتذل فيا؟!" 


كان الصمت الذي تبع سؤالها أكثر قسوة من أي إجابة قد يُلقيها.  

التقت نظراتهما، أحدهما يحمل الغضب والتحدي، والآخر يشتعل بالصراع. 

  في تلك اللحظة، لم يكن هناك سوى صدى أنفاس متوترة، نبضات تتسارع في صدرين يرفضان الانكسار.


أحاط وجهها بين كفيه، وعيناه تفيضان بحنان غامر، كأنما يغترف من معين قلبه ليمنحها الطمأنينة التي فقدتها. 

همس بصوت يلامس نبضات فؤادها

"حقك عليا"


ثم انحنى وطبع قبلة دافئة على جبهتها، كأنما يختم بها عهده المقدس.  

تابع بنبرة حازمة لكنها لا تخلو من الرجاء

"مش هاسمح لحد يهينك أبدًا تاني، بس عايزك توعديني ما تتصرفيش من دماغك وتعملي أي حاجة من ورايا"


أطلق زفرة طويلة كأنما يُلقي بها أعباء أثقلت صدره، ثم أردف بنظرة متوسلة

"اوعديني"


كانت تحدق في عينيه، تقرأ فيهما مزيجًا عجيبًا من الخوف واللهفة، ممزوجًا بعشق تحاول الفرار منه، لكنها تخشى أن يفتك بها الندم إن استسلمت.  

عقلها يصرخ بها ألا تنخدع مجددًا، أن تظل حبيسة حصونها العالية، فأي ضمان لها أن المستقبل لن يكون مرآة للماضي!


وفي لحظة تحفزت ملامحها، وارتدت قناع القوة والتحدي، ثم نطقت ببطء، كأنها تحفر كل كلمة في كيانه

"أوعدك، بس وعد مع أول فرصة مناسبة تجيني هاخد ابني وأبعد عنكم وأكون في أمان، حتى لو كان المكان ده في جهنم، هايكون أرحم ألف مرة من وجودنا معاك إنت والست الوالدة"


نفضت يديه عنها، و وقع كلماتها علي مسامعه احرقت روحه بقسوة، وقف متجمدًا يحاول استيعاب ما تفوهت به للتو. 

بينما هي فقد أدارت ظهرها، ومضت بخطوات سريعة نحو الباب، فتحته وخرجت ثم أغلقته خلفها بعنف، صدرها يعلو ويهبط في اضطراب.


كانت دموعها تتراقص في مقلتيها، لكنها تأبى السقوط، تصارع وجعها الذي ينهشها بلا رحمة.  

أرادت الصراخ، أرادت أن تمزق هذا القلب الذي يعشقه ويصدق كل كلمة قالها، لكنه في الوقت ذاته يكبلها بسلاسله.


و بالعودة إليه، فما إن أدرك أنها غادرت حتى لم يستطع كبح جماح غضبه المتفجر، فإذا به يركل ويقذف كل ما تقع عليه يداه، يقلب محتويات الغرفة رأسًا على عقب، يصيح كليث جريح في أوج عنفوانه.


و خارج الغرفة، كانت و مازالت واقفة، تستمع إلى صراخه الهائج وما يحدثه من دمار، لكن ما أثقل عليها لم يكن صوته، بل صدى كلماتهما الذي ظل يتردد في عقلها كضربات طبل جنائزي. 

لم تحتمل أكثر فاستدارت مسرعة تهبط درجات السلم.


و إءا بها تجد حالها وجهًا لوجه أمام حماتها التي وقفت بجوار غريمتها.

حدقت فيهما بنظرة ملؤها الازدراء، عبرت من خلالها عن كل ما يعتمل في صدرها من احتقار وقهر ثم واصلت ركضها، غير عابئة بشيء حتى وصلت إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها، اسرعت نحو الفراش و امسكت بوسادة صغيرة لتفرغ بها صرخاتها دون أن يسمعها أحد سواها! 


                          ❈-❈-❈


تقود سيارتها عبر الطريق الطويل، حيث بدت وكأنها تسير بلا وجهة، مستغرقة في أفكارها المتشابكة. 

انسابت الأغنية الحزينة من مكبرات الصوت لسيارتها، كأنها تعكس حالتها النفسية المضطربة، لتزيدها انغماسًا في دوامة من المشاعر المختلطة.


في المقعد الخلفي علت أصوات طفليها، كليهما يتشاجران حول اللوح الألكتروني، كل منهما يحاول انتزاعه من يد الآخر.  

لم يتوقف الصغير عن مناداة والدته بإلحاح

"مامي، مامي، زينب مش عايزة تديني التاب بتاعي"


لم تتأخر شقيقته في الرد وهي منشغلة بشاشة الجهاز، قائلة ببراءة دفاعية

"قولتلك يا لوكا هلعب شوية، التاب بتاعي فصل شحن، اسكت بقى هخسر الـGame"


نفخ مالك بضيق وعاود النداء

"مامي، مامي؟"


نظرت إليه والدتع عبر المرآة الأمامية، نظرة واحدة كانت كفيلة بأن تسكته فورًا، إذ تراجع في مقعده مرتعدًا.  

فجأة هدأت سرعتها، ثم أوقفت السيارة بعنف على جانب الطريق، وانفجرت في صرخة مدوية

"مامي، مامي، مامي!، فيه إيه؟، عايزين مني إيه؟!، أقسم بالله يا مالك، كلمة كمان وهلف وارجع على القصر، هسيبك مع دادة زينات، وهاخد أختك ونروح لجدك"


اتسعت عينا صغيرها بحزن وانكمشت شفتاه وهو يحاول كتمان دموعه التي تجمعت عند أطراف عينيه، خفض رأسه والتزم الصمت. 

بينما شقيقته فلم تكن تبالي بما يحدث حولها مستغرقة في لعبتها الإلكترونية.


استدارت إليها صبا بحزم

"زينب؟"


رفعت الصغيرة رأسها ونظرت إليها ببراءة، مجيبة

"نعم يا مامي؟"


"إدي لأخوكي التاب بتاعه، ولما نوصل عند جدو ابقي اشحني بتاعك وألعبي عليه براحتك، سمعاني؟"


أومأت الصغيرة برأسها، إشارة على الامتثال، رغم أنها اعتادت على العناد والمخالفة.


عادت الأخرى تنظر إلى الطريق أمامها، بينما كانت غصة ثقيلة تخنقها.  

رغبة عارمة في البكاء والصراخ كانت تتأجج في صدرها، لكنها تماسكت، خشية أن يشعر أطفالها بشيء.  

لم تكن تريدهما أن يروا هشاشتها، ألا يدركوا ثقل الأحمال التي تنوء بها روحها.


فجأة، اهتز هاتفها الموضوع على المقعد المجاور، نظرت سريعًا إلى اسم المتصل فوجدت أنه هو. 

يبدو أنه قد علم بمغادرتها للقصر، وهو الآن يستعد لفعل ما اعتاد فعله دائمًا.


زفرت بمرارة وهي تدرك في قرارة نفسها أنها لم تعد تحتمل أكثر من ذلك.

إذا بها تنتابها نوبة من البكاء المفاجئ، فانهارت دموعها كالسيل المنهمر، تبكي بحرقة لا تدري منبعها، وكأنها طفلة صغيرة تسكن روحها قد أطلقت من أسرها، فشرعت تبكي بلا قيد.  

أثارت حالتها دهشة طفليها اللذان كانا يلعبان بالقرب منها، فتبادلا النظرات بحيرة ثم هرعا إليها وضعا أيديهما الغضة على كتفيها في حنو طفولي، وسألاها بصوت متداخل

"مالك يا مامي؟"


كفت عن البكاء شيئًا فشيئًا، تسارعت أنفاسها المضطربة وهي تلتقط محرمة ورقية، تمسح بها دموعها التي تركت أثرًا رطبًا على وجنتيها، وتجفف سيل أنفها الذي جرى مع الدموع كأنهما شريكان في الحزن.  

استدارت قليلًا و مالت برأسها لتكون على مستوى نظرهما، ارتسمت على شفتيها ابتسامة واهنة تخبرهما بصوت مبحوح، يخفي أكثر مما يبوح

"مفيش يا حبايبي، ألعبوا مع بعض وبلاش تتخانقوا لو بتحبوا مامي"


أومأ الصغيران برأسيهما الصغيرين، ورددا بصوت موحد، يحمل براءة الطفولة وسذاجتها

"أوك مامي"


عادا إلى لعبهما كما لو أن شيئًا لم يكن، بينما عادت هي إلى شرودها، تنظر إلى الأمام بعينين شاردتين، وكأنها ترى ما حدث معها يتجسد أمامها كمشهد سينمائي يُعرض علي شاشة التلفاز... 


"أنا عايزة أتطلق"


أطلقت طلبها، وكانت تتوقع أن يتكرر المشهد ذاته كما في كل مرة تفوهت بها بهذا الطلب قديمًا في بداية زواجهما.

لكنها تلك المرة لم تجد الصدى المعتاد؛ لم يشتعل في وجهها غضبه، ولم ينفجر بصوته الجهوري نافياً مجرد الفكرة. 

بل على العكس باغتها بابتسامة باردة ثم استدار عنها متجهًا إلى غرفة الملابس.


لحقت به بخطوات سريعة وقلبها ينبض بقوة وكأنها تدرك أنها تقف الآن عند مفترق الطرق. 

رأته يفك طوق بنطاله تمهيدًا لنزعه، فازدادت ثورتها. 

عقدت ساعديها أمام صدرها ونبرتها تحمل إصرارًا لم تعهده في نفسها من قبل


"أنا بتكلم جد المرة دي، مش زي كل مرة قبل كده طلبت منك الطلاق، أنا عايزة أتطلق يا قصي" 


لم يلتفت إليها، وكأنها لم تكن.  

ارتدى بنطالًا قطنيًا، ثم قميصًا بنصف أكمام برزت من خلاله عضلات جسده المشدود.  

أنهى ارتداء ثيابه و ألقى نظرة على هيئته في المرآة، هندم خصلاته التي تبعثرت قليلًا. 

كل هذا وكأن حديثها كان مجرد همهمة عابرة لا تستحق حتى الرد.

استدار نحوها أخيرًا، وعيناه تحملان برودًا نقيضًا لطبيعته الثائرة. 

مالت زاوية فمه بابتسامة ساخرة وقال بنبرة هادئة تُغضبها أكثر 

" هعمل نفسي ما سمعتش حاجة، وأحسن كده عشان مصلحتك"


ثم غمز لها بعينه، ودفعها بكتفه لتتنحى جانبًا وهو يعبر خارجًا.  

وقفت في طريقه بعناد، عيناها تتوهجان بالتحدي والإصرار، وأخبرته بصوت ثابت

"تمام، طالما بتستهزئ بكلامي وواضح إنك مش هتنفذ اللي أنا عايزاه، فأنا هسيب لك القصر وهاروح أقعد عند بابي، وهو اللي هيعرف يتصرف معاك، لأن أنا خلاص فاض بيا منك" 


ظهر على ثغره نصف ابتسامة بزاوية، ذلك التعبير الذي تعرفه جيدًا؛ عندما يكون في أوج غضبه، لكنه يُحكم إخفاءه خلف قناع من اللامبالاة.  

اقترب منها بخطوات محسوبة، وربت بأطراف أصابعه على أسفل خدها بلمسة حادة تحمل من الاستهزاء أكثر مما تحمل من الحنان، ثم همس بصوت منخفض لكنه حاد

"لو قد الكلام اللي لسه قايلاه اعمليها وساعتها مش هتلومي غير نفسك" 


في تلك اللحظة، شعرت وكأن البث قد انقطع عن الشاشة، فعادت مجددًا وهي أسيرة حزنها.

تخشى العواقب الوخيمة لقرارها، وهي التي ستدفع الثمن في النهاية.  

لكنها كلما تذكرت إهاناته المتكررة، كلماته الجارحة وتهديداته، ازداد إصرارها على ألا تعود عن قرارها.


لقد حسمت أمرها، ستتركه وتذهب إلى والدها. 

وإن خذلها هذه المرة كما فعل سابقًا، ستلجأ إلى زوجة والدها التي هي أيضًا زوجة والده.  


أدارت المحرك و انطلقت بسرعة، متجهة نحو وجهتها الوحيدة الآن-قصر والدها-


                         ❈-❈-❈


تصب الشاي في الفنجان أولًا ثم تضيف إليه الحليب ببطء، تراقب زوجها بعينين يملؤهما القلق.  

فكان زوجها شاردًا، ينظر إلى اللاشيء وكأنه يحمل على كاهله ثقلًا من الهموم لا قبل له به.  

لم تستطع أن تصمت أكثر، فوضعت الإبريق برفق على الطاولة، ثم سألته بحنو واضح

" مالك يا عابد؟، من وقت ما بدأنا نفطر مكلتش غير لقمة صغيرة وقاعد سرحان مع نفسك، هما صبا وقصي كويسين؟"


رفع رأسه إليها، ابتسم ابتسامة واهنة. كانت تفهمه دون أن ينطق وكأن ما بينهما لم يكن مجرد زواج بل رباط روحي يتجاوز حدود الكلمات.


تنهد بعمق ثم أجاب بصوت منخفض

" خايف أوي على صبا من دماغها وطبع العند اللي عمره ما بيتغير، بل بيزيد مع الوقت، أنا عارف إن قصي بيحبها وبيعشقها كمان، لكن كل واحد فينا ليه طاقة تحمل، وخوفي إنهم يوصلوا لنقطة صعبة، وأنتي فاهمة إيه اللي ممكن يحصل لا قدر الله"


تركت الإبريق على الطاولة، ثم وضعت يدها برفق على يد زوجها، كأنها تحاول أن تنقل إليه بعضًا من سكينتها.  

نظرت إليه بعينين مطمئنتين، وقالت بهدوء

"ما تقلقش يا حبيبي، أمورهم بإذن الله هتتحل" 


ترددت للحظات وكأنها تحاول أن تزن كلماتها قبل أن تنطق بها، لكنه كان ينظر إليها نظرة تحثها على إكمال حديثها، فتابعت بصوت خافت

"أنا كنت زيها في يوم من الأيام، بس الفرق بيني وبينها إنها حبت جوزها رغم إنكم أجبرتوها على الجواز في البداية، هي كمان عشقته، طبيعي يحصل بينهم مشاكل واختلافات زي أي اتنين متجوزين، المشكلة الحقيقية إنهم مايعرفوش إزاي يتعاملوا مع المشاكل دي صح، يمكن اللي بيحصل ده مجرد نتيجة ملل وفتور، أو يمكن هي عايزة تلفت انتباهه واهتمامه بيها، عشان كده بتعند معاه، يمكن محتاجة دلع" 


توقفت قليلًا، ثم تابعت بنبرة أكثر عمقًا

" قصي حنين جدًا، بس عيبه نفس عيب باباه الله يرحمه، على قد ما هو حنون على قد ما لما بيقلب بتتحول الحنية لقسوة، لأنهم للأسف ما بينسوش الإساءة وبيحبوا ياخدوا حقهم، حتى لو من أقرب الناس ليهم"


كان يستمع إليها بإمعان، كأن كلماتها تحفر داخله، لكن قبل أن يتمكن من الرد، قطع صمت اللحظة صوت جرس الباب. نهضت إحدى الخادمات لتفتح وسرعان ما اندفع الصغيران إلى الداخل، يهللان بفرح لرؤية جدهما والسيدة جيهان التي بمثابة جدتهما.


وقف عابد متوجهًا نحو ابنته التي دخلت إلى بهو الاستقبال، لكنها توقفت في مكانها فجأة، وكأن قدميها عجزتا عن التقدم. 

لم تمر سوى لحظات حتى اقترب منها، فما كان منها إلا أن ارتمت في حضنه، وانفجرت في بكاء مرير.


                          ❈-❈-❈


داخل قاعة المؤتمرات في مدينة العلمين، حيث يُقام تكريم لأشهر الفنانين التشكيلين.


في المقاعد القريبة من المنصة، جلس كلا من يونس وكارين متجاوران، يتبادلان الهمسات، بينما تعلو وجهها ابتسامة مشرقة، تتخللها بين الفينة والأخرى ضحكات خافتة.  

لكن ذلك المشهد لم يكن ليعبر بسلام أمام ذاك الجالس على مقربة منهما، عينيه تتابعهما بريبة. 


فجأة، قطع صوت مسئولة الإعلام شروده

"والآن، سيتم توزيع الجوائز المقدمة برعاية الشركة الراعية، والتي يملكها الأستاذ مهند عبد الرحمن"

"أستاذ مهند، اتفضل"


بخطواتٍ واثقة، نهض وتسربت إلى شفتيه ابتسامة باهتة، ثم أومأ برأسه تحيةً قبل أن يصعد إلى المنصة. 

وما إن التقت عيناه بعيني يونس، حتى تلاشت ابتسامة الأخير، حل محلها وجوم شديد وسرت في أوصاله نار غضب مكتوم.


أخذ يتمتم بين أسنانه، صوته بالكاد يصل إلى كارين، لكنه كان مشبعًا بالاستياء "كنتي عارفة إن الزفت ده معانا هنا؟"


تداركت كارين الموقف، وهمست إليه بلهجةٍ مهدئة، تحاول امتصاص انفعاله "والله ما كنت أعرف إنه هيبقى من أكبر السبونسر للحفلة، لسه عارفة زيي زيك دلوقتي"


لكن كلماته التالية جاءت أكثر حدة، خرجت من بين أسنانه كأنها تهديد محكم

"أنا ممكن أقوم أخدك من إيدك، نعمل تشيك أوت ونمشي"


رفعت نظرها إليه بتوسل ثم ألقت نظرة خاطفةً حولها، لتدرك أن بعض الحضور قد بدأوا يلتفتون إليهما بفضول خفي.

اقتربت منه أكثر، وهمست بحذر

"اهدى يا يونس، الناس عمالة تبص علينا"


ارتفع صوت مسئولة الإعلام من على المنصة معلنة بصوت مميز

"ومع صاحبة الجائزة الأولى، الفنانة كارين رسلان العزازي، فلتتقدم إلى المنصة"


نهضت كارين ببطء، تتراقص أنفاسها بين التردد والقلق، عيناها تتنقلان بين زوجها الذي بدا كبركان يوشك أن ينفجر، والمنصة التي تنتظر صعودها. 

خشيت أن ينفذ صبره في لحظة طائشة فيثير فضيحة تقلب هذا الحفل رأسًا على عقب. 

التفتت نحو يونس الذي أومأ إليها على مضض، إيماءة أقرب إلى الأمر منها إلى التشجيع.


ازدردت ريقها ثم توجهت إلى المنصة بخطوات محسوبة، لا تخلو من الرهبة. كان ثوبها الأزرق ينحت جسدها برقي، يُبرز انحناءاتها دون ابتذال، يزيدها سحرًا فوق سحرها الطبيعي.  

بدا وكأن اللون قد وُجد خصيصًا ليعانق بهاء بشرتها، بينما خصلاتها الذهبية المرفوعة في أناقة، فقد أضفت على عنقها الأبيض المياس إشراقةً ملكية.


وحين بلغت المنصة، وجدت نفسها تقف أمام مهند، عيناها اصطدمتا بعينيه، فتلبثت للحظة.  

نظراته لم تكن عادية، بل حملت شيئًا جعل قلبها يجفل في صدرها.  

أصابها التردد في مد يدها لتستلم الجائزة وكأن تلك المسافة الضئيلة بينهما صارت فجوة متسعة.

اقترب منها برأسه قليلًا وهمس دون أن تفارق عينيه عينيها

"أهلًا وسهلًا يا فنانة، نورتي المؤتمر"


ابتسمت و اجابت بصوت لم يخل من التوتر

"أهلًا"


قطع جملتها بابتسامة جانبية، وهو يمد لها الجائزة

"اتفضلي و بالتوفيق"


مدت يدها، لكنها ما إن لمست الجائزة حتى أحست بحرارة أنامله تلامس أناملها للحظة خاطفة. 

رفعت عينيها إليه مجددًا فوجدته يبتسم ابتسامة خفيفة و غامضة، وكأنه يدرك تمامًا ما يفعله.


بينما الجهة المقابلة في الصفوف الأمامية، كان يونس يراقب المشهد بعينين تضيقان شيئًا فشيئًا حتى كاد الشرر يتطاير منهما...


مازال مهند يحدق نحو كارين بعينين متربصة بكل تفصيلة بها، تلتهم حضورها الجليل بنظرات جريئة. 

شعرت بوخزة من الانزعاج فقبضت على الجائزة سريعًا وسحبت يدها مبتعدة،  خطت خطوات رصينة إلى منتصف المنصة، تقف بثبات أمام الحضور، تتنفس بعمق وتحاول أن تزيح من عقلها ذلك الشعور غير المريح.


أمسكت بالميكروفون وابتسمت ابتسامة متزنة قبل أن تقول بصوت صاف يفيض امتنانًا

"أحب أوجه كل الشكر لكل المسئولين والمقيمين على الحفل، والشكر كله للحضور الكريم اللي شرفنا النهارده، لكن قبل أي حاجة، كل الحب والامتنان لشخص واحد، شخص وقف جنبي من أول خطوة في مشواري وبفضله بعد ربنا بقيت صاحبة أكبر جاليري في مصر، أنا بهدي له الجايزة وبقوله شكرًا على وجودك في حياتي، يا أغلى نعمة ربنا رزقني بيها"


ما إن فرغت من كلماتها حتى نهض يونس من مجلسه، لم يستطع أن يخفي أثر تلك العبارات على وجهه، ابتسم رغم ثقل المشاعر التي اجتاحته واتجه إلى المنصة بخطوات ثابتة. 

وحين بلغها وقف جوارها، رفع يده برفق ليقبل رأسها أمام الجميع، كأنما يختم على حبها أمام الملأ، يعترف به في صمت يضج بالمعاني.


امتدت يد المسئولة الإعلامية، تناوله الميكروفون فتلقفه بتردد، ألقى نظرة خاطفة على كارين قبل أن يتحدث بصوته العميق، الذي بدا متأثرًا رغم محاولاته أن يبدو متماسكًا

"أنا في الطبيعي مش بعرف أتكلم في المناسبات اللي زي دي، لكن لو هقول حاجة، فأنا اللي عاوز أشكرها، كارين مش بس زوجتي دي أمي وأختي وصاحبتي وكل عيلتي، اللي عارفين قصتنا عارفين إحنا عدينا بإيه عشان نكون مع بعض في الآخر، وده بعد ما وقفت معايا قصاد أي تحديات أو صعوبات واجهناها مع بعض، يعني هي اللي تستحق الشكر و الجايزة و كل حاجة حلوة، شكرًا يا حبيبتي إنك موجودة في حياتي"


وضع يده حول خصرها، كأنما يعلن أمام الجميع أن هذا المكان لا يليق إلا به، قبّل رأسها من جديد، لكن هذه المرة، لم تكن قبلة امتنان فحسب بل إعلان ملكية، رسالة واضحة، لم يكن يعني بها الحضور، بل رجلًا بعينه! 


توقف بصره عند مهند، كان ينظر إليه نظرة حازمة، مشبعة بالتحذير، أو ربما كانت أكثر من ذلك، كأنه يقول له دون أن ينطق-لا تقترب ولا حتى بالنظر-. 


                        ❈-❈-❈


جلست كلا من جيهان وصبا على أحد المقاعد الحجرية المزينة بالنقوش الأندلسية في حديقة قصر والدها.  

بدا عليها أنها قد انتهت لتوها من البكاء، إذ كانت عيناها محمرتين، ووجهها يشوبه الشحوب.

نظرت إليها جيهان بحنان وقالت بصوت هادئ يحمل لمسة من العتاب اللطيف

"أظن كفاية عياط، وجه الوقت اللي تقولي اللي جواكي، ولو مش عايزة تحكي، ممكن تقومي تطلعي تغيري هدومك و تنزلي تفطري، وبعدها تنامي وتريحي دماغك خالص من التفكير"


اطلقت الأخرى زفرة طويلة، وكأنها تحاول التخلص من عبء ثقيل يضغط على صدرها، و بصوت خفيض متحشرج اخبرتها

"وهي فين الراحة يا چيچي؟!، أنا وصلت لمرحلة إنه خلاص كل شيء انتهى، البعد أريحلي، ليا و ليه"


لم تحتمل جيهان رؤيتها بهذا الانكسار، فنهضت من مقعدها وجلست بجوارها، وأمسكت بيدها برفق، كمن يحاول أن ينقل دفء الأمان والاطمئنان إليها.


"بيتهيألك إن البعد هو الأسهل، بس للأسف هو الأصعب، اللي بينك وبينه مش مجرد حب وعشق وهيام، اللي بينكم حياة وولاد زي القمر ما شاء الله"


صمتت لحظة، تراقب انعكاس كلماتها على ملامح صبا، ثم أضافت بنبرة تحمل يقينًا عميقًا

"كبريائك اللي بيتكلم، لكن عينيكي بتقول عكس كده، بتقول إنك بتعشقيه، ومش هتقدري تبعدي عنه، وفي نفس الوقت زعلانة منه جامد وموجوعة أوي من جواكي"


رفعت صبا عينيها إلى زوجة والدها، نظرة الغريق الذي يتشبث بقشة في بحر هائج، ثم همست بصوت مهزوز

"طب والحل؟!، أعيش معاه من غير كرامة؟!"


هزت الأخرى رأسها نفيًا بحزم، ثم شدت على يدها برفق

"لأ طبعًا، مش هرضى لك بكده، أنتي بنتي يا صبا، زيك زي ملك عشان كده بنصحك بالصح، وليكي حرية الفعل في النهاية، الحل لمشكلتك مع جوزك إنكم لازم تقعدوا مع بعض، تتكلموا أو حتى تروحوا لثيرابيست أو استشاري لحل المشاكل الزوجية، تحكوا لهم عن كل حاجة إيه اللي بتحبوه في بعض، وإيه اللي بيضايقكم من بعض، مش عيب ولا حرام تلجأوا لحد متخصص وفاهم، على الأقل دي تبقى أول خطوة في علاج المشاكل اللي بينكم، وطالما في مودة ورحمة وترابط، يبقى الأمل موجود"


ابتسمت جيهان ابتسامة هادئة وأخذت تربت على يد صبا بحنان عميق، ثم استطردت بثقة

"أنا واثقة إن قصي بيحبك وبيموت فيكي، وما يقدرش يبعد عنك، حتى لو كان قاسي، مش بعيد يكون دلوقتي قاعد بيلوم نفسه، وأول ما يعرف إنك سيبتي القصر، هييجي على طول عشان يصالحك ويرجعك على قصركم"


رفعت وجهها ونظرت إلى زوجة والدها نظرة ممتلئة بالشك والألم

"ما أظنش إنه هيعمل كده، ده هددني لو سيبت القصر وجيت هنا مش هلوم غير نفسي،انتي ما تعرفيش حاجة يا چيچي، ومش كل الكلام ينفع يتقال"


كادت جيهان أن ترد عليها، لكن انتباهها تحول إلى اقتراب عابد منهما، يمسك بهاتفه ووجهه يحمل مزيجًا من القلق والجدية.  

ما إن وصل إليهما حتى سأل بصوت هادئ لكن قاطع

"إيه الأخبار؟، بقت كويسة؟"


أجابت جيهان بسرعة، محاولة أن تبدد قلقه

"الحمد لله، هي بقت أحسن إن شاء الله"


جلس زوجها بجوار ابنته، ثم نظر إليها وقال بنبرة واثقة

"على فكرة، قصي لسه قافل معايا حالًا، قال لي إنه جاي في الطريق، عشان ياخدك أنتي والأولاد"


ارتجفت أناملها لوهلة، ونظرت إلى والدها بذهول، وكأنها لا تصدق ما سمعته.  

تُرى، هل يكون هذا اللقاء بدايةً لنهاية أزمتها، أم مجرد محطة أخرى في دوامة الألم؟

                       ❈-❈-❈


في قاعة الاحتفال، حيث تعالت الأحاديث وتناثرت الضحكات في الأرجاء، كان المشهد ينبض بالحياة.  

بعد انتهاء مراسم التكريم، انتقل الضيوف إلى قاعة أخرى أُعدت بعناية لاستقبالهم، حيث امتدت الموائد الفاخرة تحمل أشهى الأطباق وألوانًا من الحلوى والمشروبات.


الأضواء الدافئة تنعكس على الأسقف المزخرفة، فيما يتسلل صوت الموسيقى الهادئة ليضفي على الجو لمسة من الألفة والبهجة.


جلست كارين برفقة زوجها حول إحدى الطاولات، لكن الضيق كان جليا على ملامحها وهي تقلب هاتفها بين يديها، لتتمتم بغيظ

"الفون هايفصل ومفيش شبكة، الله يسامحك"


رفع زوجها عينيه نحوها، ممسكًا بشوكة طعامه بينما يلوك الطعام ببطء، ثم رد بنبرة لا تخلو من اللامبالاة

"وأنا ذنبي إيه طيب؟"


رمقته بامتعاض، وملامح الاستياء تزداد على وجهها

"لأنك أول ما وصلنا مادتنيش فرصة لأي حاجة، وخلتني نسيت أشحن الفون وعايزة أطمن على چولي و رسلان"


دون أن يظهر تأثرًا بشكواها، أخرج هاتفه من جيبه ومده إليها قائلًا

"خدي كلميهم من عندي، وأول ما تخلص الحفلة هانطلع السويت بتاعنا، هاشحن لك الفون وصاحبته كمان"


اختتم عبارته بابتسامة تحمل من المكر ما يكفي ليُفصح عن نواياه، فالتقطت كارين الإشارة على الفور، وزاد ضيقها به. تبسمت بغيظ وهي تميل نحوه قليلاً، لتهمس بنبرة ساخطة

"أنت فايق ورايق أوي"


دفعت الكرسي إلى الخلف ونهضت، أكملت وهي تتحرك مبتعدة

"أنا قايمة هاشوف signal بره في اللوبي"


راقبها زوجها بنظرة مرحة قبل أن ينهض بدوره، يمسد ذقنه بتفكير وكأنه يدرس خطواته القادمة، ثم قال وهو يتجه صوب طاولة البوفيه

"وعقبال ما تخلصي مكالمتك، هاروح أنا للبوفيه أجيب لنا كام طبق، دول عليهم نجريسكو تهوس"


توقفت كارين في منتصف الطريق، قبضت أصابعها بقوة وهي تجز على أسنانها، ثم زفرت بضيق قبل أن تتابع سيرها، تقاوم رغبتها في الالتفات إليه وإلقاء أي شيء على رأسه.


في بهو الفندق، حيث الأضواء المعلقة تنثر وهجًا ناعمًا على الأرضية الرخامية، وقفت تحاول التقاط إشارة جيدة لهاتفها.


تنفست بعمق وأوشكت أن تجري المكالمة، لكن فجأة اجتاحها ألم حاد في صدرها، كأن سكينًا باردة انغرست في ضلوعها.  

تذكرت أنها لم تتناول أقراص الدواء منذ قدومها إلى هنا، وما زاد الألم توترها الذي ازداد كثافة، كضباب ثقيل يحيط بها من كل جانب.


حاولت مرة أخرى، غير أن يدها ارتجفت على غير إرادتها، فانزلقت منها أناملها على الهاتف، ليسقط أرضًا محدثًا صوتًا خفيفًا لكنه دوى في أذنيها كأنه إعلان عن كارثة.  

شهقت بفزع وانحنت لتلتقطه، لكن صوتًا جهورًا أوقفها بلطف حازم

"متوطيش"


رفعت رأسها سريعًا، فوقع نظرها عليه. كان واقفًا أمامها، ينظر إليها بثبات، عيناه تحملان ذلك المزيج الغريب من الحدة والغموض.  

انحنى ببطء والتقط الهاتف، ثم مده نحوها قائلاً بنبرة هادئة ولكنها آمرة

"اتفضلي"


تناولته منه دون أن ترفع نظرها إليه، ثم قالت بجفاء وهي تهم بالمغادرة

"عن إذنك"


كادت تخطو مبتعدة، لكنه أمسك بمعصمها، قاطعًا عليها طريق الفرار. انتفضت تحت وطأة لمسته، والتفتت إليه بحدة، لكن نظراته كانت أشد وطأة من قبضته. 

عينيه اخترقتاها كأنهما تفتشان عن شيء خفي داخلها، ثم قال بصوت خافت لكنه نافذ، كمن اعتاد أن يُطاع

"فين كلمة شكراً؟"


لم تأبه لسؤاله، بل لم تعبأ حتى بإلحاحه، فما كانت تريده فقط هو أن يترك يدها، فهتفت بغضبٍ مكتوم

"سيب إيدي يا أستاذ مهند"


لكن بدلاً من أن ينصاع لطلبها، شد قبضته أكثر، فاضطربت أنفاسها وتضاعفت نبضات قلبها الضعيف.  

التوتر، الألم والخوف، اجتمعوا جميعًا ليشكلوا دوامة اجتذبتها نحو الهاوية.


تلاحقت أنفاسها، شعرت بجفاف حلقها، ثم بدأت الدنيا تظلم شيئًا فشيئًا من حولها.  

ترنّحت فهرع لاحتضانها قبل أن تهوي أرضًا، نظر سريعًا إلى الجانبين، متفحصًا المكان. 

لم يكن ثمة أحد يعرفها أو يعرفه، مجرد موظفين وعاملين غير مبالين بما يحدث.


لم يتردد لحظة، بل انحنى وحملها بين ذراعيه، ماض بها إلى المصعد بخطوات سريعة! 


يتبع....



جاري كتابة الفصل الجديد للروايه حصريا لقصر الروايات اترك تعليق ليصلك كل جديد أو عاود زيارتنا الليله

لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كامله من هناااااااااا

مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا

مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا


تعليقات

التنقل السريع