رواية غرام الذئاب الفصل الثامن والتاسع من الجزء الرابع بقلم ولاء رفعت (حصريه وجديده في مدونة قصر الروايات )
رواية غرام الذئاب الفصل الثامن والتاسع من الجزء الرابع بقلم ولاء رفعت (حصريه وجديده في مدونة قصر الروايات )
#الفصل_الثامن
#غرام_الذئاب
#الجزء_الرابع_من_سلسلة_صراع_الذئاب
#بقلم_ولاء_رفعت
واشتياق... وروح تراق
وقلبٌ تمزقَ بعد الفراق
لأن هواكَ عذابٌ أليم
وإنَّ التعلق فيكـ... احتراق!!
-عطر الربيع-
يغمض عينيه مع حركات شفتيه أسيرة خاصتها، فالمشهد من بعيد يبدو إنه الفاعل لكنه في الحقيقة كان المفعول به!
تعانقه بتملك وشغف عاشقة وصل بها الحب إلي حد التيام، لن تكترث إلي رد فعله البارد كالثلج فعزمت أن تجعله ينصهر بين ذراعيها، تتعمد الانتقال بشفتيها من خاصته إلي عنقه و ما بين كتفه و جيده و يد تتخلل شعيرات صدره الشقراء المتناثرة ويدها الأخرى تتداعب خصلات شعره ذات الملمس الحريري، تبعثرها كما يبعثرها وجوده دائماً وفي حضرته.
هيهات وهيهات وبدأ بالفعل جبل الجليد ينصهر بين ذراعيها الدافئة كشمس الربيع، فمهما قام بمقاومة رغباته كرجل أمام لمسات وأفعال زوجته فلن يتحمل الأمر طويلاً، فقد وصل لديه الشبق إلي العنق، وفي لحظة أصبح الوضع رأساً علي عقب، كانت أسفله تنظر إليه بقلق، يقبض علي عضديها وينظر صوب عينيها، ابتلعت ريقها بخوف وكادت تفتح فمها لتتحدث فاسكتها بالانقضاض علي شفتيها في قبلة يشوبها القليل من العنف، انفصل عنها عندما شعر بتحركها للحاجة إلي التنفس، لم يمهلها سوي ثوان، مد يديه إلي مقدمة ثوبها وقام بتمزيقه مما افزعها فشهقت وتذكرت الليلة المنصرمة، صرخت وتلملم في ثوبها
"لاء يا ياسين"
تراجع علي الفور ونهض من فوقها، صدره يعلو و يهبط عندما أدرك ما قد أوشك علي فعله للمرة الثانية، و هنا بكامل وعيه، نهضت واخبرته بعينين تملؤها الدموع
"أنت ليه بتعمل كده؟"
اجاب وكأنه لم يقترف شيئاً كان بمثابة إهانة لها
"مش أنتي كنتي عايزه كده!، و لا أنا فهمت غلط؟!"
لن يكتفي باجابته الحادة فقط بل سخر منها أيضاً، حاولت الثبات امامه وألا تعط لدموع عينيها المجال للنزول، وقفت بقوة و ثبات يخفيان خلفهما قلب يبكي دموعاً علي حاله
"علي فكرة أنا مراتك، و مش عيب و لا حرام اعبر لك عن حبي، العيب بقي رد فعلك، واسلوبك معايا اللي بتحاول توصلي من خلاله أن أنا أبعد عنك بالذوق أحسن لي بدل ما هتكرهني في القرب منك، مش كدة و لا أنا اللي غلطانة؟!"
تفاجئ بكشفها لنواياه وتذكر أن هذا ليس أمراً خارقاً بحكم مجال عملها كاخصائية للعلاج النفسي فهذا منطقي للغاية؛ لذا ولي ظهره إليها واجاب بمراوغة
"بطلي اوهام، كل الحكاية زي ما طلبت منك تديني وقت لحد ما اتأقلم علي وضعنا الجديد، أنتي اللي بتنسي الظروف النفسية اللي بمر بيها"
تحركت بضع خطوات لتقف امامه و تواجهه ومازالت تمسك بمقدمة ثوبها
"مش ناسية يا ياسين، لأن ظروفك النفسية مش هتنتهي غير بالعلاج، وعلاجك بكسر الحواجز اللي أنت مصمم تحطها بيني و بينك، وأول خطوة في العلاج الاعتراف بالأمر الواقع وحياتك الجديدة مع واحدة بتحبك، واحدة بتتمني رضاك"
اقتربت منه وقد خفضت من نبرة صوتها واردفت
"الواحدة دي من روح بتعشقك للأبد و قلب بيدق بُحبك"
و خلال برهة تحولت نبرتها من الهدوء والوداعة إلي التذمر والحنق
"أنا الحاضر يا ياسين، أنا الحياة اللي رجعتلك من جديد، لكن أم بنتك هي الماضي، مجرد ذكريات حابس نفسك فيها"
رفع سبابته كاشارة تحذير لها
"أول وآخر مرة تجيبي سيرتها علي لسانك"
"أنا ما غلطتش فيها، أنا بسمعك الحقيقة اللي أنت مش متقبلها و معذب نفسك بين الأطلال و بتعذبني معاك"
"و أنا ماخدعتكيش يا دكتورة، و قولتلك علي وضعي من غير كذب وخداع"
"وأنت وعدتني أنك هاتتغير وطلبت مني فرصة أساعدك، و كل ما أحاول اساعدك ألاقيني قدام حيطة سد"
رفع حاجبيه يسألها ساخراً
"وعايزاني أتغير في يومين!"
"عايزاك تديني فرصة أساعدك"
"بس كدة من عينيا"
وذهب إلي باب غرفة النوم و قام بفتحه وأشار بيده نحو داخل الغرفة
"يلا اتفضلي"
نظرت إليه بدهشة وتعجب، فاكمل يخبرها بوقاحة
"مش طلبتي مني اديكي فرصة تساعديني؟!، يلا أول فرصة هتبقي علي سرير أوضة النوم"
حدقت إليه بازدراء واتجهت إلي غرفة أخرى وألقت عليه بالمحظور قوله
"كان عندها حق أنها تطفش منك وترتاح منك للأبد"
ليتها ما تفوهت بتلك الكلمات التي اضرمت به النيران وأحيت عذابه مجدداً، تحول في لحظات إلي وحش كاسر، اختبأت منه وسرعان أوصدت الباب من الداخل قبل أن يصل إليها، يصيح بهياج غول متوحش و يده تطرق الباب عليها بقوة ارعبتها وجعلتها تتراجع إلي الوراء، تضع كفيها علي أذنيها حتي لا تسمع صياحه
"أنتي مين اللي قالك؟، و مين سمحلك تتكلمي عنها؟!، افتحي بقولك بدل ما أكسر الباب فوق دماغك"
لم تطعه وجاء رنين الهاتف المنزلي لإنقاذها من براثنه، ذهب وحاول أن يهدأ ليجيب علي الإتصال، فكانت شقيقته التي اخبرته بما كان ينقصه
"ألو يا ياسين، بتصل علي الفون بتاعك و فون رودي و محدش فيكم بيرد"
نظر نحو هاتفه النقال الموضوع أعلي المنضدة فقال لها
"معلش مكنتش سامع، أنتي بخير والبنات وياسمينا؟"
"ياسمينا كل يوم بالليل تقعد تعيط و تنادي علي مامتها الله يرحمها وهي نايمة و كل مرة اخدها في حضني واهديها، النهاردة يا حبيبتي صاحية منهارة من العياط وعايزة تفتح الباب وعماله تصرخ وتقول أنا عايزة أروح لمامي"
❈-❈-❈
حين يغمرني الحنين إليكِ... اتخم عقلي بالأفكار والأفكار
واشغل وقتي بالأعمال والأسفار... بعيداً بعيداً... فيما وراء البحار...
ليرسل رسائله العشقية الجنونية فأنا بحالة عشقك فاقد للصواب... يامن بعثرث مشاعر القلب وجعلت قلبي ينبض مثل أمواج البحار.
تتقلب علي جانبها الأيمن وتهمهم بأريحية حيث تشعر بنعيم الدنيا بين ذراعيه وفوق الطاولة داخل المطبخ، تسمع صوت طرق علي الباب ومعه صوت يناديها علي استحياء، ارهفت السمع جيداً وعلمت هوية المنادي، فتحت عينيها قليلاً لتستوعب أين هي وكيف غفت في هذا المكان، و حين أدركت أنها تنام بين ذراعي زوجها فوق الطاولة، نهضت لتكتشف انهما عاريا ولا يسترهما سوي قطع ثياب داخلية، نزلت من فوق الطاولة تبحث عن ثيابها لترتديها علي عجل من امرها وتوكز زوجها تزامناً مع طرق المربية علي باب المطبخ من الخارج
"قصي، قوم ألبس هدومك بسرعة"
امسك يديها ومازال في غفوته، وضع كفها أسفل خده، يخبرها بنبرة يغلب عليها النوم
"سيبيني شوية يا حبيبتي"
"اسيبك إيه بس، إحنا في المطبخ وداده زينات برة بتخبط"
مرر الكلمات داخل رأسه فتذكر علي الفور ما حدث بالأمس، ففتح عينيه ونظر من حوله، وجدها تقف امامه مرتدية ثيابها وهو فوق الطاولة يرتدي قطعة واحدة فقط، نهض وانتبه إلي طرق الباب ونداء زينات علي صبا.
"هاتيلي هدومي"
"ياريت تلبس بسرعة"
قامت بلملمت ثيابه واعطتها إليه، وبعد أن انتهي كادت هي تذهب لتفتح الباب، فاوقفها
"استني"
وبعد دقيقة، فتحت ووجدت زينات تحمل مدللة والدها، تنظر بغضب إلي والدتها وتسألها
"قافلة الباب ليه و فين بابي؟"
سبق قصي صبا في الإجابة ويقف أمام ماكينة القهوة
"انا هنا يا زوزو"
تحولت تعابير وجهها من الغضب إلي السعادة، صاحت وتنزل من بين يدي زينات
"بابي"
فتح ذراعيه لتعانقه وبادلها الحضن
" Buongiorno, papà "
"Buongiorno, mia piccola principessa "
عقبت صبا بسخرية ومزاح
"علي أساس أن أنا مش هفهم أنكم بتتكلموا بالإيطالي يا ست زوزو، وبالنسبة لمامي مفيش أي حاجة؟"
همس قصي في أذن صغيرته
"روحي صبحي علي مامي واديها حضن وبوسة كبيرة"
نظرت بمكر وابتسامة فاخبرته
"أوك، بس قولي الأول أنت و مامي كنتوا قافلين باب المطبخ عليكم ليه؟"
نظر إلي صبا التي سمعت سؤال ابنتها وغرت فاها تعجباً من سؤال صغيرتها الماكرة، ضحكت زينات رغماً عنها فكبتت ضحكتها خجلاً فهي قد فطنت سبب وجودهما هنا، بينما قصي عاد بالنظر إلي ابنته ووجد لا مفر من الإجابة أو تأليف قصة منطقية لإقناع صغيرته لذا اجاب بجدية زائفة
"أنا ومامي كنا بنتعشا إمبارح هنا، فسمعنا صوت فار صغير بيتحرك، قفلنا الباب عشان ما يطلعش بره وقعدنا نجري وراه لحد مالاقيناه وبعدها حسينا بالتعب ونمنا غصب عننا هنا"
كانت تنصت إليه وتتأمل وجهه، مدت اصبعها الصغير تشير نحو بصمة شفاه بلون الحمرة علي خده الأيسر، سألته
"هو الفار النوتي ده اللي عمل في وشك كده؟"
وضع يده علي خده ونظر إلي صبا، حمحم بحرج
"لاء يا حبيبتي، دي، دي، وأنا بدور علي الفار اتخبطت"
ربتت عليه بحنان وبنبرة عطف حيزبون صغيرة
"معلش يا بابي"
وقامت بتقبيل أثر حمرة شفاه والدتها واردفت
"كده مش هتوجعك تاني يا حبيبي"
عقبت صبا بحنق
"يارب صبرني"
ألتفت إليها ابنتها وركضت نحوها فألقت تحية الصباح وفتحت ذراعيها لتدنو منها صبا وتبادلها العناق، فاخبرتها الصغيرة ببراءة علي نقيض مشاكستها معها دائماً
"بليز مامي، ما تتأخريش تاني في الشغل، عايزاكي تنامي جمبي و تحكي لي حدوتة زي اللي كنتي بتحكيهالي قبل كدة"
كان قصي يتناول فنجان القهوة وينظر إلي زوجته التي تهربت من نظراته وقالت لصغيرتها
"حاضر يا قلب مامي، مش هتأخر تاني، وهرجع كل يوم بدري نتعشا مع بعض واحكيلك حدوتة قبل النوم، اتفقنا؟"
هزت زينب رأسها بالإيجاب
"اتفقنا"
وقامت بتقبيل خد صبا التي عانقتها مرة أخرى
"يلا روحي مع داده زينات وصحوا مالك عقبال ما أنا اطلع أخد شاور وهنزل عشان نفطر كلنا مع بعض"
"يلا يا مامي و أنا هستناكي"
ربتت صبا علي رأس صغيرتها مبتسمة ثم ذهبت إلي الخارج، همّ زوجها باللحاق بها فاوقفته ابنته
"رايح فين يا بابي؟"
"طالع أغير هدومي يا حبيبتي وهاجي تاني عشان نفطر مع بعض"
وفي الأعلي داخل غرفة تبديل الثياب، كانت تفك أزرار قميصها أمام المرآة الطويلة ذات الإطار الذهبي، انتبهت إلي زوجها الذي دخل للتو ويخلع قميصه، ينظر إليها بصمت وتعلم مغذى تلك النظرة جيداً
"لو عايز تقولي حاجة قولها بدل ما أنت عمال تبصي لي كأني عملت مصيبة"
ألقت بقميصها داخل سلة الثياب المتسخة وهو أيضاً فعل المثل في قميصه ثم عقب علي حديثها
"لو اتكلمت كلامي مش هايعجبك"
عقدت ساعديها أمام صدرها
"كل ده عشان كلمتين قالتهم بنتك؟!، ما أنا قولتلك امبارح مش هتأخر تاني ولو عندي شغل كتير هجيبه هنا و هخلصه و أنا في بيتي"
"أنا نظرة عتابي ليكي بقولك شوفتي وصلتي بنتك الصغيرة إنها تحس بإيه"
ولت ظهرها إليه وتزفر بضجر وهي تشرع في خلع كنزتها، امسك يدها ليجبرها علي الالتفات والنظر إليه مباشرة
"لما أكلمك ما تدنيش ضهرك وتقعدي تنفخي يا هانم، و لا عشان الكلام مش جاي علي هواكي"
جذبت يدها من قبضته واخبرته بمضض
"شكلك نسيت اتفاقي معاك إمبارح وواضح إننا رجعنا لنقطة الصفر من تاني"
"لاء مانستش كل كلمة قولتيها، و لا رجعنا لنقطة الصفر زي ما فهمتي، أنا كل قصدي انبهك لنتيجة أفعالك علي مشاعر ولادنا"
"و أنت شايفني غبية للدرجدي!، ما أنا رديت علي بنتك وقولتلها مش هتأخر وهاقعد معاها زي كل يوم واحكيلها حدوتة، عايز مني إيه اعمله تاني اكتر من كده؟، و لا أنت غاوي نكد علي الصبح"
و ها هي عادت إلي طبيعتها من جديد، فالتمرد و الجدال دون جدوى من شيمها مهما حاولت التأقلم علي خصال التريث والهدوء في المناقشات معه.
جز علي فكه وهو ينظر إليها
"مفيش فايدة، مهما حاولتي تمثلي أنك اتغيرتي للأحسن، يجي طبعك يغلبك في الأخر"
"و أنا معنديش وقت و لا طاقة للجدال، لأن بتعب من كتر الكلام معاك"
اقتربت منه واكملت
"وبصراحة كلامك بقي يرفعلي الضغط ويحرق دمي وأنا واحدة محتاجة صحتها للشغل ولتربية الأولاد، عن إذنك"
تركته وذهبت لتأخذ ثياباً استعداداً للذهاب إلي عملها بلا مبالاة او اكتراث لهذا الذي يتابعها بعينيه وهو مازال يقف مكانه، لا تنكر داخلها أنها شعرت بالقلق حيال صمته المريب، فهي تعلم إذا ألتزم الصمت في تلك المواقف فهو من المؤكد لن يمرر حديثها وستتلقي الرد لاحقاً.
❈-❈-❈
يجلس هذا المحامي خلف مكتبه داخل شقة في بناء قديم يقع في حي الأزريطة بمحافظة الإسكندرية، يرتشف الشاي ويبدو إنه ينتظر احدهم، طرق مساعده الباب ثم فتح ليخبره
"استاذ رشدي، ولاد الحاجة خيرية وصلوا بره"
"معاهم واحدة اسمها أميرة؟"
"لاء يافندم هم التلاتة بس"
"و أنا بحاول اوصلها من إمبارح مش لاقيها"
ترك الكوب بعد أن انهي علي ما به ولم يتبق سوي حبيبات الشاي، وأمر مساعده
"خلاص خليهم يدخلوا"
ولج كلا من محمود و مأمون ووليد و بسمة أمل تملأ وجوههم، سيكون المنزل ملكهم و سيقوموا ببيعه إلي رجل الأعمال ليحصلوا منه علي ط المبلغ المالي والذي سيحقق لهم أحلامهم دون عناء الغربة والشقاء.
ألقوا التحية وقام رشدي بردها ثم أشار إليهم ليجلسوا الثلاثة علي المقاعد الجلدية
"اتفضلوا يا أساتذة"
بدأ محمود الحديث
"أنا وأخواتي بعد ما حضرتك اتصلت بينا امبارح بخصوص إعلان الوراثة قولنا نيجي لحضرتك"
حمحم الأخر ثم اخبرهم
"بعتذر طبعاً أن كلمتكم من تاني يوم لوفاة الحاجة خيرية الله يرحمها ويغفر لها، بس هي وصتني أن أجمعكم علي طول بعد ما يتم دفنها"
"الله يرحمك ياماه"
ردد ثلاثتهم بحزن لا يصدقه المحامي فهو يعلم عنهم كل شىء ما اخبرته به والدتهم
"هي جاتلي من سنة و عملتلي توكيل بإعلان الوراثة وتوزيع نصيب كل واحد فيكم من البيت ووديعة في البنك وخلافه"
حاول ثلاثتهم اخفاء السعادة والتظاهر بالحزن الزائف، فقال مأمون
"لا البيت و لا ألف وديعة تقدر تعوضنا عن أمنا"
عقب رشدي والذي يدرك غايتهم و ما داخلهم جيداً
"معلش يا أستاذ...
اخبره الأخر
" مأمون يا متر"
"معلش يا أستاذ مأمون دي سُنة الحياة، كلنا هنموت واللي بيفضل عايش اعمالنا الصالحة"
أمسك بملف ورقي وظرف أصفر كبير واردف
"ندخل في الموضوع علي طول عشان ما أخدش من وقتكم، الوصية الأولي كانت للحاجة خيرية قبل ما نتكلم علي أي حاجة لازم تكون أميرة موجودة"
" نعم؟، أميرة مين؟"
صاح بها ثلاثتهم، فأجاب رشدي
"الآنسة أميرة اللي كانت عايشة مع والدتكم أخر سنتين"
صاح محمود بغضب
"و دي إيه اللي دخلها في موضوع الورث، دي كانت حتة بت أمي لاقتها ولمتها من الشارع و بتعطف عليها"
عقب رشدي بكل هدوء أثار حنق وغضب المدعو محمود
"والله دي وصية الحاجة خيرية، إن الوصية ما تتفتحش غير في وجودها، و انا بحاول أوصل ليها من وقت ما كلمتكم و مش عارف هي فين و لا أي رقم أتصل بيها عليه"
فسأله وليد مستنكراً لما تفوه به المحامي
"يعني لازم نلاقيها عشان نستلم ورثنا و لا إيه؟"
" بالظبط، لازم تدوروا عليها و أنا كمان هحاول بعلاقاتي أدور عليها، معايا صورة من بطاقتها اللي كانت مديهالي والدتكم"
نهض محمود بوجه من قاع الجحيم فسأله شقيقه
"أنت رايح فين؟"
أجاب بعد أن عزم علي أمره
" رايح أدور علي البت دي و مش راجع غير لما ألاقيها حتي لو مستخبية في سابع أرض"
❈-❈-❈
كان يجلس علي رأس المائدة، وصغيريه علي يساره يتشاكسا معاً كالعادة
"خد الطبق بتاعي و هات طبقك يا لوكا"
هز شقيقها رأسه بالرفض قائلاً
"لاء، و داده قالتلك إن الكورن فليكس فروتس طعمه مش هايعجبك وصممتي تاخديه"
"و أنت مالك"
صاحت بها بتذمر و هنا قال لهما والدهما
"و بعدين يا مالك أنت وزينب، مش قولت ناكل وإحنا ساكتين"
أجاب ابنه
"يا بابي هي عايزة الكورن فليكس بتاعي اللي بطعم الشوكيلت وتديني بتاعها عشان بطعم الـ fruits، و داده زينات قالتلها قبل ما تحضر لها الطبق طعمه مش حلو وهي صممت تاخده"
زحزح الكرسي الجالس أعلاه إلي الوراء قليلاً وأشار لابنته بأن تأتي إليه
"تعالي يا زوزا"
نزلت من الكرسي و ذهبت إليه فربت علي فخذه
"تعالي اقعدي"
ترددت قليلاً وخشيت أن يوبخها، ابتسم لها فركضت في الحال وجلست علي فخذيه
"حبيبتي مش عايزه تاكلي الكورن فروتس ليه؟"
اخبرته بشفتيها المضمومة بتذمر
"طعمها يكي"
"حرام يا زوزو نقول علي نعمة ربنا وحشة"
"خلاص مش هقول كده تاني"
"برافو، شطوره، وأنا هعملك بنفسي أحلي توست بالمربي والقشطة"
أخذ قطعة خبز وقام بدهنها بالمربي والقشدة واعطاها لها، تناولتها واخذت تلوكها في فمها بمتعة
"thanks daddy"
وقامت بتقبيل خده
وعلي الدرج كانت تنزل وتتحدث في الهاتف، وذلك بعد أن أرتدت ثياباً رسمية لسيدة أعمال أنيقة
"قوليلهم ما يعملوش أي حاجة غير لما أجي بنفسي وأشرف علي الـdesigns"
.................
"أوك، بس زي ما قولتلك، و أنا نص ساعة وهاكون في الشركة، يلا باي"
وصلت إلي المائدة وجذبت الكرسي الخاص بها ثم جلست تلقي تحية الصباح
"صباح الخير يا لوكا أنت وزوزو"
"صباح الخير يا مامي"
وأجابت أيضاً ابنتها علي تحيتها، تناول أمامها قطعة خبز ووضعت عليها شريحة من الجبن وشرائح الزيتون ثم وضعت قطعة خبز أخري فقامت بتقطيع تلك الشطيرة إلي قطع بالسكين وأخذت تتناول قطعة قطعة بالشوكة.
تراقب تعابير وجه زوجها من طرف عينيها فوجدته يتناول طعامه في هدوء ودون أن ينظر لها ولو بنظرة واحدة، فقالت داخل رأسها
"أحسن برضه، خليني أروح الشركة و دماغي رايقه من غير صداع ونفسيتي مرتاحة من غير نكد"
انتهت من تناول الشطيرة وتبعتها بفنجان من خليط الشاي والحليب، وتنظر في ساعة الهاتف كل حين والآخر حتي انتهت من المشروب وتركت القدح
"حبايب قلب مامي مش عايزه أي شقاوة و أنت يا مالك جهز نفسك الساعة 3 العصر عشان عندك تمارين السباحة، داده زينات هاتروح معاك و أنا هاجيلك علي هناك وأنا راجعه"
"أوك، مامي"
نهضت وتمسك حقيبتها تهم بالذهاب وكأن هذا الجالس لا وجود له
"يلا باي باي يا حبايبي"
وأرسلت إلي صغيريها قبلات في الهواء، ارتدت النظارة الشمسية وحملت يد الحقيبة علي ساعدها وسارت خطوة تلو الأخرى
"استني عندك"
تخلي عن صمته فجأة، ألتفت إليه تنظر بتعجب و حنق في آن واحد، سألته باقتضاب وعلي مضض
"نعم؟"
أجاب بهدوء يناقض أسلوب إلقاء أوامره الصارمة
"اطلعي غيري هدومك، مفيش شغل النهاردة"
ثم أمر ابنه الذي انتهي لتوه من تناول طعامه
"مالك خد أختك وروحوا ألعبوا بره في الجاردن"
أمسك الصغير بيد شقيقته وذهبا إلي الحديقة في الخارج، بينما صبا
عقبت باستهزاء علي أوامره السابقة لها
"هو حضرتك مكنتش سامعني وأنا بتكلم مع السكرتيرة؟!"
أعاد أمره وكأنه لم يسمعها
"اطلعي علي فوق"
حدقت إليه من خلف النظارة الشمسية بحنق، تحاول جاهدة ألا تندفع في الرد حتي لا تجد ما لا تحمد عقباه، فأجابت بهدوء مماثل له
"أنا ورايا مليون حاجة مهمة مستنياني في الشركة، عن إذنك"
سارت و وجهتها باب القصر، و قبل أن تخطو خارج محيط غرفة المائدة أوقفها صوته بتهديد يبدو أنه لا يمزح علي الإطلاق
"رجلك لو خطت بره باب القصر هاتكوني طالق"
وقعت من يدها الحقيبة فخلعت نظارتها ولم تصدق ما ألقاه عليها للتو، أيعقل ما تفوه به؟!
"أنت واعي للي بتقوله؟"
"زي ما سمعتي كده بالظبط"
تعترف داخل نفسها أنها غير قادرة للوقوف أمامه وتحديه حيث قام بوضع عائق أمامها لن تتوقعه يوماً، هي تحبه وتعشق بيتها وابنائها وإذا سارت خلف صوت كبريائها وعاندت فستخسر كل ما سبق لا محالة.
أطاعت أمره بالصعود إلي الأعلي بخطي أشبه بالركض، ومجرد أن دخلت الغرفة أغلقت الباب وأخذت تبكي بدموع إلي حد الاحتراق، وانتابتها حالة من الهياج العصبي، تركل كل ما يقابلها حتي هدأت وتذكرت أمر ما، بحثت عن حقيبتها وتذكرت أنها تركتها في الأسفل، نظرت نحو الهاتف المنزلي الخلوي أعلي الكمود، أمسكت به وقامت بالنقر علي عدة أرقام بعد أن هدأت قليلاً من البكاء و انتظرت الرد حتي أتاها صوت والدها
"بابي أنا عايزاك تجيلي دلوقتي حالاً"
❈-❈-❈
ونعود مجدداً إلي عروس البحر المتوسط...
مازالت تغفو إلي الآن فالساعة تكاد تقترب علي الحادية عشر وقت الظهيرة وذلك بسبب ما اصابها من الأرق، فهي داخل منزل شخص لا تعرفه سوي الأمس، و رغم رفضها لمساعدته تكراراً لكن موقفه النبيل حيث ترك لها المنزل الكبير هذا لتشعر بالأمان ويرفع الحرج عنها لقبولها البيات في منزل أسرة هذا الطبيب الوسيم الأعزب.
فُتح الباب بتؤدة وظهرت سعدية تحمل علي يديها ثياب مطوية، دخلت دون إصدار صوت و تحدق نحو تلك النائمة التي ترتدي عباءة قطنية بيضاء ذات أكمام تعود إلي ثياب السيدة رجاء.
لن تبرح عينيها عنها و تتسحب دون أن تنتبه للمنضدة الصغيرة، أهتزت ووقعت من فوقها مزهرية خزفية، وقعت وتحطمت، أصدرت صوتاً أيقظ أميرة فقد اصابها الفزع، نهضت في التو، تضع كفها علي صدرها والذعر يرتسم علي وجهها، ابتسمت سعدية إليها واخبرتها
"آسفة يا موزمازيل أميرة، أصل أني أخدت هدومك وغسلتها و جففتها وكويتها وقولت أطلعهالك؟"
"شكراً يا...
حاولت تذكر اسم الأخرى فأكملت الثانية
"سعدية يا موزمازيل أميرة"
"شكراً يا سعدية تسلم إيدك"
أجابت الأخرى بمكر ودهاء بعد أن تأكدت من السيدة رجاء بالأمس أن أميرة لا تمت لهم بصلة قرابة
"العفو يا موزمازيل، ألا بصحيح هو حضرتك موزمازيل و لا مؤاخذة مدام؟، أصل دكتور رحيم لما عرفنا عليكي ماقلناش حاجة غير أنك بنت عمه وبس"
شعرت أميرة بالحرج فهي تدرك تلك النظرة التي تراها الآن في أعين هذه المرأة الماكرة، ابتلعت ريقها وبدأت تخبرها بتردد
"أنا، أنا بصراحة يعني معرفش"
تعجبت الأخرى و لم تفهم شيئاً
"هو إيه اللي ما تعرفيش، هقولك أني بقي عارفاكي كويس أوي، البيه مالهوش بنات عم، و هتلاقيكي واحدة من إياهم وبتضحكي عليه وعاملة نفسك مش عارفة و لا فاكرة حاجة"
نهضت الأخرى من فوق الفراش، اصابتها الصدمة من حديث تلك المرأة، فصاحت بإنكار و دفاع
"أنت بتقولي إيه يا ست أنتي!"
"بقول الحقيقة يا ختي"
رفعت اصبعها اشارة تحذيرية لها
"ما اسمحلكيش تتكلمي معايا بالطريقة دي أحسنلك، واتفضلي اطلعي بره عشان هغير هدومي"
ألقت سعدية الثياب علي الفراش ونظرت إليها بازدراء وكادت تتحدث، سبقتها الأخرى بصياح حاسم
"بره"
"ما براحة علي نفسك يا حلوة"
دفعتها أميرة إلي الخارج و أغلقت الباب بقوة، استندت علي الباب من الداخل وانتابتها حالة من البكاء، فهي منبوذة من الجميع واليد الوحيدة التي انتشلتها من الضياع جعلها صاحبها في موقف سئ للغاية كما شعرت بالخوف من ما هو آت و من المجهول الذي لا تعلمه بعد!
و ها هي الآن تنتهي من ارتداء ثيابها ووشاحها، تبحث عن حقيبة اليد خاصتها فاخذت تتلفت من حولها علها تجدها، سمعت صوت تنبيه سيارة يتبعه صوت الحارس
"أنا جاي أهو يا رحيم بيه"
ذهبت نحو الشرفة لتلقي نظرة، وجدت سيارته تعبر البوابة التي فتحها الحارس، صف سيارته جانباً ثم نزل ويخبر الأخر وهو يلقي إليه مفاتيح السيارة
"لو سمحت يا عم دسوقي هات الحاجات اللي في شنطة العربية وخلي سعدية تطلعها"
"أمرك يا بيه"
كانت تتابعه وهو يمسك بهاتفه ويبدو أنه يتابع شيئاً ما علي الشاشة، يخلع نظارته السوداء و علقها علي مقدمة قميصه، انتهي من المتابعة وأغلق الشاشة، انتبه إلي التي ظلت تراقبه من خلف زجاج الشرفة، رفع رأسه مبتسماً إليها ولوح بيده بتحية، اكتفت بالإيماءة يخالطها طيف ابتسامة ثم عادت للداخل بعد أن عزمت علي ترك هذا المنزل في الحال، و عليها أن تخبره بذلك.
دخل واتجه إلي المطبخ، رأته سعدية فتركت ما بيدها من الحقائب التي جلبها معه، ركضت خلفه
"عشر دقايق والفطار هايكون جاهز يا بيه"
"روحي أنتي يا سعدية، طلعي الشنط لأميرة فوق"
وقفت في مكانها دون حراك تتابعه يفتح البراد ويخرج منه معلبات وطبق البيض، سألها دون أن ينظر إليها
"أنت لسه واقفة عندك بتعملي إيه؟"
"ها؟!، حاضر يا بيه أنا طالعة أهو"
وذهبت تتحدث بصوت خافت
"و كمان بيعملها الفطار بنفسه، ده شكل الموضوع وراه حوار كبير أوي، لما ألحق أكلم رجاء هانم وأقولها علي اللي بيحصل"
اهتزت فجأة عندما اصطدمت بها أميرة التي نزلت للتو، فصاحت الأخرى
"ما تفتحي ياختي و لا دي كمان ماتعرفهاش؟!"
حدقت إليها بازدراء و تقزز دون أن تعقب علي أسلوبها المنفر، تابعت سيرها تبحث عنه حتي سمعت صوت موسيقي آتية من المطبخ يصاحبها صوته، يغني تزامناً مع صوت فيروز
"نسم علينا الهوى من مفرق الوادي"
توقفت لدي مدخل الباب وظلت تستمع إليه وتتأمل ما يفعله، يقف أمام الموقد ويقوم بإعداد البيض المقلي ثم تقديمه علي طبق من الخزف.
"صباح الخير"
انتبهت لإلقاءه عليها تحية الصباح فأجابت
"صباح النور"
فتح الصنبور ليغسل يديه، يخبرها بمزاح
"يارب يا فندم تكون الغرفة عجبت حضرتك وقدرتي تنامي كويس، أصل في فندقنا المتواضع شعارنا أهم حاجة راحة الضيوف"
ابتسمت رغماً عنها حيث نجح في تبديد شعور الحزن لديها، لكنها لم تنس كلمة أو إهانة من تلك السعدية سليطة اللسان، لذا اخبرته بجدية وامتنان
"دكتور رحيم، أنا بشكرك جداً علي وقوفك جمبي، و جميلك عمري ما هنساه، فبستأذنك أنا مضطرة أمشي لأن ما ينفعش أقعد هنا أكتر من كدة"
اقترب منها ووقف أمامها يسألها
"فيه حد ضايقك هنا؟، سعدية و لا عم دسوقي؟"
تهربت من النظر إليه مباشرة وأنكرت فهي لا تريد إخباره بما قالته سعدية حتي لا تتسبب لها الأذي في عملها
"محدش عملي حاجة، الحكاية و مافيها إنه، إنه....
"أومال فيه إيه؟"
"فيه إنه ما ينفعش أقعد هنا، أنا لا أقربلك من قريب و لا بعيد، و مش مستريحة فمعلش ممكن تسمحلي أمشي هاروح أدور علي مكان من غير أي مشاكل ليا و لا أي حد"
"معلش أنتي يا أميرة، مش هاينفع أسيبك لوحدك أولاً بسبب حالتك المرضية، ثانياً أنتي ما تملكيش المال اللي يساعدك تلاقي مكان تقعدي فيه، و الدنيا بره مفيش أمان، و أديكي جربتي بنفسك لما خرجتي من المستشفي وأتعرضلك الراجل إياه"
"أرجوك أنت سيبني علي راحتي، مش عايزة أعملك مشاكل مع اللي حواليك"
حرصت أن لا تخبره، لكنه فطن بالطبع سبب رفضها للإقامة هنا، أطلق زفره يستعين بالصبر حتي لا يستسلم للغضب
"استنيني هنا، راجعلك تاني"
صعد الدرج وسار نحو الغرفة التي بها سعدية، فهي تتحدث في الهاتف
"والله زي ما بقولك كدة يا رجاء هانم"
فتح الباب فجأة، شهقت سعدية وخبأت الهاتف خلف ظهرها، دخل ورمقها بانزعاج بائن علي ملامح وجهه، تقدم نحوها ومد يده يحركها طلباً منها أن تعطيه الهاتف، ابتلعت ريقها ورفعت الهاتف علي أذنها
"معلش يا هانم أنا...
اختطف منها الهاتف و لوح لها بيده أن تترك الغرفة فامتثلت لأمره في الحال، بينما هو تحدث في الهاتف
" أظن عيب أوي يا ماما لما تخلي سعدية تتجسس عليا وتنقلك كل أخباري"
"و ليك عين تتكلم يا حضرة الدكتور المحترم!"
"حضرتك فاهمة غلط، أنا هابقي أكلمك بعدين وهافهمك كل حاجة، بستأذنك مضطر أقفل دلوقتي، سلام"
"هاتقفل عشان تروح للهانم اللي جايبها من الشارع...
أنهي المكالمة دون تردد حتي لا يدخل في أحاديث لا نهاية لها، و عاد إلي المطبخ فلم يجد أميرة، خرج وبحث عنها في البهو حتي رآها عبر الباب الزجاجي المطل علي الحديقة في الخارج.
ترص الأطباق بعناية وجاءت تلتفت إلي يسارها فوجدته أمامه، شهقت بفزع
" بسم الله الرحمن الرحيم"
ضحك من عفويتها وقال
"ما تقلقيش، عمر العفاريت ما بتطلع للملايكة"
اصابها بالخجل بعد أن أدركت غزله الغير مباشر والعفيف، فأجابت دون النظر إليه
"أنا كملت اللي كنت بتحضره وحطيته هنا، أصل لاقيت الجو جميل و فيه نسمة هوا حلوة أوي"
همت بالذهاب فاعترض طريقها وسألها
"علي فين؟"
"طالعة أجيب شنطتي عشان ماشية"
رأي في عينيها إصرارها الحريص علي المغادرة، تنهد واخبرها بهدوء وإقناع
"أنا مش هاجبرك علي حاجة، بس ممكن تتفضلي نفطر مع بعض، و بعدها هاخدك بنفسي و هوديكي لأوتيل قريب من هنا، عشان أبقي قريب منك و أقدر أطمن عليكي"
وقعت في حيرة بدت علي نظراتها، جلس و أعد حاله لتناول الطعام
"يلا اقعدي عشان بعد ما نخلص المشوار ده، هنطلع علي المستشفي نبدأ الفحوصات وأطمن علي حالتك قبل ما نمشي في إجراءات العملية"
جلست علي الكرسي المقابل، سألته باهتمام بالغ
"عملية إيه؟"
"عملية تخلي ذاكرتك ترجعلك"
"بجد يا دكتور؟"
ابتسم وشعر بالسعادة لما يراه في عينيها من أمل، هيهات واخبرها ما جعل بريق الأمل انقشع في لحظة
"بجد، لكن حالتك اللي هاتحدد هل العملية ممكن تنجح أو العكس"
"حضرتك تعرف حد عملها قبل كده و نجحت؟"
"كنت في مؤتمر طبي واتعرض فيه تقرير عن حالة مشابهة لحالتك، لكن...
أثر الصمت و تذكر حديث الطبيب له عن ضعف نجاح العملية نظراً إلي أثارها الجانبية
" العملية فشلت، صح؟، طب هقولك علي حاجة و ما تستغربش، أي حد مكاني بيبقي بيتعلق في قشاية تقدر ترجعه يفتكر أي حاجة و خصوصاً أهله و ناسه، أنا بقي خايفة"
نظرت نحو الأزهار واسطردت
"خايفة لو رجعتلي الذاكرة، اكتشف أن حياتي كانت مآساه أو أهلي هم اللي يكونوا السبب في اللي وصلت ليه، خايفة ليكون ماليش حد في الآخر ووقتها مش هايفرق وجود الذاكرة أو عدم وجودها"
"و ليه تظني الوضع السئ مش يمكن حياتك القديمة أحسن، و يمكن ليكي أهل و عيلة بيحبوكي و زعلانين عليكي"
ابتسامة ساخرة يشوبها الشجن فاخبرته بما تبوح به لأول مرة عن ما كانت تخبر به دائماً نفسها
"تفتكر لو كان ليا أهل و عيلة بيحبوني إيه اللي خلاهم ما يسألوش عني؟!، إيه اللي خلاهم ما حاولوش يدوروا عليا و يبلغوا كل جهة مسئولة تقدر توصلهم بيا"
"الله أعلم، بس إحساسي بيقولي...
" ليك حق طبعاً تقفل السكة في وشي يا حضرة الدكتور"
كان صياح والدته الذي قاطع حديثه، نهض واقترب من والدته التي تحدق في أميرة بنظرات قاتلة من أسفل إلي أعلي
"تعالي يا ماما نتكلم جوه"
أمسك يد والدته فجذبت يدها منه بعنف وأكملت وصلة الصياح والتوبيخ
"مش رايحة في أي مكان، غير لما تقولي مين البت دي و بتعمل إيه في الفيلا؟، و قال أنا اللي رافعة راسي لسابع سما وعماله أفتخر بيك وبأخلاقك، ده الناس كانوا بيقولوا لي يا زين ما ربيتي يا رجاء، ابنك راجل من ضهر راجل و متربي سبع مرات"
"ماما لو سمحت تعالي نتكلم جوه أحسن"
محاولة بائسة باتت بالفشل و كان تعقيبها لازعاً وحاداً
" اخرس، لما اتكلم ما تقطعنيش، بقي كدة يا دكتور؟!، كل ده بسبب بنت خالتك اللي راحت لغيرك قومت عشان تنساها روحت جايب لي واحدة من الشارع ومقعدها في الفيلا بتاعتنا، لاء و كمان خليت سعدية تطلع ليها من هدومي، ما كنت خليها تورثني أحسن بالحيا!"
"والله العظيم حضرتك فاهمة غلط، أميرة محترمة جداً بس هي ظروفها صعبة شوية"
في تلك الأثناء كانت أميرة تبتعد رويداً رويداً، تضع كفها علي فمها، تمنع حالها من البكاء وخاصة بعد أن قالت رجاء أقسي الكلمات من صفات و نعت ظالم لها
"ظروف إيه اللي تخلي واحدة زيها لا تعرفك و لا تعرفها و تيجي تبات في الفيلا معاك، إلا لو واحدة من البنات الشمال و ما صدقت لاقت صيد ابن ناس زيك تقدر تضحك عليه"
أصبحت علي مسافة بعيدة تبكي و تهز رأسها بالرفض، ترفض تلك الإتهامات الظالمة، لذا قررت الابتعاد بل الرحيل من هذا المكان، ركضت نحو البوابة وفي ذلك الحين كانت مفتوحة علي مصراعيها بعد دخول سيارة السيدة رجاء منذ قليل.
رآها دسوقي الحارس فأخذ ينادي
"يا آنسة؟، رايحة فين؟"
لم تلتفت خلفها و استمرت في الركض بكل ما أوتيت من قوة، ذهب دسوقي بعد فشله للحاق بها إلي رحيم
"يا دكتور رحيم، إلحق يا دكتور"
يلتقط أنفاسه، ألتفت إليه الأخر وتابعته والدته بالاهتمام، فسأله بقلق
"في إيه يا دسوقي؟"
أكمل لاهثاً
"بنت عم حضرتك لاقيتها بتجري علي بره، فضلت أنادي عليها ماردتش عليا ومالحقتهاش"
لم يمتلك وقت للرد فركض هو أيضاً، صاحت والدته بالنداء
"رايح فين؟، يا رحيم؟، رحيم؟"
❈-❈-❈
تضغط متابعة لأحدى الصفحات علي موقع التواصل الإجتماعي الشهير، فتلك الصفحة تعرض مقاطع من البرامج الحوارية، فانتبهت إلي عنوان شيق قد جذبها و كان بعنوان
«جوزي بيحب جارتي و عايز يتجوزها قولولي اعمل إيه؟»
ضغطت علي تشغيل المقطع و استمعت إلي متحدثة في الهاتف و تستمع إليها مذيعة شهيرة تستقبل تلك المشكلات الناتجة عن العلاقات كالزواج و الخطوبة والزواج في منزل عائلة الزوج و خلاف ذلك.
كانت مشكلة المتصلة تشبه كثيراً ما تمر به شيماء التي انصتت لكل حرف وتهز رأسها وتتبدل تعابير وجهها كل حين و آخر كلما تسرد الأخرى تفاصيل أكثر و أكثر حتي انتهي حديثها بمقولة
«و للأسف يا أستاذة لما واجهته بعلاقته مع جارتنا قالي بكل جرأة بحبها وعايز يتجوزها و لو مش عاجبك هاطلقك»
شهقت شيماء وضغطت إيقاف المقطع
"هار أبوه أسود، يخربيتك أنت و كل اللي زيك يا راجل يا عره، بس الحق مش عليه، الحق عليكي يا غبية، و أدي تعليق عشان تفوقي أنتي و كل واحدة غبية، ما أنا لازم أنصحكم قبل تتغفلوا وأديكم عصير خبرتي"
فتحت مستطيل التعليقات و قامت بكتابة الآتي
«لو جوزك عاوز يتجوز عليكي يبقي أنتي ما بذلتيش المجهود الكافي في أنك تكرهيه في صنف الستات كلها... ستات خايبة 😏»
ضغطت علي إرسال التعليق بابتسامة تصل إلي أذنيها و بكل فخر واعتزاز تقول
"الله عليكي يا شوشو، عليكي حِكم تتكتب في التاريخ ويدرسوها للعيال في المدارس"
سمعت صوت فتح باب المنزل، رفعت عينيها عن شاشة الهاتف فوجدته زوجها الذي تعمد هجرها والنوم في غرفة أخرى، و ذلك منذ أن تلقي لكمة في عينه علي يد شقيق الجارة الحسناء، مما تسببت له في كدمة تميل إلي الأزرق حول عينه، و حينما عاد إلي منزله أختلق مشكلة دون داع حتي لا تري الذي حدث له وتبدأ التحقيق معه.
"ما ترمي السلام يا أستاذ نادية لطفي في فيلم النضارة السوداء"
و بدلاً أن يذهب إلي غرفته عاد إليها و علي مسافة لا يمكنها كشف ما يخبأه اخبرها بتهديد
"لأخر مرة بحذرك يا شيماء، لو ما بطلتيش أسلوب التلقيح ده معايا هاتشوفي مني وش هخليكي تهربي أول ما مجرد تلمحيني"
حركت شفتيها يميناً و يساراً و لم تبالي لتهديده فعقبت
"هو أنا شايفة منك حاجة غير نضارة الشمس اللي مصدرهالي كل ما اشوف خلقتك، و تدخل الأوضة تقفل علي نفسك، ليه يعني، كل ده عشان عملت الرز حبة و حبة مش بشعرية زي ما بتحبه"
"يا سلام!، هو ده سبب خناقي معاكي برضه!، و لا نسيتي طبق الشوربة المولعة لما دلقتيها عليا بالقصد!"
نهضت ووضعت يديها علي جانبي خصرها واخبرته بإنكار
"هو أنا هدلق عليك الشوربة قصد ليه إن شاء الله، كنت حارق دمي مثلاً و لا بتعمل حاجة من ورايا!، ما قولتلك مكنش قصدي اتكعبلت في كرسي السفرة، كفرت يعني و لا أذنبت"
"لاء يا شيماء، أنا اللي أذنبت يوم ما فكرت أتجوزك، بقت عيشة تقرف"
ألقي كلماته و ذهب مسرعاً نحو غرفته، لكنه وجد يد تقبض علي قميصه من الخلف تجبره علي الإلتفات إليها
"أنت قد الكلام اللي أنت قولته؟"
رأي في عينيها نظرة قد رآها من قبل في أعين القاتلة ريا والتي أدت دورها ببراعة الفنانة عبلة كامل، ابتلع ريقه بخوف لم يظهره لها
"عايزه إيه يا شيماء؟"
"عايزاك تعقل يا حبيبي و ترجع تنام في فرشتك جمب مراتك حبيبتك، لأن بيقولوا الراجل المتجوز اللي بينام لوحده كتير، اللهم احفظنا ويجعل كلامنا خفيف عليهم بيبقي مطمع ليهم، يعني هتلاقي نسوان الجن يكراشو عليك و لو واحدة فيهم عشقتك يا حبيبي يبقي علي الله حكايتك، وأخرتك العباسية جمب أخواتك المجاذيب"
"و مين بقي اللي افتي لك الفتوى المتخلفة زي افكارك دي يا حبيبتي؟"
"هو أنت ما تعرفش؟، عمي الشيخ سالم الله يرحمه زارني في المنام و فضل يقولي يا شيماء خدي بالك من طه، فيه واحدة منهم بتلوف عليه حذريه وقوليله اللي أنا قولته لك من شوية كدة بالظبط"
افترقت شفتيه بابتسامة صفراء واخبرها بسخرية
"طب ياريت يا شوشو لما يزورك أبويا الله يرحمه تاني، بلغيه سلامي وقوليله ابنك بقي بيكفر عن سيئاته اللي فاتت و اللي جاية و البركة فيكي يا حبيبتي"
أبعد يدها ونفضها عنه وأكمل تحت نظراتها النارية
"و كمان قولي له إن ابنك عنده العيشة مع ستات الجن أرحم بكتير مع العيشة معاكي"
و كاد يفتح باب الغرفة فاوقفته
"يعني ده أخر كلام عندك يا طه؟"
أجاب بإصرار وحسم
"أيوه، و لو مش عاجبك أبقي روحي اشتكيني لأبويا في تربته"
شرعت في رفع أكمام ثوبها وقد عزمت علي أمر تمنعت عنه مراراً قبل ذلك
"أنا كده عداني العيب و أزح، خد دي يا قلب شوشو"
"ااه، يا مجنونة"
آهه أطلقها بألم وهو يتلقي منها لكمة هشمت النظارة و أصابت عينه المصابة سابقاً بل و تسببت بفتح جرح صغير في نهاية حاجبه.
شهقت بخوف عندما رأت خط دماء رفيع ينزل جانب عينه، صاحت بنواح
"يا لهوي أنا هببت إيه، فقعتي عين جوزك يا شيماء"
اقتربت منه وأخذت تربت عليه
"أنا آسفة يا حبيبي، تتقطع إيدي اللي ضربتك"
"غوري من وشي يا شيماء، كل حاجة مكنش قصدك، من يومين تحرقي فخادي بالشوربة و المرة دي كنتي هتفقعي لي عيني بالبونية، روحي يا شيخة منك لله"
ابتعد عنها ودخل إلي الغرفة ثم أغلق الباب خلفه بالمفتاح، أسرع نحو المرآة ليطمئن علي عينه و يتفحص جرح حاجبه
"منك لله يا بعيدة، عيني كانت هاتضيع"
و إذا به تتحول تعابير وجهه من الألم إلي ابتسامة
"الحمدلله إنها جت علي جرح صغير، كدة بقي مش هلبس النضارة تاني و أخاف تسألني مين اللي ضربك في عينك، و دي بومة لو عرفت اللي حصل ممكن ترميني و أنا و روميساء من سطح البرج"
عادت إلي الردهة وتبكي علي ما اقترفت يدها في عين زوجها، جلست تنعي حظها حتي انتبهت إلي هاتفه الذي وقع منه و لم يشعر به، كان يضئ برسالة واردة من روميساء عبر تطبيق الدردشة، دنت وأمسكت به لتجد جزء كبير من نص الرسالة يظهر علي شاشة القفل و كان فحواها
«عامل إيه يا طه... أنا من وقت ما كنت عندي و......
لم تستطع معرفة الرقم السري للهاتف، قامت بتجربة عدة أرقام و كل تجربة تنتهي بعدم الفتح، زفرت بنفاذ صبر وقالت بوعيد
"يعني إحساسي طلع صح و طلعت بتروح لها كمان يا سي طه، و قال أنا اللي عماله أعيط علي عينك اللي باظت، ده أنا ما بقاش شيماء لو ما فقعتلك عينيك الاتنين و خليتك بدل ما أنت طه البحيري تبقي طه حسين"
يتبع
#الفصل_التاسع_الجزء_الأول
#غرام_الذئاب
#الجزء_الرابع_من_سلسلة_صراع_الذئاب
#بقلم_ولاء_رفعت
أيا دموعًا من الحزن مُرّت شجونهَا،
أَخبِريني، أتبكي العينُ أم تدمع الجفونُ أمانيا؟
ويا قلبًا يحمل في الضلوع وزرًا أثقلتهُ،
ألستَ أنت من اختار ذات يوم طريق السّرايا؟
تنظرُ إلى الحياةِ من نافذةٍ كالسّراب،
كأنّ كلّ ما عبرت، خيالٌ أو خُطى الهَاربين.
تبحثُ في الضباب عن معنى أو جواب،
لكن الصدى في قلبها يقول، أيّ مصيرٍ تنتظرين!
تنظر إلي الطريق من خلف نافذة باب السيارة، تذرف عينيها دموعها الحارقة تزامناً مع دموع قلبها اللائم لها علي كل ما هي مقبلة عليه، فكانت منذ قليل لدي المحامي الذي عثرت عليه خلال رحلة من البحث و التصفح علي الإنترنت، و عندما قرأت العنوان شعرت بالراحة يكفي أنه يبعد عن منطقة نفوذ زوجها، هكذا ظنت فبمجرد أن ذكرت اسم زوجها بالكامل شحب لون وجهه و....
«مشهد سابق»
داخل مكتب المحامي..
ابتلع ريقه بتوتر لم يظهره أمامها بعد سماعه اسم زوجها فسألها
"حضرتك متأكدة أنك عايزة ترفعي علي جوزك قضية خلع؟"
اومأت وأجابت بحزن مرير
"لو مكنتش متأكدة، مكنش زماني قاعدة قدام حضرتك دلوقتي"
"حضرتك مش فاهمة قصدي، هو الموضوع....
" أنا فاهمة قصدك كويس أوي، واضح لما قولتلك علي اسمه بالكامل وشك أصفر، و عارفة أن جوزي ليه علاقات و نفوذ كتيرة و أنت خايف منه"
اعتدل من وضع نظارته الطبية
"أنا بـ...
"أنا هادفعلك المبلغ اللي هاتقول عليه، بس ياريت الموضوع يخلص بسرعة لأني ما بقتش استحمل أعيش معاه اكتر من كده، و عندي أسباب كافية تخلي القاضي ينطق بحكم الخلع من أول جلسة"
«العودة إلي الوقت الحالي»
"معلش يا مدام دنيا أنا مضطر أقف بالعربية علي الناصية، حضرتك زي ما أنتي شايفة الحارة ضيقة و مش هاينفع أكمل"
انتبهت إلي حديث السائق و دون أن تطلب بأن يعيد عليها كلماته مرة أخرى، نظرت من حولها و علمت بوصولها لهذا المكان مرة أخرى!
نزلت من السيارة وسارت بضع خطوات ووقفت تتذكر الزيارة السابقة لها في هذا المكان وخاصة في مكتب الطبيبة بالأعلي
«مشهد سابق»
تنظر الطبيبة إلي شاشة جهاز السونار ثم نهضت
"كيس الحمل في أفضل حال، ممكن أعرف ليه عايزه تجهضي؟"
وقع السؤال عليها كوقع الماء المثلج فوق رأسها رغم مجيئها هنا بكامل إرادتها لكن ضميرها و قلبها يخبراها أن ترحل و تتراجع عن هذا الجُرم، و بعد تفكير قليل واستسلامها إلي وساوس إبليس أجابت كذباً
"عندي أسبابي المرضية"
"معاكي شهادة طبية أو تقرير فيه نوع التعب اللي عندك؟"
ضجرت من أسئلة الطبيبة والتي استشفت من خلالها الاتهام و عدم تصديقها، لذا اختارت اللهجة الأخرى و التي اكتسبتها من زوجها حديثاً
"بصي يا دكتورة من الآخر كده و من غير لف و دوران، أنا قبل ما اجيلك سألت عليكي ناس معرفة و هم قالولي أنك بتعملي العمليات ديه غير العمليات الشمال اللي بترجعي فيها البنت من واحدة ست لبنت بنوت، فياريت بلاش بقي الأسئلة اللي مالهاش لازمة وفلوسك و هتاخديها مقدم"
شعرت الأخرى بالتوتر والخوف، خشيت أن خلف تلك المرأة خدعة من الشرطة
"مش عايزه حاجه و فلوسك خليهالك، روحي لمعارفك خليهم يدلوكي علي حد غيري"
نهضت دنيا و ازاحت الدثار من فوقها و نزلت لتذهب خلف الطبيبة و لم تجد مفراً من الإجابة البديلة و التي خططت لها من قبل المجئ، حاولت تذكر كلمات زوجها من إهانة وتهديد و كيف كان يعاملها حتي وجدت دموعها تنهمر، اكملت هذا المشهد التمثيلي ببراعة
"ارجوكي يا دكتور، أنا جوزي مهددني لو حملت هيطلقني، يرضيكي بيتي يتخرب، غير إنه مفتري و ظالم، ده ممكن يموتني فيها"
شعرت الطبيبة بالعطف عليها، فاخبرتها بملامح تحمل الحزن عليها
"خلاص يا مدام دنيا، كفاية عياط، و معلشي سامحيني، أنا شكيت فيكي ليكون حد زقك عليا، و لا تكوني تبع البوليس"
اعطتها محرمة ورقية و سكبت لها كوباً من الماء و قدمتها إليها
"أنا هعملك اللي عايزاه، بس خدي بالك العملية دي مش سهلة زي ما أنتي مفكره، دي بيبقي فيها خطر علي حياتك"
«عودة»
كانت تتردد قبل أن تدلف إلي فناء المبني، وصوت داخلها يذكرها بأن ما ستفعله جريمة لدي القانون و حرام في الشرع والدين.
وجدت ساقيها تتحرك حتي وصلت إلي البوابة و كادت تعود إلي السيارة لكن هناك إتصال من الطبيبة لتذكرها بموعد العملية، فالموعد بعد نصف ساعة.
و في مكان آخر... يتعانق انعكاس لون السماء مع لون أوراق الريحان بين اهدابه التي ترف كل حين و الآخر، وهناك ضباب رمادي ناتج عن حرق التبغ من اللفافة المحترقة بين أصابعه، فذلك الدخان يقف حائل بينه و بين الحائط الزجاجي، يقف أكثر من ساعة في حالة تفكير ضاري لم يعرف الرحمة، ينهش عقله و قلبه أيضاً، فهو سؤال واحد يتردد داخل رأسه، لماذا أصبحت الحياة بينهما تنحدر إلي الهاوية!
صار يقضي معظم يومه داخل مكتبه الشركة الخاصة به و يعود في وقت متأخر مساء حتي لا يلتقي بها، رغماً من يقينه أنها لا تغفل عن وجوده حينما يعود ويدخل إلي غرفة مكتبه لينام ويستيقظ صباحاً في اليوم التالي و يبدل ثيابه ثم يذهب إلي عمله من جديد، فهذا الوضع الرتيب منذ آخر ليلة تمت خلالها مواجهة و نقاش حاد وعادت الأمور بينهما إلي نقطة الصفر.
صوت اهتزاز هاتفه أعلي سطح المكتب جعله يلتفت نحوه و بطرف عينيه لمح هوية المتصل فاسرع بالإجابة وتلقي صوت أحد رجاله يخبره
"كنان بيه، المدام نزلت من البيت من حوالي ساعة زمن، خدت أوبر ونزلت المعادي في شارع 9 قدام عمارة قديمة من أربع أدوار مفيهاش حد غير مكتب محامي، طلعت وراها و فضلت واقف بره لحد ما دخلت للمحامي، روحت علي طول سألت المساعد مكنش عايز يقول حاجة غير لما غمزته بقرشين فقالي أن المدام واخده ميعاد قبل ما تيجي و جاية في قضية خلع"
كان الآخر يستمع إليه ويجز علي أسنانه حتي برزت عظام فكه من فرط رياح غضبه العاتية التي تموج في صدره الآن، يبدو أنها كانت تخطط منذ فترة إلي ما تفعله وانتظرت ريثما تمتلك ما يجعل قدميها ثابتة علي أرض صلبة لتنفصل عنه دون الوقوع تحت رحمة سطوته و تهديده السابق لها وهو عدم الطلاق بتاً و سيأخذ ابنائه ويجعلها تعيش في نيران الحرمان من رؤيتهم مرة أخرى.
اتحسب أنها تمتلك الذكاء لتتحداه، كم هي حمقاء فهو الذي يمتلك الدهاء و المكر و بإمكانه أن يفعل بها ما يجعلها تركع أمامه ذليلة لكي يرحمها.
أطلق زفرة طويلة اخترقت أذن هذا المنتظر الرد من سيده، عقب قائلاً بهدوء نقيض حالته
"هي لسه عند المحامي؟"
"عشر دقايق و خرجت علي طول و رجعت تركب مع العربية اللي كانت فيها، و بعدين طلعت علي منطقة اسمها المعصرة، فضلت وراهم بالعربية لحد ما نزلت علي ناصية الحارة وراحت لدكتورة النسا اللي كانت عندها من تلات أيام"
شعر الآخر علي الفور بأن هناك خطب ما و سبب وراء تلك الزيارة الثانية خلال وقت قصير، و ما جعل الشك يدق ناقوس الخطر داخل رأسه عندما تذكر أن زوجته كانت تتابع حملها حتي الولادة مع طبيب تقع عيادته في حي مجاور للمنطقة، فلماذا ذهبت إلي طبيبة أخرى و في تلك الحارة العفنة و إلا أنه يوجد سبب كما يخبره حدسه، تذكر سريعاً عندما عاد في الأمس لاحظ ظرف كبير مدون عليه اسم أحد المعامل الشهيرة، فإذا صدق حدسه فلا أحد يلومه علي ما سيفعله بها!
"كنان باشا"
انتبه إليه بعد أن فاق من تفكيره القاتل، صاح بصوت وصل إلي القاصي والداني
"خليك مكانك و ماتتحركش و أنا مسافة السكة و هاكون عندك"
أنهي المكالمة علي الفور، امسك بمفتاح سيارته و سترة البدلة يرتديها علي عجل وذهب ليمنع تلك الحمقاء من الكارثة التي علي وشك الحدوث.
❈-❈-❈
يتسابق مع الزمان و المكان مزدحم بالسيارات و المارة، يريد اللحاق بها قبل أن تفعلها، قام بمخالفة كل الإشارات المرورية و لم يكترث إلي الردارات التي ترصد سيارته و تسجل كل مخالفة يفعلها، لا تهمه العواقب قدر اهتمامه، فيجب عليه الوصول في أسرع وقت.
و ها هي و بعد صراع مع قلبها وصوت ضميرها الذي تأبي سماعه، تتمدد علي سرير عمليات الولادة، تشاهد الطبيبة و برفقتها سيدة تحل محل الممرضة، تحضر أدوات طبية من مبضع الجراحة و مقصات مختلفة الأحجام و خيط طبي، هذا المنظر المريب و المخيف يكفي لجعل الدماء تهرب من الوريد ويكاد القلب يتوقف عن الخفق، تغمض عينيها، تكاد تبكي بل وسيطر الآن عليها الشعور بالندم،
أفزعها صوت الطبيبة
"جاهزة يا مدام دنيا؟"
و كانت الطبيبة تمسك بالإبرة الممتلئة بالمادة المخدرة، ألتقطت قطنة غمرتها في المعقم و قامت بمسح رسغ دنيا التي ارتعشت بخوف لامسته الأخرى و أحست به
"بلاش توتر وخوف، ضغطك هايرتفع و ده مش في صالحك"
نظرت إلي الطبيبة تارة و تارة أخرى تنظر نحو الباب، منفذ الهروب الوحيد من قرارها الظالم، امسكت الأخرى يدها و تستعد لغرز إبرة المخدر بها، انتفضت دنيا
وهيهات قلبها توقف عن النبض عندما فتح الباب علي مصراعيه بصوت هادر يناديها
"دنيا"
وقعت الإبرة من يد الطبيبة التي تسمرت في مكانها و كذلك المساعدة التي وقع ما بيدها من الفزع و هول الموقف، ورؤية هذا الوحش الكاسر و عينيه تلمع بغضب يحرق الأخضر و اليابس!
❈-❈-❈
دخان كثيف منتشر في أرجاء غرفة المكتب داخل القصر، ذلك الدخان ناتج عن إحتراق لفافة التبغ العاشرة و ربما العدد أكثر من ذلك، فكلما يصبح في حالة مزاجية سيئة يلجأ إلي التدخين بشراهة، تلك الوسيلة ينفث من خلالها غضبه بدلاً من الاستسلام إلي أفكاره السوداء، هو يحبها بل و يعشقها لايريد إيذائها كسابق عهده في أول عام من الزواج، تلك البلهاء العنيدة لا تعلم حقاً قيمتها و مكانتها داخل قلبه و عقله، يعشقها حد الجنون، متيم بها و هائم في بحور عشقها، و يالها من عنيدة مدللة، ضمنت حبه و كيف هو أصبح يتحلي بالصبر نقيض ما كان عليه في السابق، فمن أجل عينيها يفعل المستحيل، و لما لا؟!، فهي صبا القلب والروح.
دق الباب ثم فتحت أحد الخادمات لتخبره
"عابد بيه جه بره و عايز يقابل حضرتك"
انتهي من تدخين اللفافة التي بيده ثم أطفأ بقاياها داخل المطفأة الكريستالية، ذهب ليستقبل والد زوجته الذي كان ينتظره في البهو وكأن شيئًا لم يحدث منذ قليل، مبتسمًا ابتسامة رسمتها الاحترافية لا العاطفة، وهو يعلم جيدًا سبب هذه الزيارة، حينما عانق حماه بترحاب
"أهلاً وسهلاً عابد بيه"
بادله الأخر العناق بحرارة، لكن بعين الأب التي تحمل عتابًا دفينًا
"اسمها بابا عابد، ولاّ أنت مش معتبرني زي والدك الله يرحمه؟"
ابتسم قصي بتلك الابتسامة التي تخفي وراءها طبقات من المشاعر المتداخلة، ورد سريعًا يشوبه القليل من المزاح
"طبعًا حضرتك زي والدي، بس أنا مش عايز أكبرك"
ضحك حماه ورد ممازحًا
"مين ده اللي كبر؟!، أنتم اللي كبرتوا وعجزتوا"
اجاب الأخر بمزاح ساخر
"معلش بقى يا عمي، كل سن ليه أحكامه، تعالَ اتفضل نقعد في المكتب"
دخل الاثنان غرفة المكتب، حيث جلس عابد براحة على الكرسي الجلدي الفخم، مستندًا بذراعيه على مسندي الكرسي. أخذ يتأمل محتويات الغرفة بدقة، ثم علّق بنبرة مليئة بالحنين
"نفس ديكور مكتبك اللي كان في قصر رسلان العزازي، نفس الأثاث، حتى المكتب"
كان الأخر يقف عند بار صغير يحضر فنجانين من القهوة بماكينة الإسبريسو الخاصة به، وأجاب مبتسمًا
"الله يرحمه، كان ذوقه متفرد وكأنه ملك من العصور الوسطى، طبع جوايا نفس الذوق وحب كل ما هو متميز وفريد"
مدّ عابد يده إلى صندوق خشبي على الطاولة أمامه وفتحه ليكشف عن لوح شطرنج فاخر.
بدأ يرص القطع بعناية، ثم قال دون أن يرفع عينيه عن اللوح بنبرة ذات مغزى مقصود
"وعلمك كمان إن القسوة عمرها ما تجيب نتيجة غير إنها تولّد الجفا في القلوب"
وضع الأخر صينية القهوة أمام حماه وقال بثقة مشوبة بالهدوء
"اطمّن يا عمي، مفيش حد بيقسى على اللي بيحبهم إلا لو كان خايف عليهم"
أمسك حماه بقطعة شطرنج، ووضعها بحركة مدروسة على اللوح، ثم قال وهو يختبر رد فعل صهره
"تفتكر لما قلت لك ليلة فرحكم إني مطمن عليها معاك، ليه أنا قولت كده؟"
ابتسم صهره بخفة، وأمسك قطعة شطرنج ليعترض طريق القطعة التي وضعها حماه، ثم قال بنبرة واثقة
"عشان كنت عارف إني بحبها وعمري ما هأذيها"
حرك عابد قطعة أخرى ثم عقب قائلاً
"و عرفت إنه حصل ما بينكم حوارات كتير لا داعي لذكرها لأن في الأول و الأخر دي خصوصيات و ما ينفعش اتدخل ما بين راجل و مراته اللي هي بنتي"
ترك الأخر القطعة التي كان يمسك بها، واستند بظهره إلى الكرسي، ثم قال بلهجة فيها رسائل خفية
"وأنا مقدّر موقفك يا عمي، ومهما حصل أو هيحصل بيني وبين صبا، هايكون بيني وبينها بس، وأقولها لك تاني، اللي بيحب حد عمره ما بيقسى إلا لو خايف عليه"
ارتشف حماه قهوته قليلًا ونهض بابتسامة مرهقة
"أتمني ما يجيش اليوم اللي هضطر اتدخل فيه، و بعدين أنت اكتر واحد حافظ بنتي و فاهمها كويس، عمرها ما بتيجي بالشدة و القسوة، خد بالك منها"
هزّ صهره رأسه يطمأنه
"ما تقلقش يا عمي"
عند الباب، وضع حماه يده على كتفه وقال بنبرة مفعمة بالجدية
"أسيبك تطلع تطيب خاطرها بكلمتين حلوين، مش عايز أسمع عنكم إلا كل خير"
رد قصي مبتسمًا
"بإذن الله، حضرتك مش عايز تقعد معانا تقضي اليوم؟"
ضحك حماه د بخفة وربّت على ذراعه
"هجيلكم في يوم تاني إن شاء الله ومعايا جيهان، نقضي معاكم الويك إند"
رد الأخر وهو يودعه عند السيارة
"بيتكم يا عمي تنوروا في أي وقت"
و بعد ذهاب حماه عاد إلى الداخل، يخطو خطوات ثابتة، رغم النار التي تشتعل في صدره.
آخر ما توقعه أن تجرؤ صبا على الحديث مع والدها عمّا جرى بينهما.
وقف أمام باب غرفة النوم، ودعا الله أن يلهمه الصبر، ثم دخل.
و قد انتفضت حينما رأته يدخل فجأة، وقفت متوجسة، لكنها لم تكن تتوقع ما سمعته:
"كلمة واحدة، ومش هعيدها، أقسم بالله لو الحركة اللي عملتيها دي اتكررت، هتكون النهاية بيني وبينك"
تركها وذهب إلى غرفة الملابس ليبدّل ملابسه، لحقت به، ووقفت عند المدخل تقول بتحدٍّ متألمة من تهديده الذي تكرر للمرة الثانية اليوم
"أنت السبب! نسيت اللي قلته لي تحت؟"
أشار بسبابته أمام شفتيه، كأنما يأمرها بالصمت، وقال بصرامة
"مش عايز أسمع أي كلمة، اللي أقولك عليه يتنفذ من غير نقاش"
كان قد ارتدى ثيابًا أنيقة، ثم أكمل بتهكم
"واضح إني كنت غلطان لما كنت بهاودك و اعدي الأمور بمزاجي، و نسيت إنك ما بتيجيش غير بالطريقة التانية، استعدي بقى واستحملي لأن قصي القديم رجع"
ارتدى سترته، ثم وضع يديه على كتفيها وقال بلهجة آمرة
"لما أرجع بالليل، ألاقيكِ جاهزة لجوزك حبيبك"
غمز بعينه وربّت على كتفها بعنف خفيف، ثم تركها واقفة في حالة من الصدمة والندم.
❈-❈-❈
يقود السيارة و لم يرى أمامه الطريق سوي حمم بركانية و جمرات مشتعلة بنيران كالمندلعة داخله، ود أن يمسك برأس هذه الجالسه جواره و يحطمها، يخشي عليها من نفسه، بل يخاف عليها من شيطانه الأعمى.
كان الحال لديها خليط من المشاعر، خوف و رعب يشوبه راحة، الراحة بعدم فقد ما تحمله داخل أحشائها، اغمضت عينيها وحينما سمعت صوته ويتحدث في هاتفه
"أرجع أنت علي الشركة"
أنهي المكالمة وألقي هاتفه بعنف خلف عجلة القيادة، نظرت إليه و ليتها ما نظرت، يكفيها نظرة من طرف عينيه ارتعدت منها أوصالها، ابتلعت ريقها لاسيما عندما نظرت أمامها فوجدت الطريق الصحراوي، طريق يخلو من معالم الحياة، صحراء علي اليمين و علي الجهة الأخرى أيضاً، هنا شعرت بالرعب، سألته بحذر
"أنا عارفة ماليش حق أنطق بحرف بس ممكن تقولي إحنا رايحين فين؟"
ألتزم الصمت و لم يهتم لها و لو بنظرة واحدة، فعادت تستند ظهرها مسند الظهر للمقعد، لحظات و اهتز جسدها بفعل توقف السيارة بعد أن ضغط علي المكابح فجأة، فتح السيارة وهبط منها، ذهب في خطى سريعة و فتح الباب بعنف حتي كاد يخلع في يده
"انزلي"
تراجعت بخوف وتهز رأسها بالرفض و الخوف يملئ عينيها، لم يكترث لكل هذا و علي حين غرة جذبها بقوة من ذراعها ، شعرت بألم في مفصل المرفق وكأنه كاد ينخلع كما انخلع قلبها من الذعر.
وقف أمامها يضع يديه علي جانبي خصره، يحدق نحوها دون شفقة، يجز علي شفته السفلي، يتذكر كل ما أخبره به الحارس المراقب لها.
"أقسم بالله ما كنت هنزله و...
رفع يده لتتوقف عن الحديث
"بلاش تحلفي كذب عشان ما تسقطيش من نظري أكتر من كده، ده أنا لو كنت أتأخرت عشر دقايق كان زمان العملية خلصت"
كلماته كالرصاص الذي يقتلها بدم بارد
"أنا عمري ما حلفت كذب، و أنت عارف طبعي، اه صح نسيت هاتعرف طبعي إزاي وأنا مكنتش في دماغك أصلاً من وقت ما اتجوزنا"
"مش عايز تبرير و لا حجج فارغة"
صاح بها مما افزعها اكثر و كادت تهرب من أمامه، أسرع في إمساك يدها
"ما تتحركيش من مكانك"
دفعها نحو سيارته فاصطدم جسدها بعنف، اكمل بوتيرة صياحه الهادر
"عايزه تهربي مني؟!، زي ما عينيكي شايفة مفيش غير صحرا و لو عديتي الصحرا هاجيبك في الأخر"
لم تستطع الاحتمال أكثر من ذلك فاطلقت صراخاتها بل ما يحمله صدرها من كلمات حبيسة فافرجت عنها
"أيوه ههرب و هابعد عنك، لأن ما بقتش قادرة استحمل أعيش في ذل و إهانة و مع واحد عمره ما حبني، واحد كنت مجرد ليه أم لعياله مش أكتر من كده"
تبدلت تعابير وجهه من الغضب إلي ابتسامة ساخرة
"إيه هتخلعيني مثلاً؟"
جحظت عينيها من الصدمة فادركت أنه علم بأمر المحامي، سألته من خلف دموعها التي كونت غشاوة علي عينيها وتأبى نزولها
"أنت معين عليا جواسيس يمشوا ورايا يا كنان؟"
اقترب ببضع خطوات منها واخبرها بفخر و تباهي
"معلش بقي يا أم قصي، جوزك صاحب أكبر شركة أمن و حراسة في مصر، يعني يرضيكي نأمن الغريب و نحرسه وأسيب مراتي أم ولادي من غير أمن أو حراسة، ده حتي تبقي عيبة في حقي"
"و ده من أمتي؟"
"من وقت الليلة الجميلة اللي قضنيها مع بعض و طلبتي مني مبلغ يأمنك ويوقفك علي رجلك عشان تقدري تروحي تقومي محامي و تخلعيني، لكن حساباتك باظت لما حصل حمل، الحمل اللي روحتي تنزليه قال يعني لو نزل مفيش بيني و بينك تلات ولاد"
وضع يديه علي كتفيها و مازال مبتسماً بسخرية فقابلته بنظره بغض و كراهية، بينما هو اسطرد
"أنا هاحقق لك طلبك من غير محامي و لا محاكم بس علي شرط"
اقترب من أذنها، يريد عقابها بأشد طلب يعلم من المستحيل أن توافق عليه، لذا اخبرها
"تسيبي ولادك وتنسيهم خالص"
ابعدت يديه من فوق كتفيها
"ده في أحلامك، و ولادي عمري ما هفارقهم غير في حالة واحدة لما أموت يا كنان"
جن جنونه، بدل من أن تبكي ندماً علي فعلتها و ترجوه أن يسامحها فها هي تقف أمامه بتحدى سافر، و تتظاهر بالقوة وهو يري في عينيها حالة من الضعف لم يراها من قبل، لكن عندما تذكر أمر المحامي و الطبيبة و ظنت أنه غافل عن ما يحدث، عاد إلي غضبه الضاري، لم يشعر بحاله وهو يسحب من خلف ظهره سلاحه، قام بشد أجزائه و صوبه نحوها
"إيه؟، خوفتي؟"
اقترب منها ولم تتوقع منه هذا الجنون و الهراء، هل حقاً يريد قتلها!
وضع فوهة السلاح علي رأسها و ابتسم بسخرية ويري الخوف واضحاً في عينيها و تلاشت تلك القوة الزائفة
"إحساسك إيه وأنتي بين إيديا و برصاصة واحدة أخلص عليكي"
رفعت وجهها لتتقابل سهام الأعين، و يرى مدي القهر الذي تشعر به منذ سنوات وهي تخبره
"هو نفس إحساسي من أول يوم جواز، كنت كل يوم تموتني بنظراتك البارده، تجاهلك ليا كان بيدبحني، كل ما كنت أحس أني مجرد سد خانة و كنت بتتخيلني مراتك الأولي اللي مش قادر تنساها مهما أنكرت وأوهمت نفسك، بحس أنك جايب حبل مشنقة و عمال تلفه حوالين رقبتي وبتخنقني بالبطىء"
شهقة خرجت من حلقها يتبعها دموعها التي سقطت رغماً عنها و بغزارة، ترجوه ببكاء مرير
"اقتلني، اقتلني لأن ما بقتش استحمل و لا قادرة اسامحك، عارف، لو فضلت معاك هاموت من القهر و لو بعدت عنك هاموت برضه، في كل الحالات أنا ميتة، ارحمني و خلصني من العذاب اللي أنا فيه، اقتلني يا كنان"
اطلقت دموعها وصوت نحيب بكائها للعنان، ارتجف جسده من هول ما يرى، فهو من أوصلها إلي تلك الحالة المزرية، اسقط السلاح علي الرمال و جذبها بين ذراعيه، يعانقها بقوة، لم يمتلك اعصابه فشاركها البكاء أيضاً، فهي تبكي إلي حد الإحتراق حتي شعر بدموعها اخترقت نسيج قميصه و لامست صدره، يشعر بالوجع والألم والندم الشديد، أدرك كم كان حقيراً ووغداً ليجعلها تصل إلي هذا النحو.
أخذ يربت عليها بعد أن كف عن البكاء حتي هدأت هي أيضاً واكتفت من البكاء واصيبت برجفة تصاحبها شهقة كل حين و الآخر.
اخرج من جيبه محرمة، يمسح خديها من الدموع، تنظر له و يحدق صوب العينين التي يستعد أن يقدم عمره فداء لها.
ظل كليهما في هذا الهدوء و تبادل النظرات في صمت، اقترب بشفتيه نحو جبهتها و ترك قبلة استغرقت ثوان ثم ابتعد قليلاً ليخبرها
"أنا عمري ما أحرمك من ولادنا، و أوعدك عمري ما هوصلك للحالة اللي أنتي وصلتيلها دي تاني"
عانقها بقوة، و عناق أقرب للوداع، قام بتقبيل خدها ثم أخذ يقبل كل أنش في وجهها، تغمض عينيها لتشعر بتلك اللحظات متناسية كل ما حدث اليوم بل كل ما حدث منذ سنين، مازالت تغمض عينيها تستمتع بلمسات شفتيه علي وجهها، ختم تلك القبلات المتناثرة بقبلة اقتنص خلالها شفتيها بقوة وكأنه يريد الاحتفاظ بهذه اللحظة و تُحفر في ذاكرته مهما طال الزمان.
ترك شفتيها ليلتقط أنفاسه و هي أيضاً، توقفت عن التنفس فجأة وهو يخبرها
"أنا بحبك أوي، أنتي طالق"
يتبع...
جاري كتابة الفصل الجديد للروايه حصريا لقصر الروايات اترك تعليق ليصلك كل جديد أو عاود زيارتنا الليله
لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كامله من هناااااااااا
مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا

تعليقات
إرسال تعليق
فضلا اترك تعليق من هنا