القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية غرام الذئاب الفصل السادس والثلاثون36 بقلم ولاء رفعت (حصريه وجديده في مدونة قصر الروايات )

 رواية غرام الذئاب الفصل السادس والثلاثون36 بقلم ولاء رفعت (حصريه وجديده في مدونة قصر الروايات )



رواية غرام الذئاب الفصل السادس والثلاثون36 بقلم ولاء رفعت (حصريه وجديده في مدونة قصر الروايات )


#الفصل_السادس_والثلاثون

#غرام_الذئاب

#الجزء_الرابع_من_سلسلة_صراع_الذئاب

#ولاء_رفعت_علي


أوقف سيارته أمام مرفأ اليخوت الراقي، حيث كانت أمواج البحر ترقص رقصة هادئة تحت ضياء القمر الفضي المتلألئ، وأنوار اليخوت تلمع كنجوم سقطت على سطح الماء.

 سألته زوجته وهي تنظر حولها بتعجب بالغ يملأ عينيها الذهبيتين

"إيه ده؟" 


أجابها والسعادة تفيض من عينيه، وقد خفق فؤاده بحماس متوقد يرقص في صدره

"ما هي أول ليلة لينا بعد غياب و بعاد لازم تبقي مميزة، وقصي ربنا يبارك له حب يوجب معانا فأدالي مفاتيح اليخت بتاعه نقضي فيه الليلة دي وبكره نطلع علي جنة الأرض" 


ثم أمسك يدها برومانسية رقيقة تفوح منها رقة الحب، وعيناه لا تفارقان عينيها بلذة وتيام عميقين، أردف قائلاً

"اوعدك هخليكي هاتشوفي أحلي ليلة هاتعشيها في حياتك" 


قام بتقبيل يدها تقبيل حاني جعل قلبها يذوب عشقاً

"بحبك"


شعر برجفة خفيفة في يدها الناعمة، والخجل ينضح من خديها المتوهجين إحمرارًا، نظرت إلى أسفل وأخبرته بصوت يشي بخجلها المفرط 

"بس بقي يا ياسين، بالله عليك أنا بتكسف من كلامك و بصاتك" 


ضحك قائلاً

"بس إيه في يوم زي ده، أنا لسه معملتش حاجة، و مش عايز خالص كلمة بتكسف، ياريت تلغيها من قاموسك معايا، فاهمة يا روح قلبي" 


وأمسك طرف ذقنها برفق يفيض بالحنان، فأومأت له بالطاعة وابتسامة الخجل على محياها تتجلى كالقمر في ليلة صافية، عض على شفته السفلى

"اه منك ياللي مجنناني، يلا عشان ننزل و لا أقولك استني" 


ترك يدها برفق، وفتح باب السيارة ثم دار ليفتح لها الباب المجاور، ومد يده إليها

"انزلي علي مهلك" 


"استني هلم الفستان عشان اعرف انزل" 


ساعدها في إلمام طرف ثوب الزفاف الواسع لتتمكن من الهبوط بيسر، وما إن وطأت قدماها الأرض حتى حملها من خصرها حملة خفيفة كأنها ريشة، فصاحت بتفاجؤ يملأ صوتها الرقيق

"بتعمل إيه يا مجنون، نزلني هانقع أنا وأنت" 


"مش أنتي بتثقي فيا، ما تقلقيش أنا الحمدلله اشيل اتقل منك اضعاف و لا اتهز" 


"هاتطلع بيا اليخت إزاي، هنتقلب انا وانت في الميه، وبعدين أنا خايفة" 


"اللي معاه ربنا يفوت في الحديد" 


ضحكت وقالت

"طب نزلني وشيلني جوه اليخت" 


"خلاص صدر الأمر، يلا امسكي جامد" 

وقف عند حافة الميناء واستعد للقفز وهو يحملها على كتفه، صاح بعزم يفيض بالثقة

"واحد، اتنين، تلاته، هوب" 


نجح في القفز وهو مازال يحملها، لكن طرف ثوبها المتدلي وقف عائقاً أسفل حذائه فتعثر به ووقع إلى الداخل، فصاحت بألم وكذلك هو، لكن خوفه الأكبر كان عليها، اعتدل سريعاً ولا يبالي لوجعه، أخذ يتفحصها بقلق يغمر عينيه

"أنتي كويسه؟" 


أمسكت بكتفها تمسده وأجابت

"الحمدلله كويسه، أنت اللي اخدت الوقعه كلها وأنا فوقك" 


ابتسم بحنان يفيض من أعماق قلبه وأخبرها

"مش مشكلة يا حبيبتي، أنا فداكي المهم تكوني بخير" 


أخذ كلاهما يتبادلان النظر في صمت يحمل ألف معنى، وإذا بها تضحك فضحك هو متأثراً بضحكاتها المتدفقة، فأخبرته من بينها

"قعدت تقولي ماتخافيش، اللي معاه ربنا يفوت في الحديد، ادينا ادإلجنا أنا و أنت زي شوال البطاطس، ده أنت مسخره" 


نهضت ومازالت تضحك، فحاول النهوض وسألها بمزاح

"بتتريئي عليا؟!" 


تسير للوراء بظهرها وتمسك بثوبها

"مش قصدي، بس أنت أحلي حاجة فيك أنك بوء، تقعد تقول أنا و أنا وفي الأخر يطلع كلام علي الفاضي" 


رفع حاجبيه وبوعيد مازح

"ده اللي هو أنا؟" 


أومأت له وأجابت بدلال

"اه أنت" 


أخبرها ويقترب منها

"طيب إيه رأيك لما أوريكي أنا رجل أفعال مش كلام" 


خلع سترته، ويفك في ربطة العنق ويسير نحوها ببطء يشبه خطى النمر، تتراجع هي وتسأله

"ياسو أنت هاتعمل إيه، استني بس، تعالي نغير هدومنا الأول و ناكل" 


"من عيوني يا قلب ياسو، هانعمل كل ده ماتقلقيش، بس و إحنا مع بعض" 


ألقى ربطة عنقه على كرسي جواره، فركضت هي للداخل تبحث عن مخبأ وصوت ضحكاتها يعلو، كطفلة صغيرة تلهو وتركض، بينما هو يلحق بها حتى توقف كلاهما أمام غرفة النوم وبابها مغلق، أخذت تلتقط أنفاسها وكذلك هو، وعيناه تلتهمان ملامحها المتوردة ونبض فؤاد كل منهما يدوي صداه في مسامعهما كطبول الحب الخافقة، ابتلع ريقه وهو يدنو بشفتيه من خاصتها، حاوط خصرها بيديه القويتين، وهي لم تشعر بحالها، رفعت يديها تلقائياً لتحاوط عنقه،  وتغمض عينيها وتستقبل شفتيه لتشعر بلذة قبلته.


استمر التبادل الحميمي للقبلة بينهما في لهيب متصاعد، يلتهم شفتيها بنهم جامح لا يُشبع، يبعث الرجفات في أوصالها، لسانه يغوص في أعماق فمها الدافئ الوردي، يرقص مع لسانها في رقصة عاصفة من العسل والنار المشتعلة، يستخرج منها أنفاسها متقطعة حارة تشهد على ذوبان الخجل في بحر الرغبة. 

كانت أجسادهما ملتصقة التصاقاً كاملاً، صدره يضغط عليها ليشعر بدفء عناقها، يداه تحيطان بخصرها بقوة رقيقة كأنه يخشى أن تذوب وتختفي، بينما نبض قلبهما يدوي كطبول الحرب في معركة العشق.

دون أن يفارق شفتيها ولو لنفس واحد، مد يده اليمنى إلى مقبض الباب الخشبي اللامع، فأمسكه بأصابع مشتعلة ودار به بسرعة، ثم دفع الباب بكتفه القوي ليفتح على مصراعيه. 

دفعها بلطف حازم عاشق إلى داخل الغرفة، وهو مازال يقبلها بنهم يفوق الوصف، خطواتهما متعثرة متشابكة كأوراق الورد في عاصفة الشوق، حتى أغلق الباب خلفهما بقدمه دون أن يلتفت، فانغلق العالم الخارجي إلى الأبد، وبقيا في خصوصية مطلقة ينبض فيها الهواء بالرغبة والأسرار.


كانت غرفة النوم على متن اليخت تحمل سحر فاخر هادئ، مضاءة بأضواء ذهبية خافتة تنسكب كالشهد الذائب على السرير الواسع المفروش بأغطية حريرية بيضاء ناعمة كالسحاب، تفوح منها رائحة الياسمين والورد الطازج، بينما النوافذ الكبيرة تطل على البحر الهادئ تحت قمر متلألئ يرقص على الأمواج.


سحب شفتيه عنها للحظة وجيزة كالبرق، يخبرها بصوت أجش مبحوح يفيض بالعشق الجامح

"يا روح قلبي… عمري ما هخليكي تبعدي عن تاني، مش هيفرقنا غير الموت" 

ثم عاد يغمرها بقبلة أشد عمقاً ونهماً، وهو يدفعها بلطف نحو السرير حتى وقعت على ظهرها على الفراش الناعم، وتبعها فوراً بجسده القوي يغطي جسدها الرقيق بكل حنان وقوة. 

أخذت أصابعه تفك وشاحها الأبيض بمهارة صبورة، حتي تمكن من فك إبر التثبيت منه وانزلقت خصلاتها الحريرية علي ظهرها في مشهد أسر أنفاسه، امسك ببعض خصلاتها واقترب بأنفه يستنشق عطر شعرها الذي يعشقه، أخذ نفساً عميقاً واصدر صوت يدل علي حالة الهيام المسيطرة عليه الآن.

بينما هي تراقب ما يفعله، وبالرغم من خجلها لكن أفعاله البسيطة تلك سلبت عقلها قبل فؤادها، فلتتركه يفعل ما يحلو له معها ويحلق بها في سماء عشقه كيفما يشاء. 

 و إذا بها تشعر بأنامله خلف ظهرها، يجذب سحاب ثوبها لأسفل، و كلما يهبط لأسفل يتعمد لمس بشرتها فيشعر برجفة جسدها تحت سطوته، نهض ووقف أمامها، امسك يديها وجعلها تقف أمامه، حاوط وجهها الملائكي بين كفيه، و أخذ يتأملها بعشق و رغبة، فسألها بأنفاس متهدجة

"بتحبيني يا ياسمين؟"


حدقته بعينيها الساحرتين واخبرته بدلال

"ما أنا قولتهالك قبل كده" 


دنا بشفتيه نحو عنقها 

"عايز اسمعها تاني وأنتي في حضني" 


اغمضت عينيها وتشعر بأنفاسه علي طول عنقها لاسيما لدي عرق رقبتها النابض، قالت له بنبرة من أعماق قلبها التي تدوى نبضاته وتصل لمسامعه

"بحبك" 


هبط علي عنقها بقبلة جعلتها شهقت وتشبثت بعضديه، فأمرها مرة أخرى 

"قوليهالي تاني" 


عضت علي شفتها السفلي ثم تفوهت بها

"بحبك، بحبك يا ياسين" 


قبل عنقها مرة أخرى لكن بنهم، وأنامله تزيح ثوبها عن كتفيها الناعمتين، فأنزلق الثوب عنهما كموجة تتراجع عن الشاطئ، بينما شفتاه ما تزال تغطي عنقها و أعلي صدرها بقبلات حارة متتالية.

ارتجفت هي تحت لمساته وقبلاته، خداها يحترقان كالجمر، وهمست بصوت مرتجف مليء بالخجل المفرط

"ياسين… استني بس… أنا... أنا مكسوفة أوي" 


توقف عن تقبيلها وضحك ضحكة خفيفة حانية ثم همس في أذنها وهو ينزلق بيده على منحنيات جسدها البض المياس

"مش قولتلك بلاش كسوف وأنتي معايا يا روحي، أنتي ملكي دلوقتي… وأنا ملكك، أنا كنت مأجل اللحظة دي و مستنيها بفارغ الصبر، خليني أوريكي إزاي بحبك وكنتي وحشاني قد إيه… وهوريكي أنا بتاع أفعال مش بوء" 


و غمز بعينه فابتسمت بخجل، و تركته يكمل ما يفعله،  قام بفك أزرار قميصه ليتحرر منه ويجذبها بين ذراعيه، كل لمسة منه تروي قصة حب وعشق لا يوجد مثلها سوى في القصص والروايات، وكل نظرة منه لها تذيب آخر قطرة من الخجل في بحر الثقة. 

 اندمجت أرواحهما في رقصة هادئة عاصفة، يغرقان في بحر من العواطف الجياشة، حيث تتلاقى الأنفاس وتتوحد القلوب في نبض واحد يتسارع كأمواج البحر خارج النوافذ.

  كانت اللذة تأتي كالفجر الذي يبزغ بعد ليل طويل، تملأ كل خلية فيهما بنور الحب النقي، حتى بلغت ذروتها في انفجار من السلام والاكتمال، تصرخ وتئن باسمه وينضح صوتها بفرط اللذة والسعادة التي تشعر بها معه و بين ذراعيه. 


استمرت رحلتهما معاً حتي سقط فوقها بعد ذلك، يحتضنها بقوة رقيقة كأنه يخشى أن يفقدها، يقبل جبينها المبلل بعرق الحب، وهما يلهثان معاً في هدوء ما بعد العاصفة العاطفية.

  مرر أصابعه بلطف في خصلات شعرها، وهمس بابتسامة مشرقة تفيض بالرضا

"قوليلي يا حبيبتي، مبسوطة وأنتي معايا؟" 

ابتسمت بخجل متعب والسعادة تنضح من عينيها، ودفنت وجهها في صدره الدافئ كالطفلة التي وجدت مأواها أخيراً

"مبسوطة أوي أوي… ياسين"


حدقت في عينيه بعشق واخبرته 

"أنا بحبك أوي" 

ابتسم ابتسامة تملأ الغرفة نور، وقبلها قبلة طويلة هادئة كأنها ختم على عهد أبدي، وهما يغرقان في حضن بعضهما تحت الدثار الحريري، يستمعان إلى صوت الأمواج يغني ليلتهما، وقد أصبحت الغرفة شاهدة على بداية حياة جديدة لهما تكتبها أيدي الحب بأجمل حروف الرومانسية الأبدية. 


                        ❈-❈-❈


جلست على الكرسي، وقد انهمر دمعها كالسيل الجارف، وهي تحدق في فستان الزفاف المرمي على السرير كأنه جثة بيضاء مُلقاة.

 كلما استحضرت في ذاكرتها تلك الإهانات المتتالية التي انهالت عليها من فمه، وكلما تيقنت أن زواجهما سيكون مجرد عقد على ورقة صفراء لا روح فيه، وأن كل هذا الخراب إنما يعود إلى ماضيها الذي أخفته عنه.

  انتفضت فجأة كأن صاعقة أصابتها حين طرق الباب بعنف، مسحت دموعها بسرعة يائسة، وترددت في النهوض لتفتح، 

 ولكن بعد الطرقة الثانية، اندفع الباب فجأة وانفتح على مصراعيه. 

 فلما رآها جالسة في مكانها، وقد بدا عليها أثر البكاء الشديد، تألم قلبه ألماً عميق لها، غير أن العقل كان هو المتسلط عليه، فغضب بشدة وسألها بنبرة ساخرة قاسية

"ملبستيش ليه يا عروسة؟، و لا كنتي مستنية كتب كتابك نعمله في الهيلتون" 


رفعت وجهها إليه، ونظرت إليه بنظرة حزن دفين، لأنها تدرك تماماً سخريته وما يقصده بها، فسألته بقلب مُلتاع من حالها ومن معاملته الجافة القاسية لها

"أنت ليه بتعمل كده معايا يا أدهم؟" 


تحوّل تجهم ملامحه إلى إبتسامة ساخرة حادة، وقال لها

"هو أنا عملتلك حاجة؟!، ده أنا بعمل معاكي اللي مفيش واحد يقدر يعمله بعد ما يسمع و يشوف اللي خبتيه عليا، ده انتي المفروض تبوسي ايدك وش وضهر و تحمدي ربنا" 


ألقي كلماته عليها كأنها سياط تتهاوى من أعماق الجحيم، تهبط على قلبها فتقسمه نصفين. 

  ولم يكن ذلك حالها وحدها، بل حاله هو أيضاً؛ إلا أنه قبل أن يستسلم للضعف ويعتذر عما أطلقه لسانه، ابتلع ريقه  وأمرها بحدة لا تقاوم

"قومي يلا وألبسي الفستان، باباكي و المأذون زمانهم علي وصول" 


نهضت فجأة وسألته بتعجب

"بابا!" 


"ايوه باباكي، روحتله و طلبت ايدك منه علي سنة الله و رسوله، دخلت البيت من بابه، أصلي ماليش في شغل الشمال، مشيت زي الأصول ما بتقول، و لا كنتي عايزاني اتجوزك عرفي؟" 


كان لا يزال يجلدها بكلماته التي تؤول جميعها إلي معايرتها بعلاقتها السابقة مع المدعو رامي. 

 تجمعت عبراتها، ولم تستطع كبحها أكثر من ذلك، فانفجرت من عينيها، وكادت تتفوه برفض ما يجري، لكنه سبقها باقترابه منها، واحاط وجهها بكفيه، يمسح دموعها بإبهاميه، ظنت أنه سيعتذر عن إهاناته المتكررة والمتعمدة لها، لكن هيهات!

  التفت خلفه وأمسك بثوب الزفاف ليضعه بين يديها قائلاً لها بتهكم مرير

"يلا يا عروسة خليكي عاقلة واسمعي الكلام، خلينا نخلص من كتب الكتاب بسرعة،  ورانا طيارة بعد ساعتين" 


رمقته بعينين محمرتين من البكاء، وأنف محتقن، فكان مظهرها يجعله يلعن نفسه ألف مرة، وكاد مرة أخرى أن يضعف أمامها ويجذبها بين ذراعيه، لكنه بدلاً من ذلك ولّى ظهره لها وغادر الغرفة تاركاً إياها وحيدة في لجة من الحزن والألم لا قرار لها.


                        ❈-❈-❈

تم عقد القران في صمت ثقيل، خال من أي مظاهر الفرح أو البهجة التي يُفترض أن تُغمر مثل هذه المناسبات. 

 أتم المأذون المراسم بدعوته المعتادة، التي ترددت في الغرفة كصدى باهت لا حرارة فيه. 

"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما على خير إن شاء الله" 


نهض والدها يصافح أدهم بتهنئة صادقة وسعادة ظاهرة، فقال له

"ألف مبروك يا أدهم بيه" 


ربت الأخير على يده بلطف مصطنع، وأجابه

"مفيش داعي يا عمي للرسميات، أنا بقيت جوز بنتك، يعني بقينا أهل ولا إنت شايف إيه؟" 


"يا خبر!، ده شرف كبير ليا، كفاية وقفتك معايا وسددتلي كل ديوني، مش عارف أشكرك إزاي وربنا يقويني ويعيني وأقدر أردلك كل اللي دفعته" 


اتسعت عيناها حين اخترقت كلمات والدها سمعها بوضوح، وازداد قهرها إلى أقصى حد حين رد أدهم على أبيها  وهو يعلم علم اليقين أنها تستمع إلى كل كلمة تُقال بينهما قائلاً

"ما تقولش كده يا عمي، مفيش بينا الكلام ده" 


"وَلَو يا أدهم يا ابني، أنا الحمد لله بقيت بشتغل وبكسب من عرق جبيني، وأنا هسددهم لك بإذن الله" 


"مفيش داعي، اعتبرهم مهر منار" 


لم تتحمل أن تسمع أكثر من ذلك، نهضت فجأة وقامت، فالتفت إليها والدها واقترب منها مبتسماً

"ألف مبروك يا بنتي" 


وفي اللحظة ذاتها، تلاقت عيناها بعيني أدهم الذي يقف خلف والدها، تظاهر لها بابتسامة ساخرة قاسية. 

تراجعت خطوة رافضة عناق والدها، ولم تُجب على تهنئته، بل رمقته بنظرة حادة تنضح بالغضب والألم والكثير الكثير. 

 ثم أمسكت بثوبها بعنف وعادت إلى الغرفة، صفقت الباب خلفها بقوة اهتزت لها الجدران.


وما هي إلا دقائق معدودة حتى ودع أدهم والدها والمأذون والشاهدين، وأغلق باب الشقة خلفهم. 

 زفر زفرة عميقة كأنه يريد أن يتخلص من تأنيب ضميره، ومن لوم فؤاده على ما يفعله بمعشوقته التي أصبحت للتو زوجته. 

 كم تمنى أن تكون الأجواء غير ذلك، فمنذ رآها وأحبها من أول وهلة، حلم بهذا اليوم؛ أن يكون يوم زفافهما وسط أهله وعائلتها، داخل قاعة فاخرة والجميع يهنئونهما. 

 لكن كيف ذلك؟، لقد قلب ما حدث موازين كل شيء، اقتنص فرحته، وعزم على أن يُذيقها كل لحظة قهر عاشها في الأيام السابقة.


وقعت عيناه على الباب الموصد، فذهب إليه وطرقه

"كله مشي، افتحي" 


لم يجد رد منها، فعاد غضبه يتأجج من جديد، فصاح بحدة

"افتحي الباب بدل ما أكسره، بلاش تختبري صبري!" 


انفتح الباب، فوجدها قد خلعت ثوب الزفاف، وارتدت من جديد ثوبها القطني الخفيف الذي جاءت به معه من منزلها، حين فرت من سكين شقيقها الذي أراد قتلها.


رمقها أدهم من أسفل إلى أعلى، وكم أخذ مظهرها ذاك قلبه، بل اختطف عقله! يا لها من جميلة ومثيرة حتى في حالتها المزرية تلك.

 ودَّ أن يعانقها وينهال على شفتيها بوابل من القبلات، لكن كيف يفعل ذلك والمقاطع التي شاهدها لها وهي مع رامي تضرب ذاكرته بقوة، وتجعل دماءه تغلي في عروقه، فبدلاً من أن يرغب في معانقتها، يفعل بها ما لا يُحمد عقباها.


"قلعتي الفستان ليه؟، وإيه القرف اللي إنتي لابساه ده؟!" 


رمقته بكبرياء محطم، وقالت

"مش التمثيلية اللي حضرتك عايزها خلصت خلاص؟!، فاملهوش لازمة بقى الفستان" 


أغمض عينيه في محاولة يائسة للتحكم في جموح غضبه، اللذي إذا أطلقه عليها فسوف تكرهه وتكره اليوم الذي التقت به صدفة.


ابتعد وذهب إلى غرفة أخرى، ثم عاد إليها في ثوان حاملاً حقائب قد اشترى ما بداخلها، مد يده بها إليها وأمرها بلا تهاون

"ألبسي طقم منهم وجهزي نفسك، والباقي رصيه في الشنطة" 


وعكس ما توقع، أمسكت من يده الحقائب، لكن ما هي إلا ثوان حتى خاب أمله؛ إذ ألقت الحقائب في وجهه، وبنظرة تنضح بالسخط والكبرياء اخبرته

"مش عايزة إحسان منك يا أدهم بيه، كفاية مهري اللي سددت بيه ديون بابا، وما تقلقش أنا اللي هسددهم لك" 


أجفلها بنظرة من الجحيم جعلتها تتراجع خطوة إلى الوراء، وفي استعداد للفرار من أمامه. 

 كادت تتحرك خطوة أخرى فقبض على عضدها بقسوة وعنف، هدر بها من بين أسنانه حتى لا يفتك بها

"إنتي اسمعيني كويس، لو كنتي فاكراني أدهم بيه ابن الناس المتربي، تبقي غلطانة، أنا ممكن أعمل فيكي اللي أنا عايزه ومحدش يقدر يكلمني، فلمي نفسك واحترميها بدل ما أكرهك في اليوم اللي شوفتيني فيه، نفذي اللي بقولك عليه وبلاش شغل الكبرياء والكرامة اللي بتعمليه عليا ده، كان أولى تعمليه مع غيري، على الأقل هو اشتراكي وباعك بالرخيص وأنا اشتريتك بالغالي، واللي دفعته لأبوكي ده مهرك يا عروسة" 


واقترب منها للغاية فانتفضت وخشيت أن يفعل بها شيئاً، فهمس لها بالقرب من أذنها

"وما تقلقيش مش هاخد المقابل، لأن زي ما قولتلك جوازنا هايفضل على الورق" 


اعتدل في وقفته ليرمقها بنظرة تحذيرية يرفقها بأمره، ويربت بحدة على خدها

"يلا خليكي شاطرة كده اسمعي الكلام، واعملي اللي بقولك عليه، لأن ما بحبش أكرر كلامي، قدامك ساعة زمن ألاقيكي جاهزة، فاهمة يا مراتي؟" 


ألقى سؤاله الذي تعمد أن يذكرها من خلاله أنها أصبحت زوجته، فما كان منها رد سوى الدموع التي انهمرت مصاحبة شهقات متتابعة.

 نفضت ذراعها من قبضته، وتركها تنفذ أمره، وقلبه يصرخ به ويلومه على كل كلمة وفعل يقترفه بها.


                        ❈-❈-❈

استيقظت من نومها لتجد نفسها بين أحضانه ، فجلست تتأمل ملامحه الرائعة بإعجاب عميق، وتستحضر في ذاكرتها كل ما صنعه معها في ليلة البارحة بكل حميمية وشوق. 

 ابتسمت بخجل يخالطه سرور، وقلبها يخفق كالطائر المحلق من الفرح، فهي بدورها تحبه وتعشقه عشقًا تفيض به الروح، وكانت ممتلئة غبطة وانشراحًا وهي تبادله الحب على يديه، وفي كنفه لا يزال ينتظرها تعلم أسرار كثيرة، أولها أن الخجل يذوب تمامًا ما دامت في حضنه وبين يديه.  

مدت يدها برفق لتبعد ذراعه عنها، ثم انسلت من جانبه في هدوء، ولفت الغطاء حول جسدها العاري لتغطي ما لا ينبغي أن يُرى، فانطلقت مسرعة نحو الحمام.  


مضت دقائق قليلة، ثم بدأ ياسين بالتقلب في الفراش وبدأ يستيقظ، لا سيما حين مد ذراعه ليعانقها فوجد الفراغ الشاغر.

  نهض فجأة بفزع، وتلفت يمينًا وشمالًا في قلق، كاد يناديها بصوت عال، لكنه سمع صوت خرير الماء المتدفق من الحمام، فأدرك أنها تستحم.  

ابتسم ابتسامة ماكرة مليئة بالخبث والرغبةِ المشتعلة.  


بينما هي داخل الحمام، أغمضت عينيها في استرخاء عميق، والمياه تنهمر فوق جسدها كالمطر المنعش، فاستمتعت بدفئها الذي يلامس بشرتها كالنار الدافئة التي تحيي كل خلية.

  مدت يدها لتمسك بعبوة سائل الاستحمام، لكن يده سبقت يدها فجأة، فأجفلت مذعورة، وشهقت بفزع، ثم أدركت أنه يقف خلفها مباشرة. 

كيف دخل ويقف معها هكذا دون أن تشعر به أبدًا؟  

التفتت إليه وبخته بخجل وغضب متظاهر

"انت دخلت هنا ازاي؟!، اطلع بره يا ياسين" 


نظر إليها بنظرة مكر مُدعي البراءة الزائفة تمامًا التي تناقض حتماً نواياه المنحرفة، فاخبرها بجرأته المعهودة

"اطلع بره ليه، و مين هايحميكي غيري يا روح قلب ياسين" 

وأنهى كلماته بغمزة وقحة مثيرة، كادت تفتح فمها لتجيب، فأسكتها بقبلة حارة وعناق قوي تحت شلال الماء، وبعد مقاومة قصيرة منها حتى تتنفس، أطلق شفتيها أخيرًا من قبلته الآسرة، وقال لها بنبرة ساحرة جعلت قلبها وجسدها يستسلما له دون تردد

"أنا اللي كنت بحميكي بعد كل مرة، و لو مش فاكرة سيبيني افكرك" 


وجدت نفسها تهز رأسها موافقة، وخداها يشتعلان خجلاً، فرفع العبوة بعد أن فتح غطاءها قائلًا

"مش قولنا بلاش كسوف و انتي معايا، انا هخليكي تبطليه دلوقتي" 


وبدأ يفرغ السائل رويدًا رويدًا على كتفيها وفي يده، ثم أعاد العبوة إلى مكانها، وبدأ يوزع السائل على جسدها بلمسات ساحرة مثيرة، تشعل في كل خلية نارًا من الشوق والمتعة.  

استمر في توزيع رغوة السائل بلطف يشبه لمسة النسيم، أصابعه تنزلق ببطء محسوب، لا تتعجل ولا تتسرع، كأنما يرسم على بشرتها لوحة من الحنان والعناية. 

  كانت الرغوة تتزحلق على منحنيات جسدها كاللؤلؤ المنساب، ومع كل حركة من يديه كانت ترتجف رفقًا، ليس خوف بل من فرط الإحساس الذي يغمرها.

مد يده الأخرى ليجمع خصلات شعرها المبلل بعيدًا عن ظهرها، ثم انحنى قليلاً ليقبل قمة كتفها قبلة هادئة طويلة، قبلة لا تطلب شيئًا، بل تعطي فقط.

  شعرت بأنفاسه الساخنة تلامس رقبتها المبللة، فأغمضت عينيها مرة أخرى وأسندت جبهتها علي صدره.


همس لها بنبرة تدب الحرارة حتي جميع اطرافها، يغازلها بما يراها الآن

"أنتي زي البدر المنور في عتمة الليل، حياتي كانت من غيرك عتمة ولما رجعتي نورتيها من تاني يا ياسمينتي"


همست بصوت خافت يكاد يختفي وسط خرير الماء

"ياسين"


ابتلعت ريقها ولعقت شفتيها فاردفت

"أنا بعشقك" 


شهقت حينما جذبها مجدداً ليلتقم شفتيها بين خاصته، يغمرها بوابل من القبلات النابعة من عشقه المولع بها. 

و بعد ان ترك شفتيها لتتنفس، واصل توزيع سائل الاستحمام على جسدها ببطء متعمد، تارة يمرر كفيه على كتفيها الناعمتين، وتارة ينزلق بهما إلى أسفل ظهرها في حركة دائرية رقيقة، مما جعل أنفاسها تتسارع تدريجيًا، وجسدها يستجيب لكل لمسة كأنها لحن يعزفه هو وحده.

رفع عينيه إليها فجأة، فالتقت نظراتهما في صمت مشحون بالكلامِ الذي لا يقال.  ابتسامة خفيفة انبلجت علي ثغره لكنها تحمل وعد صريح. 

وضع يديه تحت أردافها برفق حازم، ثم رفعها بسهولة كأن وزنها لا يذكر، حتى صارت ساقاها تتدليان في الهواء للحظة، فشهقت بخوف و اخبرته بنبرة مرتجفة

"ياسين نزلني بالله عليك، أنا خايفة" 


"خايفة و أنا معاكي؟!، امسكي فيا كويس ولفي رجلك جامد حواليا و ماتخافيش"

 همس لها بصوت خفيض مشوب بالأمر والرغبة معاً.

خجلت لثانية لكن الشوق و ما تشعر به الآن كان أقوى، التفت ساقاها حول خصره بتلقائية، كأن جسدها فعل ذلك من قبل، فمازالت خلاياه تتذكر كل فعل و لمسة مع مالك فؤادها نقيض ذاكرة عقلها التي تبني ذكريات من جديد.

 التصق جسدهما تحت الماء المنهمر الدافئ، رغوة سائل الاستحمام تنزلق بينهما كحرير سائل. 

 بينما هو أمسك أحد فخذيها بقوة ليطمئنها ويثبتها، و يده الأخرى تسلقت ظهرها حتى استقرت في أعلى عنقها، يجذب رأسها و وجهها نحوه.

قبلها قبلة عميقة، طويلة، كأنه يسترد منها روحه التي أودعها فيها منذ الليلةِ الماضية. 

 شفتاها ترتعشان تحت شفتيه، وأنفاسها تختلط بأنفاسه مع خرير الماء، ابتعد قليلاً لينظر في عينيها، فوجد فيهما مزيجاً من الخجل والاستسلامِ واللهفة.

"بحبك أوي، و بعشقك، ده أنا مجنونك ومتيم بيكي"

قالها بنبرة صادقة، وهو يمسح بإبهامه على خدها الملتهب.


"وأنا كمان... بعشقك أوي أوي" 

ردت بهمس متقطع، وهي تخفي وجهها في عنقه للحظة، ثم رفعت نظرها إليه مجددا وقالت بجرأة خجولة

"أنا مابقتش خايفة، ممكن تخلينا كده، ما تسيبنيش" 

ضحك ضحكة ساحرة ألقي بها في بحور عشقه العميقة، ثم أجابها و شفتيه جوار أذنها

"أنا مش ناوي أسيبك ولا ثانية... مش هسيبك خالص النهاردة" 

عاد يقبلها من جديد، يعانقها و يتحرك بتمهل يشعل النار في كل خلية منهما. كانت المياه تغطي أصوات أنفاسهما المتسارعة.

 أطبقت أصابعها على كتفيه بقوة، تارة تخدشه بخفة من فرط اللذة المتأججة في كل خلية بجسدها، وتارة تمسك به كأنها تخشى أن يبتعد.

توقف لثوان، يُعطيها فرصة لتلتقط أنفاسها، قام بتقبيل جبينها وعينيها المغمضتين.  


"أنتي كويسة؟"

 سألها بهمس قلق وحنون، أومأت برأسها بسرعة، وفتحت عينيها لتنظر إليه بعيون لامعة

"آه" 

ابتلعت ريقها وهمست في أذنه بشئ ما، فابتسم بسعادة و انهال علي شفتيها بعشق و متعة تسرى في كل انحاء جسده، بينما يداه تمسكان بأردافها بقوة تكاد تترك أثراً.  

و تحت الماء المتساقط كزخات المطر، صارا كائن واحد، كل منهما يذوب في الآخر، يتبادلان الحب والشهوة والأمان في لحظة خارج الزمن. 

 وكلما اقتربا من قمة المتعة كانا يتمسكان ببعضهما أكثر، كأن الفراق ولو لثانية واحدة أمر لا يطاق.  

ظل الماء ينهمر كشاهد صامت على حب لا يعرف الخجل ولا الحدود بين قلبين يغرقا عشقًا. 


                       ❈-❈-❈

ها هو الآن قد استقر في لندن، وتقلد مكانته في أشهر مستشفياتها الخاصة المعنية بعلاج أمراض المخ والأعصاب. انخرط في عمله بانكباب شديد، يشتت به ذهنه عن التفكير في التي لن ينساها حتى الآن، وكأن الزمن نفسه يتآمر عليه. وكانت تأتيه أحيانًا تخيلات تعذبه، فيُخيل إليه إذا زوجها لم يظهر، وتتجلى له الحقيقة بأبهى صورها، فيتساءل في نفسه، ماذا لو أكمل حياته معها؟!، فهو على يقين تام أنه كان سينعم بالفردوس  بجانبها، إذ يتجسد فيها العشق والجمال تجسدًا لا مثيل له؛ يراها حورية من حور الجنة، وكم تمنى أن تكون زوجته وامرأته هو، قبل أن يكشف له القدر الحقيقة المُرة التي أرهقته، وما زال يتعافى من هذا الإرهاق الذي دمر فؤاده وجعله كالأطلال البالية، تتآكلها الرياح وتُلقي بها السنون.


 و الآن قابعًا داخل غرفة الفحص الخاصة به، يتابع حالة رجل يبدو أنه يعاني آثار جلطة دماغية تركت له انحرافًا واضح في الجانب الأيمن من وجهه،بعد أن دوَّن ملاحظاته بدقة بالغة، رفع رأسه إليه وقال بصوت هادئ مطمئن، يفيض بالرحمة والثقة

"لا تقلق سيد إيدين، فإذا داومت على تمارين العلاج الطبيعي مع المواظبة الدقيقة على تناول الأدوية، فسوف تشفى شفاء تام في أقرب وقت ممكن، إن شاء الله"


أجابه الرجل بقليل من الصعوبة في النطق

"أتمنى ذلك يا طبيب، فأنا قد كرهت نظرات الشفقة في أعين جيراني وزوجتي وأولادي، وعندما أرى نفسي في المرآة أشعر أنني مسخ مشوه، لا أطيق رؤيتي ذلك؛ لذا فضلت أن أنعزل في غرفتي بمفردي، بعيدًا عن أعين الناس وألسنتهم" 


عقد رحيم ما بين حاجبيه في تأثر عميق، ثم عقب قائلًا بأسلوب ينم عن رقة إنسانية بالغة

"أنت إنسان مرهف المشاعر سيد إيدين، ويبدو أنك تظن ما ليس في الواقع، إن نظراتهم إليك ليست إلا حزن صادق وتمنيًا لك بالشفاء العاجل، فلا تيأسْ من رحمة الله، وتذكر أن..." 

توقف فجأة عندما سمع صوت صياح حاد في الخارج، صوت أنثوي يدل على غضب مستعر، وهي تتشاجر مع إحدى الممرضات

"كيف يسافر ولم يخبرني؟!، فهو الطبيب الوحيد الذي يتابع حالة جدتي منذ أن مرضت، ما هذا الهراء؟!" 


أخبرتها الأخرى بأسف شديد وتواضع

"أعتذر منكِ بصدق، فأنا لا أعلم شيئًا، ولم يترك لنا أي خبر، هل تريدين أي مساعدة أخرى؟" 


انفعلت الفتاة أكثر، واشتعل غضبها كالنار في الهشيم، فسألتها بسخرية حادة وهي تشير نحو جدتها المسنة

"مساعدة؟!، جدتي قد تدهورت حالتها وتزداد سوءًا يومًا بعد يوم، فماذا ستفعلين لها أنتِ؟!" 


خرج رحيم مسرعًا، فوجد الممرضة تقف في صمت وأسف أمام تلك الفتاة الغاضبة التي تكاد تشتعل من شدة الانفعال، ألقى نظرة سريعة نحو السيدة المسنة التي تجلس وتنظر بخوف كالطفلة المذعورة،  فاقترب من الفتاة بهدوء ينم عن حكمة ووقار، قال لها بصوت هادئ واثق

"من فضلك، ممنوع الصراخ والضوضاء هنا، فهذه مستشفى، يمكننا أن نناقش الأمر بهدوء، فالصراخ لن يجدي نفعًا، بل يزيد الأمر تعقيد" 


رمقته بنظرة مليئة بالغضب، وسألته بتهكم لاذع

"ومن أنتَ أيها المتطفّل؟" 


جز على أسنانه في صبر، ثم أجاب بأسلوب مهذب نقيض تمامًا لما فعلت

"أنا الطبيب رحيم عبد الرحمن" 

انتبهت هنا إلى اسمه، فدارت عيناها نحوه بفضول مفاجئ، وسألته بلهجة مصرية خفيفة

"أنت عربي؟" 


فأجابها باعتزاز وفخر يملآن صوته

"مصري" 


فانقلبت حالتها رأسًا على عقب؛ ذهب الغضب كأنه لم يكن، وحلت محله ابتسامة عريضة بلهاء، مدت يدها نحوه بحرارة

"وأنا كمان مصرية زي بابا الله يرحمه، وإنجليزية في نفس الوقت زي ماما الله يرحمها" 


مد يده بمصافحة سريعة مهذبة، ثم سألها بلطف

"أهلاً وسهلاً، وبابا كان منين في مصر؟" 


شردت لثوان، كأنها تعود بالذاكرة إلى أيام بعيدة، ثم أضاءت عيناها عندما تذكرت جيدًا، فأجابت

"المعادي" 

 رد بابتسامة عريضة، وقال بحماس عفوي

"أحسن ناس، أنا عايزك ما تقلقيش على جدتك خالص، دكتور رينيه على حد علمي سافر بسبب ظروف عائلية، وأنا هنا مكانه مؤقتًا، بجانب الحالات اللي معايا، ومن النهاردة هتابع حالة جدتك، وإن شاء الله نتطمن عليها" 


زفرت الفتاة زفرة أريحية عميقة، وارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة مطمئنة، فقالت

"شكرًا يا دكتور، وبعتذر لو انفعلت عليك، أصل نناه مليش حد غيرها، هي اللي ربتني من بعد بابا وماما، واكتشفت من تلات سنين إنها مريضة زهايمر، وللأسف كل ما الوقت يعدي حالتها بتسوء، رغم إن دكتور رينيه كان بيطمني كل مرة، أنا من غير نناه أموت، كفاية إنها بتنساني كل شوية واقعد أفكرها أنا مين، وبقول مش مشكلة، المهم تبقى كويسة" 


شعر رحيم بحزن، فاقترب منها خطوة أخرى واخبرها بنبرة تفيض بالتعاطف

"وأنا بقولك اطمني، أنا هخليهم دلوقتي يعيدوا الأشعة ويعملولها الفحوصات اللازمة عشان أشوف حالتها وصلت لأي مرحلة، بس عايزك تكوني مؤمنة وعارفة إن للأسف الزهايمر مرض بيأثر على الذاكرة مع الوقت، ومفيش علاج شافي يرجعها زي الأول، لكن نقدر نساعدها تعيش أحسن، فيه أدوية بتبطئ الحالة شوية، والأهم بقى هو اهتمامك بيها، كلامك، صبرك، تنظيم يومها، وجودك جنبها؛ ده أكبر دعم ليها حتى لو بتنسى، إحساسها بحبك بيفضل" 


ابتسمت ابتسامة صافية، وشعرت بالطمأنينة تسري في أوصالها من حديثه الذي أثلج صدرها، فأومأت له برأسها وقالت

"أنا كل اهتمامي ليها، وعمري ما يأست، وعندي أمل إن تحصل معجزة وترجع بصحتها زي زمان، رغم الواقع والتقارير الطبية كلها بتقول إنها حالة ميئوس منها، بس كلامك دلوقتي لأول مرة بيطمني وبيرجعلي الأمل من جديد، شكرًا جدًا يا دكتور" 


ردّ عليها بهدوء وثقة

"مفيش داعي للشكر، ده واجبي؛ غير إن جزء كبير من علاج أمراض المخ والأعصاب بيعتمد على العامل النفسي للمريض، فبنحاول على قد ما نقدر نعمل اللي علينا، والشفاء والتعافي بأمر الله سبحانه وتعالى" 


"ونعم بالله، طيب ممكن أعرف حضرتك هتبدأ تتابع نناه من إمتى؟" 


"من دلوقتي، أنا هابعت أجيب الملف الخاص بحالتها، ممكن تسبيها معانا وتنزلي تستريحي في الكافيتريا، كل اللي طالبه منك رقم أتواصل مع حضرتك عليه" 


مدت يدها نحوه، فرمقها باستفهامٍ خفيف، فقالت بسرعة

"هات الفون أسجلك رقمي"


أخرج هاتفه من جيب معطفه الطبي، فاختطفته من يده بخفةٍ مرحة، تعجب للحظة مما فعلته دون استئذان، لكنه انتظر بهدوء. 

 نقرت على الأرقام بسرعة، ثم قامت بالاتصال على هاتفها؛ فصدح رنينه في جيبها، ثم أنهت المحاولة وأعادته إليه، فسألها 

"هسجّله باسم مين؟" 


نظرت إليه بعينين تلمعان بالود، وأجابت بابتسامة رقيقة

"اسمي چومانة كرم" 


                          ❈-❈-❈

بالعودة إلى أرض الكنانة، وصل قصي للتو برفقة عائلته الصغيرة إلى مهبط الطائرات الخاص، استعدادًا للانطلاق صوب إيطاليا.


وما إن هبطت صبا من السيارة حتى وجدتِ الطائرة في انتظارهما، فاندفع صغيراها يركضان بمرح طفولي عفوي يفيض حيوية وبراءة، وبرفقتهما المربية زينات.


مد يده إلى زوجته ليسرا معاً، ذهبا نحو باب الطائرة للصعود إلى داخلها. 

 وما إن وضعت قدمها الدرجة الأولى من السلم حتى توقفت فجأة، إذ داهمتها الذاكرة بأسوأِ ما فيها ما حدث في أول زواجها، فتجمدت على السلم فالزمن أعاد لها تلك اللحظات من جديد. 


فلاش باك...


انتبهت فجأة إلى تلك الموسيقى الآتية من الخارج، نغمات خافتة تتسلل كالدخان المتعرج، فخرجت على الفور تتجه نحو مصدر الصوت. 

وجدته جالسًا على الأريكة الجلدية الفاخرة، بيده كأس من النبيذ المعتق يتلألأ في ضوء الإضاءة الخافتة، وبيده الأخرى سيجارته التي لم تفارقه قط، 

 ارتشف من كأسه حتى رفع عينيه إليها، فلاحظ تلك الحمرة اللامعة على شفتيها ، 

ارتسمت ابتسامة على ثغره، لكنها لم تمس عينيه، عقدت حاجبيها بضيق وقالت "أنت بتضحك على إيه؟، شايف أراجوز واقف قدامك؟! " 


نهض تاركًا الكأس والسيجارة فوق الطاولة، واقترب منها بخطوات هادئة محسوبة، فأمسك بيدها ووضع يده الأخرى على جانب خصرها، ثم همس بجانب أذنها 

 "بالعكس، أنا شايف قدامي أجمل بنت شافتها عينيا..." 


قالها وأطلق تنهيدة عميقة، فلامست أنفاسه الساخنة بشرة عنقها ووجنتها، شعرت بالتوتر يعصرها، وأرادت أن تبتعد، لكنه شد من قبضتيه حتى لا تفلت منه. حدقت في عينيه، فأدركت أنه بدأ يثمل، والخمر يسيطر على حواسه تدريجيًا.


"ليه كل ما أقرب منك بتبعدي؟! ... ليه مش عايزة تحسي بقلبي اللي بيعشق كل حاجة فيكي؟! ... تعرفي نفسي إيه؟ تخديني في حضنك وأفضل نايم جواه... عارفة ليه؟" 


نظر في عينيها بعشق جامح لا يدرك مشاعره التي يتفوه بها، ثم أردف

 "عشان بحبك..."

 وقبَّل جبهتها بلطف

 "وبعشقك..."

 ثم طبع قبلة على وجنتها

 "وبموت فيكي..." 


كادت تبتعد خشية أن يلتقم شفتيها، ففاجأها بعناق قوي، وسألها

"إشمعنا هو يا صبا؟! ... يفرق إيه عني؟! ... ها؟ جاوبيني!" 


ابتعد برأسه قليلاً، واقترب بشفتيه من وجنتها مرة أخرى، وقال بنبرة مليئة بالحب والشجن والهيام النابع من أعماقه "ساكتة ليه؟ ها؟" 


نظرت إليه في عينيه، فتجمعت عبراتها، وطبقت شفتيها بقوة حتى تمنع انسدال الدموع.

 وضع يده على وجنتها، يتلمسها بحب وشغف

 "ساكتة ليه؟ ...، ريحي قلبي اللي بيموت كل يوم وهو شايف صورته جوا عينيكي..."

 (يقصد آدم) 

"أنا... أنا بعشقك أوي يا صبا..." 


حاوط وجهها بكفيه، وأنهال على شفتيها ليروي ذلك الظمأ وجفاف قلبه، الذي يتوق إلى أمطار حبها لتبعث فيه الحياة من جديد بدلاً من السواد المسيطر عليه بالانتقام.


دفعته بقوة في صدره واخبرته دون تردد

"عشان بحبه ومش قادرة أنساه!"

 صاحت بها وهي ترمقه بغضب لم تدرك أن جملتها تلك أيقظت بداخله شياطين الشر التي تملكت منه للتو، وقد يحدث ما سيجعلها تندم لاحقاً. 


تحولت نظرات العشق في عينيه إلى نظرات تتخللها ابتسامة تلتمع من بين أسنانه كوميض، ابتعدت بخوف واتجهت تركض نحو الرواق، بينما هو يخلع سترته ويلقيها أرضًا، يسرع خلفها بخطوات تسبق دقات عقرب الثواني. 

 دلفت إلى الحجرة وتتعالى دقات قلبها من الخوف، ترتعد أوصالها من الرعب. كادت توصد الباب، لتسبقها قدمه التي وضعها حاجزًا يمنع إغلاقه، فدفعه بقوة حتى ترتمي على الأرض.


"بتحبيه؟!، ومش قادرة تنسيه؟!... أنا هخليكي تنسيه يا صبا... هخليكي تنسيه خاالص"

 صاح بها وهو يجذبها من خصلات شعرها، فصرخت بألم

"آآه فوء يا قصي أنت سكران..."

   تحاول أن تفلت منه وتحرر شعرها من قبضته، فصاح بها مخبراً إياها

"أنا فايق... وفايق أوي كمان لكل كلمة قولتيها... بس عايزك تفتكري كويس أنا ياما حذرتك" 


"أرجوك بلاش يا قصي... أنا آسفة... مش هجيب سيرته تاني خالص..."

 قالتها بنبرة توسل وهي تبكي، جذبها أكثر إلى أعلى، ثم ألقى بها على السرير الذي تتسلط عليه أضواء من السقف كأنها 

، التقط المعطف الذي كانت ترتديه، وسحب الحبل الذي يتوسطه، فاعتلاها وأمسك بيديها وضمهما معًا خلف ظهرها.


"أنا آسفة يا قصي... حقك عليَّ... مش هجيب سيرته تاني..."

 تكررت تلك الكلمات وهي تصرخ بها، وهو لم يبالِ لها، إذ غيب الخمر عقله تمامًا. انتهى من تقييد يديها، ثم أمسك رأسها من الخلف ليقربه من وجهه، وهو يحدق في عينيها قائلًا

 "عايزك قبل ما تنطقي اسمه تفتكري اللحظة دي كويس" 


ألقاها، ثم مد يديه إلى تلابيب ثوبها وقام بنزعه وتمزيقه!


 وإذ بصوته يجفلها فجأة، ينتشلها من ظلام ذكرياتها المتكدس، فعاد بها إلي الوقت الحالي

"صبا، أنتي كويسة؟" 


رمقته بشبه ابتسامة، وأومأت برأسها 

"أنا بخير... هو احنا مسافرين على الطيارة دي ليه؟" 


وتحاشت النظر إليه، لكنه كعادته من نظرة واحدة خلف نظارته الشمسية أدرك وعلم جيدا بما يعتمل في خاطرها. 

 وضع يده على ظهرها، وربّت بحنان يعرفه قلبها جيدًا، فاخبرها

"الطيارة اللي كنا المفروض نسافر عليها للأسف محتاجة صيانة، مكنش قدامي غير دي... وأنتي عارفاني مش بآمن ركوب طيارات خاصة مش تبعي، خصوصًا وأنتي والولاد معايا" 


رمقته بعينين تحملان حزن حاولت إخفاءه، لكنها فشلت فشلًا ذريعًا.


"أنا ما بحبش الطيارة دي" 


تنهد بعمق، ثم قال بهدوء مطمئن

"أنا فاهم عدم حبك ليها، بس ده كان ماضي وراح... تعالي نجدد فيها ذكريات حلوة، وشوفي المرة دي احنا مش لوحدنا، بقى معانا مالك وزينب وأخوهم اللي جاي في السكة" 


وضع يده برفق على بطنها، و احتضنها في آن واحد، فأراحت رأسها أسفل ذقنه، مستسلمة لدفء حضنه. 

 ثم صعدا معًا إلى داخل الطائرة، دلفت  ودارت بعينيها تتفحص المكان، فلاحظت تغييرات بسيطة لكنها ملحوظة. 

 شعرت بيده على كتفيها حين همس لها

"أنا عملت شوية تجديدات هاتعجبك" 


فالتفتت خلفها لتطمئن على صغيريها، وجدتهما يجلسان مع زينات في مرح عفوي، يضحكان ويلعبان.

  أمسك بيد زوجته وقال لها

"تعالي هوريكي حاجة" 


وسارا معًا في الرواق الضيق، وعيناها تتابعان تفاصيل كل شيء حتى توقفتا أمام غرفة النوم. 

 كادت تأبى الدخول، لكنه سحبها برفق حازمٍ إلى الداخل، وأغلق الباب خلفهما.


"إيه رأيك؟" 

لاحظت التغييرات الكثيرة في غرفة الاستراحة؛ الألوان أصبحت أكثر دفء، الأثاث أنيقًا بطريقة مختلفة، والإضاءة ألطف، كأن المكان قد نفض عنه غبار السنين القديمة.

  احتضنها من الخلف وقال بهمس عميق

"ما تيجي نحذف أي ذكرى وحشة حصلت هنا" 


لم يمهلها الرد، فبدأ يقبِّل عنقها بلطف متصاعد، استدارت لتصبح أمامه، وقالت محاولة التماسك

"و ده وقته؟!، ولادك كمان صاحيين بره، يعني في أي وقت هييجوا يخبطوا" 


"ما تقلقيش، معاهم داده زينات اللي بالتأكيد هتفهم سبب غيابنا، فهتاخد بالها منهم" 


"أنت ما بتضيعش أي فرصة خالص!" 


عانقها بحميمية أعمق، وأجاب بثقة وفخر يملآن صوته

"يعني بذمتك عايزاني أشوف القمر اللي خاطف قلبي معاه وإحنا طايرين فوق السحاب وما أستغلش الفرصة وأعبر له قد إيه هو واحشني!" 


كلماته مع نظرة عينيه اللامعة وابتسامته الساحرة، أشعلا في صدرها نيران الحب من جديد، تذكرت مرة أخرى صغيريها، فترددت وقالت

"قيصو حبيبي، تعالي نأجل أي حاجة لما نوصل إيطاليا بالسلامة" 


تجهمت ملامحه لثوان، ثم تحولت إلى ابتسامة ماكرة، وقال بإصرار وحسم

"وأنا طالبة معايا هنا" 


وقبل أن تفترق شفتاها للاعتراض، التقطها في قبلة مثيرة عميقة، وعانقها عناقًا جعلها كالهلام بين ذراعيه، مستسلمة لقوة الحب والشوق الذي لا يُقاوم.

انحلت بين ذراعيه كقطعة ثلج تحت دفء لهيب طال انتظاره، فاستسلمت للقبلة، شفتاه تلتقمان شفتيها برفق يتحول تدريجيًا إلى جوع مكبوت، أنفاسهما تختلط في رقصة صامتة، وأصابعه تغوص في خصلات شعرها المنساب كالحرير، يجذبها نحوه أكثر فأكثر، كأنه يخشى أن تذوب في الهواء إن تركها لحظة واحدة.


رفع رأسه ببطء، فترك شفتيها تلهثان، محمرتين، مبللتين بعشقه، نظر إليها بعينين غارقتين في بحر من الحنان والرغبة المشتعلة، وضعت يدها علي صدره فارتجفت، تشعر بدقات قلبه المتسارعة كأنها طبول حرب ،  قبَّل راحة يدها بلطف يُذيب القلب، ثم رفعها إلى شفتيه مرة أخرى، يقبِّل كل إصبع على حدة. 


يعلم أنها في حالة من التوتر، فترك يدها و فتح لها ذراعيه قائلًا

"تعالي... خليني أحضنك، مش عايز حاجة دلوقتي غير إني أحس بالدفا ونفسك على رقبتي، وصوت قلبك اللي بيردد اسمي جواكي" 


 سحبها برفق يشبه الرجاء إلى حضنه، جلس فجعلها تجلس  وجهها مقابل وجهه، فأحاطها بذراعيه كأنه يُشكل درعًا من لحمه وعظمه حولها. 

 أسندت جبهتها على جبهته، وأغلقت عينيها، تشعر بدموع ساخنة تتسلل من تحت جفنيها، فها هي هرمونات الحمل في أوج نشاطها و تقلباتها المزاجية. 


رفع يده بلطف، مسح الدمعة التي انزلقت على خدها بإبهامه، ثم قبَّل المكان الذي كانت فيه، كأنه يمحوها بفمه.


"عشان خاطري بلاش عياط، أنا مقدر حالتك النفسية، بس مش عايز اشوف دموعك" 

انحنى وقبَّل عنقها ببطء شديد، قبلة طويلة تترك أثرًا من الحرارة، ثم انتقل إلى أسفل أذنها، يهمس بين القبلات

"بحب ريحتك... بحب صوت ضحكتك لما بتكوني مسترخية... بحب كل حاجة فيكي" 


ارتعشت في حضنه، وأحاطت عنقه بذراعيها، تضمه بقوة كأنها تخشى أن يختفي، دفنت وجهها في كتفه. 


ابتسم من ما تفعله، قبَّل قمة رأسها مرات متتالية، ثم رفع وجهها بأطراف أصابعه لينظر في عينيها.

وضع كفه على بطنها بحنان لا يوصف، يداعبه بأطراف أصابعه ، ثم عانقها حتى التصق جسداهما تمامًا، واستلقيا معًا على السرير. 

دثرها بجسده جزئيًا، ليس برغبة عابرة، بل حماية وحب يفيضان من كل خليةٍ فيه.


"نامي في حضني... و نبقي نصحى في إيطاليا" 


أغلقت عينيها، وابتسمت ابتسامة صغيرة مطمئنة، وهي تشعر بأنفاسه المنتظمة على جبينها، ويده تُربت على ظهرها بحركة هادئة، ظل كليهما علي هذا الوضع حتي شعر بأنفاسها التي انتظمت فعلم أنها استسلمت للنوم وغفت بين أحضانه. 


                     ❈-❈-❈


جلس أمام المدفأة المتأججة، يمسك  ألبوم صور قديم، مليئًا بلحظات قديمة، تجمعه هو وسيلينا وشقيقه في أواخر العشرينيات من عمرهما. 

 كانت الصور تروي قصة صامتة، فهناك منها ينظر إلي شقرائه بعينين تفيضان عشق خالص، وهي دائمًا ما تتجه نحو شقيقه، الذي كان يتباهى بأنها هي من تركض خلفه.


ابتسم بسخرية مريرة، ابتسامة تخفي جرحًا لا يندمل، ثم رفع يده الأخرى التي تحمل كأس الفودكا، فجرعها دفعة واحدة، عسى أن يُخفف الخمر من لهيب الألم الذي يعصر قلبه. 

 لكن كيف يُخفف الخمر ما لا دواء له؟، فألم الحب المُستغل، حين يُحب المرء شخصًا بقوة ويكون ذلك الشخص يعلم بحبه فيستغله بوقاحة لا تُطاق، ذلك الألم يظل ينخر في الصدر كالصدأ في الحديد.


فجأة قطع الصمت صوت تكسر زجاج كأس الخمر في قبضته؛ كان قد شد عليه حتى تحطم، وسال الدم الممزوج بالفودكا على أصابعه، لكنه لم يشعر بألم الجرح، فجرح القلب أعمق وأشد.


دخل أحد رجاله، وقف بثبات عسكري، وقال بصوت منخفض محترم

"سيدي، لقد علمنا أين هي الآن" 


أجابه فلاد بتهكم بارد، وهو لا يزال جالسًا أمام اللهب المتمايل

"لم تأتِ بجديد، أريد معرفة جميع تحركاتها دون أن يلفت أحدكم انتباهها" 


"أمرك، سيد فلاد" 


أشار له بيده أن يغادر، ثم نهض ببطء متأن، كأنه يُعد نفسه لفعل طال تأجيله يومين كاملين. 

 غادر دفء المدفأة، وسار بخطوات ثقيلة لها ايقاع يُرعب أعداءه، خطوات تُنبئ بقادمٍ لا رحمة فيه. 

 نزل إلى القبو البارد، ذلك السجن الذي يقبع فيه الخائن الذي اقتحم قلعته برجاله و ساعد سيلينا علي الفرار، فكان مقيد الأطراف، معصوب العينين، يرتعد من البرد والخوف.


وحين سمع صوت الخطوات تقترب، ارتعش هذا المكبل وأرهف السمع، حتى وقف فلاد أمامه ورفع يده، نزع العصابة عن عينيه بعنف، فنظر الرجل إليه برعب يفوق الوصف.

  تفوه فلاد بصوت هادئ يحمل غضب مستعر

"هل اعتقدت أن ما فعلته من مخطط أحمق واتفاقك مع عاهرتي الشقراء، سيمر كمرور الكرام بهذه السهولة؟!" 


اقترب أكثر، حتى لامست أنفاسه أذن الرجل، وأردف بهمس يقطر سم

"أنا أعلم بكل شيء قبل أن يحدث، تركتك تنفذ وتفعل ما تشاء أنت وهي، كنتما تظنَّان أنني أحمق؟! ها؟، بل الأحمق هو من يتعامل مع الآخرين على أنهم أغبياء، من الممكن أن أقتلك الآن، لكن لا... فالحمقى أمثالك لا يستحقون شرف الموت، بل سأجعل الموت أمنيتك الوحيدة... والآن" 


أخرج سلاحه من خلف بنطاله، شد أجزاءه ببرود، بينما صاح الرجل المقيد برفض هستيري، حيث اعتقد إنه سيقتله

"لا... لا... لا..." 


فأسكته رصاصات انطلقت من فوهة السلاح، استقرت في قدميه، صرخ الرجل من الألم الذي مزق أعصابه، فأخبره فلاد ببرود جليدي

"سأتركك هكذا حتى تتعفن ساقاك وتزهق روحك على مهل" 


بصق عليه باحتقار، ثم تركه يئن في الظلام، وصعد إلى الأعلى. 

 نادى على أحد رجاله الذي حضر في الحال، فألقى عليه الأمر الصارم

"أبلغ الرجال أن لدينا رحلة سفر الآن" 


سأله الرجل بحذر

"إلى أين سنسافر يا زعيم؟" 


أجاب زعيمه باقتضاب، وعيناه تنضح بكل ما هو آت من إعصار لا يهدأ، وعد بالانتقام الذي طال انتظاره، ووعد بأن يسترد ما سُرق منه، مهما كلفه الأمر

"إلى إيطاليا" 


 يتبع...



تكملة الرواية من هناااااااا 

لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كامله من هناااااااااا

مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا

مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا


تعليقات

التنقل السريع