القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية لإجلها الفصل السابع والستون 67بقلم أمل نصر حصريه في مدونة قصر الروايات

رواية لإجلها الفصل  السابع والستون 67بقلم أمل نصر حصريه في مدونة قصر الروايات







رواية لإجلها الفصل  السابع والستون 67بقلم أمل نصر حصريه في مدونة قصر الروايات






لأجلها بقلم امل نصر الفصل السابع والستون



الفصل السابع والستون

ما بيني وبينك مسافة ليست بالبعيدة ولا بالقصيرة.. نحن نقف على نفس الأرض، يفصلنا فقط جدار العتب واللوم، وكأننا مدينتان متجاورتان.

تجمع بيننا اللغة نفسها، لكن كلماتنا تائهة في المنتصف، لا هي وصلت إليك لتشفي غليلي، ولا هي بقيت في صدري لتريحني. نحن مدينتان يشطرهما نهر من “لماذا؟”، نتبادل النظر عبر ضفتيه، ونكتفي ببريق العيون الذي يشي بكل شيء.. ولا يقول شيئاً.

#معاذ_ وليلى

……………………….

عادت من جامعتها تجرّ خيباتها وأوراقها، لتجده هناك كما في كل مرة.. عند الجزء الفاصل بين المنزلين “الخصم والحبيب” في آن واحد.

لم يكن جالساً فحسب على الأريكة ذات الموقع المميز، بل كان في حالة انتظار مُعلن، رغم تعمده عدم التحدث معها طوال الأيام التي مضت، ربما كانت حجته اليأس من التصالح معها، وربما كان دافعه هو تركها لتتلظى بنيران الهجر علها تعود إلى عقلها كما يهيئ له فكره.

اعتدل بخفة لم يلحظها عابر سبيل، لكن حواسها “المتأهبة” التقطت ذبذبات حركته.

شعرت بنظراته تتبعها كوشمٍ على ظهرها، فما كان منها إلا أن دلفت مسرعة إلى داخل المنزل، تلوذ بالباب الخشبي القديم، وجدارٍ لم تكن تحتمي به منه.. بل كانت تحتمي به من ضعفها هي.

الصمت خلف الباب

أغمضت عينيها وهي تلتصق ببرودة الخشب، وأنفاسها تتلاحق في صدرٍ ضيق. كان العتب منه وإليه؛ تعشقه حدّ الألم، وتكره جرحاً منه لم تزدْه الأيام إلا عمقاً. خلف هذا الباب، كانت “ليلى” تخوض حرباً عالمية بين كبريائها الذي يمنعها من الالتفات، وبين قلبها الذي يكاد يخرق الضلوع ليعود إليه. لم يقطع هذا الذهول إلا صوت والدتها الدافئ، الذي جاء ليوقظها من غيبوبة المشاعر:

— “أنتِ جيتي يا ليلى من كليتك؟.. مالك شاردة كده؟ أوعي تكوني تعبانة؟”

نظرت ليلى لوالدتها بتشتت، وكأنها تحاول استجماع شتات نفسها التي تركت نصفها الآخر عالقاً على تلك الأريكة المقابلة.

أما في الخارج، فقد كان هو في حالة من الحزن يُرثى لها. كيف وصلت الأمور بينهما إلى هذه الدرجة من التعقيد؟ حتى بات العجز يكبله عن الحديث معها. حين لمحها قادمة قبل لحظات، شعر بانتفاضة خفية في روحه لا يزال أثرها يرتجف بكيانه حتى الآن. كان يتبعها بنظراته، يمتص ملامحها التي اشتاقها، يراقب تعثر خطوتها المترددة أمام عينيه، وحين أغلقت الباب الخشبي خلفها، شعر بصوت ارتطامه في صدره هو، لا في إطار الباب. غابت خلف الجدار، لكن طيفها ظلَّ عالقاً في الهواء المحيط به، يذكره بأنه قريب جداً حدّ اللمس، وبعيد جداً حدّ اليأس.

أطبق جفنيه للحظة، يحاول استجماع شتات كبريائه الجريح، لكن ثقلاً غريباً دفعه لرفع رأسه نحو الأعلى، وكأن غريزة “المُراقب” استيقظت فيه. هناك، في الشرفة المطلة على المنزل الطيني القديم، التقت عيناه بعيني شقيقه “حمزة” الذي كان يرتشف الشاي ببطء، ونظراته غارقة في حزنٍ لم يكن يخصه وحده، بل بدا وكأنه يقتسم الوجع معه.

لم ينطق حمزة بكلمة واحدة، لكن نظرة عينيه كانت تقول كل شيء؛ هو الذي شهد المشهد من بدايته من “برج مراقبته”، ليستشف بخبرته ذاك التخبط الذي تعيشه ليلى بالداخل، والانكسار الذي يحاول معاذ إخفاءه بالخارج. لوعة الفراق باتت خانقة للاثنين، وكلاهما ينتظر المبادرة من الآخر.. ترى من يملك الشجاعة لفعلها؟

لقد رفع هو يده عن التدخل كي لا يؤثر على قرار أي منهما، رغم أنه المتضرر الأكبر من قضية ليس له فيها ذنب. إن احتكم لقلبه، فمن المؤكد أن الدفة ستميل لشقيقه، وإن حكّم العقل، فبالطبع سيميل لجانب ليلى لا محالة. هو قادر على “احتواء” الاثنين، ولكنه يفضل الصبر حتى ينضجا كما ينضج الطعام على الموقد؛ لعل قسوة الهجر ولوعة الاشتياق تكونان حافزاً لعدم تكرار الخطأ أبداً.

……………………………

هل استيقظ باكراً أم أنه لم ينم بجوارها من الأساس؟ تعب الحمل جعلها هذه المرة تغفو كأنها جثة هامدة، فلم تشعر بحضنه لها ولا بمكانه الذي يقتسمه بالقرب منها على ذلك التخت النحاسي القديم، الذي جمع بينهما منذ أول يوم لزواجهما في منزل والديها.

نهضت من فراشها، تنزل بقدميها العاريتين على الأرض المغطاة بحصيرة بلاستيكية في تلك الغرفة المتواضعة، التي رغم بساطتها حملت أجمل ذكرياتهما. ألقت على جسدها مِئزراً قطنياً طويلاً لتداري منامة عارية كانت ترتديها، وهمّت بالخروج متوجهة إلى ردهة المنزل حيث يجلس والداها، متوقعة أن تجده يشاركهما الحضور كعادته.

ولكن، استوقفتها ورقة وقعت عيناها عليها فوق “التسريحة” التي تحتل زاوية ليست هينة من الحائط. اقتربت تتناولها وترفعها إلى مستوى بصرها تستكشف المكتوب فيها؛ كلمات قليلة مقتضبة بخط يده يخبرُها:

— “صباح الفل يا قلب عطوة، لما تصحي وتلاقي الورقة دي في وشك، هكون أنا مشيت من البيت على مشوار يخصني بس هو بعيد شوية، عايزك ما تقلقيش لو اتأخرت للمسا، ولا احتمال كبير أبيت ليلتي بره.. بس أخلص مصلحتي وأجيلك هوا يا نورة قلبي وحياتي كلها.”

عقدت حاجبيها بتساؤل ودهشة حائرة وهي تنهي قراءة الورقة. ما هذا المشوار الذي تطلب خروجه قبل أن يوقظها؟ ولماذا المبيت خارجاً من الأساس؟ أتراه خارج المحافظة أم…؟

“اللعنة!”.. ومض بعقلها فجأة تفسير تخشى صحته. تركت الورقة وتناولت هاتفها تتصل به على الفور. لم يستجب إلا بعد محاولتين، حتى أتاها صوته:

— “ألووو.. أيوة يا روح قلبي، أنتِ صحيتي؟”

كانت هناك أصوات أخرى تصلها عبر الأثير مع حديثه، لتزداد يقيناً باستنتاجها:

— “عطوة.. ده صوت القطر اللي أنت قاعد فيه صح؟ تقدر تقولي كده رايح فين؟”

أجابها بضحكة مضطربة شعرت بها من خلف الهاتف:

— “وه يا مجنونة! ما بقولك مشوار.. يعني أروح بقطر ولا غيره، عادي.”

صاحت بنبرة حادة:

— “لأ مش عادي يا عطوة، عشان عرفت دلوقتي أنت رايح فين! بتستغفلني وفاكرني مخبلة ومش هعرف مكانك؟ بتتسحب من جنبي عشان ما أسألكش وأفهم يا عطوة إنك رايح على ‘بلد الفقر’؟ دي عملة تعملها فيا برضه؟!”

كانت كلماتها تصدح بصراخ يخترق أذنه، ويضعف عزيمة المضي بداخله، فحاول مراوغتها بكذب لم ينطلِ عليها:

— “وه وه يا مجنونة! خلاص عملتيها قصة خطيرة؟ ده مشوار صد رد وراجعلك هوا..”

قاطعته بصرخة أقوى، وترتجف نبرتها بعدما تأكدت من حدسها:

— “يا مري! يبقى إحساسي صح.. حرام عليك يا عطوة، بتعملها عشان تخلع قلبي عليك؟ جالك قلب؟!”

عقب باستخفاف ونزق يحاول به دحض فزعها غير المبرر:

— “يوه عاد يا نورة! يا بنت الناس بتهولي وتندبي على مفيش، أنا عامل حسابي زين.. حطي في بطنك بطيخة صيفي، مش غبي أنا عشان أرمي نفسي في الهلاك، يعني عامل حسابي.. واقفي بقى الناس سمعت صراخك وبيبصوا لي مستغربين، ولا أقولك.. أنا سلام.”

أنهى الاتصال بضغطة منه غير عابئٍ، فسقط الهاتف من يدها على تلك الحصيرة الباردة، وكأن حرارة صراخها انطفأت فجأة لتتحول إلى برودة تسري في أطرافها، تجمدت محلها مذهولة، يتردد صدى صوته “المستخف” في أذنيها، بينما قلبها يرتجف خلف ضلوعها كطيرٍ ذبيح.

لم تعد نورة ترى الغرفة المتواضعة التي شهدت أجمل ذكرياتهما، بل شعرت بجدرانها تضيق عليها.

لقد تسلل من جانبها. استغل نومها العميق وتعب حملها ليتركها تواجه هواجسها وحدها.

شعرت بمرارة علقت في حلقها، ليس فقط بسبب سفره، بل لأنه أغلق الهاتف في وجهها وهي في قمة فزعها، يتحدى خوفه وجزع قلبه عليه من أجل النقود والسكن المريح، هي ترضى بأقل القليل رغم طموحها في التحسن ولكنها لا تتحمل الفقد، كيف تطمئن وداخلها تعلم أن ما ينتظره عدو غادر، كيف تأمن شر عرفان والفتك به بعد علمه ما حدث؟ إن كان دمر المنزل في غيابه فما باله لو عثر عليه هو نفسه؟

انتفضت عند خاطرها الأخير وهي تتخيل جسد زوجها النحيل بين يدي هذا الوحش المدعو عرفان، أيعقل أن تتركه يواجه المصير وحده؟

……………………………..

أما عنه فكان يجلس في ذلك القطار المتهالك، يراقب اختفاء معالم قريته خلف النوافذ المغبرة بقلبٍ ينهشه القلق بقدر ما يملؤه الإصرار. وضع رأسه على المسند الصلب، محاولاً تجاهل صوت صراخ “نورة” الذي لا يزال يتردد في أذنه، وصورة وجهها الشاحب الذي تركه غارقاً في النوم قبل ساعات، يعطيها الحق في ثورتها عليه، ولكن ماذا بيده؟ لو كان يملك البديل لتراجع في التو واللحظة ليهبط في المحطة التالية ويعود ليرتمي في حضنها، يطمئنها أنه هنا. لكن “يد العجز” كانت أقوى.

يريد الاستقرار بمنزل يجمعه معها، يربي أطفاله بنقود حلال ولا شيء أكثر من ذلك، بعد رحلته الطويلة في الأفعال الشقية، لقد فعل كل المنكرات التي أصبح يبغضها اليوم، بعد أن مَنّ الله عليه بها وبعائلتها التي احتوته من التشتت، لم يبالغ حين وصفها بأنها هدية الخالق إلى العاصي كي يتوب، لكن الخوف من القادم وما ينتظره إن علم عرفان البغيض بحضوره…..

يرفض حتى التخيل وقد فعل كل ما بوسعه ليحرص على الانتهاء من كل الإجراءات قبل أن يعرف أو يصل إليه خبر.

…………………….

— “لساتك برضك عقلك شارد؟”

ألقت “مزيونة” بعبارتها وهي تَدلف إلى غرفتها، حيث تحتل ابنتها السرير الخشبي، مُستلقية بجوار صغيرها الغافي في نومه العميق. نزعتها الكلمات من شرودها، ومن عينيها اللتين كانت معلقتين بالسقف، ترسمان في الفراغ صوراً لا يراها غيرها.

اعتدلت ليلى بجسدها، وتتحمحم قائلة بنكران مكشوف:

— “لأ يا أمّه طبعاً، يعني هكون شاردة فين؟ أنا بس بحاول أريح حبة وأنام، بس عيني رافضة تغمض أصلاً.. المهم قولي لي أنتِ عاملة إيه؟”

وعت مزيونة مراوغتها، فلاح على ثغرها شبه ابتسامة ساخرة، سرعان ما أخفتها لتجاري كذب ابنتها:

— “زين والحمد لله يا عين أمك.. المهم أنتِ، إياكِ بس تكوني مرتاحة وبالك رايق.”

فهمت ليلى المقصد، فاشتعل رأسها على الفور بانفعال ظاهر، وثارت بحدة:

— “وإيه اللي هيخليني تعبانة بقى إن شاء الله؟ زعلي على حد ما يستاهلش؟ ولا يكونش كمان حالتي كرب في بعده عني؟ الخاين اللي عايرني بصرفه عليا!”

خيمت لحظة من الصمت الثقيل على الاثنتين. كانت عينا مزيونة تحملان مزيجاً من المشاعر، ما بين عتبٍ وحزنٍ وغضب؛ غضبٌ ألقى بظلاله على ليلى، ليضاعف من ثقل ما يجثم على صدرها، حتى أردفت بقهر لا يخلو من ندم:

— “بلاش البصة دي يا أمّه الله يخليكِ، عشان أنا فيا اللي مكفيني.”

خرج صوت مزيونة رداً عليها بعصبية مكتومة:

— “يعني أغمض عيني كمان؟ مش كفاية ساكتة وسايباكي تعملي ما بدالك؟ على العموم لو عايزاني أسيب لك الأوضة نفسها و…”

ما كادت تنهي جملتها وتهمّ بالنهوض، حتى أوقفتها صرخة ليلى:

— “استني يا أمّه!”

لا تدري ليلى كيف حدث هذا، ومتى نهضت عن سريرها؟ لقد طارت حتى وجدت نفسها على الأرض عند قدمي والدتها، تدفن وجهها في حِجرها، وتنطلق في موجة من التأسف والندم.

انهمرت دموعها فوق حجر والدتها، كلمات الاعتذار تخرج مخنوقة بشهقات ندم حقيقية، وهي تمسك بطرف ثوب مزيونة كأنها طفلة تخشى الضياع:

— “سامحيني يا أمّه.. قطع لساني قبل ما يعلى عليكي، أنا عارفة إني بقيت حمل تقيل على الكل، وعارفة كمان إن بسببي وبسبب مشاكلي، أنتِ بعيدة عن عم حمزة في أشد أوقات احتياجك ليه، وأنتِ على وش ولادة.. أنا حاسة إني بقيت عبء، لا طايلة سما ولا أرض، وواخدة الكل معايا في طريقي المسدود.”

مدت مزيونة يدها الحانية، تمسح على شعر ابنتها ببطء، وفي صوتها دفء الأم التي تقرأ ما وراء الكلمات:

— “يا بت الهبلة هو أنتِ جبراني يعني؟ ما هو كله بمزاجي، يجيني قلب إزاي أسيبك أنا؟ أنا معاكي وفي ضهرك دايما.. بس كمان معاذ مش عفش يا ليلى، ده غير إنّ بان عليه الندم بعد غلطة وقع فيها غصب عنه، والراجل لما يندم ويرجع يطوي الرقبة يبقى لازم نسامح ونلم الشمل، المسامح كريم يا بنتي.”

ما إن نطقت مزيونة اسم “معاذ”، حتى انتفضت ليلى كأن قرصتها أفعى، ورفعت رأسها بعينين حمراوين يتطاير منهما الشرر، وقد تبخر ندمها ليحل محله غضب عارم:

— “أسامح؟! أسامح مين يا أمّه؟ أسامح واحد رماني ولا سأل فيا وهو الغلطان؟ ده كأن البعد جه على هواه بالملّي، ومرتاح في غيبتي! فالح بس يقعد لي قدام البيت يرازيني بوجوده، كأنه بيقولي شوفي أنا هنا وقادر أعيش من غيرك.. ده لا جيه خبط على باب، ولا قال كلمة تبرد ناري، يبقى أسامح على إيه؟ على ذلي ولا على كرامتي اللي اتهانت؟”

في تلك اللحظة، حاولت مزيونة أن تحافظ على وقارها، لكنها اضطرت لمواراة وجهها بعيداً وهي تكتم ضحكة كادت تفضحها. لقد فهمت الآن؛ ابنتها العنيدة تشتاق إلى معذبها لدرجة تجعلها “تغلي” لأنه لا يقتحم حصونها بالقوة التي تتمناها. كبرياؤها يمنعها من الخطوة الأولى، وغيظها من جلوسه “المستفز” أمام البيت ليس إلا شوقاً مُغطى برداء الغضب.

فقالت مزيونة بنبرة حاولت جعلها جادة بصعوبة:

— “خلاص يا ليلى، طالما هو خاين وراميكي ومستريح في بعدك، يبقى ننسى السيرة دي خالص، واعتبري القعدة قدام البيت دي مجرد قعدة استجمام مش أكتر!”

نظرت إليها ليلى بشك، وكأنها أدركت أن والدتها تسخر من تناقضها، فزمّت شفتيها بغيظ وعادت لتلوذ بصمتها.

………………….؟

أنهى مكالمته الهاتفية الهامة التي تخص تلك القضية الشائكة، القضية التي باتت تنهش عقله وتسرق نومه هذه الأيام. دلف إلى الغرفة، فاستوقفه مشهدها؛ حماسٌ مدهش يشع من وجهها وهي تضبط هيئتها أمام المرآة، تستعد لمشوار “البلد” الذي طال انتظاره، بعدما وعدها أخيراً أن يأخذها لتلتقي بابنتيها هناك.

تأملها في صمت.. كانت بطلتها تخطف قلبه رغم كل العيوب التي يعرفها فيها، ورغم الصراعات التي تدور بينهما. في تلك اللحظة، تمنى من أعماقه أن تكون هذه الفرحة العارمة من أجل رؤية بناتها فحسب، وألا تكون “القصة القديمة” وحكايتها مع حمزة قد استيقظت في خيالها، أو أن قلبها يحنّ من جديد لظلال طليقها.

نفض رأسه بقوة، محاولاً طرد تلك الأفكار السوداء التي تسمم صفو لحظتهما، لينتبه لعينين تطلعتا إلى انعكاس صورته في المرآة بلهفة واضحة، قبل أن تركض نحوه قائلة بتهلل:

— “خلاص خلصت؟ وهنمشي نروح مشوارنا يا كمال؟”

وقف يتأملها، يشبع عينيه من رؤيتها وكأنه يكتشف ملامحها لأول مرة. شعر أن بها شيئاً جديداً؛ حتى عيناها اللتان لطالما برع في قراءة “الكذب” بين جفونهما، بات يرى فيهما في الفترة الأخيرة صفاءً مختلفاً، لمعةً لم يعهدها من قبل.

وكعادته حين تقترب منه، لم يستطع مقاومة استغلال الفرصة لمداعبتها، فجذبها نحوه محاصراً خصرها بذراعيه وهو يهمس:

— “مستعجلة قوي على روحة البلد.. طب ما تستني حبة معايا.”

ضحكت وهي تحاول إبعاد رأسها عن مرمى قُبلته، وتدفع صدره بخفة ودلال مشوب بالدهشة:

— “وه يا كمال! وبعدين معاك عاد؟ عايزة ألحق أقعد لحظة مع البنات، مش كفاية مشوار العربية اللي هياخد نص الوقت؟”

حين رأى أنها لا تزال تقاوم “حصاره” اللطيف ولم تتوقف عن الإلحاح، ألقت في وجهه بتهديدٍ مازح، لعلها تظفر بما تريد:

— “طب خلاص.. طالما كده، يبقى تسمح لي أبات هناك ليلة عاد!”

في تلك اللحظة، رفع رأسه إليها فجأة، وتبدلت ملامحه إلى حزمٍ قاطع، وقال برفضٍ لا يقبل النقاش:

— “لأ طبعاً.. مفيش بيات بره البيت، انسي الموضوع ده خالص.”

خفتت لمعة الفرح في عينيها، وحلّ مكانها ضيقٌ مألوف كلما اصطدمت أمنيتها بجدار رفضه المتكرر. قالت بصوتٍ فارقه المرح، وهي تنسحب من بين يديه برسمية:

— “ماشي يا كمال.. يا دوب تلحق توصلني عشان تلحق شغلك.”

لم ينكر في داخله أنه يتأذى لضيقها، فملامحها الحزينة كانت تلسع قلبه، لكنه في الوقت ذاته لم يشعر بالندم؛ فقراراته في تلك المسألة لا تقبل التفاوض. ومع ذلك، آثر أن يلطف الأجواء، متجاهلاً غضبها الصامت بنبرة حاول جعلها عادية:

— “على العموم، أنا ممكن أتأخر على ما آجي آخدك وأروح بيكي.. احتمال أقعد لـ اتناشر أو لواحدة كمان، يعني هتاخدي وقت كفاية هناك.”

انقشعت غيوم الضيق عن وجهها فجأة، وحلت مكانها لهفة طفولية وهي ترد بحماس:

— “براحتك خالص! ولو قعدت لاتنين ولا تلاتة حتى.. هفضل مستنياك.”

ضحك وهو ينحني ليتناول مفاتيح السيارة يدسها في جيبه، وقال بسخرية لا تخلو من مغزى:

— “طبعاً.. السهر هيبقى أسهل هناك! على العموم.. ماشي.”

بابتسامة مستترة، عضت شفتها بعدما فهمت تلميحه المبطن، وحاولت الهرب من نظراته وهي تلتفت للمرآة، تضبط حجابها الذي أفسد ربطته بسبب مداعبته السابقة.

فتنهد كمال بعمق، ليذكرها بأمنيته:

— “عقبال ما أشوفك كده.. مع ولادنا، وأحس بحنيتك عليهم.”

توقفت يداها عن الحركة فجأة، وارتخت أطرافها بجمودٍ مباغت، قبل أن تتدارك الموقف وترد بارتباكٍ لم يغب عن عينه الخبيرة:

— “إن شاء الله يا كمال.. إن شاء الله.”

تجدد بداخله إحساس الحيرة؛ ففي كل مرة يفتح فيها موضوع “الخلفة”، يكون هذا رد فعلها.. توافقه وتجاريه في القول، لكن موافقتها لا تخرج من القلب، هذا ما يشعر به.

…………………………………..

بخطواتٍ ثقيلة وقلبٍ تملؤه الحيرة، كان حمزة يغادر منزله حين لمحت عيناه “ليلى” وهي تخرج بعباءتها السوداء، تحتضن صغيرها في إشارة واضحة بأن مشوارها لن يتخطى حدود البلدة.

لم يجد نفسه إلا وقدميه تقودانه، دون تفكير، نحو المنزل الذي غادرته ليلى. كان الشوق يغلبه، والرغبة في الاطمئنان على “مزيونة” تحرقه، بينما يلعن في سره إصراره على الصمت وترك “العنيدين الغبيين” في دوامة الخصام التي يدفع هو وزوجته ثمنها من راحتهما وبعدهما.

فتح الباب دون استئذان أو انتظار، مدفوعاً بلهفته عليها، ليجدها في صالة المنزل، كانت جالسة على الأريكة الخشبية، متكئة بظهرها، يظهر عليها تعب الحمل بوضوح، ونَفَسها يتصاعد ويهبط بجهدٍ ملموس.

وما إن رأته حتى انفرجت أساريرها، وارتسمت على وجهها ابتسامة عريضة بملء فمها، وكأن رؤيته هي الترياق لكل تعبها.

أما هو، فلم يتخلَّ عن عبوسه المعهود، بل زادت حواجبه تعقيداً وضيقاً. لم تكن قسوته نابعة من جفاء، بل من “قهر” وهو يراها بهذا الضعف؛ يرى تعب الحمل ينهك جسدها وهي وحيدة، بينما هو يقف بعيداً “بذنب” لم يرتكبه.

ألقى نظرة فاحصة على جلستها، وزاد ضيقه وهو يرى نهجان صدرها، وكأنه يلوم الدنيا كلها على تلك المسافة التي تفصل بينهما.

— “مساء الفل عليك يا أبو ريان، نورت بيتك ومطرحك.”

تمتمت بها في محاولة لمشاكسة صمته، كي تبدد غيوم الضيق عن وجهه، بينما هو يزفر أنفاسه بضيقٍ مكتوم، قبل أن يستسلم لقلبه ويجلس بجوارها على الأريكة. سألها وعيناه تفحصان شحوب وجهها:

— “طمنيني عليكِ.. حاسة بإيه دلوقتي؟”

ردت بابتسامة هادئة تحاول طمأنته:

— “أنا كويسة والحمد لله يا حمزة، ما تقلقش واصل.”

نظر إليها بتشكك، وكأنه يقرأ التعب المخبأ تحت جلدها، ثم سأل بنبرة جافة عن ليلى التي لمحها تغادر:

— “وهي ليلى راحت فين واخدة الواد وماشية بيه بعبايتها السودة اللي لابساها؟”

أجابته مزيونة بهدوء:

— “رايحة تطل على أبوها، بعد ما أنت قطعت رجله من هنا، بقت من أقل مكالمة تجري عليه، عشان ما يستغلش وييجي.”

ظهر الارتياح على تقاسيم وجهه، وهز رأسه قائلاً:

— “كده أحسن برضه.. أهي تطمن إنه عايش، قبل ما تحزن على موته إن عملها وعتب على هنا، أنا سبحان من صبرني المرة اللي فاتت.”

كان رد مزيونة هو ابتسامة خالصة داعبت فؤاده لتأسره هو للنظر إليها، إلا أنه سرعان ما عاد لمحاصرته لها بالأسئلة، وصوته يمتلئ بالخوف الحقيقي:

— “طب سيبك من ليلى دلوقتي، قولي لي الحقيقة.. العيل المشقلب في بطنك ده عامل إيه؟ قرب نزوله على الدنيا ولا بيستهبل ويطلع لطخ زي عمه ومرات عمه؟ رحتي للدكتورة في ميعادك ولا أهملتي كالعادة؟”

لا تدري كيف تلاحق فراسته أو خفة ظله ولكنها مجبرة على الرد، فحاولت الهروب من استجوابه الذي لا ينتهي، لتغير مجرى الحديث بمشاكسة غيورة:

— “قلتلك زينة يا راجل! المهم قولي أنت.. ريان أخبار مدرسته إيه؟ إياك تكون رحت تاني وشفت ‘البت المايصة’ اللي اسمها تولين دي؟”

انفرجت أسارير حمزة، وارتسمت على ثغره ابتسامة مرحة وهو يرى غيرة زوجته التي لم يطفئها تعب الحمل. جذبها إليه ليضمها في حنان، وهو يهمس بجوار أذنها:

— “وه كيف ده يحصل يعني! ده أنا مؤدب وعمري ما أكسر لمراتي كلمة واصل.. المهم مراتي تحن عليا وتكسر الشر، وترجع بقى لبيتها وسريرها جنبي، عشان أقدر أغمض عيني وأنا مطمن عليها بدل الشتات اللي إحنا فيه ده.”

عاد شعور الذنب ينهشها من الداخل، فامتدت يدها المرتجفة لتتحسس كف حمزة الخشنة، وكأنها تستمد منه القوة لتبوح بما يتعبها:

— “والله يا حمزة على عيني الشتات اللي إحنا فيه ده.. أنا نفسي تعبت، ونفسي الأرض تنشق وتبلع ‘عِندهم’ ده عشان نرتاح كلنا بقى.”

زفر حمزة زفرة حارة، وكأن نيران الغضب المكتوم قد وجدت طريقها للخروج أخيراً، فاعتدل في جلسته وهو يضرب بيده على طرف الأريكة الخشبية، وصوته يرتفع بلهجة وعيد “صعيدية” أصيلة:

— “أنا خلاص فاض بيا يا مزيونة! والله طالعة في دماغي أمسك معاذ ده أديله علقة مليحة تليق بمقامه، وأربطه وأسحب ليلى وراه من يدها، وآخدهم هما الاتنين أحبسهم في شقتهم وأقفل عليهم بالترباس.. بس طبعاً لازم أخلي ‘مؤيد’ معايا بره الشقة، عشان لو ‘دعكوا’ بعض جوه ولا حاجة ألحقهم قبل ما يخلصوا على بعض! والواد يفضل معانا في أمان.”

انفجرت مزيونة في ضحكٍ عالٍ، ضحكة خرجت من قلبها المنهك؛ فخفة دم حمزة، حتى وهو في قمة ضيقه، كانت دائماً مفتاح صبرها. لكن الضحك كان ثقيلاً على صدرها المُتعب، فبدأت “تنهج” بجهد، وتلاحقت أنفاسها بصورة أثارت فزع حمزة في ثانية واحدة.

ارتبك حمزة، ومال عليها يسند ظهرها وهو يهتف برعب:

— “مزيونة! اهدي يا حبيبتي.. ملوش لزمة الضحك ده كله وأنتِ تعبانة، أنفاسك يا مزيونة!”

حاولت أن تطمئنه وهي تضع يدها على صدرها، ملامحها بدأت تهدأ تدريجياً:

— “ما تقلقش يا حمزة.. واصل، ده شيء عادي بيحصل معايا اليومين دول مع الحركة، أنا زينة والله.”

لكن حمزة لم يطمئن؛ فظل يراقب صعود وهبوط صدرها بعيونٍ قلقة، وقلبٍ يرفض تصديق كلماتها، وهو يشعر أن الوقت قد حان لضرورة إنهاء هذا الخلاف بين العنيدين الغبيين في أقرب وقت.

…………………….

في بيت والدها “عرفان”، كانت ليلى تراقب يديه وهما تعبثان بوجنتي صغيرها “مؤيد”، يقبله بحبٍ ظاهر، لكنه لم يلبث أن دسَّ كلماته الخبيثة وسط مداعبته للطفل، معلقاً بتهكم على إقامتها في المنزل الطيني القديم مع والدتها:

— “يا كبدي يا واد يا مؤيد.. أكيد مش متحمل السكن في البيوت القديمة والحيطان اللي بتاكل في العمر، كان مالك ومال المرار ده بس؟”

التفت إلى ليلى بابتسامة صفراء، وسألها بخبث:

— “ها يا بنيتي، طمنيني.. جوزك لسه مسألش فيكي من ساعة ما سيبتي البيت؟ ولا حد من إخواته فكر يطوع ويصلح بينكم؟ ولا حتى اللي عامل نفسه عمك “حمزة” ده اتحرك؟”

حاولت ليلى تبرير الموقف بصوتٍ خفيض:

— “أنا اللي رافضة أي تدخل يا با.. أنا اللي قافلة الباب، إن كان مبيقصروش سؤال ولا مراعية و….”

لم يمهلها عرفان لتكمل، بل مال عليها ينصحها بمكرٍ شديد:

— “يا بنتي اسمعي مني، تعالي عيشي عندي هنا.. على الأقل أقدرك وأقدر زعلِك، وساعتها أنا اللي هعرف أجيب حقك منهم كلهم، وترجعي ليهم وأنتي رافعة راسك فوق الكل، مش مكسورة في بيت قديم.”

كانت ليلى تضيق ذرعاً بكلماته التي توخزها كالإبر، وما إن دلفت “صفاء” زوجة أبيها بصينية الحلويات والعصير، حتى شعرت ليلى بفسحة من الأمان. كانت صفاء “تحدج” زوجها بنظرة غضب، وكأنها تدرك السم الذي يبخه في أذن ابنته، فالتفتت إلى ليلى وهي تضع طبق الحلويات أمامها:

— “كلي يا ليلى وحلي خشمك.. ونصيحة مني يا بنتي، بلاش تكبري البعد أكتر من كده مع جوزك، الدنيا كلها مفيهاش راجل أصيل زي معاذ، ولا ناس طيبين زي أهله.”

تبادل عرفان معها نظرة حادة، وكأنه يود لو يخرس لسانها الذي يفسد عليه خططه، فزجرها بحدة:

— “محدش طلب مشورتك، يعني ماتدخليش في اللي ملكيش فيه، خليكي في حالك.”

لم ترهبها نظراته، وكادت أن ترد، لولا صوت رنين هاتفه المفاجئ الذي قطع حبل المشاحنة.

انتفض عرفان وهو يجيب، وتحولت ملامحه فجأة إلى تركيزٍ مريب، وسأل الطرف الآخر بلهفة وصدمة:

— “أنت متأكد من كلامك ده يا واد؟ يعني شفته بعينك؟!”

………………..

في المنزل الكبير

جالساً هو وسط عائلته، لكن عقله يسكن في مكانٍ آخر تماماً، المكان الذي غادره منذ لحظات ومن وقتها لم يتوقف عن التفكير بها، لدرجة لم تجعله ينتبه على الإطلاق لهذا الحديث الدائر من “حسنية” التي كانت مستغرقة في سرد جميع الأخبار الجديدة حول إحدى حفيداتها التي تقدم لخطبتها شاب قريب لها من العائلة، وهي لم تتجاوز المرحلة الإعدادية بعد؛ والدها يرحب بالأمر، بينما تعيش والدتها حالة من التوجس والخوف.

عقّب “خليفة”، الابن الأوسط، مؤيداً وجهة نظر شقيقته:

— “والله يا أمة بنتك معاها حق، وجوزها هو اللي متسرع وعايز يخلص وخلاص.”

تدخلت “اعتماد” زوجة خليفة تؤيد الرأي بحماس:

— “البنت لازم تكمل تعليمها يا عمتي، على الأقل تاخد الثانوي، ولو العريس رايدها بجد يستنى عليها، واوعي تصدقي أنه عايز يحجزها بس زي ما بيقول، كلها سنة بالكتير وهيطالب بكتب كتابها عليها على الأقل، والبت صغيرة يمكن تلاقي نصيب غيره.”

احتارت “حسنية” في الأمر، فالتفتت نحو ابنها الأكبر وعمود خيمتها “حمزة”، تسأله عن رأيه الفصل، لكنه لم يكن معهم في حرفٍ واحد مما قيل، فاجأهم جميعاً وهو يوجه حديثه لزوجة شقيقه “اعتماد” بسؤالٍ غريب:

— “يا اعتماد.. هي مِزيونة متبقي على ولادتها تلات أسابيع على الأقل.. تفتكري ممكن تولد دلوقت؟”

وقبل أن تستوعب اعتماد السؤال لترد، سبقتها “حسنية” بنظرة خبيثة:

— “وماله يا ضنايا؟ ممكن جداً لو ربنا مسهل، الولادة ملهاش ميعاد محكوم، ليه يا ولدي هي فيها وجع ولا حاجة؟”

— “وهي لو فيها الوجع أنا كنت سبتها أصلاً يا أمة؟”

تفوه بها حمزة بقلق ظهرت معالمه على وجهه المخطوف، مما أثار اهتمامهم جميعاً، فسألوه عن سر هذا التوتر المفاجئ لكنه نفى كل مخاوفهم، حتى انفجر فيهم بعصبية مكتومة، محاولاً الهروب من نظراتهم، بسؤاله عن شقيقه العنيد الأصغر:

— “أخوك معاذ فين؟ بقالي ساعتين مستنيه ومش باين له أثر! يا خليفة.”

أجابه الأخير بهدوء:

— “من ساعة ما خرج بالحصان وهو لسه مرجعش، أنت عايزه في حاجة ضروري؟”

زفر حمزة زفرة حارة ولم يجبه، إلا أنه انتفض من مكانه بعدما ضاقت الدنيا في وجهه، وألقى بأمره الحازم وهو يهمّ بالمغادرة:

— “أنا ماشي.. والفاسد ده أول ما يرجع، تبلغوه يجيلي على البيت فوراً، فاهمين؟”

وفي رأسه قد نوى على الفصل في هذا الأمر ولو بإجبار الاثنين على العودة بالفعل وليس مزاحاً، لن يتحمل ليلة أخرى في الابتعاد عن زوجته.

……………………….

عادت ليلى إلى منزل والدتها، والسكينة تلف المكان على غير العادة، فقد كانت “مزيونة” غافية في سباتٍ عميق، وهو أمرٌ أثار بداخلها تعجباً ممزوجاً بالقلق؛ فوالدتها ليست ممن يفرطون في اليقظة بانتظار عودة ابنتها.

اقتربت ليلى من الفراش، وهزت كتف والدتها برفق وهي تسألها بدهشة:

— “يا أمّه.. إيه اللي منيمك دلوقت؟ ده لسه بدري قوي، ولا حتى استنيتي لما أرجع وأطمنك عملت إيه عند أبويا؟”

فتحت مزيونة عينيها بكسل، وكأن جفونها أثقلها تعب الأيام، وتمتمت بنبرة يملؤها النزق:

— “يووه يا ليلى! صحيتيني ليه بس؟ أنا لقيت البيت مِهَسّك من غيرك أنتي ومؤيد، وسلطان النوم غلبني.. لا بصيت في ساعة ولا زفت، روحي يلا خليني أكمل نومي.”

نهضت ليلى بطفلها تستجيب لرغبة أمها، وتركتها رغم الحيرة التي كانت تكتنفها. خرجت من الغرفة غافلة عن والدتها التي ما إن توارى طيف ابنتها حتى اعتدلت بجذعها، شاعرةً ببعض الألم الذي يأتي ويذهب بصورة مختلفة نسبياً عن المعتاد. وأيضاً لم تكن الأوجاع قد وصلت بعد إلى درجة “طِلق الولادة”، كما أن موعدها لم يحن أصلاً، الأمر الذي جعلها تكتم ألمها وتلوذ بالصمت حتى لا تثير فزع ابنتها، واضعةً في حسبانها أنها إن شعرت بتطور الأمر، فسوف تناديها على الفور.

…………………………..

في داخل غرفتها تنهدت بيأس بعدما سطحت صغيرها على الفراش، لتستسلم بعد ذلك لدوامة الوحدة التي باتت تنهش جدران غرفتها الصامتة، فشتان ما بين هذا السكون الموحش وبين “الصخب” الذي كان يملأ حياتها في منزل العائلة الكبير.

اشتاقت لكل تفصيلة هناك؛ والدة زوجها الحاجة حسنية ولطفها الدائم في تطييب خاطرها والحنو عليها، عمها حمزة الذي هو بمثابة أبيها رغم صغر سنه، تراه الآن صدفة عابرة بملامح مختلفة تماماً عن طبيعته المرحة.

عمها خليفة وزوجته الطيبة اعتماد.

“معاذ”.. الذي كان يسكن كل تفاصيل يومها، يشاركها اللقمة والكلمة والضحكة، معاناة الدراسة والاستذكار لها، تعب الحمل والولادة وحمل الطفل وإرضاعه…. اللعنة… حتى في غيابه كان حضوره يملأ الفراغ، تذكرت فجأة لحظة الانكسار التي شعرت بها منه، بعد ذلك الشجار الكبير الذي حدث بينهما، وجه تلك الملعونة التي كانت رئيسته في العمل وما حدث بسببها…….

توقفت ترفض المضي في تذكر ما مرت به بعد ذلك، فالحاضر مرٌّ بما يكفي.

في تلك اللحظة من الانكسار الوجداني، شق سكون الليل صوت “خروشة” مألوفة عند النافذة خلفها، صوتٌ نبش في ذاكرتها حنيناً قديماً، فانتفضت تفتح الشباك بلهفة، لتجد الحصان “عزوز” واقفاً بشموخه المعهود، يمد رقبته نحوها قبل أن يلقي من فمه بـ “قطعة الشوكولاتة”؛ تلك الهدية التي كانت لغة السر المتبادلة بينها وبين حبيبها.

تطلعت ليلى إلى قطعة الشوكولاتة الملقاة، ثم إلى سواد الليل حيث يختبئ معاذ خلف ظلال حصانه، لتميل نحوه وتقبله فتقول بصوتٍ مخنوق بالوجع والفرح الغامر:

— “وحشتني يا عزوز.”

لم تخفِ اشتياقها إليه بوضع العديد من القبلات، وهي تعلم أنه يراها من جهة ما، حتى تراجع عزوز من نفسه تاركاً إياها بعد سماع الصافرة المعروفة، كنداء في تلك اللحظة استبد بها الغيظ فاتخذت قراراً سريعاً، لن تختبئ.

خرجت إليه على الفور، تجر خلفها ذيول عتبها وجرحها، لكنها كانت محملة أيضاً بفرحة طفولية خفية فجرتها هذه الشوكولاتة في أعماقها. بحثت عنه بعينيها حتى وجدته، يفترش الأرض غير عابئ بالظلام من حوله فاقتربت منه، ترسم على وجهها “تكشيرة” متقنة، استنكاراً زائفاً، ووقفت أمامه في منتصف المسافة “التي ليست بالبعيدة ولا بالقصيرة”.

رفعت يدها التي تقبض على الشوكولاتة، وعيناها اللتان تحاولان الحفاظ على جمودهما تلمعان ببريق فضحهما نبض قلبها المتسارع الذي يكاد يسمعه هو.

سألته بنبرة حادة، مصطنعة الجفاء:

— “ممكن أفهم إيه ده؟”

اعتدل هو في جلسته على الأرض يطالعها ببرود يناقض السعادة التي تجتاحه من الداخل، بعد أن استجابت لخدعته! ونجحت خطته الطفولية في إجبارها على “الخروج حتى وصلت إليه في تلك البقعة الصغيرة بجوار المجرى المائي”. فرحته كانت عارمة، لكنها فرحة داخلية، صامتة، حبسها خلف قناع من عدم الفهم البارع.

لينظر إلى قطعة الشوكولاتة في يدها، ثم يتوجه إليها بنظرة “بريئة” تماماً، متصنعاً الاستغراب بمهارة فائقة، وقال بنبرة باردة:

— “نعم يا مدام؟ في حاجة؟!”

تخصرت أمامه بيدها الحرة بعد أن استفزها باستنكاره قائلة:

— “نعم الله عليك يا أستاذ، والله واضح قوي اللي أنا ماسكاه، وأنت عارف زين قصدي، باعت عزوز يخبط على الشباك بعبوة الشوكولاتة، حد قالك إني محتاجة لدلع زمان، ولا لساني هايفة زي زمان؟”

— “على أساس إنك عقلتي أصلاً!”

غمغم بها داخله حانقاً من كبريائها المستفز، وهو الذي اشتاقها واشتاق الحديث معها، ولكنه لن يكون أقل استفزازاً منها، ليدحض سرديتها، يمط شفتيه بنكران:

— “بس أنا بصراحة مادتوش حاجة ولا زقيته يعمل كده، بس يمكن هو أخدها من ريان وبحكم غبائه القديم تلاقيه راح ع الشباك وعمل كده من نفسه، يعني أنا مليش ذنب.”

تحول الموقف من “مبارزة باردة” إلى اشتعال مفاجئ بعد إنكاره الاحمق للمبادرة الرقيقة التي قام بها، ليكتنفها شعور بالندم قائلة في تراجع:

— “يعني الحصان الغبي هو اللي سرقها من معاذ وجابها من نفسه؟ على العموم.. تمام!”

لم تكد تنهي جملتها لتستدير بجسدها وتغادر، تجر خلفها خيبتها وكبرياءها، حتى شعرت بظله يطبق على الأرض أمامها. في لمح البصر، كان معاذ قد انتفض من جلسته ليتصدر طريقها كجدار صلب لا يلين.

حبس أنفاسها حين اقترب لدرجة جعلت عينيها لا تجد مهرباً من السقوط في عينيه. كان صوته هذه المرة مختلفاً، مبحوحاً بألم حقيقي، بعيداً عن تمثيل البرود:

— “كفاية كدة يا ليلى.. مشبعتيش بُعد؟ مشبعتيش تعذيب فيا وفي روحك؟ قوليلي أعمل إيه تاني عشان أكفر عن ذنبي وتصالحيني؟”

لم تنتظر رداً منه، بل رأته يلتفت فجأة نحو المجرى المائي باندفاع متهور، وهو يضيف بمرارة:

— “أرمي نفسي في المية دي عشان ترتاحي؟ أهو يمكن المية الباردة تطفي النار اللي قايدة في قلبي بسببك!”

تحركت قدماه بالفعل نحو الحافة، وفي تلك اللحظة سقطت كل حصون ليلى. شهقت بذعر، واندفعت نحوه بقوة لم تعهدها في نفسها، وقبضت على كفه تجذب ذراعه بكل ثقلها لتمنعه من التقدم خطوة أخرى:

— “إنت مجنون يا معاذ؟!”

صرخت بها وقلبها يقرع طبول الحرب في صدرها، كانت أنفاسها متلاحقة وعيناها تفيضان بالخوف عليه قبل الغضب منه. لم يسحب يده، بل استغل سكونها المفاجئ وقبضتها المتشبثة به، ليميل برأسه نحوها وهمس بصوت يرتجف من فرط الصدق:

— “أيوة مجنون.. ومجنون بيكي يا ليلى. المجنون هو اللي شاف الدنيا بتضلم في عينه لمجرد إنك قفلتي شباكك في وشي.. المجنون هو اللي مبيعرفش ينام غير لما يلمح خيالك كل ليلة وأنا قاعد هنا زي اليتيم مستني تطلّي ولو بالصدفة.”

تراخت قبضة يدها على ذراعه، لكنها لم تتركه. تحولت النظرة الحادة إلى انكسار ناعم، بينما استمر هو في محاصرته الرقيقة لقلبها:

— “الشوكولاتة دي كانت لغتنا.. وعزوز كان شاهدنا.. والوجع اللي فات كان درس قاسي قوي، بس والله العظيم ما في في قلبي غيرك.. ولا عمري قصدت أي كلمة عفشة تزعلك، قولي أي حاجة، عاتبيني، اضربيني، بس متمشيش وتسيبيني للوحشة والوحدة تاني.”

في تلك اللحظة، وسط سكون الليل وصوت أنفاسهما المختلطة، بدا أن المسافة التي “ليست بالبعيدة ولا بالقصيرة” قد تلاشت تماماً، ولم يعد بينهما سوى نبض مشترك وحقيقة واحدة: أن العناد قد هُزم أمام جبروت الحب.

وفي ناحية قريبة، كان هناك من شهد طرفاً من هذا الموقف الرومانسي؛ فأصدر بفمه صوت “مصمصة” بغيظ يكتسحه، فكم ودّ لو ينزل عليهما بعصاه حتى يشفي غليله تعويضاً عن ليالي العذاب التي قضاها بسببهما! ولكن ما الفائدة؟ عليه الآن أن يطمئن على زوجته التي لم يتركها إلا لتنام على فراشها بجواره.

تقدم يخطو نحو المنزل الذي كان مفتوحاً من الأساس، وما هي إلا لحظات حتى خرج راكضاً يصدح صوته منادياً الاثنين بعصبية:

— “إنت يا زفت يا معاذ! بت يا ليلى! تعالوا هنا بسرعة!!”


تكملة الرواية من هناااااااا 

لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كامله من هناااااااااا

مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا

مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا


تعليقات

التنقل السريع