رواية عذرا لقد نفذ رصيدكم( شارع خطاب)الجزء الثاني ( حين تنفس القلب ) الفصل الثانى عشر والثالث عشر بقلم فاطمة طه سلطان ( جديده وحصريه فى مدونة قصر الروايات)
رواية عذرا لقد نفذ رصيدكم( شارع خطاب)الجزء الثاني ( حين تنفس القلب ) الفصل الثانى عشر والثالث عشر بقلم فاطمة طه سلطان ( جديده وحصريه فى مدونة قصر الروايات)
الفصل الثاني عشر والثالث عشر من #حين_تنفس_القلب
#شارع_خطاب_الجزء_الثاني
الجزء الأول كان بعنوان
"عذرا لقد نفذ رصيدكم"
بقلم #fatma_taha_sultan
____________
اذكروا الله.
دعواتكم لأهلكم في فلسطين والسودان وسوريا ولبنان وجميع البلاد العربية.
____________
" أخترتُ أن أُحصي أفعالك لأُضمّد بها جراحي المثخنة، فوجدتُ أن لك القدرة في تطبيب علّةٍ لست المتسبّب بها ، أعتقد أنّ هذا تأويل محبتي لك "
#مقتبسة
ربما
في حياة أخرى
سنكون معاً
سنحب بعضنا كما ينبغي
سنفعل كل الاشياء التي تمنينا ان نفعلها معاً
ربما
ولكن الان
انت غريب وانا بعيد
#مقتبسة
أتحدث عن الحب بحذرٍ مريب، ليس لأنني لا
أؤمن به بل لأنني أعرف كيف يُفلس القلب
حين يثق سريعًا.
#مقتبسة
أنْ يُحاوِلَ أحدُهُمْ مِنْ أجلِكَ حتَّى بِكَلِمَةٍ،
أنْ تكونَ المُحاوَلَةُ عَنْ حُبٍّ وانتماءٍ،
يُطَمْئِنَ مخاوِفَكَ في المُضِيِّ وحْدَكَ،
يَنْتَبِهَ لِصَوْتِ قَلْبِكَ قَبْلَ أنْ يَحْزَنَ،
ويُراعيَ هَشاشَةَ خاطِرِكَ،
هذهِ أسْمَى طُرُقِ المَحَبَّةِ وأكْثَرُها بَهاءً وسِحْرًا...
#مقتبسة
__________
عاد دياب إلى المنزل بقلبٍ يسبق خطواته، متحمسًا، متلهفًا، وكأنه يركض ليصلح ما فسد أو ليطمئن نفسه قبل أي شيء.......
لم يتصل بها؛ لم يكن تجاهلًا بقدر ما كان انشغالًا قهريًا، أزمة سحبت منه الوقت والانتباه، وحين انتهت، عاد مسرعًا، معتقدًا أن كل شيء سينتظره كما تركه لكن وجد ما لم يتوقعه...
هو ذهابها إلى منزل والدها، ليس فقط لأنها أرادت لكن بسبب والدة ليلى...
أخبرته حور بما حدث باختصار، كلمات قليلة لكنها كانت كفيلة بأن تُشعل رأسه، ثم جاءت والدته، لم تنتظر، لم تمهّد، لم تُجمّل، أخذت توبخه في وجود حور ولحسن الحظ رحلت إيناس قبل قليل مع أطفالها، حتى لا يشهد الجميع على توبيخها له....
تمتمت حُسنية بانفعال حقيقي:
-قولي ناقصك إيه علشان تعمل كده؟ مش ريناد دي اللي كنت هتموت وتتجوزها ومحدش كان موافق على جوازتكم علشان الفرق اللي ما بينكم في كل حاجة؟ وقولت أن مفيش حاجة هتمنعك عنها؟!..
ابتلعت ريقها، لكن صوتها خرج أقسى، محمّلًا بخيبة واضحة:
-واديك اتجوزتها، وربنا كرمك كتير في حياتك، وبقى في بينكم بنت، إيه اللي رجعك تتكلم مع ليلى تاني؟ ناقصك إيه علشان تعمل كده؟..
احتقن وجه دياب بالدماء الحقيقة أن مواجهة والدته له لا تقل عن مواجهة حبيبته وزوجته ريناد بل من الممكن أن تكون أصعب وأثقل...
حتى أنه لم يجد رد أو مُبرر...
غير أنه غاضب أساسًا مما حدث.....
هنا حاولت حور أن تدخل حينما شعرت بانكسار شقيقها أمامهما:
-خلاص يا ماما هدي نفسك، وبعدين هما اللي خرابين بيوت يعني، متقعديش تلومي فيه...
قاطعتها حُسنية بصرامة لا تقبل نقاشًا:
-اخرسي أنتِ متدخليش، وحتى لو هما خاربين بيوت هو مش صغير، ومينفعش يفتح ليهم بابا يخربوا بيته، ولا يحرج مراته ويقل منها؛ بعد ما اتنازلت عن حاجات كتير علشانه واقنعت اهلها بيه، ومش بعد ما اتحملوا حاجات كتير علشان يكونوا مع بعض يعمل غلطة زي دي....
ثم تابعت حديثها وهي تنظر له بقسوة:
-الراجل الصح هو اللي ميقلش من نفسه، ولا يقل من مراته ولا يسمح أن تحصل حاجة زي دي، وتيجي واحدة ملهاش لازمة تسمعنا كلام في بيتنا، عيب أوي تكون قليل الأصل يا ابني مع اللي حبتك ووافقت بظروفك ووقفت جنبك...
لم يكن له وجه أو عين حتى للدفاع عن نفسه...
رُبما لأن والدته لم تترك له مجال..
وفي الوقت ذاته هو يفكر في ريناد والهاتف بين يديه يحاول الاتصال بها لكنه لا يحصل على إجابة...
ردت حور على حديث والدتها بندم وغضب:
-والله العظيم لولا أن ليان كانت هنا، أنا كنت مسحت بيها بلاط البيت وكنت فرجت عليها الشارع.....
خرجت من بين شفاه دياب رغمًا عنه:
-ريناد مبتردش..
خرجت ضحكة ساخرة من حُسنية وهي ترد عليه:
-وأنتَ مستنيها ترد عليك ولا تعبرك؟....
خفض رأسه، وكأن الكلمات صفعة أخيرة:
-خلاص يا ماما..
ثم أخذ ميدالية مفاتيحه، وغادر...
حاولت حور أن توقفه لكنها فشلت مما جعلها تعاتب والدتها، فهي تدرك بأن شقيقها قد ارتكب خطأ كبير ولكنه في الوقت ذاته شقيقته وتمتلك شخصية عاطفية تجعلها تشعر بالتعاطف معه نوعًا ما:
-خلاص يا ماما مش كده متحرجيهوش، ده مش عارف يرد عليكي حتى، خلاص اللي حصل حصل، وريناد قالت أنه كان بيرد عليها عادي يعني معملش جريمة، اه غلط بس مش هنعلق له حبل المشنقة، وأنتِ عماله تحرجيه اهو طفش..
ردت عليها حُسنية بجدية فهي تعرف ابنها جيدًا:
-لازم يعرف غلطه علشان ميتكررش تاني ولا حتى يفكر يهد بيته لأي سبب بعد كده، ومتخافيش هو مطفش ولا حاجة هو أكيد رايح لريناد
صمتت حور هنا..
اقتنعت بما تخبرها والدتها به....
____________
بعد رؤيته…
اختلفت المعادلة تمامًا......
لم يكن حضورًا عابرًا، ولا وجهًا مألوفًا يظهر فجأة…
كان ارتطامًا مباشرًا في صدرها، كأن الهواء انقطع للحظة ثم عاد بثقل........
صدقًا، لا تتذكر أنها نطقت بحرف واحد حين أتى واقترب منها.....
لسانها انعقد، وصوتها اختفى، وكل ما شعرت به هو تسارع قلبها بطريقة أزعجتها، رُبما هو لأول مرة يتنفس........
نهضت دون وعي، كأن الجسد قرر الهروب قبل أن يستوعب العقل ما يحدث واتبعتها صديقتها....
دخلتا المرحاض، حاولت "وفاء" إصلاح أي شيء في الفستان بمساعدة الفتيات المتواجدات هناك، لكن البقعة أبت أن تختفي…....
بل ازداد الأمر سوءًا، مبتلّة، أكثر وضوحًا، وكأنها تصر على فضح ارتباكها وضيقها...
نصحتها أحد الفتيات الذهاب إلى داخل الفندق وأنهم قد يجدون حلًا هناك لكن وفاء وجدت بأن هذا الحل سيأخذ وقتًا كثيرًا خلاله قد تكون عادت إلى المنزل من الأساس....
لذلك ذهبت مرة أخرى إلى القاعة حتى تأخذ معطفها، فكانت تركته على المقعد التي كان بجوارها بينما صديقتها ذهبت إلى حيث تقف العروس...
أقتربت وفاء من الطاولة وياليتها لم تفعل..
كان يجلس مكانها....
بكل هدوء...
بكل سلام نفسي...
كأن الفوضى التي أحدثها داخلها لا تخصه.....
لكنها لا تعلم بأنها قد أحدثت الكثير بداخله منذ مدة....
هي حقًا لا تعلم ما العبث الذي يحدث!
نهض "حمزة المغربي" حينما جاءت تسحب معطفها وغمغم:
-أحنا اسفين بجد، يعني نوح طفل شقي والأطفال مكانهم مش الافراح.
كان صادقًا فيما يقوله وصريحًا فاندفعت ترد بسخرية تخفي توترها:
-طب وحضرتك جايب ابنك معاك ليه مدام مكانه مش الأفراح؟..
لم تكن تعلم لماذا افترضت أنه طفله؟!!
ربما لأن عقلها تشبّث بأي تفسير يضعه في خانة مغلقة بالنسبة لها، وربما لأنها تذكرت الصور التي أرسلتها لها حور وتلك المرأة التي ظنتها زوجته كانت السبب أيضًا......
وربما الأصدق لأنها أرادت أن تعرف....
استنكر حديثها وهو يبتسم ابتسامة خفيفة، بينما كانت ترتدي معطفها الأبيض الطويل حتى يخفي تلك البقعة والجزء المبتل من فستانها حتى تشعر بالراحة:
-لا مش ابني طبعًا؛ هو أنا هخلف الأشكال دي؟.
سألته بعدم فهم حقيقي وفضول لن تنكر:
-اومال مين وحضرتك جاي تتأسف عنه ليه؟.
قال بنبرة أخفض:
-ابن اخويا.
ثم أضاف بهدوء:
-أسف مرة تانية يا دكتورة.
تنهدت وفاء، فكان الصوت وطريقة نطقه للقبها، كفيلين بإرباكها أكثر مما تريد فقالت محاولة إنهاء الأمر:
-حصل خير، عن إذنك...
ثم ابتعدت.....
بينما هو ظل يتبعها بنظراته....
لم يعجبه أن ينتهي الحديث بهذه الطريقة وبتلك السرعة مما جعله ينهض وسار خلفها....
خرجت وفاء باتجاه موقف السيارات، تشعر بخطواته خلفها قبل أن تراه.....
التفتت فجأة، وكادت تصطدم به لولا أنها تداركت الأمر وقالت بانزعاج واضح:
-هو حضرتك ماشي ورايا ليه؟.
قال بهدوء يحمل إصرارًا غير معلن:
-يعني حسيت انك لسه زعلانة...
تنهدت، تحاول السيطرة على نفسها وارتباكها وأن تظل لبقة للنهاية:
- مش زعلانة واللي حصل طبيعي وأنا عايشة في البيت مع أطفال وعارفة كويس اللي بيحصل ده.
أخذ يفكر لثواني هل أطفالها هي؟...
لكن بالتأكيد وقتها سوف تصفهما بوصفهما الصحيح ليس مجرد أطفال تعيش معهما...
أردف حمزة بنبرة جادة:
-أنا حتى كنت لسه هجيب نور اخوه عندك علشان ضروسه..
سألته باستغراب:
-هو اسمه نور؟.
ابتسم وهو يخبرها:
-لا اللي شوفتيه ده نوح، نور ده الكبير والعاقل شوية..
تمتمت وفاء بنبرة عملية كأنها تحتمي بها:
-والله هو ده مش مكان العيادة....
قاطعها حمزة ولم يهتم بطريقتها المستنكرة وقال:
-هتروحي ازاي تحبي أوصلك؟..
كادت تضحك من المفاجأة....
العرض بدا غير منطقي، غير مناسب، وغير مقبول…
وتخيلت للحظة دخولها البيت برفقة رجل غريب...
ماذا سيفعل المعلم زهران وقتها؟!!
التخيل نفسه رهيب...
قالت وفاء بنبرة حازمة:
-مروحة بعربيتي، وحتى لو معيش عربية أكيد مش حضرتك اللي هتوصلني..
لاحظ انزعاجها، فحاول تدارك الموقف رُبما خطرت على بالها العديد من الأفكار التي لم يقصدها، فغمغم وهو يحاول أن يكن الحديث معها طويلًا بأي شكل:
-أنا مش قصدي حاجة أنا بس......
قاطعته وفاء بنفاذ صبر:
-مفيش حاجة، عموما أنا مش زعلانة لو على نور..
صحصح لها بابتسامة:
-قصدك نوح..
-نوح أو نور الاتنين واحد، مش زعلانة ده موقف عادي، وعن إذنك...
قال بصوتٍ عالي نسبيًا وهو يراقبها تتوجه نحو سيارتها:
-فرصة سعيدة إني شوفتك....
لم تلتفت....
لكنها تعلم جيدًا…
أنها كانت فرصة سعيدة فعلًا......
رغم التوتر…
رغم الغضب…
رغم كل محاولات الإنكار.....
كان حضوره كافيًا ليقلب توازنها…
دون أن يلمسها، ودون أن يقول ما يجب قوله، فقط كل ما خرج منه كلمات عبثية غير مرتبة.....
لكنها كانت كافية....
أخذ يفكر كيف يجتمع بها مرة أخري؟!....
_____________
بعد تفكيرٍ طويل…
ورغبةٍ حقيقية في الذهاب وتحطيم ذلك البيت فوق رأس تلك المرأة....
تراجع في اللحظة الأخيرة، فلم يكن دياب من الرجال الذين يقتحمون بيوتًا تسكنها نساء وحدهن، حتى وإن كانت إحداهن أفعى بكل ما تحمله الكلمة من معنى......
ثم إن تلك الأفعى لم تكن يومًا مأمونة الجانب، فهو يعرف جيدًا أنها قادرة على قلب الطاولة، وإلقاء تُهمة عليه بلا تردّد، فقط لتنجو هي وتنتصر.....
لذلك كان الحل الامثل أن يتصل بها.....
أخذ يبحث عن رقمها ولحسن الحظ وجده...
رغم أنه غير هاتفه أكثر من مرة لكن مازال يحتفظ بأرقام بداخله تعود إلى سنوات....
تمنى أن تكون هي لم تغير رقمها...
لذلك قام بالاتصال بها...
لم تجب في المرة الأولى فأعاد المحاولة، هذه المرة كان غضبه قد بلغ ذروته وجعله يحتاج أن يُفرغه، حتى ولو بالكلمات، وهو يشق الطريق الطويل نحو بيت والد ريناد.
أخيرًا، جاءه صوتها عاديًا وباردًا:
-الو، مين معايا؟..
تمتم دياب بنبرة جادة:
-أنا دياب يا أم ليلى مكنش العشم متكونيش مسجلة رقمي.
سمع صوتها مترددًا لكنه مستفزًا إلى أبعد حد:
-وأنا هخلي رقمك عندي بتاع إيه؟ كفايا أنه متسجل عند بنتي اللي لعبت بيها، مش خايف يقعد ليك في اخواتك؟....
اشتعل غضبه فورًا، وضغط على المقود بقوة:
-بقولك إيه ولية أنتِ من ساعة ما دخلت بيتكن زمان وأنا مفيش عمار بيني وبينك وكنت بقول أنا مالي بيكي المهم اللي هتجوزها بس الحمدلله أن ده محصلش.....
ثم تابع حديثه بانفعال:
-واياكي تجيبي سيرة اخواتي على لسانك، وبعدين عملت أنا لبنتك إيه؟؟ شوفي أنتِ عملتي إيه، لأن اللي كانت بتبعته ده أفكارك أنتِ أنا متأكد، وبعدين جيتي عندنا وعملتي النمرة بتاعتك استفدتي إيه؟.
جاء ردها ببرود مستفز:
-استفدت أنك تعرف أن دخول الحمام مش زي خروجه، وبنتي مش لعبة في ايدك علشان تعشمها بعدين تخلى بيها....
ضحك دياب ضحكة قصيرة ساخرة:
-والله أنا ولا عشمت ولا نيلت، لو في حد عشمها ولعب بيها طول عمرها فده هو أنتِ....
كادت أن ترد عليه لكنه بتر محاولتها وهو يخبرها:
-اسمعيني كويس أنتِ عملتي اللي عندك، وروحتي لفيتي علشان تعرفي مراتي وبعدين عرفتي أهلي، ناقص مين؟؟ هتلفي بميكروفون في المنطقة تقوليلهم إني كنت بكلم بنتك؟؟ لو ده هيريحك اعملي كده ولا فارق معايا....
ثم أردف بصوتٍ حاسم:
-اللي هيضر هي سمعة بنتك مش أنا، اللي عندك اعمليه، وعلى بلاطة، شوفيلك صيدة تانية، أو بمعنى أصح بيعة تانية، أصلك من زمان بدوري على بيعة لبنتك مش جوازة، لأنك مش بيهمك الشخص ولا الراجل نفسه بيهمك فلوسه وبس وده اللي خلاكي تزقي بنتك عليا وتستغلي مشاعرها، والغريبة أن اللي بتعمل كده هي أمها...
أنهى حديثه بنبرة قاطعة:
-سيبي بنتك في حالها واتقي الله، أنا راجل في الأول والآخر ومراتي هترجعلي علشان يكون في علمك والكلمتين اللي قولتيهم قدام امي عادي هتزعل شوية وهتنسى لما تلاقي مراتي في بيتي وحياتي مكملة بنتك هي اللي حياتها هتقف من كتر ما انتِ بتأذيها، سلام واللي عندك اعمليه.......
وأغلق الخط، كانت في تلك اللحظة، أم ليلى تقف في أحد المحال تشتري طلبات البيت، وعادت إلى المنزل بعد هذا الاتصال الذي اغضبها، ألقت الأكياس على الطاولة بعنف، ونادت على ابنتها، ليأتيها صوتها من داخل حجرتها...
سارت بضعة خطوات وتوجهت إلى الحجرة لتجد ابنتها واقفة أمام الخزانة الصغيرة الخاصة بها تحاول إيجاد ملابس مناسبة.....
تمتمت والدتها بعدم فهم وهي تأتي وتجلس على طرف الفراش:
-واقفة قدام الدولاب بتعملي إيه رايحة حتة ولا إيه؟.
ردت عليها ليلى وهي تراقب الملابس التي كانت أغلبها قديمة ومتهالكة، طليقها لم يعطها حتى ملابسها ومازالت هناك قضايا بينهما في المحاكم ولا حتى تستطع الإنفاق عليها:
-بشوف هلبس إيه، قدمت في كذا حاجة علشان اشوف شغل، وحد كلمني من شوية وعندي مقابلة بكرا..
قالت والدتها بتهكم:
-اه شغل، قولتلي بقا، هو ده طموحك يعني تشتغلي بالفين ولا تلات ألاف جنية؟!.
قاطعتها ليلى بانفعال رغم أنها لا تعلم أفعال والدتها كلها:
-ملقتش حد يشغلني بعشرين ألف في الشهر وقولت لا، وبعدين أصلا مش مهم المرتب دلوقتي المهم إني اشتغل، أنا عمري ما اشتغلت ولا عندي خبرة في حاجة ومش أي حد هيقبل يشغلني عنده....
تمتمت أمها بغيظ وهي تخرج من الحجرة:
-هببي اللي أنتِ عايزاه خلاص أنا زهقت منك ومن غبائك...
لم ترد ليلى عليها رغم أن حديثها يوجعها فهي لم تعتد على قسوتها بالرغم من أنها لم تجد غيرها منها.....
بينما كانت أمها بعد مكالمة دياب تشعر بالضيق الشديد ليس من حديثه بقدر من أن جميع خططها معه فشلت، وعلى ما يبدو كان محقًا في حديثه أو بمعنى أصح تهديده.......
فهو لم يعد بوسعها فعل شيء...
لقد جربت حتى الآن كل ما أتى في عقلها لكن فشلت ولم تنجح في شيء......
لكن هل سوف تستلم للأمر الواقع وسوف تلتفت ليلى إلى حياتها ولن تستطع التأثير عليها أم من الممكن أن تظهر خطة جديدة في عقلها؟؟..
____________
بعد طريق طويل..
وصل دياب إلى منزل السيد محمد والد زوجته.......
كان الليل قد أرخى ستاره، والوقت متأخرًا بما يكفي ليجعل الطرقات هادئة على غير عادتها......
يعرفه رجل الأمن، فسمح له بالدخول دون أسئلة كثيرة ثم صعد الخبر إلى الداخل....
فأخبر العاملين بالداخل والسيدة ريناد بإتيانه كونها صاحبة المنزل في غياب والدها.....
نهضت ريناد ببطء من جوار ابنتها النائمة، أزاحت خصلة شعر عن جبين ليان بحنان، ثم وضعت وشاحًا صوفيًا فوق كتفيها كمن يتدثر لا من البرد فقط، بل من هشاشة لحظة تعرف أنها قادمة........
هبطت على السلالم الداخلية في المنزل حتى وصلت إلى الباب الداخلي وفتحت وسارت بضعة خطوات حتى تصل له وكان هو في الجهة الأخرى يسير إليها بعدما ترجل من سيارته.....
حين التقت عيناهما، شعرت ريناد بأن كل الكلمات التي رتبتها داخلها طوال اليوم قد تلاشت فجأة......
وأسطر العتاب الطويلة كأنها تبعثرت في الهواء، ولم يبقَ سوى نظرة طويلة، مثقلة بما لم يُقل.......
اقترب منها ولم ينتظر.....
ضمّها إلى صدره.....
كان عناقًا صامتًا بلا كلمات.....
لم تبادله ولم ترفع ذراعيها، لكنها استكانت.......
تركت جسدها يستسلم لدفء تعرفه جيدًا.....
أغمضت عينيها للحظات.....
كانت تريد أن تبكي، أن تفرغ كل ما بداخلها، وأن تعاتبه
لكنها تماسكت، فليس عليها أن تظهر ضعفها بتلك الطريقة....
ابتعد عنها فحاوط وجهها بكفيه قائلًا بنبرة جادة وصادقة، فكانت كلمات والدته ترن في أذنيه لم تكن جديدة عليه، أو حتى لا يعرفها في أعماقه، لكنها ذكرته بها:
-أنا آسف..
لم تصرخ، لم تبكِ، لكنها ردت بصوتٍ جرحه أكثر من أي غضب:
-أنتَ حططني في موقف وحش ومكان عمري ما تخيلت إني اتحط فيه، حاجة مش شبهي، حتى لو تصرفي كان قوي قدامهم وحتى لو مامتك ردت، لكن ده ميمنعش إني اتأذيت بسببك....
كانت تقصد كل كلمة خرجت منها...
رغم العواصف التي مرت بها في حياتها وحتى رغم العقاب التي تلقته من والدها إلا أنها تألمت وبشدة اليوم حينما تعرضت لموقف هكذا مع أمرأة دون المستوى الأخلاقي بهذا الشكل...
كان ألمًا مختلفًا بحق...
خفض رأسه بخزي وهو يقول:
-حقك عليا، أنتِ معاكي حق....
جلسا جنبًا إلى جنب على أريكة الحديقة......
صمت ثقيل، لكنه ليس فارغًا.....
هواء الليل يمر بين الأشجار، يحمل معه رائحة برد خفيف، وصوت أنفاسهما غير المنتظمة والمضطربة....
قرر دياب أن يقطع هذا الصمت:
-اوعدك أن مفيش اي حاجة هتحصل من دي من تاني، ودي صفحة واتقفلت من حياتنا يا ريناد وحقك عليا في أي حاجة عملتها...
كانت مدينة له باعتذار فهي لن تجمل فعلتها وهي تقول:
-بغض النظر عن اللي عملته واللي لسه بحاول اسامحك فيه، لكن أنا بتأسف إني سافرت من غير إذنك، مكنش ينفع يكون ردي كده..
كانت جادة...
حتى ولو كانت ترغب في تركه أو الطلاق منه..
لم يكن يصح أن تسافر من دون معرفته...
لم يكن هذا حل إلى المشكلة من الأساس...
ولم تأخذ حقها منه بتلك الطريقة.....
لم يكن هناك أي نوع من الاستفادة بفعلتها...
عِنادها في حل الأمور لم يكن له معنى..
كما شفقته ونبشه في بئر الماضي لم يسعد أي شخص بل كان على وشك أن يدمر حياته...
رأمسك كفها قربه من شفتيه وقبله برفق، كأنه يعتذر للمرة الألف، ثم غمغم:
-اللي حصل حصل، كل واحد عرف غلطه وأنا والله ما هعمل أي حاجة تزعلك تاني، ولا هعمل أي حاجة ممكن تبعدك عني من تاني ولا تخلينا نبعد عن بعض...
كانت نظراته صادقة بما يكفي لتُهدئ قلبها قليلًا.................
ثم قال بهدوء، وكأنه يرجو:
-ممكن ترجعي البيت بقا، ترجعي ليا من تاني...
ترك يدها للحظة، وأخرج وأخرج هاتفه من بنطاله وفتح المعرض الخاص بالصور ليأتي بالالبوم المُراد وهو يخبرها:
-من ساعة ما سيبتي البيت وأنا مدخلتهوش تقريبًا غير مرة واحدة أخدت من هناك هدومي، حتى الشقة التانية بقيت اختار الحاجة ونضال يقف وهي بتتعمل، وكنت بروح اطلع شقة طارق واشوفها ومطلعش شقتنا.....
تابع حديثه وهو يمرر الصور أمامها وهو يخبرها أخر التطورات وقد تبقى تفاصيل صغيرة جدًا وتنتهي التشطبيات في منزلهما، الذي كان ملكه وليس إيجار كالسابق في أحدى الأماكن الراقية جدًا والتي كان يدفع أقساطه على مدار سنوات:
- البيت وكل حاجة حلمت بيها من غيرك ملهاش معنى أبدًا ولا ليها لازمة.....
خرجت تنهيدة من صدرها، طويلة، مثقلة ثم ردت عليه بصوتٍ دافئ:
-هرجع...
ترك الهاتف فورًا، كأنه لم يعد مهمًا، وعاد يمسك كفها، وهذه المرة بإحكام خفيف، وابتسامة صغيرة بدأت تتشكل على ملامحه، والأمل دب في صدره لولا أنها قالت:
-ممكن تسبيني فترة صغيرة في اجتماعات كتير الفترة الجاية هحضرها الشغل مع بابا وهكون مشغولة غير
إني محتاجة اتخطى اللي حصل النهاردة؛ اه امبارح كنت حاسة ان كل حاجة اتحسنت ونسيت بس لما صحيت ولقيتها في وشي الوضع اختلف...
كانت تصارحه كما اعتادت معه وتابعت:
-وممكن أنتَ خلال الفترة تخلص اللي ناقص في الشقة ونشوف هنغير أو هنزود حاجة ولا لا وهرجع على الشقة الجديدة وتكون بداية جديدة لينا......
هل مازال هناك وقت جديد سوف ينفصلا فيه؟!
ألم يكفيها البعاد؟!!...
ألم يفترقا بما يكفي؟!...
قرأت أسئلته ورفضه الواضح في عيناه فأخبرته:
-أنا محتاجة لده، واعتبرها أننا بنتجوز من جديد وبنجهز بيتنا...
رفع كفه، ووضعه أسفل وجنتها، وهز رأسه:
-اللي يريحك يا ريناد أنا هقول عليه آمين.
ابتسمت له أخيرًا....
الابتسامة التي يعرفها..
فغابت هذه الإبتسامة عن وجهها بابتعادها عنه من مدة....
سقط الوشاح الموضوع حول أكتافها، فرفعت يدها تلقائيًا تعدّل من وضعه، لكنه سبقها فلامست أصابعها الباردة أصابعه هو..
رفعه دياب بنفسه ووضعه عليها بحذر مرة أخرى وهو يلفه حولها، كأنه يخاف عليها من نسمة هواء.......
تمتمت ريناد بنبرة هادئة:
-يلا قوم امشي علشان تلحق تروح، وسوق على مهلك...
أقترب منها تاركًا قُبلة على رأسها وأردف:
-أشوف ليان بما إني جيت وبعدين همشي..
أردفت ريناد بنبرة عادية:
-بس هي نايمة...
-هبوس رأسها بما إني جيت واشوفها أنا مشوفتهاش من امبارح والصبح اما مشيت كانت هي لسه نايمة...
ثم أقترب منها تاركًا قُبلة على رأسها مرة أخرى ووجنتيها، أبعدته بخفة، ونبرة متصنعة:
-أنا مش ليان...
ضحك، ثم همس لها بنبرة دافئة:
-انتم الاتنين تخصوني وحاجة واحدة.
نهضت من مكانها وأردفت:
-يلا علشان تشوفها وتمشي علشان الكل نايم أصلا، مواعيدك تحفة بصراحة....
-حلو أسلوب الطرد الشيك ده.....
___________
في اليوم التالي.....
مكالمة هاتفية من زهران في الصباح، وهو في عمله، قلبت يوم كريم رأسًا على عقب…
لم يقل فيها الكثير، لكن نبرته وحدها كانت كافية لتزرع القلق، وتترك الأسئلة معلقة بلا إجابة....
ظل كريم طوال اليوم يترقب انتهاء العمل، منتظرًا هذا اللقاء الذي لم يطلبه لكنه أدرك أنه لا يملك رفاهية رفضه...
لذلك ذهب إلى زهران كما طلب منه أن يأتي في الفرع الثاني من الجزارة الذي يتواجد في السوق، لأن هذا الفرع نادرًا ما يذهب له نضال وفي الوقت ذاته لن يراهم والد كريم وكانت تلك الحسبة في عقل زهران فقط لم يخبر كريم عنها...
هو فقط أخبره عن المكان....
جاء كريم بالفعل في الوقت الذي حدده زهران وكان مناسبًا له، أصر زهران عليه أن يشرب الشاي معه من دون أن يتحدث في أي شيء، بل رحب به بطريقة ودودة للغاية لا تشبه طريقته معه....
جلسا متقابلين....
زهران يدخن أرجيلته بهدوء، وكريم يراقب تفاصيل المكان أكثر مما يراقب الرجل أمامه....
تمتم كريم بنبرة عادية وفي الوقت ذاته ليست مرتبكة:
-خير يا عم زهران حضرتك كنت عايزني في إيه؟؟.
صمت زهران لثوانٍ سحب فيها نفسًا طويلًا من أرجيلته ثم غمغم:
-سامية قالتلي على اللي عملته معاها ومع طليقها، طبعا لازم نشكرك هي دي جدعنة ولاد البلد مع الستات والبنات اللي في حتتهم، الحاج عزت عرف يربي...
لم تخبره سامية كل شيء يخص كريم...
لسبب ما هي قصت الأمر له بطريقة نوعًا ما سطحية....
مثلا هي لم تخبره بأنه كان يبدو أنه يعرف حمزة وأنه يعرف أشياء ليس على الجميع معرفتها....
لكنها بالرغم من السطحية التي أخبرته بها لم تكن تدرك بأن عقل زهران قد جمع صورة مسبقة منذ زمن......
فتح كريم فمه ليتكلم:
-أنا مـ
قاطعه زهران فورًا ولا يترك له أي مجال للرد:
-فاهمك من غير ما تتكلم، سامية زي اختك ولازم طبعا تدافع عنها، بس ده لما تكون بتتعرض لأذى أو في مشكلة لكن مكنش فيه سبب أو حاجة تستدعي تدخل لأنه على حسب كلامها أنه هو كان بيتكلم بطريقة كويسة وفي النهاية في بينهم طفل..
ترك خرطوم الأرجيلة جانبًا، ونظر إليه مباشرة وهو يقول:
-وسامية ليها سمعة زي أي ست مش حلوة أن رجلين يتخانقوا قدام المكان بتاعها....
كاد يتكلم، لكن زهران واصل حديثه:
-أنا طبعًا مقدر اللي عملته وأن ده من حمقتك على بنت حتتك وطبعا حطيتها مكان اختك ولازم تدافع عنها، زي ما قولتلك الحاج عزت عرف يربي....
قاطعه كريم أخيرًا، بصوت واضح:
-عم زهران هو حضرتك جايبني هنا علشان تتكلم بس؟ وأنا متكلمش..
هز زهران رأسه بإيجاب:
-اه...
ثم قال بصراحة لا تحتمل التأويل:
- جايبك علشان اشكرك واعرفك في نفس الوقت حدودك، اللي عملته على عيني وعلى رأسي بس برضو لكل حاجة حدود والراجل مينفعش ايده تسبق دماغه، كان ممكن تدخل عادي وتسألها لو فيه مشكلة، أو تتصل بينا مثلا، لكن ضربك ليه كبر الموضوع ومكنتش حركة حلوة...
الحقيقة أنها اعجبته لكنه ينكر أمامه، تابع زهران حديثه بنبرة هادئة:
-عمومًا حصل خير وأنا مش عايز اعطلك أكتر من كده وياريت نضال ميعرفش حاجة باللي حصل هو موضوع وخلص، شرفت يا ابني.....
كانت تلك طريقته في إنهاء الحديث…
لا طردًا صريحًا، بل إعلانًا قاطعًا أن الجلسة بينهما انتهت......
فخرج كريم وهو يدرك أن زهران فهم أكثر مما قال…
ولكنه اختار الصمت ليس لأنه غافل أو أحمق، بل لأنه يرى كل شيء بأعين خبيرة، ويدرك جيدًا علة كريم......
لكن الدواء ليس بيده....
وربما ما يمر به كريم الآن، مجرد مرحلة مضطربة،
وإما أن تنتهي وحدها…
أو تجر صاحبها إلى ما هو أبعد.....
أو رُبما قد فعلت هذا منذ زمن.....
____________
وقفت صباح في المطبخ، تُحضر الغداء بهدوءٍ متصنع،
فالوقت اقترب لصعود زوجها من متجره ليتناول الطعام،
وكذلك عودة ابنتها من الجامعة......
أما كريم…
فلم يعد يجلس معهما كما اعتاد، مرة يتناول الطعام معهم ومرة لا يتناولها هكذا ظل الأمر مستمرًا.....
مما جعل زوجها يسألها ليلة أمس:
"في حاجة عملتوها زعلت كريم؟ الواد مبقاش يقعد يأكل معانا زي الأول؟!".
كانت تعلم أن الحقيقة، لو خرجت، ستشعل غضبه عليها،
لذلك أجابت بسرعة تحاول أن تبدو طبيعية:
"لا وهنعمله إيه يعني؟ هتلاقيه مشغول علشان دي فترة امتحانات مش أكثر"..
لم يُقنعه الرد لكنه صمت…
فهو يعرف أن ما يُخفى....
لا يُخفى إلى الأبد...
ولجت "هالة" إلى المطبخ ووقفت بجوار خالتها التي شعرت بها لكنها لم تلفت لها، فهي غاضبة منها جدًا، وتتجاهلها منذ ذلك اليوم الذي أخبرتها فيه بأنها صعدت إلى الأعلى وأنها قالت بأنها هي من جعلتها تصعد.....
غاضبة منها رغم أنها لا تعرف نيتها الحقيقية ومع ذلك كان غضبها عظيمًا بالنسبة لها........
قالت هالة بصوت خافت يحمل حرجًا واضحًا:
-أنا أسفة يا خالتو والله حقك عليا، أنا مكنش قصدي حاجة لده كله أنا بس كنت عايزة اسيبله الأكل فوق وابينله إني مهتمة بيه مش أكتر ولا أقل...
استدارت صباح إليها فجأة، وعيناها تحملان انفعالًا مكبوتًا:
-مفيش حاجة اسمها كده يا هالة وفيه مليون طريقة تانية أنك تبيني بيها انك مهتمة غير أن تطلعي فوق شقته بعد ما تاخدي المفتاح من ورايا، تعرفي جوزي لو عرف أنك طلعتي فوق لوحدك هيحصل إيه، كمان لما يعرف أن المفروض أنا اللي مطلعاكي؟؟...
انسابت دمعة من عين هالة ثم تمتمت بانكسار:
-أنا أسفة يا خالتو مش هكررها تاني والله، أنا مكنش في نيتي حاجة...
كذبت..
كان في نيتها الكثير لكنها لم تكن تستطع أن تجاري شيطانها، ولم يكن لديها الجراءة الكافية لفعله......
ثم تابعت بصوتٍ منخفض:
-أنا راجعة البلد، بابا اتصل بيا وقال نرجع وبعدين نبقى نيجي تاني؛ يعني احنا وحشناه..
قالت صباح بنبرة متحفزة:
-أنتِ بتعملي كده يعني علشان في خلاف ما بينا؟.
هزت هالة رأسها سريعًا ثم قالت:
-لا والله، بابا فعلا اتصل وقالنا نرجع كام يوم ولو عايزين نيجي تاني نبقى نيجي، هو بقاله كتير مشفناش، ومتقلقيش مش هطول وهاجي تاني....
تنفست صباح بعمق، ثم قالت بجدية:
-ماشي يا هالة، المهم تخلي بالك من نفسك ومن اخوكي، تروحوا وتيجوا بالسلامة ولو مرات ابوكي عملت معاكم أي حاجة كلميني بس وأنا مش هسكتلها.
-حاضر يا خالتو..
نظرت لها صباح طويلًا، ثم قالت بصوتٍ أهدأ لكنه أكثر عمقًا:
-أنا لو زعلانة منك يا هالة فأنا زعلانة منك لأنك قليتي من نفسك يا بنتي، ولو قليتي من نفسك لأي سبب وبأي شكل محدش هيحترمك، وخصوصًا لو ده حد بتحبيه وعايزاه يتجوزك.
تمتمت هالة برجاء حقيقي وهي تقترب منها وتحضتنها:
-معاكي حق يا خالتو في كل كلمة قولتيها بس علشان خاطري متزعليش مني..
ربتت صباح على ظهرها واحتضنتها مغمغمة:
-أنتِ زي بنتي يا هالة مفيش أم بتزعل من بنتها إلا وهي عايزة مصلحتها.....
وبين دفء الاحتضان وهمس الكلمات، كان الهدوء الظاهر مجرد غطاء، فالطريق القادم مع كريم لم يبدأ بعد، وكل شيء ينتظر لحظة واحدة ليكشف عن نفسه، فهي لن تتخلَ عنه بتلك السهولة.........
_____________
في اليوم التالي....
كانت "سامية" تجلس في المركز الخاص بها...
كانت قد انتهت لتوّها من تجهيز آخر فتاة من فتيات الزفاف الخاص بشقيقهن، وأغلقت الباب خلفهن بابتسامة مهنية معتادة...
كان يفترض أن ترحل بعدها…...
لكنها بقيت.....
بسبب طلبية تنتظرها منذ أيام..
وأخبرها الشاب المسؤول عن توصيلها بأنه قادم إليها....
كان الصمت المحيط بها في الغرفة يخنقها وهي تقوم بترتيب أدواتها.....
منذ ما حدث وهي ليست بخير...
ما حدث جعلها تشعر بالتوتر والارتباك...
أساسًا منذ خروج حمزة من السجن وهي ليست بخير...
وظهور كريم أمامها وتلك المشاعر الغريبة التي بدأت تشعر به ولن تنكرها أمام نفسها....
وكونها انسانة أخطأت حينما اختارت بقلبها من الصعب أن تتقبل أن تفعلها ثانية ستكون مغامرة..دد.
من وسط أفكارها المتزاحمة...
صدع صوت هاتفها فأخذته من فوق المكتب...
نظرت حتى تعرف هوية المتصل، لكنه رقم غير مسجل عندها..
فظنّت أنه عامل التوصيل، فأجابت فورًا:
-الو.
جاءها صوت كريم من الجهة المقابلة:
-الو..
ثم تابع يعرفها بنفسه:
-أنا كريم.
الغرفة ضاقت فجأة، وكأن الهواء صار أثقل......
تماسكت، أو حاولت أن تكن ثابتة في نبرتها وهي تبتلع دهشتها وردت عليه بنبرة جافة:
-خير؟.
جاءها صوت كريم جادًا إلى أقصى حد:
-أنا حابب أعتذر بسبب اللي حصل لو سببت ليكي أي مشكلة أو حرج من أي نوع.
نعم هو يعتذر لو أخفق وقد تسبب بمشكلة لها مع العاملين أو مع الموجودين حولها...
لكنه ليس أسفًا من أجل حمزة فهو يستحق ما فعل من وجهه نظره..
تنهدت، وكان صدرها ممتلئ بما لا يُقال:
-أنتَ عايز إيه يا كريم؟..
لم تكن الجراءة أو الصراحة صفة جديدة اكتسبتها، بل تتصف بها منذ زمن....
فتابعت حديثها ولم تترك له فرصة حتى للرد على سؤالها:
-مش هقولك جبت رقمي منين لأن دي سهلة عليك، اللي خلاك تعرف طليقي يخليك تعرف حاجات تانية كتير اعتقد الرقم دي أسهل حاجة ممكن تكون معاك..
تردد صوته قليلًا:
-أخدت الرقم من نورا علشان كنت عايز اكلمك واعتذرلك لو كنت ضايقتك، واسف لو اتصلت بالشكل ده...
ضحكت ضحكة قصيرة، بلا روح ثم غمغمت باختناق وهي تصارحه:
-بما أنك جيبت سيرة نورا، أنا عارفة كويس جدًا أن نورا مكلمتنيش ولا حاجة ولا كانت عايزاني يوم خطوبتها يمكن، تقريبًا كل اللي حصل ده كان علشان نضال يوصلكم بيا لسبب مش فهماه ومش قادرة افهم إيه سبب اللفة دي كلها...
ادهشته بجرائتها...
كما ادهشته بما توصلت إليه من نتائج....
لكنه لم ينكر وهو يخبرها:
-كنت حابب اتعرف عليكي بأي شكل من الأشكال واوصل ليكي، ومكنتش لاقي أي طريقة تانية، وكنت بتحجج بأي حاجة ممكن تكون سبب إني أقابلك...
أنهى حديثه بنبرة هزت كيانها حتى ولو ادعت العكس وهو يخبرها بقشرة الأمر ليس بأعماقه ومشاعره الحقيقية التي تخطت فكرة إعجاب رجل بامراة، بل هو يهيم بها:
-أنا معجب بيكي....
كانت جريئة وصريحة..
حسنًا لتسمعه هي أيضًا....
وتعرف جزء من الحقيقة....
شعرت بوخزة في صدرها، بفراغ غريب، بخوف لم تعترف به حتى لنفسها.........
تمتمت سامية بنبرة باهتة وشعرت بأن أطرافها تجمدت في تلك اللحظة رغم أن كل التوقعات والدلائل كانت تخبرها بما يقوله لكن أن تسمعها منه شيئًا أخر:
-مدام تعرف طليقي يبقى أنتَ عارف أنا اطلقت ليه وازاي..
لم ينكر معرفته الأمر فرد عليها ببساطة قاتلة:
-عارف..
قاطعته قبل أن يسترسل:
-يبقى لو في أي حاجة من ناحيتك ليا تشيلها وتمحيها مهما كان اللي في بالك، وأنا هعتبر نفسي مسمعتش حاجة ولا أن المكالمة دي حصلت ولا أنك أخدت رقمي وكلمتني لأن دي حاجة ممكن تحصل فيها مشكلة.
كانت تقطع الطريق…
ليس عليه فقط، بل على قلبها.......
سألها، وصوته هذه المرة حمل رجاءً صريحًا؛ فهو لم يعترف لها ولم يتقدم بخطوة رسمية تجاهها لأنه يعلم بأنها لن توافق...
مازالت متألمة بسبب تجربتها السابقة وكل تلك الأسباب التي تجعل الأمر بينهما مستحيلًا لم تجعله أبدًا أن يفقد الأمل؛ بل يتشبث بها أكثر وأكثر....
-ممكن افهم ليه؟..
شدت على الهاتف وهي ترد عليه بقسوة تحاول أن تحتمي بها من مشاعرها ليس منه إطلاقًا:
-أي حاجة تخصني مش عرضة إني اتكلم فيها معاك، أنا بنهي كل اللي بيحصل ده علشان أنتَ متتعشمش، شوفلك حد يناسبك وفي نفس ظروفك..
رد عليها بصدق أوجعها:
-وهي سهلة كده؟ وهو احنا بنختار بمزاجنا؟!.
القلوب ليست عليها سلطان....
الحب ليس قرارًا ولا اختيارًا.....
وهي أكثر من يدرك ذلك فهي أحبت وتمردت لأجل رجل لم يكن يومًا رجلًا معها.......
تدرك ما يشعر به..
لكنه رُبما مثلها يحب أو يعجب بالشخص الخطأ...
هي ليست جيدة أو صالحة من أجله أو من أجل أي رجل.....
تحديدًا لو كان مثله..
قالت سامية بنفاذ صبر ولم تستطع الرد على سؤاله:
-سلام...
هكذا أنهت المكالمة وقامت بحظره...
لم تدعه فرصة للحديث عن نفسه وعن مشاعره، قاطعت كل شيء...
لكن الغريب بأن دموعها قد هبطت في لحظتها...
لا تدري لماذا تشعر بهذا الضعف من دون مبرر حقيقي؟؟؟.
ما المشكلة فيما حدث حتى تبكي؟!!
لماذا قد يهمها رجل تقرب منها في بضعة لحظات من حياتها عن طريق صدفة أو تدبير منه؟....
باب المشاعر قد أغلقته منذ سنوات..
لماذا قد يُفتح الآن؟!!!
مسحت دموعها بعنف،
ووقفت.
الكبرياء أمرها بالتماسك…
لكن القلب كان له رأي آخر....
_____________
أخبرها "زوجها" بأنه سيجلس قليلًا في المقهى، بعد أيامٍ امتنع فيها عن الذهاب، فوافقت دون نقاش.......
لم يكن في صوتها اعتراض، ولا في قلبها ضيق…
فهي تعرفه، وتعرف أن هذا القليل بالنسبة إليه مساحة يلتقط فيها أنفاسه كما تلتقطها هي، وحتى حديثهما عن المقهي في أغلب الأوقات يكون من باب المزاح ليس أكثر.......
أخذت حمامها بتمهل...
وكأن الماء يخفف عنها ثقل اليوم......
عطرت المنزل، وأضافت تلك اللمسات الصغيرة التي لا يلاحظها أحد سواها، لكنها تشعرها بالطمأنينة.....
تفعلها كل مرة بعد أن تنتهي من تنظيف البيت، كطقس خاص يعيدها إلى نفسها......
اتصال من سامية سألتها فيه إذا كان نضال عندها...
فأخبرتها بأنه سيأتي متأخرًا اليوم......
لم تنتظر سامية مقدمات، قالت إنها قادمة إن كانت متفرغة ورحبت سلمى فورًا، وكأنها كانت تشعر أن سامية تحتاجها الليلة، لا كصديقة فقط بل كملجأ...
صعدت لها سامية مباشرًا من دون أن تدخل الشقة التي تتواجد فيها والدتها، عمها وطفلها.....
كانت سامية في حالة غريبة…
عيون محملة، وصدر مكتوم، ودموع تسيل ما إن أغلقت سلمى الباب......
لا تدري إذا كان نضال هنا ماذا سوف تفعل؟!
لحسن الحظ بأنه غير موجودًا..
أعدت سلمى عصير ليمون من أجلها....
وجلست بجوارها ثم أخذت تنظر لها ولم تستغرق سامية في الواقع وقتًا طويلًا ثم أخذت تخبرها بما حدث...
لم يكن هناك أحد أقرب إليها من سلمى حتى تخبره بكل شيء، تحديدًا لأنها هي من أخبرتها كل شيء منذ البداية، ولأنها في بعض الاوقات لا تستطع الانفراد بـ وفاء في وجود الجميع بالأسفل....
كما أنها لأنها في سلمى بأنها وسطية..
ليست أمرأة يتغلب عليها عقلها...
ولا قلبها...
لديها ميزان..
لذلك تحب رؤيتها للأمور..
وتستشيرها في أشياء عدة...
كانت علاقة صداقة غريبة وغير متوقعة..
لكنها كانت في الوقت ذاته نادرة....
قالت سلمى بنبرة جادة، محاولة أن تفهم:
-طب أنتِ بتعيطي ليه؟ مع أنك تصرفك كان صح..
مسحت سامية دموعها بالمنديل الورقي المتواجد بين أصابعها والتي سحبته منذ قليل، أما صوتها خرج مبحوحًا:
-معرفش بعيط ليه؟!، بس أنا مخنوقة أوي وحاسة إني مضغوطة الفترة دي أوي، من ساعة ما حمزة خرج من السجن وأنا مخنوقة ومش طايقة نفسي وظهوره كل شوية قدامي وكريم اللي ظهر مرة واحدة ده معرفش طلعلي منين....
ردت سلمى بهدوء ثابت:
-مطلعش من حتة ولا وجوده غريب، عادي أي واحدة معرضة أن راجل يشوفها ويعجب بيها دي مش حاجة غريبة، ومعرفش ليه مستكترة على نفسك ده...
قالت سامية بجمود، كأنها تحتمي به لكنها كانت حمقاء، ففي تلك اللحظة تظهر هشاشتها إلى الأعمى:
-بس أنا مش زي أي واحدة خصوصًا أنه عارف كل حاجة.
أرادت سلمى أن تمازحها:
-عادي، أنا قبل ما نضال يخطبني كان بيجيلي كمية عرسان متجيش لواحدة عايزة تتجوز، وكانت بتيجي ليا أنا اللي متعقدة..
ابتسمت سامية أثر دعابتها ثم تلاشت ابتسامتها وهي تقول:
- بس أنا مش زي أي واحدة يا سلمى، أنا واحدة مطلقة ومعايا طفل، وخالعة جوزي لا وسجنته، ومشكلتي مع جوزي أنه صورني معاه في أوضة نومنا، أنهى راجل طبيعي زيه ومتجوزش قبل كده وفي ظروفه ممكن يعجب بواحدة زيي، بذمتك ده مش جنان؟؟؟..
نظرت لها سلمى بحدة ممزوجة بالحنان:
-الجنان الحقيقي أنك تشوفي نفسك متستحقيش ده، لا تستحقي أكتر من كده بكتير كمان؛ أياكي تقللي من نفسك...
ثم أضافت بعقلانية:
-الحقيقة أنه معاكي حق في كلامك، بس هي مش قاعدة، وأي راجل يعترض معاكي في اللي عملتيه فهو مش راجل، أنتِ معملتيش أي حاجة تخافي منها ولو هو معجب بيكي بالرغم من ده كله فهو مجرد راجل سوي مش متخلف يعني..
ثم قالت بصوت أهدأ، أعمق:
-ويمكن حبه ليكي خلاه يتنازل عن مقاييس في دماغه، لما الانسان بيحب بيتنازل عن حاجات في دماغه، أفكاره بتتغير وفي حاجات كتير فيه بتختلف وبيقبل اللي مكنش عمره بيقبله...
تذكّرت سلمى نفسها، هي ونضال في تلك اللحظة ورُبما وصفت علاقتهما دون أن تدري....
كم كان كل واحد منهما صلبًا، عنيدًا، واثقًا أن رأيه لا يُكسر.......
ثم جاء الحب فذاب الحجر ولانت تلك الرأس الحديدية......
ارتجفت سامية وهي تخبرها:
-كبرتي الموضوع يا سلمى..
قالت سلمى بثقة:
-لو مكنش كبير مكنتش جيتي وأنتِ معيطة بالشكل ده لغايت هنا وخايفة تدخلي عليهم بالمنظر ده، بلاش تكوني كدابة الموضوع واضح وضوح الشمس، وأنا متأكدة أنه لولا هو عارف حكايتك وعارف أنك مش هتوافقي بالجواز كان خد خطوة رسمي من بدري...
وضعت سامية رأسها بين يديها ثم قالت بحيرة شديدة:
-أنا مبقتش عارفة حاجة..
قالت سلمى بهدوء ونبرة حنونة:
-اشربي الليمون وبعدين قومي اغسلي وشك وفوقي واللي حصل حصل أجلي الكلام لبعدين...
لكن الحقيقة كانت أوضح من أي تأجيل...
القلب كان قد تورط أو بمعنى أدق بدأ يتنفس.......
حتى لو العقل ما زال يرفض الاعتراف....
____________
بعد مرور شهر....
-نضال، نضال..
همهم بصوتٍ مثقل بالنوم قبل أن يفتح عينيه:
-في إيه؟..
ابتسمت سلمى وهي تميل عليه، وأصابعها تداعب وجنتيه بخفةٍ اعتادها منها، لمسة تعرف طريقها لقلبه قبل أن توقظه:
-قوم يلا أنا حضرت الفطار علشان تأكل معايا قبل ما انزل، قوم مش هأكل لوحدي..
فتح نضال عينه ببطئ وهو ينظر لها وقد ارتدت نصف ملابسها تقريبًا يتبقى بها خِمارها فقط:
-من امته يعني واحنا عندنا وجبة اسمها الفطار؟ هو في حاجة مهمة النهاردة، عيد ميلادي ولا عيد جوازنا؟.
ضحكت، ضحكة خفيفة خرجت منها بعفوية كونه يشكك بها:
-لا مفيش صاحية رايقة بس وقولت بلاش كل واحد يعمل سندوتش مع نفسه، قوم يلا خلص قبل ما ارجع في كلامي، علشان نفطر قبل ما انزل اروح الجيم....
منذ أيام بدأت سلمى بشكل فعلي...
بفتح صالة الألعاب الرياضية الخاصة بها...
ويحتاج الأمر منها اهتمام بالغ في البداية حتى تتأكد من أن كل شيء على ما يرام...
لقد تعبت كما تعب زوجها في هذا الأمر..
دعمها كثيرًا..
لذلك تتمنى التوفيق لها في تلك الخطوة.....
نهض نضال، غسل وجهه، ثم جلسا معًا يتناولان الطعام ببطء، كأن الوقت قرر أن يمنحهما استراحة قصيرة من العالم.....
قالت سلمى بنبرة هادئة:
-صحيتك بدري صح؟ معلش كل وكمل نوم...
ابتسم وهو ينظر لها:
-لا هو في حد يفوت فطار مع سلمى؟ يبقى غلطان....
ضحكت سلمى ثم غمغمت:
-بيعجبني فيك أنك بتأكل عيش يا نضال وبتعرف تمشي أمورك معايا..
رد عليها بخفة:
-دي من أساسيات الجواز الناجح...
ثم تغيّرت نبرته قليلًا:
-كويس أنك صحتيني، اوصلك واروح أفول العربية واغسلها علشان هنوصل هدير أخت طارق وجوزها المطار فيدوبك اخلص شوية مشاوير وارجع اغير هدومي واروحلهم....
هزت سلمى رأسها متفهمة..
وبعد أن انتهيا، أعدّت له القهوة، وبدأت تلف خمارها، بينما كان يراقبها بصمتٍ محب، وكأن كل حركة منها مألوفة لكنها لا تفقد سحرها أبدًا.....
تمتمت سلمى ما ان انتهت مما تفعله:
-مش هنروح نجيب طلبات البيت؟ عايزة أبدا بقا تجهيزات رمضان، خلاص بقا على الأبواب.
رد نضال ساخرًا:
-ايوة عارف أنا الفقرة دي اللي بتعمليها كل سنة ونص رمضان اصلا بنأكل معاهم تحت..
كان صادقًا فيما يقوله...
زهران يحب أن يكون الجميع مجتمعًا على سفرة الإفطار، لذلك ينادي على ابنته وزوجته في أغلب الأيام لتناول الطعام معهما...
اقتربت منه، طوقت عنقه بذراعيها، وانحنت حتى صارت عيناها في مستوى عينيه، بنبرة تمزج المزاح بالغيرة:
-خد بالك دي تاني مرة تتهرب من النزول معايا والمرة اللي فاتت نزلت مع وفاء، فدي حاجة من التنين يا جوازنا بدأ يتلخلخ يا....
قاطعها نضال وهو يقبل كف يدها برقة:
-لا هي مش ناقصة على الصبح احتمالات، هننزل ان شاء الله...
تعرف هي تلك الجملة الخاصة بالرجال مما جعلها تعقب بسخرية:
-ما هننزل ان شاء الله بتاعتك دي هتكون على العيد الكبير او رمضان اللي بعد الجاي...
تمتم نضال بنبرة مرحة وهو ينهض تاركًا قُبلة على جبتها:
-بلاش سربعة بقا، ويلا ننزل...
____________
أقام طارق حفل زفاف لشقيقته منذ أيام…
حفلًا بسيطًا، لا يضجّ بالمدعوين، فسنوات الغربة الطويلة جعلت دائرة المعارف أضيق مما كانت.......
زوجها لم يكن مصريًا، ومع ذلك حضر من عائلته من استطاع كان عددهم لا بأس به.......
وبعد الزفاف، سافرت معه عدة أيام إلى إحدى المدن الساحلية....
واليوم…....
يوم الوداع......
ليلة أمس باتت هدير مع شقيقها....
ربما لأنها الليلة الأخيرة......
ترغب في وداعه...
يبدو أنها اعتادت هي وطارق الفراق، حتى صار جزءًا من قدرهما اختيارًا كان أم إجبارًا.......
كان زوجها وعائلته سوف يذهبون إلى المطار من الفندق وينتظرونها هناك بناءًا على رغبتها....
كان نضال يقف أمام البناية يستند بظهره على سيارته بجواره كانت السيدة حُسنية تقف هي وحور....
بعدما أصرا على توصيل هدير إلى المطار...
مع دياب ونضال...
خرج دياب أولًا من البناية وهو يحمل حقيبتين سفر، ثم هبط طارق بحقيبة أخرى، وخلفه ظهرت هدير، تحمل حقيبة يد كبيرة قليلًا، كأنها تحمل ما تبقى من ذكريات لا تُحزم........
اندفعت حور نحوها واحتضنتها بقوة، فبادلتها هدير العناق فورًا، ولم تستطع كبح دموعها، خصوصًا حين سمعت شهقات حور وبكاءها المكتوم....
ما جعل نضال يهتف محاولًا كسر اللحظة:
-خلاص بقى يا جماعة في إيه لكل ده؟
ابتعدت حور قليلًا وهي تمسح دموعها:
-لو حصل معاكي أي حاجة كلميني ها؟ ولو ضايقك عرفيني..
حاول دياب التخفيف عنهما وهو يبتسم:
-هتعملي إيه يعني؟.
فكرت حور في حديث شقيقها مما جعلها تقول بحزم:
-مش عارفة بس هتصرف أكيد..
ضحك الجميع حتى طارق، رغم الغصة العالقة في صدره....
تمتم نضال بنبرة عملية:
-يلا طيب يدوبك نلحق نمشي علشان متتاخرش....
في تلك اللحظة، اهتز هاتف دياب في يده فأجاب على الفور حينما عرف هوية المتصل:
-الو..
جاءه الصوت من الجهة الأخرى مشدودًا و متحفزًا:
-أنتَ فين يا استاذ دياب؟.
ضيق دياب عينيه، لم يفهم نبرة السؤال:
-موجود؛ في إيه اللي حصل؟
صمتٌ قصير ثم جاءه الرد كصفعة مباشرة، بلا مقدمات، بلا تردد:
- يا تيجي تشوف مراتك وتاخدها بيتكم يا تجيب المأذون وتيجي تطلقها........
______يتبع______
الفصل الثالث عشر من #حين_تنفس_القلب
#شارع_خطاب_الجزء_الثاني
الجزء الأول كان بعنوان
"عذرا لقد نفذ رصيدكم"
بقلم #fatma_taha_sultan
____________
اذكروا الله.
دعواتكم لأهلكم في فلسطين والسودان وسوريا ولبنان وجميع البلاد العربية.
____________
"أنت الوجهة التي أتابعها بصمت، حيث أغوص في أعماقها دون أن أبوح لأحد، ولا أفكر في الهروب منها."
#مقتبسة
زقد يفسّرُها البعضُ على أنّها " حبٌّ " وقد يراها آخرونَ تعبيرًا عن " العاطفةِ" ، وكلُّ ذلك يتوقّفُ على منظورِ كلِّ فردٍ وإحساسِهِ الداخليِّ .
#مقتبسة
أنني اريدك أنت بالتحديد، لم يعد لدي صفات معينه لشخصي المُفضل، حتى كل قواعدي كسرتها لأجلك،
من بين مئات الأوجه والكثيرين من حولي..
قلبي لم يميل سوا لك، عيني لم تغمرها السعاده سوا برؤيتك، وكل ما أتمناه أن أحصل عليك...أنت لا أحد غيرك.
#مقتبسة
____________
- يا تيجي تشوف مراتك وتاخدها بيتكم يا تجيب المأذون وتيجي تطلقها.....
هكذا انتهت المكالمة بينهما......
بعدما أغلق محمد الهاتف في وجهه...
مما جعل ريناد تقول:
-ليه كده يا بابا تقلقه؟؟.
خرج العتاب من فم ريناد مكسورًا، لا يحمل قوة الاعتراض بقدر ما يحمل خوفًا عليه….
رد والدها محمد بنبرة منفعلة، حاول أن يخفي خلفها ارتجاف قلبه؛ وقلقه علبها فريناد هي حياته كلها، وابنته الوحيدة:
-ترجعي بيتك النهاردة يا تطلقي مفيش حل وسط؛ كفايا أوي لغايت كده؛ ولا تقوليلي محتاجة وقت ولا غيره؛ وجهزوا شقتكم وكملوها وأنتم مع بعض...
لم يكن حديثه قسوة، بقدر ما كان فزعًا…
فزع أب رأى ابنته تتهاوى أمام عينيه دون سابق إنذار....
انتهى النقاش عند هذا الحد.
غادر محمد الحجرة بخطوات سريعة وتلقى اتصال أخر من دياب، تاركًا خلفه صمتًا ثقيلًا، وظلت ريناد وحدها، ساكنة، تضع يدها فوق بطنها بحركة لا واعية، وكأنها تبحث عن شيء رحل قبل أن تعرف بوجوده...
__________
بعد المكالمة التي جاءت له من والد ريناد....
لا يعلم كيف قاد سيارته وجاء إلى المستشفى التي أخبره محمد عنها.....
استقبله محمد أمام غرفة ريناد، طلب منه مفاتيح شقتهما، ثم غادر دون كلمة إضافية، وكأن الأمر أكبر من الحديث......
أشار له فقط بعينيه أن يدخل وأن يكون بجوارها، كأنه يدرك بأن في تلك اللحظة ابنته تحتاج إلى زوجها أكثر منه، فهو يعلم بأنها تشعر بالحرج في وجوده....
فتح دياب الباب....
ما إن رأته ريناد حتى انتفض قلبها قبل جسدها، رفعت نفسها نصف جلسة، بعينين ذابلتين أنهكهما البكاء فاقترب منها دياب ولم تنتظر ريناد شيء بل اندفعت نحوه واحتضنته بكل ما تبقى فيها من قوة.......
احتواها دياب بحنان صامت، شدها إليه، وكأن روحه عادت إلى مكانها الصحيح لمجرد أنها بين ذراعيه....
الأهم بالنسبة له الآن بأنها أمامه وبخير..
مر الوقت دون أن يشعر بهما، كانت بين ذراعيه، تحكي له من وسط بكائها كل ما حدث منذ بداية اليوم، وهو يستمع ولا يقاطع فقط يمسكها بقوة...
-كنت في الـ meeting مع بابا، زي ما قولتلك بليل، كنت صاحية من النوم تعبانة بس كنت بكدب نفسي قولت ممكن أكون مرهقة شوية بسبب الفترة اللي فاتت.....
ابتلعت ريقها ثم تابعت حديثها:
-فجأة حسيت إني مش مركزة ومش قادرة اركز، كأني مش سامعة حد، مغص غريب ووجع حاولت أكمل، بس كأن الصوت مش بيخرج مني أصلا وبابا كان ملاحظ كده فاخدني وجابني على المستشفى علطول مستناش..
تعرضت ريناد للإجهاض في شهرها الأول…
دون أن تدري أصلًا أنها كانت حاملًا.....
ذلك ما فجر خوف والدها، وأغضبه في آنٍ واحد.....
كان وجهه شاحبًا حين رأها، أصفر من الهلع...
لا من الغضب....
تابعت ريناد وهي تتشبث بذراع دياب الملفوف حولها:
-رغم إني مكنتش أعرف بس حاسة إني زعلانة أوي...
تنهد دياب، ومسح على شعرها برفق:
-الحمدلله أهم حاجة أنك كويسة يا حبيبتي.
احتضنته أكثر كأنها تحتاجه...
للمرة الأولى تمر بهذا الأمر وتختبره...
ويبدو أن خسارة الجنين هو شيء يؤثر في نفسية المرأة حتى ولو كان لديها أطفال، حتى ولو كانت لا تعلم به....
غريزة طبيعية تتواجد بها...
ضمها دياب أكثر، قبل رأسها مرة أخرى ثم حاول أن يخفف عنها بابتسامة خفيفة:
-ابوكي كأني مسكني متلبس، أصلا أعصابي باظت في التليفون عقبال ما رد عليا تاني وقالي حصل إيه وبعتلي اللوكيشن، ولما جيت أخد مني مفتاح الشقة ومشي، تقريبًا هيبعت حد ينظفها.
ابتسمت ريناد رغم الألم، شعرت بالحرج قليلًا، ثم قالت بصوت خافت:
-كفايا القلق اللي قلقه عليا؛ هو بس اتصدم مش اكتر.......
نظر لها دياب بجدية، عينيه مليئتان بالحب والاطمئنان:
-مش مهم أي حاجة تانية المهم أنك كويسة يا حبيبتي.
ابتسمت له بإرهاق، عيناها متعبتان لكن قلبها أكثر هدوءًا بوجوده:
-روح شوف الدكتور اتأخر ليه، أنا عايزة اروح البيت مش عايزة اقعد هنا اكتر من كده....
ربت على يدها برفق، وقبل جبينها قبل أن ينهض حتى يأتي بالطبيب ويطمأن عليها أولا ثم يأتي أي شيء أخر........
_____________
أغلقت حور الباب خلفها وخلف والدتها.....
دخلت حُسنية، خلعت حجابها بتعب واضح، وجلست على الأريكة تلتقط أنفاسها، رُبما لم يعد عمرها يحتمل المشاوير الطويلة كما السابق، لكنها لم تستطع أن تمنع نفسها من وداع هدير.
التي سوف تفتقدها للمرة الثانية...
مؤلمة فكرة بأن سنة الحياة بأن يكن لكل شخص حياة وطريق مختلف، لكنها لا ترغب في أي شيء سوى أن يوفق الله هدير في حياتها وأن يكن زوجها زوجًا صالحًا لها...
اختفت حور لنحو نصف ساعة...
أخذت حمامًا سريعًا، بدلت ملابسها، ثم خرجت فوجدت والدتها في مكانها كما تركتها، فقد اعتادت بعد أي مشوار أن تجلس قليلًا........
تسترد أنفاسها قبل أي شيء......
جلست حور دون أن تتحدث، على غير عادتها، صمتها هذه المرة لم يكن فراغًا، بل ازدحام وكأن عقلها يحاول أن يسترجع تفاصيل اليوم......
بعد الاتصال الذي جاء إلى دياب من والد ريناد...
استأذن بأنه عليه الرحيل فورًا...
حاول ألا يقلق والدته رغم أنه يموت قلقًا وأخبرها بأن تذهب مع نضال وكأن شيئًا لم يحدث....
بالفعل ذهبت حُسنية لقضاء الواجب، رغم أن قلبها ظل مشغولًا، حتى اتصل بها دياب لاحقًا وأخبرها أن ريناد مريضة قليلًا وأنه سيعود بها إلى منزلهما في المساء فحينها فقط شعرت بشيء من الاطمئنان.....
رُبما بداية الأمر مقلقة لكن النتيجة بالتأكيد ستكون جيدة وهي عودة الاثنان إلى منزلهما بعد أشهر طويلة جدًا..
كانت حور متوترة مما حدث واختفاء دياب...
غير أنها بالفعل تألمت من أجل دموع طارق أثناء وداعه إلى شقيقته، كان متأثرًا بحق وبكت أو رُبما كانت تبكي من البداية لكنها لا تتذكر سوى بأنها تألمت من أجله.
شعرت بالضيق من أجله...
نعم لقد أعجبت بالعديد من الرجال ذلك الاعجاب الذي يكون سطحي وعابر جدًا، كممثل سينمائي يمر من أمامها، أو شخص قد رأته صدفة في مكان، بعدها ينتهي الأمر كأنه لم يبدأ....
لأول مرة تتألم إلى تلك الدرجة من أجل رجل...
لم تكن تجد بأن هناك رجلًا يستحق أن تتألم المرأة من أجله...
لكنها تألمت دون أن تدري...
كأنها حملت همه...
حور التي لا تحمل همًا غير هموم عائلتها
حملت هم طارق.....
فشعرت بثقل غريب في صدرها لم يكن شفقة فقط،
ولا تعاطفًا عابرًا.....
قالت حُسنية بنبرة حنونة وعطوفة:
-الواد طارق ده صعبان عليا والله، مش عايزة أقول كده بس تحسي أنه مكتوب عليه يفارق حبايبه، بس هنعمل إيه بقا ده النصيب وحال الدنيا؛ والجواز بالذات قسمة ونصيب محدش عارف نصيبه فين...
ابتلعت حُسنية ريقها ثم غمغمت:
-يمكن الزمن ده احسن من الزمن بتاعنا، علشان النت والمكالمات متوفرة طول الوقت، احنا على أيامنا لما خالتك سمر اتجوزت بعيد كنت متنكدة نكد الدنيا كلها، وحقيقي حسيت بطارق النهاردة قطعت قلبي والله دموعه....
تمتمت حور بجدية وصوتٍ خرج منها صادقًا لا مجاملة فيه:
-اه والله يا ماما صعب عليا جدًا..
ثم تداركت الأمر سريعًا:
-الأتنين صعبوا عليا جدًا يعني.
ابتسمت حسنية بهدوء ثم قالت:
-أهم حاجة ربنا يهدي سر هدير وجوزها، وبكرا طارق يشوف حياته ان شاء الله..
فهمت حور مقصدها وهذا ما أغضبها..
هل بالفعل سوف تجعله والدتها يقوم بخطبة فتاة؟!
ماذا عن مشاعرها؟؟؟..
نعم هي تمتلك مشاعر حقيقية نحوه ولن تنكرها...
كانت مشاعر حقيقية، ناضجة، لم تعرفها يومًا تجاه أحد سواه....
قالت حُسنية وكأنها تقاطع أفكارها ووجدانها بأكمله بعدما أخرجت الهاتف من حقيبتها الجلدية التي تتواجد بجوارها:
-قومي حطي التليفون في الشاحن علشان يشحن شوية علشان أعرف أكلم اخوكي واطمن عليه روح ولا لا هو ومراته..
أردفت حور بجدية:
-واحنا ليه مروحناش ليهم من برا برا وخلاص؟ كان من الواجب نروحلها المستشفى....
ردت عليها حُسنية بهدوء:
-أكيد دي أول حاجة أنا فكرت فيها، بس أنا حسيت أن دياب مش عايز حد يروح تحديدًا لما قالي أبوها كمان مش موجود ومشي وموضحش حتى ريناد مالها، علشان كده أنسب حل نطمن عليهم ولو روحوا بيتهم النهاردة بكرا نروحلهم أو بعده ....
لم تفهم حور أي شيء لكنها تدرك بانها والدتها تمتلك الرأي الصواب دائمًا لذلك استمعت لها وقالت وهي تتجه إلى الحل الذي يأتي في عقلها:
-أنا البس العباية وهنزل أجيب حاجات علشان اعمل ميني بيتزا...
قالت حُسنية باستنكار:
-ماشي بس تشطبي المطبخ بعدها بدل ما اعجنك أنا زي البيتزا، اللي بتخلي الدنيا كلها دقيق دي..
تمتمت حور بجدية:
-نجيب عجان يا سوسو بقا ومعجنش علي ايدي ولا ابهدلك الدنيا...
____________
بعد الغداء...
أعدت السيدة صباح أكواب الشاي بالنعناع وقدمتها لأسرتها، ثم جلس الجميع أمام التلفاز، كانت نورا منهمكة في هاتفها كعادتها، أصابعها لا تتوقف،
بينما جلس كريم صامتًا، يتناول الشاي بقلب مُرهق ومُنهك، كأن المرارة لم تكن في الكوب بل في صدره..........
منذ المكالمة التي دارت بينهما وهو توقف عن الاحتكاك بها بشكل مباشر وعاد إلى تلك المرحلة القديمة وهي المراقبة في صمت.....
حتى لا يتسبب بأي شيء قد يزعجها أو يزعج عائلتها ولأنه لديه شقيقة، لا يفضل أن يصبح متطفلًا على أمرأة فهو لا يفعل ما لا يحب أن يُفعل في شقيقته...
عاد للمبيت في الشقة مع عائلته منذ سفر هالة وشقيقها،
واللذين لم يعودا حتى الآن إلى البلدة.....
حمد كريم ربه على غيابها صدقًا ما به من هموم يكفيه ويفيض لا ينقصه هالة، ولا خطط والدته....
تنحنح عزت حتى ينتبه الجميع، ثم وضع كوب الشاي على الطاولة وقال:
-في موضوع حابب أتكلم معاكم فيه..
رفعت صباح رأسها باهتمام:
-موضوع إيه دا يا عزت...
قال عزت بسخرية خفيفة وهو ينظر إلى ابنته التي كانت في عالم أخر مع هاتفها:
-هقول بس لما الهانم تسيب موبايلها وتركز معانا شوية......
لم تكن نورا تسمعهما، منشغلة بمقطع كعادتها، فمد كريم يده وسحب الهاتف منها فجأة، فزفرت بضيق:
-ليه الرخامة دي طيب..
قال كريم ببساطة هادئة:
-ارحمي التليفون وارحمي النت واسمعي ابوكي عايز يقول إيه.
قالت نورا بنبرة متحفزة:
-خير يا بابا.
تنهد عزت وقال بهدوء وهو يشرح:
-أنا قررت إني أجر الشقق هنا في العمارة إيجار جديد فيه ثمن شقق ممكن نأجرهم ونستفاد بيهم ونسيب بس شقتين، احنا من ساعة ما جينا ووضبنا العمارة واحنا مأجرناش لحد..
اعترضت صباح فورًا:
-وليه ندخل علينا ناس غريبة تفضل طالعة نازلة في البيت؟...
رد عزت بجدية:
-إيه المشكلة؟ هو ده بيت عيلة؟ دي عمارة كبير بطولها وعرضها، تعرفي احنا لو أجرنا الشقق دي هيدخلنا كام في الشهر؟ ده استثمار ملهوش حل.....
صمتت صباح وحاولت أن تفكر في حديثه بداخلها رغم رفضها للفكرة، فسأل عزت ابنه وكأنه ينتظر منهما تأييد لفكرته:
-إيه رأيك يا كريم؟.
قال كريم بهدوء:
-عادي يا بابا لو ده هيريحك أنا معنديش مشكلة، وحضرتك معاك حق، قفلة الشقق كده ملهاش لازمة ولا منفعة...
التفت عزت إلى نورا ثم سألها:
-إيه رأيك يا نورا؟؟.
قالت نورا بضجر:
-اعملوا اللي تعملوه والله ما فارقة معايا، بس اديوني الموبايل.....
سخرت منها صباح هاتفة:
-يعني شوفي احنا في إيه وأنتِ في إيه يا بت أنتِ؟.
فخطرت على بالها فكرة وليدة اللحظة:
-مدام كده كده هتأجر، تأجر شقة لـهالة واخوها ويعيشوا هنا عندنا وابوهم هيرحب بالفكرة هو أصلا عرضها عليا قبل كده وأنا قولت لا، واهو العيال ياخدوا بحسنا..
همست نورا إلى نفسها:
-يا منجي من المهالك يارب، يارب ارحمنا بقا من الموال ده...
قال عزت بحسم:
-ياستي هما على عيني وعلى رأسي من غير إيجار يشوفوا الشقة اللي عاوزينها وأنا افتحها وافرشها ليهم كمان..
لكنه تابع بحدية شديدة:
-بس من ساعة ما راحوا لا حس ولا خبر يمكن ابوهم بيحاول يصلح الدنيا لأن مكان العيال جنب ابوهم ومعاهم، احنا مينفعش نقترح اقتراح زي ده حتى لو هو اقترحه زمان، كده هيكون بنبعدهم عن ابوهم في عز المشاكل الموجودة....
نهض كريم من المكان ولم يعد يرغب في سماع المزيد؛ يكفي الضوضاء والأفكار المتواجدة في عقله فأعاد الهاتف إلى شقيقته ثم قال:
-تصبحوا على خير.
قال عزت بهدوء:
-وأنتَ من أهل الخير يا ابني.
دخل كريم غرفته وأغلق الباب خلفه، فعلقت صباح بقلق:
-هو الواد ده ماله؟ حاله متشقلب كده ليه بقاله مدة؟!.
لم يجد عزت رد مناسب قد يقوله..
فهو يشعر مثلها أيضًا...
ولا يدري ماذا يفعل؟!
كان الاثنان لا يدركان أن الأمل الذي بداخله أصبح سراب..
قالت صباح بعصبية:
-أنتِ يا زفتة أنا مش بكلمك.
ردت عليها نورا بفزع:
-في إيه يا ماما؟
تمتمت صباح بجدية:
-اخوكي ماله؟ قاله فترة مش مظبوط، وأكيد أنتِ عارفة.
أنكرت نورا بسرعة:
-وأنا مالي؟ مهوا عندك اساليه..
-بس أنتِ عارفة أكيد..
قاطعهما عزت بحزم:
-حتى لو تعرف حاجة مدام هو مش عايز يقول إيه اللي فيه يبقى مش لازم تفتح بقها، ياريت نقفل على السيرة دي كريم مش صغير ولا مستني حد يراجع وراه، خلاص بقا راجل مسؤول عن نفسه.....
____________
-نــضــال.
كانت تصيح باسمه وهي تجوب الشقة بعينين تبحثان عنه، حتى وجدته جالسًا على الأريكة، مسترخيًا كعادته، فرفع رأسه وقال بابتسامة خفيفة:
-بتنادي على عيل تايه يا سلمى في إيه؟.
أردفت بجدية ظاهرها حزم وباطنها ألف عادة يومية:
-هو أنا مش قولتلك متجيش ناحية الكاتل مش كل ما تعمل لنفسك شاي أو حاجة تغير مكانه، احنا بقالنا سنين في الحوار ده....
قال نضال ببساطة مستفزة:
-مكان الكاتل مش جنب البوتجاز..
زفرت بانزعاج وهي تعقد ذراعيها:
-أنا حرة ده مطبخي أنا وبقف فيه اكتر منك، والكاتل كده بيكون قريب مني وأنا بطبخ لو عايزة مياة، متغيرش مكانه تاني يا نضال...
تمتم نضال ببساطة:
-حاضر..
وهي تعلم، كما يعلم هو، أن كلمة "حاضر" الخارجة من فمه لا تعني وعدًا بل هدنة مؤقتة.....
كأغلب الرجال....
لكنه تابع بابتسامة جانبية، وكأنه يعقد معاهدة سلام:
-بكرا هجيب كاتل تاني هحطه في المكان اللي يعجبني وخلي التاني جنب البوتجاز ده الحل المثالي بالنسبالي علشان كل واحد يعيش مبسوط...
رفعت حاجبها بدهشة ساخرة:
-والله؟..
مرت ساعة تقريبًا على هذا الجدال اليومي تقريبًا…
ذلك النوع من الخلافات الصغيرة التي يمكنها لو أُعطيت أكبر من حجمها أن تتحول إلى شجار ضخم، وحين تعود لجذورها تكتشف أنها لا تستحق كل هذا الصخب.....
كانت مستلقية على الأريكة تضع رأسها على فخذيه بينما هو يشاهد فيلمًا شاهده عشرات المرات، لكنه بدا مريحًا في تلك اللحظة مثل وجودها تمامًا.
تمتمت سلمى بصوت هادئ كمن يشارك فكرة عابرة:
-امبارح شوفت فيديو على الانستا بيتكلموا عن الـ Break في العلاقات...
خفض نضال صوته، مرر يده على خصلات شعرها بحنان تلقائي:
-الـ Break ده يا حبيبتي اما تكوني متجوزة واحد من الانستا بتاعك مش متجوزة واحد من شارع خطاب...
ثم تابع بعدم فهم حقيقي:
-وبعدين يعني هو علشان غيرت مكان الكاتل هتديني Break إيه الظلم ده؟ وبعدين Break إيه اللي ناخده ده احنا نص اليوم مش قاعدين مع بعض اصلا أنا في الشغل وأنتِ في الجيم..
اعتدلت وجلست بجواره، عيناها عليه، لا تبحث عن خلاف بل عن حديث:
-لا طبعًا مش قصدي علينا، أنا بتناقش معاك لأن مش أول مرة أشوف الفكرة دي، بس أول مرة لما اشوف التعليقات ألاقي رجالة كتير وستات برضو مأيدين الفكرة....
نظر لها نضال بجدية، تلك الجدية التي لا يستخدمها إلا حين يتكلم من قلبه:
-اللي بيحب حد حقيقي مبيقدرش ميكنش جزء من يومه بأي طريقة، غير لو حد بينك وبينه سنين دي كفيلة تخلي الموضوع اصعب وأصعب، ده كلام فارغ، اه صحيح ممكن الواحد يزهق من روتين حياته وبيزهق من شغله وبيزهق من اللي معاه ساعات دي حاجة طبيعية لكنه ميقدرش يستغنى عنه برضو...
كانت تسمعه بسعادة واهتمام كبيران...
بشغف حقيقي كأنها تتحدث معه للمرة الأولى....
تنصت له باهتمام أمرأة مازالت في مرحلة الإعجاب....
بنفس نظرة الإعجاب القديمة التي لم تبهت رغم السنين.....
لم تجد رد له..
لكنها وضعت رأسها على صدره واحتضنته بمشاعر عميقة جدًا؛ كأنها تتأكد من أنها لم تخطئ يومًا حينما ارتبطت بهذا الرجل، ضمّها نضال إليه، طوقها بذراعيه، وانحنى يترك قبلة دافئة على رأسها…....
____________
عادت إلى منزلها بعد أشهرٍ طويلة من الفراق…
وقد اشتاقت إليه بشدة.....
علاقة الإنسان بمنزله تظل من أغرب العلاقات؛ علاقة صامتة، عميقة، ودودة على نحو يفوق أحيانًا علاقاتٍ إنسانية كثيرة........
فالمكان لا يخذل، لا يسأل، فقط يحتضن....
كانت تسير بجواره، وما إن دخلت حتى اصطحبها مباشرة إلى غرفة النوم.....
ساعدها في خلع السترة التي ارتدتها فوق ملابسها التي كانت عبارة عن بنطال وسترة قطنية جاءت بهما العاملة إلى المستشفى، والتي رافقتهما حتى هنا تنفيذًا لتعليمات السيد محمد والد ريناد.
حين دخلت ريناد المنزل، استقبلتها ثلاث عاملات أرسلهن محمد خصيصًا لتنظيف وترتيب المكان قبل عودة ابنته؛ ولهذا السبب تحديدًا أخذ المفتاح من دياب.
كان المنزل يحتاج إلى تنظيف عميق…...
فالحياة توقفت فيه لما يقارب سبعة أشهر، وترك الغياب أثره في كل زاوية......
جعلها دياب تجلس على الفراش فاستلقت عليه بعد تنهيدة خرجت منها وكأن قلبها عاد يتنفس حقًا من جديد......
تمتم دياب بعدم راحة:
-هما قالوا هيحضروا العشاء وجابوا حاجات وهما جايين.
أمسكت ريناد كف يده حين جلس بجوارها بعد أن دثرها بالغطاء، وقالت بنبرة هادئة:
-أنا عارفة أنك مش مرتاح في وجودهم بس هما خلاص بيخلصوا وهيمشوا ومفيش إلا منى بس اللي هتكون موجودة....
كانت تفهم جيدًا بأن زوجها لا يشعر بالراحة، ففي السابق كانت تستعين بأشخاص للمساعدة في تنظيف المنزل لكن في غيابه، هو غير معتادًا أن يكون هناك اشخاص غريبة في منزله.....
ابتسم دياب بهدوء رغم حقيقة ما تقوله:
-متشغليش بالك بحاجة، المهم أنك تكوني كويسة وبس....
رن جرس الباب، فتهيأ للنهوض، لكن ريناد أوقفته قائلة:
-خليك جمبي هما أكيد هيفتحوا....
بعد ثوانٍ، دخلت ليان الغرفة المفتوحة من الأساس، تركض بسعادة، لأنها عادت أخيرًا إلى بيتها.....
فتحت ريناد ذراعيها لها على الفور واحتضنتها بقوة..........
ابتعدت ليان بعد دقيقة، ثم قالت ببراءة:
-جدو قالي أنه هيجبني بكرا بس أنا قولتله لا..
وضعت كفها الصغير على وجنة والدتها:
-أنتِ تعبانة..
قبّلت ريناد يدها هامسة:
-يعني شوية بس بقيت أحسن لما شوفتك...
جاء محمد ووقف محمد عند باب الغرفة دون أن يدخل، وسأل:
-عاملة إيه دلوقتي يا ريناد؟.
ردت عليه ريناد بهدوء بعدما اعتدلت قليلًا واحتضنت ابنتها:
-الحمدلله بخير..
قال محمد بحنان:
-أنا همشي بقا جيبت ليان وجيت وهروحهم كلهم هما خلصوا اللي وراهم وهسيبلك بس منى...
ردت ريناد بهدوء حازم:
-ممكن تخليها تمشي عادي معاك هي تعبت النهاردة تروح تنام وتيجي الصبح..
قال محمد بجدية:
-خليها موجودة علشان خاطر لو احتاجتي حاجة وعلشان خاطر ليان..
نظرت ريناد إلى دياب قبل أن تقول:
-خلاص الوقت اتأخر يا بابا وأنا هأكل وأنام مفيش حاجة هتعملها ودياب موجود هي ممكن تمشي وتيجي الصبح بدري..
هي فعلت هذا من أجل دياب..
ففهم محمد مقصدها، وقال:
-اللي يريحك أنا هخليها تروح وتجيلك الصبح ان شاء الله، عايزة حاجة؟.
-لا سلامتك يا بابا شكرًا..
نهض دياب في اللحظة التي قال فيها محمد:
-مع السلامة.
خرج دياب إلى الخارج مع محمد قائلا:
-خليك معانا، حضرتك جيت في إيه وهتمشي في إيه؟ نتعشى سوا وبعدين تأخد قهوتك ...
قال محمد بجدية:
-كفايا كده خليها ترتاح النهاردة تعبت جدًا، أنا همشي علشان ورايا ميعاد الصبح بدري هخلصه واجي علطول اطمن عليها..
ثم تابع حديثه بجدية:
-خلي بالك منهم ولو حصل أي حاجة كلمني فورًا...
وقف دياب يراقبه وهو يبتعد، ثم عاد إلى الداخل…
إلى بيته الذي عاد ينبض من جديد وإلى امرأة احتاجته أكثر من أي وقتٍ مضى.....
فهو يعرف قيمة منزله ولكن يدع أي شيء يهدد استقراره مرة أخرى.....
__________
بعد مرور أيام كان هناك....
…يوم خاص بالفتيات…
يوم تُغلق فيه الأبواب في وجه الرجال، ويُمنع الأطفال من الاقتراب، وتُترك المساحة كاملة للضحك، والفضفضة، والفوضى اللطيفة التي لا يفهمها سواهن.........
ذهبت انتصار برفقة الطفلين، غالي وريان إلى شقيقها، ومعها زهران.......
كان الطفلان يعشقان الذهاب إلى هناك، حيث يجدان عددًا لا بأس به من الأطفال في مثل عمرهما؛ أحفاد شقيق انتصار، عالم صاخب يليق بهما.....
أما سامية.....
لم تذهب معهما، إذ كانت مدعوة إلى جلسة أخرى في نفس اليوم.......
في شقة سلمى ونضال...
كانت الأجواء مختلفة تمامًا.....
مجموعة متنوعة من الأسماك المدخنة والمملحة: الرنجة، الفسيخ، الملوحة...
تلك الأكلات التي يعشقها البعض وينفر منها البعض الآخر، قررت سلمى أن تجعلها عنوان عزيمتها لهذا العام، كعادة سنوية لا تتغير......
أرسلت زوجها مبكرًا، وكانت قد أخبرته قبلها بأيام عن هذا اليوم تحديدًا، لذا يعلم جيدًا أنه لن يعود إلا حينما يتلقى اتصالًا منها، اليوم ليس له…
اليوم لهن فقط.....
جاءت سامية مبكرًا وساعدتها في تجهيز الأطباق، تتنقلان بين المطبخ والسفرة، تتبادلان التعليقات الساخرة كعادتهما......
حتى وصلت حور ووفاء محملتين بالحلوى، والمشروبات الغازية، والعصائر، وكأنهما قادمتان لمعركة طويلة لا جلسة لطيفة........
بدلت حور ملابسها سريعًا بملابس أحضرتها وفاء لها، ثم بدأت في تجهيز السفرة بحماس واضح......
قالت حور بنبرة مرحة وهي تلتفت لوفاء:
-مش هتأكلي فسيخ يا دكتورة؟ ولا حتى سردين أو ملوحة.
هزت وفاء رأسها بحزم:
-ممكن أكل سلطة الرنجة اللي بتعملهما سلمى لكن أكتر من كده لا، ولو جعت هبقى أجيب أكل من تحت واسخنه، طنط انتصار كانت عاملة امبارح بسلة باللحمة فظيعة.......
قالت حور وهي تحاول إقناعها:
-ما تجربي ياستي هتخسري إيه؟ جربي تدوقيه ده اللي حتى سلمى بتاعت السعرات الحرارية بتأكله، واهي مرة بتحصل كل سنة قبل رمضان.
ضحكت وفاء ثم قالت:
-مش هجرب كفايا ريحته، وبعدين احمدي ربنا بقا إني هأكل سلطة رنجة وهشارك في الجريمة.
بعد مرور بعض الوقت…
كانت الفتيات الأربع قد انتهين من الطعام، وصنعت سامية أكواب الشاي بالنعناع، ووزعتها عليهن قبل أن تجلس أما سلمى كانت غائبة، منغلقة على نفسها داخل غرفتها، تتحدث عبر الهاتف منذ فترة ليست بالقصيرة.......
تمتمت وفاء بدهشة:
-الشاي هيبرد، هي سلمى بتكلم مين ده كله؟ معقول جهاد لسه بتكلمها...
ردّت حور وهي تحتسي آخر رشفة في كوب الشاي:
-ما أنتِ اللي اتصلتي تقوليلها قاعدين مع سلمى طلعتي حرباية بصحيح على اخوكي ومراته كنت شاكة فيكي عموما من زمان...
كادت وفاء ترد، لكن سلمى خرجت في تلك اللحظة، فبادرتها سامية بسؤالها وهي تلاحظ ملامح الضيق على وجهها:
-في حاجة حصلت ولا إيه جهاد اضايقت بجد؟.
وقبل أن تشعر وفاء بالذنب وتتكلم، قالت سلمى سريعًا:
-لا أنا قفلت مع جهاد من بدري أول ما دخلت جوا بس كنت بكلم واحدة بجد منرفزاني أوي..
سألتها حور بفضول:
-ليه حصل إيه؟.
جلست سلمى وأخذت نفسًا:
-أنا كنت منزلة في كذا جروب على أننا عايزين واحدة لكلاس الـ Belly Dance علشان من ساعة ما بدأنا والكل بيسأل عليه، المهم يعني اتواصلوا معايا كتير بس في واحدة اتواصلت معايا من الشرقية اسمها شمس منير.
قالت سامية بعدم فهم:
-وهي اللي من الشرقية دي هتيجي تعمل إيه عندك؟.
وضحت لها سلمى الأمر:
-دي أول حاجة جت في بالي بعد كده قالتلي أنها راجعة القاهرة خلال أيام وهتقابلني وبقالها فترة بتماطل وتديني ميعاد ومتجيش وأنا اصلا مش لاقية حد تاني، ودلوقتي كلمتني بتقولي أصلي كنت هطلق وبدور على شغل بس دلوقتي اتصالحت مع جوزي...
ضحكت سامية ووفاء معًا، لكن عينا حور لمعتا، واقتربت منها قائلة بحماس:
-خديني أنا فكك منهم كلهم مش هتلاقي زيي.
نظرت لها سلمى باستنكار:
-هزري هزري، هي نقصاكي يا حور.
تصلبت ملامح حور ثم قالت بجدية شديدة:
-والله أنا بتكلم بجد ههزر ليه؟ على فكرة أنا بعرف وأسالي وفاء...
ثم قالت بجدية طفولية:
-طب أقوم ارقصلك؟؟..
ضحكت سلمى رغمًا عنها، وقالت سامية بمرح بينما وفاء تكاد تختنق من الضحك:
-حلو ده علشان دياب يجي يكسر باب البيت علينا، اخوكي مجنون وكلنا عارفين ده من زمان...
تمتمت حور باعتراض واضح:
-ليه هو أنتم بتجيبوا رجالة هناك؟ مهوا جيم للبنات بس.
قالت وفاء بعد أن هدأت قليلًا:
-هاتيلنا موافقة من دياب واحنا نخلي سلمي توافق..
بعد وقت..
تغيرت المواضيع وتشعبت، كما تفعل دائمًا جلسات الفتيات؛ ضحك، حكايات، تعليقات جانبية، حتى جاء اتصال لوفاء، فخرجت إلى الشرفة....
بعدما انتهت المكالمة.....
جاءت لها رغبة حمقاء جعلتها تفتح الحساب الخاص به على "الانتسجرام" كان هناك منشورًا قام بتنزيله أخذت تشاهد الصور التي كانت أغلبها عن الطبيعة والشوارع في بلد ما وضع موقعها فوق الصور
"سويسرا".
كانت الصورة الأخيرة في المنشور له على غير العادة صورة له...
أصبحت تشاهد حساباته في صمت يبدو أنها أصابتها عدوى حور التي كانت دومًا تسخر منها...
من دون قصد....
تركت إعجابًا له على المنشور....
تجمدت للحظة تستوعب ما يحدث، وقبل أن تلغيه، سُحب الهاتف من يدها وأُغلق فورًا.....
كانت حور....
-مكلتيش فسيخ وقولنا ماشي، اخدتي لقمة رنجة بس وكملتي بسلة ولحمة وقولنا عادي، لكن هتفضلي ماسكة الموبايل واحنا موجودين يبقى عيب، يلا سلمى عاملة كيك شوكولاتة ملهوس حل حرفيًا..
قالت وفاء بعصبية:
-هاتي التليفون طيب بس..
-ليه مالك؟.
مدت وفاء يدها بعصبية شديدة مغمغمة:
-هاتي الأول يخربيتك اخلصي..
...في الداخل...
كانت سامية تجلس على الأريكة بجوار سلمى، كانت تخبرها سامية بما يحدث منذ مدة، كيف أصبح كريم من النادر رؤيته، كأنه يتعمد ألا يظهر....
مما جعل سلمى تعقب باستغراب:
-طب كويس، هو شخص مش متطفل ولا شخص عايز يضايقك بوجوده مدام أنتِ اللي طلبتي منه بصراحة يعمل كده، مش عاجبك ايه؟ أنتِ معترضة على أي حاجة....
قالت سامية بنبرة جادة:
-ايوة أنا قولت كده...
-بس مضايقة؟.
هزت سامية رأسها بإيجاب فقالت سلمى بهدوء:
-والله مش عارفة اقولك إيه، بس اعتبريها فترة هدنة وكل حاجة هتبان مع الوقت مشاعرك وحتى صدقه هو.......
صوت رنين هاتفٍ وحيد، كان هاتف سلمى…
الموضوع بعناية في الرواق، موصول بالشاحن، بعيدًا عن متناول الأيدي، تنفيذًا لقانون حور غير المُعلن:
“مفيش موبايلات، اللي يمسكه يتصادر.”
لذلك نهضت سلمى وذهبت إلى هاتفها لتجد زوجها العزيز هو من يقوم بالاتصال بها..
أجابت:
-الو.
جاءها صوته مشاغبًا، يحمل نبرة متعمدة من التذمر:
-خلصتوا ولا لسه؟ أنا عايز اجي البيت..
رفعت سلمى حاجبها تلقائيًا، وكأنها تراه أمامها:
-والله يعني النهاردة حبكت معاك تعوز ترجع بدري كده؟
ضحك بخفة قبل أن يتقمص دور المظلوم:
-شوفتي بقا؟ خليكي أنتِ مع صحابك وأنا أقعد في الشارع..
تمتمت سلمى بعدم تصديق:
-اقفل يا نضال مش وقت هزار...
ثم سكتت لحظة، قبل أن تسأله بنبرة أقل حدّة، بل مهتمة لمعرفة تفاصيل يومه:
-وبعدين استنى كده؟ أنتَ فين دلوقتي؟....
______________
في اليوم التالي......
منذ أن سافرت شقيقته…
وهو ليس بخير......
كأن الغربة عادت إليه من جديد، ذلك الشعور القديم الذي ظن أنه تجاوزه يومًا حين هاجر وترك وطنه.....
عاد الإحساس البغيض يتسلل إلى صدره بلا شفقة وبلا رحمة، على ما يبدو أنه تنساه منذ أن سافرت شقيقته له والآن هو يفترق عنها......
كانت هدير أخر ما تبقي من عائلته....
البقية لم تعد تربطه بهما أي شيء سوى الواجب فقط....
ولولا أنه يعلم حب شقيقته لهذا الشاب وحبه الكبير لها أيضًا لم يكن يوافق أبدًا على عودتهما مرة أخرى والزواج لكنه لم يكن له الحق أن يمنعها عن عيش حياتها كما تريد فهي تعذبت أيضًا......
اتصل به نضال اليوم......
بعدما لاحظ اختفاءه وكان دياب هو من حثه على ذلك، لعدم قدرته على الحضور، فأخبره دياب أن زوجته مريضة قليلًا ويجلس بجوارها، وشدد عليه ألا يترك طارق وحده.....
جاء طارق وجلس مع المعلم زهران بجوار الجزارة بعدما جاء حتى يلقي السلام عليه أولًا قبل أن يرحل برفقة نضال، ولكن طلب منهما زهران الجلوس معه قليلًا...
لاحظ زهران فورًا الهموم التي تقع على عاتق طارق وحالته النفسية السيئة فأخذ يحاول أن يسأله عن أحواله، ويتجاذب معه أطراف الحديث...
لم يستطع طارق وقتها أن يُعطيه إجابة كاذبة أو يقول أمام صديقه ووالده إجابة ليست حقيقية فغمغم بنبرة باهتة:
-مش عارف، مش مرتاح ولا مبسوط من ساعة ما هدير سافرت، حاسس أن كان معاها حق أنا مبقاش ليا حاجة هنا، ويمكن فعلا حياتي بقت هناك....
رد زهران قبل أن يتكلم نضال، بنبرة عملية:
-لا طبعا مفيش حاجة اسمها كده، إيه اللي هيقعدك برا ده كله؟ كفايا اللي راح من عمرك، وبعدين اختك اتجوزت وبقى ليها بيت وحياة حتى لو رجعت تعيش تاني هناك هي مش هتكون موجودة زي الأول، دي سنة الحياة.
أضاف نضال مؤيدًا حديث والده:
-بابا معاه حق يا طارق؛ وبعدين أنتَ اللي لازم تشوف حالك ودنيتك وتتجوز بأسرع وقت، إيه اللي معطلك شقتك وجاهزة ناقص بس العروسة اللي تختارها تنقي معاك وتفرشها..
سحب زهران نفسًا من أرجيلته وقال:
-أيوة ده عين العقل، مع إني واخد على خاطري منك يا واحد يا طارق..
ضيق طارق عينيه باستغراب متمتمًا:
-ليه بس يا عم زهران أنا عملت حاجة تزعلك؟!..
هز زهران رأسه بإيجاب ثم قال:
-ايوة، مزعلني من ساعة ما جيت من السفر وعرفت من الواد دياب أنك قولت لأمه أنها تشوفلك عروسة، وهي أم دياب مع احترامي يعني هتعرف تشوفلك؟ وأنا روحت فين؟ ده مفيش واحدة في المنطقة والمناطق المجاورة او أي انثى إلا وأنا عارفها، أو أعرف حد يعرفها او اتجوزت حد من عيلتها، ده أنا الخبرة كلها...
علق نضال ساخرًا:
-اه في دي بابا معاه حق...
ضحك طارق من وسط همه....
حتى أنه تناسي هذا الأمر فقال:
-حقك عليا يا عم زهران فاتنني دي...
لوى زهران فمه بتهكم ثم سحب نفس من الأرجيلة وساد الصمت لثوانٍ قبل أن يقول:
-وبعدين هو أنتَ اتعميت ولا أيه؟.
تمتم طارق متهكمًا:
-عملت إيه يا عم زهران تاني؟..
قال زهران بنبرة عفوية:
-في أنك بتطلب من الست تشوفلك عروسة، وهما في بيتهم بت زي الورد، حور مفيهاش غلطة، بت محترمة ومتربية وخفيفة على القلب كده؛ متلاقيش زيها، ومتربية على ايدينا، صحيح اخوها صايع بس مش مشكلة أنا ليا كلمة عليه، كون أنك تخلي الست تدورلك وهي عندها حور في البيت تبقى أعمى ومغفل..
من المرات القليلة جدًا جدًا...
هي أن يعجب نضال بحديث والده لذلك تمتم:
-فعلا بابا معاه حق، حور فعلا كويسة جدًا ومحترمة ومتربية ونعرفها من وهي عيلة صغيرة.
نظر لهما طارق بحرج وفكر...
كيف له أن يصارحهما....
أن هذا الاقتراح جاء في عقله بمجرد أن وقعت عينه عليها حتى أنه شعر بمشاعر مختلفة لم يعطِ لنفسه مساحة حتى لتحليله بل أخفاه، فقال:
-في فرق سن ما بينا، وكمان أنا مش عايز أي حاجة بأي شكل تخسرني دياب...
قال زهران ببساطته المعهودة:
-مش أوي كده متعقدهاش، وبعدين يعني مدام مكنش ينفع تخلف قدها لو اتجوزت يبقى الموضوع تمام، فكر فيها، أنا زهران لما بقول على جوازة أعرف أنها جوازة تعيش معاك العمر كله، وبعدين الصايع ده يلاقي زيك فين يناسبه، وبعدين ده لو فتح بقه أنا اظبطهولك؟.
قال طارق مازحًا:
-اومال مال الموضوع ده مش ماشي معاك ليه يا عم زهران؟...
قال نضال بخفة ظل:
-باب النجار مخلع بقا....
هتف زهران منفعلًا:
-أنا غلطان اني قاعد معاكم، يلا امشي أنتَ وهو شوفوا كنتم رايحين فين..
قال طارق ضاحكًا:
-أنتَ اللي قولتلنا نقعد يا عم زهران واحنا كنا ماشيين.
رد عليه زهران بسخرية:
- كنت غلطان وبعدين ده كان قبل ما تقلوا أدبكم، كان فيه وخلص، يلا طرقوني..
ثم قال بجدية وهو يسحب نفسًا أخيرًا من الأرجيلة:
-فكر في اللي كلمتك فيه، حور مش هتلاقي بنت زيها في الزمن ده، أنا ليا نظرة......
بعد وقت…
رحل نضال وطارق، وعاد الهدوء يهبط على المكان ببطءٍ مُريب........
صعد زهران ليتناول طعامه مع عائلته، ثم هبط مرة أخرى إلى الشارع….....
فتوقفت شاحنات تقف أمامه....
رجال يفرغون أثاثًا، أجهزة كهربائية، صناديق تُحمل بعجلة، أصوات تتحرك وتكسر صمت المساء.
كل هذا…
أمام بناية عزت....
انعقد حاجباه، ونادى بصوته الأجش:
-واد يا بدر..
خرج بدر مسرعًا من داخل الجزارة:
-نعم يا معلم زهران؟..
أشار زهران برأسه ناحية العمارة، ونبرة الريبة تتسلل لصوته:
-إيه اللي بيحصل؟.
حك بدر رأسه وهو يجيب:
-الحاج عزت بيأجر شقق عنده في العمارة، وتقريبًا في ناس سكنت وجت اهي....
لم يرتح قلب زهران وقبل أن يسأل أكثر…
وصلت سيارة، توقفت بهدوءٍ لافت، ونزل منها رجل تحت عينيه مباشرة......
تصلب زهران في مكانه.
ملامح يعرفها جيدًا أكثر مما ينبغي....
اقترب بخطوات واثقة، وابتسامة خفيفة على شفتيه:
-ازيك يا معلم زهران؟.
ضيق زهران عينيه، وصوته خرج جافًا:
-أنتَ بتعمل إيه هنا يا حمزة؟.
أجاب حمزة بهدوءٍ مقصود، وكأنه يلقي حجرًا في ماءٍ راكد:
-أجرت شقة في العمارة اللي قصادكم...
وسكت لحظة، قبل أن يضيف:
- علشان أكون موجود جنب ريان....
______يتبع______
لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كامله من هناااااااااا
مجمع الروايات الكامله اضغط هناااااااا

تعليقات
إرسال تعليق
فضلا اترك تعليق من هنا