القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية أنا لها شمس الجزء الثاني «أذنابُ الماضي» حلقه خاصه بقلم روز آمين حصريه في مدونة قصر الروايات

رواية أنا لها شمس الجزء الثاني «أذنابُ الماضي» حلقه خاصه بقلم روز آمين حصريه في مدونة قصر الروايات     

 



 

رواية أنا لها شمس الجزء الثاني «أذنابُ الماضي» حلقه خاصه بقلم روز آمين حصريه في مدونة قصر الروايات     



🔷حلقة خاااصة🔷




بسم الله ولا حول ولا قوة إلا بالله

لا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين

حلقة خاصة من «أذناب الماضي»

بقلمي«روز أمين»

_________________


داخل غرفة غاية في الأناقة بأحد الفنادق الفخمة بالعاصمة باريس،خرحت من الحمام برداء الإستحمام (البرنس)، تضع على رأسها منشفة ملفوفة بعناية، كان يتفحص ثيابه داخل الخزانة ينتقي لباسًا تناسب سهرته معها،ما أن رأها حتى تبسم وجههُ وأصبح أكثر إشراقًا،أقبلت عليه وتحدثت بجدية:

-ها يا حبيبي، إخترت هتلبس إيه ولا أختار لك أنا.

لف ذراعيه حول خصرها وقربها منه، ليميل برأسه يطبع قُبلة شغوفة فوق شفتيها وهو يقول:

-مستني حبيبي يلبسني على ذوقه

نطقها وطبع قُبلةً أخرى تبعها بجذبه لها بقوة جعلتها تبتعد متأوهة بحذرٍ:

-بطني يا چو

تراجع سريعًا وبات يفحصها بعينيه وهو يقول بهلعٍ:

-أنا آسف يا قلبي، مخدتش بالي

لامتهُ بعينيها حين تمتمت وهي تزمُ شفتيها بدلالٍ:

-أنا حامل في الشهر الخامس يا يوسف، هتاخد بالك إمتى وتتعود

أراد مداعبة زوجته فاقترب من جديد ولكن بحذر ليقول غامزًا بعينيه:

-حد قال لك تغفليني وتحملي على طول

لامس وجنتها برقة ليتابع مسترسلاً:

- أنا مش كنت متفق معاكِ نأجل الخلفة سنة ولا اتنين لحد ما ندلع شوية

رفعت أحد حاجبيها حين قالت باستنكارٍ مفتعل:

-يا سلام يا حضرة الظابط، وهو أنا كنت حملت لوحدي يعني؟، ولا هي الأستاذة اللي هتشرف دي هتبقى بنتي لوحدي؟!

تبسم وجهه وزاد إشراقًا عندما تذكر ما أبلغتهم به الطبيبة منذ عدة أيام،مال عليها وداعب أرنبة أنفها بخاصته قبل أن يهمس بحنانٍ تجلى بنبراته:

-إنتِ عارفة إن أنا فرحان أوي علشان البيبي طلعت بنوتة

لفت ساعديها حول عنقه وابتسمت، وبدلالٍ مفرط مالت برأسها تسألهُ:

-وإيه بقى سبب فرحة حبيبي؟


-إنها هتبقى شبهك يا قلب حبيبك...قالها وهو يتمعنُ النظر بعينيها والولهُ يشع من خاصتيه،لتسحبها عينيه في عالمٍ مليئًا بالسحر والخيال،لا وجود لهما سوى ببحر عينيه الغريق،حيث تبحر بمشاعرها وتصل معه لأعمق نقطة في بحر الغرام،تمتمت بنبرة تحمل من الغرام ما جعل قلبه ينتفضُ فرحًا:

-إنتَ ازاي بتقدر تاخدني من الدنيا كلها ليك بالشكل ده يا "يوسف"،أنا فتحت عيوني في الدنيا دي على حُبك،وعيشت وأنا بتنفسك،كتير اتخيلت مع نفسي شكل حياتنا بعد الجواز هتكون ازاي

صمتت لبرهة تأخذ بها نفسًا ثم تابعت والشوق يقفزُ من بين عينيها ليشعل نار عشق محبوبها أكثر:

-لكن كل تخيلاتي طلعت ولا حاجة قصاد اللي عيشته ولقيته جوه حُضنك.

مالت برأسها على كتفه وكأنها تُلقي بكامل مسؤليتها على كاهله، ليتلقاها بصدرٍ رحب وسعادة هائلة احتلت كيانه،وبصوتٍ يقطرُ صدقًا أفضت بلسان قلبها:

-أنا لقيت معاك اللي عمر خيالي ما قدر يوصل له يا حبيبي،لقيت الدفا، دفا القلب والروح والعقل،اللي بيهم غمضت عيني وسيبت لك نفسي وأنا مطمنة عليها، كملت الناقص فيا ومليت حياتي فرحة مسحت معاها كل أوجاع روحي اللي شوفتها في بُعدك

شددت من ضمة ذراعيها لعنقه وبرقة طبعت قبلة عليه، لتهمس برقة أذابت بها أوصاله وأشعلت جنون عشقه:

-إنتَ عمري يا"يوسف"، إنتَ كل حاجة حلوة فيا.

غيمة من المشاعر الهائلة اقتحمت عالمه في التو واللحظة،شعر بعجزٍ هائل أمام طوفان مشاعرها التي ألقت بها دفعةً واحدة لتغمرهُ بها، همس برقة بجوار أذنها وهو يشدد من ضمته لها:

-وإنتِ حلمي البعيد اللي عافرت وحفرت في الصخر علشان أحققه يا بوسي، وبعد صبر وتعب ووجع كتيـــر، قدرت أفوز بيكِ

خرجت من بين أحضانه وتعمقت بمقلتيه، وبنظراتٍ راجية تمتمت لتعبر عن مخاوفها:

-وحياتي عندك تحافظ عليا وعلى حبي ليك يا چو،بلاش تجرحني تاني 

وبنبرة إنهزامية تابعت بما يؤرق قلبها من رهبة باتت تلازمها من تكرار ما حدث بالماضي:

-قلبي مش هيقدر يتحمل إنك تبعد عني تاني



تعجب من حديثها وبسرعة سألها بجبينٍ مقطب:

-وأنا إيه اللي هيخليني أبعد عنك يا حبيبي؟!

حركت رأسها بحيرة فاحتوى وجنتيها ومال يُقبلهما برقة،لينطق بهمسٍ اقتحم روحها وبث بداخلها السكينة:

-إنتِ بتجري في دمي،ساكنة روحي،ومش هيبعدني عنك غير الموت

أسرعت بوضع أناملها على فمه لتمنعه من هذا الحديث فقد أرعبتها أخر جملة نطقها، هتفت بأعين حادة رافضة:

-متجيبش سيرة الموت على لسانك ابدًا، حتى الموت مش هسمح له ياخدك منك، إنتَ فاهم

نطقت كلمتها الأخيرة بحدة وغضب، ليبتسم وهو يميل برأسه بطاعة عمياء ينال بها رضاء الحبيب،غاص معها في قُبلة عميقة عبر من خلالها عن مدى غرامه الساكن بين الأضلعِ،ابتعد مرغمًا ثم أشار على خزانة ملابسه وهو يقول بكلماته التابعة بغمزة من عينيه:

-تعالى إختاري لي اللبس اللي هنخرج بيه، ويلا إلبسي علشان نلحق ميعاد العشا، علشان لو فضلنا على الوضع ده دقيقتين كمان،مش هنخرج من الأوتيل ولا حتى بكرة


أطلقت ضحكة جذابة وأقبلت لتنتقي لزوجها الذي سلم لها زمام أموره وقرر يرتدي ثيابه على ذوقها،شرع كلاهما بارتداء ثيابه لتسأله بجدية:

-زعلت لما خالو رفض إنك تسمي البيبي "إيثار"؟

عقد ما بين حاجبيه ليجيبها:

-في الأول زعلت شوية، بس لما فكرت فيها لقيت إن معاه حق

-ازاي؟

إستدار يطالعها ليتابع حديثه:

-لما حطيت نفسي مكانه كراجل بحب مراتي لدرجة الجنون، عذرته

جذب السترة الشتوية وشرع في ارتدائها متابعًا شرح وجهة نظره:

-على فكرة، كان ممكن أصمم على رأيي وأجبر بابا إنه يقبله، بس بصراحة ماما صعبت عليا لما لقيتها محتارة بيني وبينه،وأكتر حاجة خلتني شيلت الفكرة كلها من دماغي لما لقيتها وقفت في صفي وكانت هتعمل مشكلة مع الباشا بسببي

إقترب منها ليرفع ذقنها للأعلى ويتعمق بناظريها وهو يقول:

-وبصراحة أكتر، لما حطيت نفسي مكان بابا،اتجننت ولقيتني رافض الفكرة، ازاي هسمح لحد يسمي بيسان وأقف في المستقبل أتفرج على واحد جاي يتجوزها، لا وكمان ياخدها على بيته تعيش معاه،ده جنون

اطلقت ضحكة مرتفعة وقالت:

-الجنون ده هو تفكيرك الغريب يا حضرة الظابط


همس ببعض الأبيات الشعرية أمام شفتيها ليرتجف قلبها:

-لا تلومن العاشقين علي الهوى، فما يُلام المرء علي نبض قلبه، فالقلب مقيد أسير لمن هوى، وما هو بقادر علي كسر قيده.

حملتها كلماته على جناح الهوى لتذوب معها وتترك لروحها العنان.

    ********

يتمدد على فراشه مستمتعًا بما تسرده عليه تلك التي تستحوذ على عقله بحواديتها التي تقصها عليه يوميًا قبل وقوعه أسيرًا للنوم، كانت تتمدد بجواره، تداعب خصلات شعره الناعمة بأصابع يدها التي تتخللُ داخلها، لتنطق وهي تنهي قصة اليوم:

-ومن يومها والارنب بقى يسمع كلام أمه هي والست اللي بتربيه معاها، من غير ما يفتح بقه بحرف واحد

قضب جبينه مستغربًا وهو يسألها:

-بس القصة دي مامي حكتها لي قبل كده، ومكنش فيها ست بتساعد مامة الأرنب يا زوزة؟

لكزته بكتفه بخفة حين قالت معترضة:

-وهي أمك دي بتعرف تقول حواديت أصلاً، دي الكام حدوتة اللي بتحكيهم لك دول كانت شقطاهم مني زمان، أيام ما كنت بحكيهم لـ"يوسف" وهو صغير

لوى فاهه بتفكرٍ ثم نطق بعدما نفض أفكاره وجنبها:

-طب أحكي لي حدوتة كمان

هتفت بحدة لتحثه على النوم:

-حدوتة إيه دي اللي هحكيها لك، الساعة 12 والبيت كله نام، مفضلش غيرنا يا موكوس

انسحبت من جواره لتدثره جيدًا بغطائه الوثير وهي تقول:

-نام وانا هنزل أريح جتتي كام ساعة قبل النهار ما يشق.



طالعها بترجي:

-وحياتي يا زوزة، هي حدوتة واحدة بس

توجهت إلى زِر الإنارة متجاهلة نداء الصغير، لتنطق وهي تستعد للخروج:

-نام يا "مالك" أنا مش فايقة لك، وبكرة الصبح هبقى أحكي لك حكاية ليلى أم الفستان الاحمر والديب،يلا غمض عنيك بدل ما أمنا الغولة تطلع لك.


توجهت إلى الطابق الارضي حيث غرفتها وما أن استلقت بجسدها فوق الفراش،حتى استسلمت إلى النوم سريعًا.

           ********

عودة إلى العروسان، جلس حول الطاولة يتناولا طعامهما الذي انتقاه هو بعناية فائقة ليتناسب مع ذوق حبيبته، سألها متلهفًا لإجابتها:

-عجبك الأكل يا حبيبي؟

أغمضت عينيها قبل أن تجيبهُ باستمتاعٍ ظهر على ملامحها:

-أوي يا چو، كل حاجه في المكان تحفة، والموسيقى كمان حلوة أوي

مالت برأسها تترجاه بعينيها:

-وحياتي يا چو عايزة أرقص

-هرقصك يا باشا بعد ما نخلص أكل

تبسمت بسعادة، لتسأله بحماسٍ زائد:

-هنروح لـ"سليم"و"نور" إمتى؟

تناول قطعة من اللحم ومضغها وانتظر حتى ابتلعها ثم أجاب:

-بكرة ان شاءالله، هنفطر ونمشي على طول علشان نقضي اليوم معاهم،أنا مخطط لهم يوم حلو أوي، هينبسطوا جداً،هنبدأه بالملاهي وبعدها حاجز لكم في مطعم بيتزا.

استمرت سهرتهما كما خطط لها يوسف، تناولا الطعام ورقصا واستمتع كلاهما بحديث الآخر.

           ********

صباح اليوم التالي، كعادتها استيقظت "عزة"مع انطلاق أذان الفجر، توضأت وصلت فرضها، جلست تناجي ربها وتدعوه حتى ظهور أول شعاعًا للشمس، ذهبت إلى حجرة تجهيز الطعام وجدت العاملات قد استيقظن وبدأن بتجهيز وجبة الفطار،ألقت عليهن تحية الصباح ثم تحدثت إلى السيدة سعاد بهدوءٍ:

-خلي البنات يعملوا سلطة بابا غنوج لمدام" إيثار" يامدام" سعاد"،طلبتها مني إمبارح بالليل،وابقي خليهم يحطوا لها طبق ليمون معصفر

-ده كمان طلب المدام؟...قالتها مستفسرة فأومأت بنعم،وهي تقول:

-ايوه طلبها، أصل نفسها رايحة للمخلل والحادق اليومين دول

قاطعتهما "وداد"بنبرة متعجبة:

-أول مرة الهانم تطلب منك حاجة ومتعمليهاش بنفسك يا "عزة"؟

وتابعت متهكمة:

-مش دايمًا بتقولي إنها مبحبش تاكل غير من عمايل اديكي؟!

أجابتها مبررة:

-مش فاضية يا"وداد"، مقدرتش أحمي"مالك"بالليل فهطلع احميه قبل ما فؤاد باشا يصحى ويخرب الدنيا، لعب كتير امبارح وجري في الجنينة وجسمه كله عرق

قلبت"سعاد" عينيها بسأم من ثرثرة تلك المرأة قبل أن تنطق بملل:

-خلاص يا "عزة"، مش لازم تحكي التفاصيل.

تركتهن وصعدت للاعلى وما ان فتحت الغرفة حتى قطبت جبينها حين وجدت فراشه خاليًا، غمغمت باستغراب:

-راح فين الواد ده على الصبح

ولچت إلى الحمام لتجده فارغًا هو الآخر، هرولت تبحث عنه في غرف شقيقيه فلم تجده، بدأ الهلع يتسللُ لقلبها فهرولت تفتش في جميع الغرف ما عدا جناح الأسد خشيةً من افتراسها، جن جنونها بعدما فقدت أثره، أسرعت إلى الطابق الأرضي تبحث عنه بكل غرف القصر فلم تعثر عليه ايضًا، هرولت بصحبة العاملات يفتشن داخل الحديقة وغرفة الچاكوزي وحوض السباحة، وكأن الارض قد انشقت وابتلعت الصغير،جلست تندب وتخبط ساقيها والهلع ملئ صوتها:

-يا دي المصيبة، الواد راح فين

نزلت دموعها وهي تقول بقلب يعتصر ألمًا على صغيرها:

-يا ترى انتَ فين يا قلبي

هتفت سعاد لتهدىة هلع المرأة:

-اهدي يا عزة ومتعمليش في نفسك كده

نوحت بدموع عينيها:

-الواد اتخطف يا سعاد

-هيتخطف ازاي وحرس البوابة قالوا ان محدش خرج ولا دخل من البوابة

ضربت فخديها وهي تقول:

- لو ما اتخطفش يختي هيكون راح فين 

اجابتها المرأة بوقار:

-إنتِ ناسية إننا مدورناش في جناح علام باشا وفؤاد باشا؟

إلتمعت عينيها بوميض الأمل، وهرولت مسرعة للأعلى، كانت غافية، تضع رأسها بمنتصف صدره الحنون، بينما يحتويها هو بذراعه، إهتز جسده هلعًا عندما استمع لطرقاتٍ عالية ترج من شدتها الباب، انتفضت أيضًا "إيثار" على إثرها لتهتف صائحة بفزعٍ:

-فيه إيه يا "فؤاد"

كان أشبه بتائهًا، زاغ نظره ما بينها وبين تلك الطرقات، نفض عنه الغطاء وهرول متخبطًا، انتزع ردائه(الروب) كي يستر به جسده، وهرول حتى وصل إلى الباب تحت انتفاضة قلب إيثار التي تسمرت بمكانها من هول الصدمة، فتح الباب بيدٍ من حديد، ليتفاجأ بوجهها المنتفخ بفضل البكاء، وقبل أن تنطق بادر هو بسؤالها:

-فيه إيه يا عزة؟!

سألتهُ بقلبٍ متأمل:

-هو "مالك" عندك جوة صح

-مالك إيه اللي هيجيبه هنا؟!

بالكاد نطقها لينطلق نواحها من جديد:

-يا ترى انتَ فين يا ابني، اجيبك منين يا "مالك"

استمع كلاهما لصوت ارتطامٍ فهرولا للداخل وجدا إيثار قد سقطت بأرضها وهي تحاول النهوض من فوق الفراش، أسرع يسندها لتغمغم بصوتٍ بالكاد استمع إليه:

-ابني فين يا فؤاد،إبني فين؟


هم بالحديث لتقاطعه "عزة" بدموعها:

-اتخطف،الواد اتخطف يا إيثار،قلبت عليه القصر فوقاني تحتاني ملوش أثر،ابن قلبي اتخطف

أكدت على كلمتها الأخيرة لتنهار إيثار وتتهاوى بوقفتها، كاد أن يسقط جسدها أرضًا لولا ساعديه التي أسندتها، تماسك لأبعد حد حتى أجلسها على طرف الفراش ثم اعتدل إلى الاخرى ليسألها بأعين تطلق لهبًا:

-إحكي لي بقى كل اللي حصل بالتفصيل الممل

قصت عليه ما حدث من البداية إلى تلك اللحظة، هرول بساقين بالكاد تحملاه، لم يعتمد على بحث "عزة" والعاملات ودار يفتش بنفسه،لم يترك زاويةٍ ولا رُكنًا إلا وفتش به، هرول إلى رجال الحراسة وصرخ برئيسهم:

-أنا عاوز أعرف إبني راح فين

هتف الرجل يخبرهُ برهبة:

-يا باشا والله ما فيه حتى نملة خرجت أو دخلت من باب القصر، سعادتك عارفني كويس أنا ورجالتي،إحنا لينا سنين في خدمة معاليك وعمرنا ما قصرنا

دار حول نفسه بجنونٍ كالإعصار، تنفس بعمقٍ وهو يجذب شعر رأسه للخلف بحدة كادت تقتلع جذوره، ليصيح بجنون:

-أمال هيكون راح فين، الأرض انشقت وبلعته؟


يقف التوأم بجوار والديهما بقلوبٍ ترتجف هلعًا على شقيقيهما، مال "زين الدين" على والدته وهمس بما هداه له عقله الراجح:

-ماما، مش جايز مالك يكون نايم عند جدو

اتسعت حدقت عينيها وهي تطالع صغيرها، وبلحظة انبثقت في عقلها بارقةُ أملٍ أحيت داخلها، اقبلت على زوجها وجذبته من ذراعه وهي تهتف بتفائل:

-فؤاد، اوضة بابا محدش فتش فيها

أجابها بلامبالاة:

-وإيه اللي هيودي "مالك" عند بابا يا "إيثار"

تركته واتجهت مهرولة لداخل المنزل،لحق بها وهو ينبهها:

-متقلقيش الباشا يا إيثار، لو مالك مطلعش عنده ممكن يجرى له حاجة من القلق

كان يخشى على والده من ارتفاع ضغط الدم والسكر نتيجة هلعه على الصغير، ضربت بتنبيهاته عرض الحائط وهرولت صوب غرفة والد زوجها الموجودة بالطابق الأرضي، طرقت الباب مرتين بالعدد وبعدها دفعته بعدما فقدت صبرها، رقص قلبها فرحًا حين رأت صغيرها يتوسط الفراش غافيًا بين جديه، صاحت بسعادة وهي تهرول بخطواتٍ راقصة:

-"مالك"

انتفض كلاً من علام وعصمت التي سألتها بفزعٍ وهي ترى زوجة نجلها تقتحم عليهما غرفتهما للمرة الاولى، تلى دخولها فؤاد وعزة والصغار، ومن خلفهم العاملات وأثار البكاء على وجوههن،:

-إنتِ اتجننتي يا إيثار، إزاي تدخلي علينا واحنا نايمين كده؟!،ولامة البيت كله وراكي

لم تكترث لحديثها وهرولت تتفحص صغيرها الذي فاق ليسألها وهو يفرك عينيه:

-إنتِ بتعيطي ليه يا مامي؟!

التقط فؤاد الصغير وضمه لأحضانه، تنفس براحة اعتقد للحظة أنها تركته للأبد،لوهلة فقد الأمل في العثور على صغيره وبات الشيطان يصور له سيناريوهات جميعها يُذهب العقل،هرولت تاج إلى شقيقها وأسندت برأسها على ظهرها وهي تقول:

-حرام عليك يا مالك،موتنا من الرعب

طالعها مستغربًا وما زاد دهشته هي دموعها المنهمرة،مسح بأنامله الرقيقة دموعها وهو يسألها:

-إنتِ كمان بتعيطي يا تاج؟



إلتفت عائلة "فؤاد" الصغيرة حول الصغير الساكن بأحضان والده، ضمته "إيثار" واحتواه "زين" و"تاج"،حتى عزة التي امسكت كفه وباتت تقبله بنهمٍ ودموعها مازالت تنهمر كشلالاتٍ، ببنما هتف "علام"بعدما فاض به الكيل وهو يتبادل نظرات الدهشة بينه وبين زوجته دون فهم:

-فيه إيه يا" فؤاد"؟!، ما حد فيكم يفهمنا يا ابني؟!

تطوعت عزة بالإجابة وهي تقترب من سرير الزوجبن القابعين فوقه في مشهدٍ لا يحسدا عليه وهما يتطلعان للجميع ببلاهة:

-أنا هحكي لك يا باشا على القصة كلها، من طاطأ لسلاموا عليكم

قاطعها فؤاد هاتفًا بعدما استعاد وعيه وعاد للواقع:

-قبل ما تحكي عاوزة اعرف إيه اللي جاب الواد ده هنا

تطلع إلى والده بحذرٍ وأعين معتذرة ليتابع للأخر بأعين تطلق شزرًا:

-ما تنطق يلاَ، إيه اللي قومك من سريرك وجابك هنا؟!

عودة إلى ليلة الأمس، بعدما خرجت عزة وتركته وحيدًا، شعر بحاجته الملحة إلى الجلوس مع أحدهم والاستماع إلى أحد الحواديت، نفض الغطاء وقفز من فوق الفراش ليتحرك خارج حجرته،تحرك داخل الممر يتطلع على الغرف لينتقى من سيقضي بها ليلته،نظر على غرفة زين،وسرعان ما طرد الفكرة من رأسه لأسباب تعود إلى التزام الفتى بالنوم مبكرًا،تخطى غرفته ليتطلع بغيظٍ على حجرة تاج وهمس لنفسه:

-إنتِ لاء يا نجرسية، مش بطيقك

خطى بساقيه حتى توقف أمام باب جناح والديه،إقترب وقبل أن يدق الباب توقف لوهلة، حك رأسه مفكرًا ليهرول هربًا باتجاه الدرج حين لاح بمخيلته منظر والده وهو يوبخه بعنفٍ ويشير له بأصبعه بأمرٍ أن يعود إلى غرفته في التو واللحظة، نزل الدرج مدركًا وجهته، فقد استقر عقله واهتدى إلى الذهاب لغرفة جديه، هما من سيحتضناه ويتفهما حاجته للونس، بالفعل دق الباب ليستمع إلى صوت جده الحنون، دخل يقدم ساقًا ويؤخر أخرى خشيةً رفض جديه لوجوده بينهما بهذا الوقت المتأخر، هتف علام بقلبٍ متلهف:

-فيه إيه يا مالك، إنتَ كويس يا حبيبي

وزع نظراته بين حبيبيه وتحدث مدعيًا الخجل:

-هو انا ممكن اقعد معاكم وتحكوا لي حدوتة علشان مش عارف أنام 

فتحت له عصمت ذراعيها وتحدثت بترحاب:

-تعالى يا حبيبي، اسم الله عليك يا قلبي

بات يقفز بساقيه في الهواء من شدة سعادته، وبلحظة قفز فوق الفراش ليضمه علام إلى صدره في حين سأله بنبرة تقطرُ حنانًا:

-ها يا بطل، عاوز تسمع حكاية إيه

وضع سبابته على مقدمة رأسه بتفكرٍ ثم هتف متحمسًا:

-عارف قصة الأسد والفار يا جدو؟!

أه يا حبيبي عارفها...بدأ في قصها عليه تحت استمتاع الصغير بالدفيء الذي شعر به بين جديه الحنونين اكثر من استمتاعه بالقصة نفسها، شعورًا رائعًا غمر كلاً من الصغير والجدين حيث استمتعا أكثر من الصغير، احتوته الجدة بأحضانها وباتت تداعب خصلات شعره بأناملها الحنون مما أدخل الصغير في حالة من الاستمتاع والاستكانة، بعد أن انتهى الجد من سرد الحكاية ترجاه الصغير بأعين متوسلة:

-جدو،هو انا ممكن أنام في وسطكم النهاردة،أنا مدفي هنا اوي،وسريري بارد،وكمان انا عاوز انام في حضن نانا وهي تلعب لي في شعري

أطلق ضحكاته وتحدث بمداعبة:

-خلي بالك إنتَ كده بتتعدى على ملكيتي الخاصة،ودي مش أي ملكية،ده حضن واهتمام "عصمت" هانم الدويري

تبسمت خجلاً لتلميحات حبيب العمر، مما اسعد قلبه وباتا بتبادلان النظرات فيما بينهما حتى فاقا على صوت ذلك المشاكس الذي سأله بحدة بعدما نفذ صبره:

- يعني كده هبات ولا لاء؟

قرصه من أرنبة أنفه وهو يعنفه بمزاحٍ:

-إنتَ طالع خلقك ضيق لمين يا واد انتَ




-يا جدو بقى، يعني هبات في حضنك ولا إيه؟

ربتت عصمت على كفه قائلة:

-هتبات يا لمض

برغم عشقها للنظام وعدم تغيير قواعد المنزل، إلا أن لهذا الصغير القدرة على استحواذ قلوبهم واجبارهم على كسر القوانين ورميها بعرض الحائط

ارتمى بأحضان علام وتحدث متحمسًا:

-احكي لي حكاية كمان يا جدو

ومال برأسه بستعطفه:

-وحياتي عندك

-من عيوني يا قلب جدو... قالها علام برضا تام وبات يقص عليه الحكاية مع تكرار عصمت لمداعبة شعر الصغير حتى سقط في سباتٍ عميق، دثرته جيدًا بالغطاء،بينما مال علام ليطبع قبلة على وجنته وهمس إلى زوجته:

-الواد ده بياخد قلبي بشكل ميتوصفش يا" عصمت"،بحس بسعادة رهيبة وهو جنبي

حركت كفها برفقٍ فوق وجنة الصغير وردت:

-ماشاء الله عليه، عنده طاقة إيجابية كفيلة تغير مود أي حد للأفضل.

وتابعت وهي تبتسم لزوجها:

-ربنا يخليك لينا يا حبيبي، وميحرمناش منك أبدًا


-ويخليكِ ليا يا ست الكل.

عودة للحاضر

هتف فؤاد ملقيًا باللوم على والدته:

-طب يا ماما كنتي اتصلتي بيا ولا حتى بعتي لي رسالة، بدل ما احنا دايرين نلف في البيت وندور عليه زي المجانين،دانا مخلتش دولاب ولا ستارة إلا ودورت فيها

توقف لبرهة ثم هتف ىأعين متسعة:

-دانا دورت في دولاب المطبخ تخيلي،فتحت كل الضولف، حتى ضلفة تحت الحوض لما فتحتها

اصابت الصغير هيستريا ضحك من مظهر والده ويا ليته لم يفعل، فقد ذكره به مما جعله يلقيه أرضًا وهو يقول:

-وانتَ يا وش المصايب، وحياة أمك ما هعديها لك المرة دي

-فؤاد... قالها علام كي ينتبه لإسلوبه الغير لائق مع الصغير، تحمحم وهو يقول باعتذار:

-آسف يا باشا، بس اللي حصل خرجني عن شعوري

كل هذا يحدث تحت اشتعال داخل عصمت التي تشاهد بصمتٍ تلك المسرحية الهزلية، فقد اقتحم سكان منزلها حجرتها الخاصة واجتمعوا حولها هي وزوجها وهم بملابس النوم، هتفت بسخرية وهي تشير إلى التخت التي مازالت تتمدد فوقه هي وزوجها:

-طب ما تتفضلوا معانا يا جماعة، مينفعش وقفتكم كده

تحمحم فؤاد حرجًا وانتبهت ايثار وعزة للوضع لتهرول الاخيرة تسحب الصغار وتخرج بهم، لحقت بهم ايثار التي وما أن خطت بساقيها خارج الغرفة حتى سقطت مغشيًا عليها.

           ********

عودة إلى العاصمة«باريس»

وصلا الزوجين إلى منزل السيدة "نائلة"،كي يصطحبا الأطفال لقضاء يومًا مميزًا يحفر في ذاكرة الصغار ويضاف إلى ذكرياتهم سويًا، وقفت السيدة تستقبلهما بحفاوة:

-أهلا وسهلا فيكن،والله باريس نورت بچيتكن

رد تحيتها بابتسامة هادىة:

-أهلاً بيكِ يا افندم

نطقت المرأة عاتبة:

-كتير زعلت منك يا" يوسف'، معقول بيت "نور" و"سَليم" بيكون موجود وبتنزل إنت و" بيسان" بأوتيل، والله عيب عليكن

ردّت عليها بيسان بلباقة:

-محبناش نزعج حضرتك يا طنط

تمتمت بدهشةٍ من حديثها:

-معقول يلي عم تقوليه يا "بوسي"، إزعاج شو حياتي،والله بتنورونا،

وتابعت وهي تُشير حولها:

-ليكِ البيت اسم الله شو كبير، ومتل ماعم بتقولوا بمَصِر، يساع من الحبايب ألف.

أجابها مقتصرًا:

-إن شاء الله المرة الجاية تتعوض

-ولو،أكيد، المرة الجاية مابسمحلكن تحجزوا بشي مكان، هالمرة بس فوتها لأنكن عرسان چداد وبدكن خصوصية، ولهيك ما أصريت عليكُن.

تبسم قبل أن يغير مجرى الحديث:

-لو سمحتي تندهي لنور وسليم علشان نتحرك ونلحق اليوم من اوله

خرجت الصغيرة تهرول عليه وهي تقول:

-"يوسف"، كتير اشتئتلك

رفعها واسكنها أحضانه، بات يزيدها من قبلاته الحنون وهو يقول:

-إنتِ كمان وحشتيني اوي يا"نور"

تناول الصغير أيضًا وبات يعبر له عن اشتياقه من خلال قبلاته والأحضان، اصطحبا الصغيران وانطلقا لقضاء يومًا يضاف إلى ذكرياتهم سويًا.

*******

عودة إلى قصر علام زين الدين مرةً أخرى

كانت ممددة على الفراش فاقدة الوعي، يلتف من حولها الجميع والقلق يأكل قلوبهم، حضر الطبيب وخرج الجميع ليتركوها بصحبة فؤاد وعزة، بعد الفحص تحدث الطبيب بابتسامة سخيفة:

-مبروك، المدام حامل

-نعــــــم...كلمة صاحت بها إيثار اعتراضًا على هذه الترهات التي حكاها الطبيب منذ قليل،بينما هتف فؤاد بسعادة وقلبٍ يتراقص فرحًا:

-إنتَ متأكد يا دكتور، مراتي حامل فعلاً؟

اما الصغير فقد تسحب منذ قليل ولم يلحظ وجوده احدًا، ليصيح بسعادة وهو يقفز لأعلى:

-مامي حامل زي بوسي،و هتجيب لنا نونو صُغنن ألعب بيه

كانت تتطلعُ بوجوه الجميع ببلاهةٍ اصابتها من هول ما استمعت إليه، بينما لوت عزة فاهها وهي تهمس لنفسها بعدما رأت فرحة فؤاد:

-ينيلك راجل، اللي يشوفه يقول ما شافش الخلفة قبل كده.




إنتهى الجزء الاول من الحلقة وآسفة للتأخير، النهارده كان عيد ميلاد بنوتي ريما ومكنش ينفع يتأجل وده سبب التأخير وقسم الحلقة، ان شاءالله باقي الحلقة هنزلها بكرة وكل سنة وانتم طيبين وعام سعيد علينا جميعا.



 


 


 


🔷الجزء الثاني من الحلقة الخاصة🔷


 


بسم الله ولا حول ولا قوة إلا بالله

لا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين

الجزء الثاني من الحلقة الخاصة من «أذناب الماضي»

بقلمي«روز أمين»

_________________

بعد صمتٍ دام عدة دقائق قضتهم بين استنكارٍ ودهشة وذهول، قررت الخروح عن صمتها بصرخة قوية عبرت من خلالها عن قمة الإستياء:

-بــاس،مش عاوزة اسمع صوت حد فيكم

وقع عليها الخبر فأصابها بنوبة هلع من فكرة حملها بجنينٍ بهذا العمر، هي اكتفت بأنجالها الأربعة وحمدت الله عليهم،بالإضافة إلى قيادتها للشركة والمكانة التي وصلت إليها ومن المستحيل أن تضحي بها، تابعت حديثها وهي تحدق بالطبيب بنظرات فتاكة:

-هي مين دي اللي حامل، إنتَ أكيد غلطان

وتابعت مؤكدة:

- أنا لا يمكن أكون حامل، مستحيل

استفزته كلماتها وشعر من خلالها بالإهانة، هتف مستنفرًا وهو يرمقها كأنها شككت بفحولته:

-مستحيل ليه إن شاءالله يا مدام، مش متجوزة راجل؟!

تراجعت في ذعرٍ وابتلعت ريقها من هيأته المخيفة، تمتمت بحذرٍ وهي تتطلع على الطبيب عل زوجها بنتبه لوجود غريبًا بينهم:

-إهدى يا سيادة المستشار، وبعدين أنا مقصدش أي حاجة تخصك بكلامي

وتابعت بتأثرٍ للطبيب بعدما أدركت حجم الكارثة:

-أنا عاملة إحتياطاتي كويس جداً، ومركبة وسيلة لمنع الحمل، لولب

أجابها بشكلٍ عملي من خلال خبرته كطبيبًا عام لديه خبرة كبيرة:

-وجود اللولب مش شرط يمنع الحمل يا مدام، فيه حالات كتير حملت عليه، ده غير إن الميعاد متأخر إسبوع على حسب كلامك

أرادت عزة التجويد كعادتها فاكملت للتأكيد على حديث الطبيب:

-ده غير المخلل والحوادق اللي كل شوية تطلبهم يا دكتور، نفس اللي حصل مع حملها في "مالك" بالظبط.


أكد فؤاد على حديثها قائلاً:

-بالظبط يا "عزة"، هي فعلاً نفس الأعراض بتاعت حمل" مالك"

بدون سابق إنذار نزلت دموعها بغزارة، باتت تهز رأسها رفضًا واستنكارًا، نطق الطبيب بعملية:

-على العموم انا هاخد من حضرتك عينة دم وهبعتها المعمل علشان نتأكد

أخذ الطبيب العينة ثم خرج بصحبة عزة التي تبرمت اعتراضًا، جاورها الجلوس واحتضنها بحفاوة وهو يقول بأعين تقفز منهما السعادة:

-مبروك لحبيبة حبيبها اللي شرفته ورفعت راسه قدام الكل

جذبت نفسها من بين احضانها لتصيح بحدة بالغة:

-أنا في إيه وانتَ إيه يا "فؤاد"، هو انتَ مش مدرك حجم المصيبة اللي أنا فيها؟!

لم يستطع تخبأة سعادته التي قفزت من بين نبراته وهو يقول:

-مصيبة إيه بس يا بابا، ده أحلى خبر سمعته في حياتي

احتوى ذراعيها برفقٍ وبنبرة تحمل كل معاني الغرام همس أمام عينيها:

-إنتِ مش عارفة إنتِ عملتي إيه فيا بالخبر ده، أنا حاسس إني رجعت عشرين سنه لورا يا "إيثار"

لامته بعينيها، فأخر ما توقعته هو أن يتعامل مع الموضوع بكل هذه الأنانية، فقد فكر بحاله فقط متجاهلاً وضعها، لذا هتفت وهى ترمقه بذهولٍ:

-هو انتَ ازاي قادر تكون أناني بالشكل ده يا "فؤاد"

طالعها بصدمة وتمتم مرددًا كلمتها:

-أناني؟!، أنا أناني يا "إيثار"؟!

هتفت وقد صبت عليه جام غضبها:

-أيوا أناني يا" فؤاد"، ومبتفكرش غير في نفسك وبس

وتابعت بأشد غلظة:

-فرحان أوي بالخبر اللي هيخلي الكل يبص لك على إنك الراجل الجامد أوي، اللي مراته حملت في السن ده، وكمان على اللولب

أشارت على حالها وتابعت مسترسلة:

-لكن أنا، فكرت فيا ولا حتى جيت على بالك؟!

طالعها مستغربًا وهو يسألها:

-وأنا بعمل إيه في حياتي غير إني بفكر فيكِ وفي مصلحتك واللي يريحك طول الوقت

توقف لبرهة ثم حرك رأسهُ بأسفٍ وتابع مسترسلاً بعتاب:

-وبعد كل ده أطلع أناني ومبفكرش غير في مصلحتي؟!، ليه يا إيثار، كل ده علشان فرحان إن هيكون لي إبن جديد منك؟!

صرخت بجنون:

-إبن إيه اللي عاوزني اجيبهولك وأنا في السن ده يا "فؤاد"،مفكرتش فيا وفي شكلي قدام ولادي،دي مرات" يوسف"كمان كام شهر وهتخلف وهبقى جدة؟!

إنتَ متخيل شكلي وانا شايلة أول حفيد ليا وكرشي قدامي مترين

صمتت لتتابع بنظراتٍ زائغة وبعدم تقبل للفكرة:

-ولا شُغلي؟

لم ينتظر استكمال حديثها وهاجمها على الفور:

-أيوا، جينا للنقطة الأساسية، شغل المدام اللي أهم عندها من جوزها وعيلتها

انتفض واقفًا وبات يستعرض بذراعيه بطريقه مسرحية وهو يلف حول حاله:

-"إيثار" هانم الرئيس التنفيذي لشركات الزين مينفعش تكون حامل، لأنه هيأثر على مسيرتها العظيمة.

قطع شجارهما دخول العائلة بالكامل حيث نطق "علام" مستفسرّا، فهو إلى الأن لا يعلم سبب فقدان زوجة نجله لوعيها، فقد خرجت "عزة" مع الطبيب واصطحبته للخارج وإلى الآن لم تعد، بينما اختفى الصغير ولا أحد يعلم وجهته:

-خير يا "فؤاد"، الدكتور قال لك "إيثار" مالها؟



طالعه بحدة تعود لانفعاله الشديد، ثم تبادل النظرات مع تلك الباكية تحت استغراب "علام" و"عصمت" والتوأم، خرج صوت "عزة" التي حضرت للتو لتهتف بانفعالٍ:

- حامل يا باشا، مبروك، جاي لكم ضيف جديد في الطريق

اشتدت سعادة "علام"، بينما همست"عزة" لحالها بتبرمٍ واستنكار:

-ناس ليها الفرحة وناس ليها السهر وهدت الحيل، فالحين بس يخلفوا ويرموا العيال لـ"عزة" تربي

هتف "علام" بوجهٍ سعيد:

-الف مبروك يا بنتي

بينما طالع نجله بفخرٍ واقترب يربت على ظهره:

-مبروك يا حبيبي، يتربى في عزك ان شاءالله

امتعضت الفتاة واشتعل وجهها غضبًا وهي تتطلع على والدتها، وبدون حديث خرجت من الغرفة كالإعصار المدمر، بينما تحدث توأمها باحترام شديد إلى والده:

-مبروك يا بابا، مبروك يا ماما

خرج "فؤاد" من الغرفة بوجهٍ محتقن غير مبشر، في حين تبادل "علام'و" عصمت" نظرات الاستغراب بينهما، قدمت "عصمت" التهنئة لزوجة ابنها حين قالت بصوتٍ فاقدًا للحماس:

-مبروك يا "إيثار"، حاولي ترتاحي وتنامي لك شوية، وأنا هخلي" سعاد" تعمل لك حاجة دافية تشربيها

خرجا الزوجين لتقف عصمت بمقابلة زوجها وهي تقول:

-"فؤاد" شكله مش مبسوط من الخبر، ولا حتى "إيثار"

ضيق عينيه وأجابها بذكاءٍ:

-الموضوع ملوش علاقة بفرحة خبر الحمل نفسه، فيه مشكلة بينهم وعلى ما أظن إن "إيثار" مش راضية عن الحمل، وده كان سبب صوتهم العالي اللي سمعناه من شوية

سأل إحدى العاملات عن "فؤاد" فابلغته انه بغرفة المكتب، توجه إليه ليفهم منه ما حدث،جاورته زوجته.

********

داخل الحديقة الخاصة بمنزل دكتور"ماجد"، ولچ الصغير واتجه مهرولاً إلى عائلة عمته الملتفون حول الطاولة يتناولون طعام فطار يوم الجمعة بصحبة "نوال" و"عليوة"، فقد اصبحوا بالفترة الأخيرة دائمين التردد عليهم، نطقت "فريال" وهي تشير بحرصٍ وهلع على ذلك الذي يهرول مقبلاً عليهم:

-براحتك يا "مالك" لتقع.

وصل لعندها وتوقف ينظم أنفاسه،عاتبته لائمة:

-بتجري كده ليه يا حبيبي،مش أنا قولت لك ألف مرة تمشي بالراحة،لو وقعت وانتَ بتجري واتعورت،يبقى كويس ساعتها؟!

تحدث بلهاثٍ شديد يعود إلى هرولته:

-جاي أقول لك على خبر حلو أوي، مامي وقعت ولما الدكتور جه كشف عليها، قال إنها حامل، يعني هتجيب لنا نونو صغنن زي بوسي يا عمتو



سعلت "نوال" بقوة قاذفةً ما كانت تحتسيه من مشروب الشاي من هول المفاجأة،بينما اتسعت أعين "ماجد" مرددًا بذهول:

-حامل؟!

احتوت كتف الصغير لتسأله بدهشة:

-إنتَ متأكد يا "مالك" من الكلام ده؟

هتف يخبرها بأنفاسٍ لاهثة:

-انا سمعت الدكتور وهو بيقول لبابي

توقف ليستعد بتقليد الطبيب قائلاً:

-مبروك، المدام حامل

تمسكت بكف الصغير وأسرعت إلى منزل والدها للتحقق من مدى صحة الخبر، ابتسمت "نوال"بسخرية قبل أن تبخ كلماتها السامة:

-هي الولية دي مبتتهدش، لسه فيها حيل تحمل وتجيب عيال تاني، مش مكفيها التلاتة اللي جابتهم للمستشار وكلت بيهم عقل العيلة كلها

وتابعت بدهشة:

-هي عايزة إيه تاني، ده الراجل الكبير كتبلهم كل حاجه، وسلمها الشركة

تحدث"عليوة"علها تلتزم الصمت وتكف عن التدخل فيما لا يعنيها:

-ملناش دعوة يا" نوال"، هما عيلة في بعضهم، خلينا إحنا في حالنا

لوت فاهها اعتراضًا قبل أن تسأل ولدها:

-إنتَ إيه رأيك في الكلام ده يا "ماجد"؟

أبدى عدم اكتراثه بالأمر حين قال برفع كتفيه:

-وأنا مالي يا ماما، الموضوع كله ميخصنيش لا من بعيد ولا من قريب

نال حديثه استحسان والده، ليتابع حديثه إلى نجله متجاهلاً نظرات والدته الحانقة:

-كلمت اختك النهاردة اطمنت عليها يا سيادة المستشار؟

اجابه الفتى بعملية:

-اه يا بابي، كلمتها وهي كويسة جداً، قالت لي انها هتكلم حضرتك بعد صلاة الجمعة.

أدارت دفة الحديث على حفيدها لتقول بتفاخر:

-عقبال ما تتخرج واشوفك مستشار قد الدنيا زي خالك وجدك يا "فؤاد "

إسمه سيادة المستشار يا ماما...قالها "ماجد" بكبرياءٍ حاد،وتابع بحقدٍ دفين يعود لعقدة النقص القديمة:

-وان شاء الله هيكون أحسن وأعلى من جده وخاله

حرك عليوة رأسه بيأسٍ من أفعال نجله وزوجته الغريبة، وتذمرهم المستمر وغياب الرضا من نفوسهم.

********

تطوف بالحديقة ذهابًا وإيابا بوجه متجهم، ممسكة هاتفها تنتظر رد أحدهم بفارغ الصبر، ما أن استمعت إلى صوت شقيقها حتى هتفت تشتكيه:

-شوفت ماما عملت إيه يا چو

كان يتابع شقيقيه عبر زجاج حجرة الالعاب، ليسألها مستفسرًا بارتياب:

-فيه إيه يا "تاج"، عملت لك إيه ماما؟

صاحت باعتراضٍ شديد:

-الست ماما حامل

توقفت الكلمات بحلقه لبرهة، لينطق بصعوبة مستفسرًا أملاً في أن يكون أخطأ في الاستماع:

-بتقولي إيه؟

ماما، حامل... عقله توقف عن التفكير بعدما تأكد من صحة الخبر، فقد شلت المفاجأة جميع حواسه، فبأي منطق سيتقبل حمل والدته وهي بهذا العمر، هو على مشارف استقبال مولودته الأولى،ما استمع إليه من شقيقته شيئًا لا يتقبله عقل،هتفت الصغيرة متذمرة:

-إنتَ لازم تتصرف يا چو وتمنع المهزلة دي،أصحابي هيتريقوا عليا، يرضيك كده يا چو

لم يستطع مجاراة شقيقته في الحديث، فتمتم بنبرة حادة:

-إقفلي يا" تاج" وهكلمك بعدين.

أنهى المكالمة دون ان يستمع لردها، سألته تلك المجاورة تتابع الاطفال:

-مالك يا "يوسف"؟

فأجابها بشيئًا من السخرية:

-أمي حامل.

نزلت عليها الكلمة صدمتها لتأخذ الصمت من نصيبها.




********

عودة إلى منزل" علام زين الدين"، داخل المكتب،يجلس أمام والديه منكس الرأس، ينظر أرضًا بيدين متشابكتين، نطق "علام" بعدما استمع للقصة من نجله:

-ده رد فعل طبيعي منها يا "فؤاد"، الست مصدومة من اللي سمعته، دي واحدة عدت الاربعين سنة وفجأة وبدون مقدمات تكتشف إنها حامل

تمتم بغضبٍ سكنه:

-لا يا باشا، دي أنانية منها، مش صدمة أبدًا

قاطعته" عصمت" باعتراض:

-بابا عنده حق يا "فؤاد"،" إيثار" مصدومة وكل كلامها ناتج عن صدمتها، متنساش إنها هتبقى جده بعد كام شهر، فطبيعي هتفكر في شكلها قدام الناس وتخاف من كلامهم وتريقتهم عليها.

-والناس هتتريق ليه يا ماما؟!

-الناس مبتسبش حد في حاله يا ابني

بات يستوعب رد فعل زوجته بعد حديث والديه العاقل، انضمت إليهم "فريال"حيث كانت بموقف لا تحسد عليه، لا تدري أتهنئء شقيقها وزوجته، أم تواسي" إيثار" في تلك المحنة.

********

ليلاً، بعد مرور عدة ساعات قضاها الجميع في توتر ومشاعر مختلطة،ما بين فرحة وغضبٍ واستياءٍ واعتراض ، كانوا يجلسون جميعًا داخل غرفة المعيشة، ملتفون حول المدفأة يحتسون مشروب الشيكولاتة الساخن في اجواء عائلية دافئة، الجميع ملتزم الصمت، بينما تسترق هي النظرات بين الحين والآخر من زوجها الغاضب منها والمتجاهل وجودها، وإذ بذلك المشاكس يقفز من مقعده ليكسر حاجز الصمت وهو يقول لأبيه:

-خلي بالك يا بابي، البيبي اللي هييجي ده هيقعد معايا في أوضتي، وهينام على سريري، و"عزة" هتحكي لنا الحواديت مع بعض

-يا ابني هو انا مش قولت لك إبعد عني وخليني أنساك، ليه مُصر تطلع لي من كل حتة زي عفريت العلبة وتفكرني بعملتك السودة بتاعت الصبح؟

وتابع بحدة:

-إرجع مكانك يَلاَ

مط شفتيه بامتعاضٍ وربع ساعديه ليعود إلى مقعده بوجهٍ عابس،انطلق رنين هاتف "فؤاد" ليعلن عن وصول مكالمة، رفع شاشته ليجده رقم الطبيب، تحدث إليه بجدية:

-خير يا دكتور؟

تحمحم الرجل وتمتم بصوتٍ يقفز من بين حروفه الخجل:

-أنا آسف يا سيادة المستشار، الحقيقة مش عارف أقول لحضرتك إيه

هتف بحدة يحثه على إلقاء ما في جعبته دفعةً واحدة:

-إنطق يا دكتور وخلصني، فيه إيه؟!

نطق سريعًا:

-حمل مدام "إيثار"، طلع كاذب

صاح مستنكرًا:

-نعم يا اخويا، ويطلع إيه الكاذب ده كمان

بدأ يفسر له بطريقة مبسطة:

-يعني نفس أعراض الحمل بس مش حمل حقيقي.

أغلق مع الطبيب وحمد الله بسريرته أن الحديث كان هاتفيًا، وإلا كان ارتكب به جنحة تعدي بالضرب والسب، تطلع أمامه لبجد أعين الجميع مصوبة عليه، ينتظرون الخبر اليقين، لينطق بصوتٍ خائب وهو يرمق زوجته بغيظٍ:

-إرتاحي يا مدام، الحمل طلع كاذب

تزامن نطقه للجملة مع دخول" عزة" التي اطلقت زغرودة تعبيرًا عن سعادتها وهي تقول:

-يحيا العدل.



إنتهت الحلقة الخاصة من أذناب الماضي

دمتم بخير وكل عام ونحن إلى الله أقرب😘

إنتظروا إزاحة الستار عن غلاف الرواية الجديدة خلال أيام قليلة

 لمتابعة الروايه الجديده زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كامله الجزء الاول من هناااااااااا

الرواية كامله الجزء الثاني من هناااااااااا

مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا

مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا


تعليقات

التنقل السريع