رواية لإجلها الفصل الخمسون والحادي وخمسون الجزء الثاني بقلم أمل نصر حصريه في مدونة قصر الروايات
رواية لإجلها الفصل الخمسون والحادي وخمسون الجزء الثاني بقلم أمل نصر حصريه في مدونة قصر الروايات
الفصل الخمسون
هناك قوة أعمق من كل سيف أو سلطان،
قوة تسكن قلب من صبر ولم يساوم على روحه،
من رفع عينيه إلى السماء حين خيّبت الدنيا أمله،
ومن جعل الليل مدرسة للصبر، والدموع مصدر للنقاء.
كل ألم، كل جرح، كل خيبة،
ليست عقابًا بل حافزًا،
لتعرف الروح طريقها نحو النور،
لتستعيد ما سُلب منها من فرح وسكينة،
لتفهم أن الانتصار ليس بأيدي الناس، بل في صفاء القلب،
وفي ثبات الروح حين تهتز الأرض تحتك.
اذهبي حيث يناديك قلبك،
خذِي حقك من الزمن والظروف والذين ظنوا أنهم أقوى،
لكن أعظم انتصار هو أن تظل روحك نقية،
تضيء داخلك، حتى لو أظلم الخارج كله،
فتصبح الحياة كلها لك، والفجر يركع أمام إرادتك.
المراجعة والخاطروة الروعة من المبدعة القمر/ سنا الفردوس بطوط
الفصل الخمسون
داخل شرفتها، كانت مستندة بمرفقيها على حافة السور الرخامي، تراقب من الأعلى الضجيج والصخب الدائر في الأسفل.
أعداد البشر التي تأتي وتذهب لتقديم التهنئة والمباركة بحمل والدتها من عمِّها حمزة، كما كانت تناديه دائماً، الرجل الذي زرع البسمة على ثغر المرأة الحزينة بعد سنوات طويلة، كان ملازماً لها كالعباءة السوداء التي لم تكن تستبدلها بغيرها.
والدتها تبدّلت؛ حتى ملامحها أصبحت أكثر توهجًا ونضارة. شخصيتها التي اتسمت دومًا بالعقلانية المبالغ فيها صارت خفيفة الظل، كأنها امرأة عشرينية لا يليق بها أن تكون جدة عمّا قريب.
وقد ارتدّ كل ذلك عليها هي بالراحة؛ فوالدتها وجدت العوض أخيراً بعد التضحية… وهذا بالفعل كرم من الله عليهما معاً.
دوّى فجأة صوت هاتفها من داخل الغرفة، فتحركت تاركة الشرفة لتلتقطه من فوق الكومودينو. وما إن وقعت عيناها على شاشة الهاتف ورأت اسم المتصل، حتى أختفت سريعًا فرحتها، وتسَلّل إليها التوتر، لتسقط جالسةً على طرف سريرها في حيرة:
هل تجيب أم لا؟
إلا أنها حسمت الأمر سريعًا، وقررت الرد:
ـ الو يا أبوي.
ـ أيوه يا ليلى، عاملة إيه يا بنيّتي؟ إن ما كانش أبوكي يسأل عليكي، إنتِ ما تسأليش؟
ـ معلش يا أبوي، اعذرني… الدنيا شغلاني شوية. لكن أنا زينة والحمد لله. إنت عامل إيه؟
ـ أنا كمان زين والحمد لله، لكن أنا سامع ضرب نار جاي من عندكم! إيه الحكاية؟ لتكوني نجحتي يا بت وجوزِك عايز يبين الكرامة؟ ما أنا عارفه يحب يبين نفسه إنه الزين... هو وباقي عيلته.
ـ ……
ـ مالِك سكتي ليه؟
ـ آه… لا يعني… أصل مش جوزي اللي كان بيضرب نار. أنا أصلًا نتيجتي يومين وتظهر إن شاء الله… بس اللي كان بيضرب نار هو عمي حمزة…
ـ وه! حمزة كمان! وماله المغندر كان بيضرب نار ليه بجى؟ لا يكون عشان نتيجة أمك!
ثم ضحك باستخفاف، حتى استفزّها، لتصعقه بردّها:
ـ لاه يا أبوي. أمي نتيجتها أصلاً ظهرت من الشهر اللي فات ونجحت والحمد لله، وكلنا فرحنالها. بس هو النهارده كان بيضرب نار عشان فرحان… إن ربنا كرّمه بحمل أمي…
قالتها بدون تردد، بعدما شعرت بالسخرية في نبرته تجاه محبة حمزة لوالدتها.
فردد خلفها بدهشة:
ـ حمل مين يا بت؟ هي أمك دي مش قاطعة الخلف من زمان؟
ـ لاه يا أبوي، ما كانتش قاطعة الخلف ولا حاجة. أمي كان عندها مشاكل صحية بسبب صغر سنها، واتطورت معاها. لكن مع الوقت اتحسّنت… ودلوك جه عطا ربنا، ودا بييجي من غير حساب… بييجي بإرادته.
لم ينتظر المزيد، وأنهى المكالمة دون حتى وداع. ظل يطالع الفراغ بشرود؛ ها هو يُهزَم من جديد، وتكتسح الحسرة قلبه. لماذا كل هذا يحدث معه؟
ما يريده يفقده، وما لا يريده يظل ملتصقًا به.
ذهبت عيناه بغضب نحو زوجته صفا التي كانت تتبادل الحديث مع أطفالها، وقد تركته ولم تعد تتقرب منه، كأنها استغنت بهم عنه.
أإلى هذا الحد أصبح بلا قيمة، حتى عند من كانت ترتمي عند قدميه من أجل نظرة رضا واحدة؟
✯✯✯ ـــــــــــــ بنت الجنوب ـــــــــــــــ✯✯✯
داخل طُرُقات البلدة التي لا يعرفها إلا قليلون، يسير فيها وعيناه تجولان في جميع الأنحاء من حوله. يسأل كل من يقابله، والقلق ينهش قلبه. فحين خرجت من أمامه، ظنّها لا تأخذ الأمر بجدية، حتى تملّكه العند والسخط من فعلتها، وقرّر أن ينتظرها حتى تعود إليه صاغرة، على الأقل حتى تأخذ أشياءها أو تحاول معه مرة أخرى كما اعتاد منها. ولكن هذا لم يحدث.
ليتسرّب إلى داخله إحساس الخوف، ذلك الشيء الذي لم يعرفه إلا على نفسه...
توقف فجأة وقد وقعت أبصاره على طيف جلبابها في الظلام الحالك أسفل الشجرة القديمة، جالسة على أحد فروعها الساقطة على الأرض، وفي تلك المنطقة المقطوعة التي دخلها هو بصعوبة... اللعنة!
زفر نافثًا الدخان من فتحتي أنفه وأذنيه بغضبٍ اشتعل في داخله، فتحرك حتى وصل إليها، ليجدها منكمشة على نفسها ورأسها متدلٍ، وكأنها لم تنتبه إلى حضوره إلا بعد لحظات، لترفع عينيها إليه ببشرة شاحبة، ترفرف أهدابها بعدم استقرار، وجسدها يرتجف كليًّا أمامه.
فضرب كفًا بالآخر يُعبّر عمّا يعتريه من حنقٍ منها صائحًا بها:
ـ أنا مش عارف والله! طب إيه اللي جابِرِك يا بت الناس؟ أنا كنت طردتك يعني؟ قاعدة في الدُّنيا الضلمة وفي الحِتّة المقطوعة اللي بيخاف منها رجّالة بشنبات! طب مش خايفة لا يطلعلك بسم الله الرحمن الرحيم عفريت؟
جاء ردها إليه بصوت بالكاد يستطيع تفسير كلماته:
ـ عفريت الجن أهون ميت مرة من شيطان الإنس اللي عايز بس يعيش في الحرام.
لم يسمع حرفًا واحدًا، وقد سقط قلبه بين قدميه، حين انتبه جيدًا لحالتها التي لم تكن طبيعية على الإطلاق. ليتجاهل كل ما قالت، ويدنو نحوها متفحصًا لها:
ـ نورا، إنتِ مالك؟ بردانة ولا... وِه!
صدرت الأخيرة منه بجزع حين لامست يده بشرتها التي كانت كالجمر المشتعل:
ـ الله يخرب مطْنِك! إنتِ سِخنة نار، وقاعدة بالهدوم الخفيفة دي! عايزة تموتي؟
دفعت يده عنها تتحرك بعدم اتزان، رافضةً لمسته:
ـ أموت ولا أعيش… غور شوف حالك بعيد عني...
ليرد خلفها بغيظ شديد:
ـ أغور وأسيبك فين بس وإنتِ بالحالة دي؟ عايزة تموتي وتجيبيلي نصيبة! تعالي يا بت… تعالي!
امتدت ذراعاه أسفل ركبتيها التي كانت تقريبًا متخشبة، والأخرى خلف ظهرها ليحملها مضطرًا وعلى غير إرادتها. همّت أن تقاومه، ولكن فور ما اتكأت رأسها للخلف فقدت الوعي تمامًا، لتزيد من جزعه.
فغمغم ضجرًا من عنادها الأحمق، وقدماه تُهروِلان بها:
ـ كنت ناجصك أنا عشان تشيليني همّك؟ ولا أنا أصلًا حِمل مسؤوليات؟ دا إيه الغُلب دا بس يا ربّي...
✯✯✯ ـــــــــــــ بنت الجنوب ـــــــــــــــ✯✯✯
لملم منصور سجادة الصلاة بعد أن انتهى من صلاته، وفمه يردد ذكر الرحمن حتى وصل إلى تخته لينضمّ جوار زوجته في الفِراش، والتي كانت مندمجة في مشاهدة برنامج علي التلفاز. فكانت تضحك وطبق الفاكهة في حجرها يهتز معها، حتى استفزّه، فنبّهها:
ـ خِفّي الضحك شوية يا ست! الطبق بيتهز وبطنِك معاه بِتِترج… دا تلاقيه يا عين أبوه متزلزل معاكي.
ضحكت تناكفه وتجادله كعادتها، ويدها حطّت على موضع الجنين في بطنها:
ـ لا يا خويا، متشلّش هم اللي في بطني… دا تلاقيه أصلاً بيضحك معايا.
ألقى نظرة نحو الشاشة ويده تناولت منها قطعة فاكهة، يعود إليها بإلحاح:
ـ "بوجي وطمطم"؟ وِه! دا برنامج قديم قوي، بس حتى لو كان عسل… خلي بالك، وخِفّي الضحك شوية، حتى عشان نفسك يعني.
تطلعت إليه بغيظ تقلب بالـمُتحكم إلى قناة أخرى:
ـ وادي القناة غيرناها خالص… ما أنا عارفاك لما تزنّ على حاجة يا منصور مش هخلّص منك.
تبسّم براحة لا يُخفيها:
ـ شاطرة يا منى وجدعة. بس متنكريش إن معايا حق… هو أصلاً برنامج قديم، وإنتِ طالبة معاكي ضحك زيادة عن اللزوم، وأنا بصراحة أخاف على آخر البرنامج تتعبي إنتِ ولا العيل، وعلى إيه؟ الطيب أحسن.
رمقته بحنق وهو يتناول التفاحة بتلذذ غير مكترث بتبدّل مزاجها، فهتفت به غيظًا:
ـ مبسوط أنت قوي دلوك؟ على أساس إن البرنامج حاجة تافهة ومِتستاهلش؟ مش واخد بالك إني ما صدّقت لقيت حاجة تضحكني بعد يومين النكد اللي مرّوا عليّا...
قاطعتْه مُولّية ظهرها له، ليشعره بوخز الضمير.
فتوقف عن تناول التفاحة ووضعها على الطبق الذي رفعه عنها ليسترضيها:
ـ وِه وِه… بسرعة قلبتي كده على سبب مِتستاهلش؟ دي هرمونات الحمل دي ولا إيه؟
ـ لاه! مش هرمونات حمل… وابعد عني عشان أنا متعصّبة.
كانت تدفع يده عنها، إلا أنه أحكم ذراعيه عليها، يضمّها إليه بحزم:
ـ اهدي كده وبطّلي عبط. إن كان على البرنامج هنقلّب عليه تاني، واضحكي عليه للصبح… من غير تنشّنة ولا عصبية.
أنا عارف إن الضحك الأوفر ثم القَلْبة المفاجِئة وراها سر.
قولي يا أخرى صبري… إيه اللي موترك؟
ظلت تتنفس باضطراب، بلفتة أنبأته بصدق ظنه. ليضمّ رأسها إلى صدره، يتركها حتى تهدأ، ثم تخرج ما في قلبها:
ـ منة بنت أخويا خليفة… النهارده لما كنت في البيت الكبير، في عزّ ما الفَرْحة مقَلْقِلَة البيت، لقيتها جت جاري وسألتني عن أمها… معرفتش أرد عليها بإيه؟ إيش حال خليفة أخويا؟ هيعمل إيه معاهم في اللي جاي؟ وبراءتها حاجة في عِلم الغيب...
قدّر منصور السبب خلف تخبطها، فردّ عليها:
ـ يا رب تطلع في أقرب وقت… إن ما كانش عشانها يبقى عشان بناتها.
✯✯✯ ـــــــــــــ بنت الجنوب ـــــــــــــــ✯✯✯
في صباح اليوم التالي، وداخل المنزل الكبير الذي باتت ليلتها فيه بالأمس، وسوف تقضي به بعض الأيام حتى تشفى قدمها وظهرها، استيقظت متأخرة وعلى غير عادتها.
رفعت رأسها تتطلع بالغرفة حولها بحثًا عنه ولم تجده.
فسحبت نفسها للأعلى حتى اعتدل جذعها، تتساءل: خرج فين؟
إلا أن هاتفه على الطاولة الزجاجية التي تتوسط الغرفة لفت نظرها، فخمنت في داخلها أنه لم يغادر المنزل بعد.
همّت أن تقوم لترى ماذا تفعل، فأنزلت قدمها السليمة أولًا ثم المصابة ببطء شديد حتى هبطت بها على الأرض بخفة.
تمسّكت بالقائم، تستند عليه حتى وقفت تتحامل على قدم واحدة، تشرع في السير… أو بالأصح: "القفز بها" لتتجنب الضرر بالقدم المصابة.
لكن ما إن خطت خطوة واحدة حتى أفزعتها صيحته الجهورية:
ـ واقفة عندِك بتهبّبي إيه؟
وكانت النتيجة أن وقعت على الفراش، ناظرةً له عند المدخل وهو يطلّ برأسه فقالت معاتبة:
ـ اخص عليك يا حمزة! كده خلّعتني.
ردّ بتصميم وهو يدفع ضلفة الباب ليدلف حاملًا ما بيديه:
ـ وأعملك إيه؟ ما إنتِ اللي عايزة تأذي نفسك! مش قادرة تتصبّري لما أجيلِك؟
صفنت بدهشة تطالعه وهو يدخل إليها بصينية ممتلئة بأصناف الطعام، فسألته بدهشة:
ـ وأنت جايب الوَكْل هنا ليه؟ ما كنت فطرت تحت مع الجماعة!
وضع الصينية على الطاولة التي تحرك بها يقربها من المقعدين داخل الغرفة قائلاً:
ـ وأنا هيجيني نَفْس أفطر برضك من غيرك يا مزيونة قلبي؟
ثمّ هما فطروا بدري… والساعة دلوك داخلة على عشرة. ناموسيتك كُحلي يا جميل.
قال الأخيرة غامزًا بطرف عينه حتى أخجلها. لتعيد عليه إستفسارها:
ـ طب ولما هي عشرة… ليه جاعد لحد دلوك من غير فطار يا حمزة؟ ليه تجوّع نفسك؟
اقترب وجلس بجوارها يلملم شعرها المبعثر حول وجهها، يشغل نفسه به وهو يجيبها:
ـ وأجوع اليوم كله كمان… عشان آكل لقْمتي مع مرتي أم الباشا اللي جاي في الطريق.
دا غير إني حضرتّه بنفسي وبمزاج… بالذات الفول دا لوحده حكايه!
هتاكلي صوابعك وراه.
ـ استنى…
قاطعته بها تبعد يده عنها تكمل مستفسره بذعر:
ـ عايز تقول إنك دخلت المطبخ بنفسك وعملت الفول والبيض؟
أضاف عليها بتسلية:
ـ وحطّيت الجبنة في الطبق… والعسل الأسود دوبت فيه الطحينة كيف ما بتحبيه… دا غير اللبن اللي سخنته.
ـ استنى يا حمزة!
قاطعته مرة أخرى، لتردف بهلع:
ـ يا مري… كل دا عملته وعمتي حسنية جاعدة وشايفاااك!
تقول عليا إيه الولية دلوك؟ ولدها كبير ناسه بيخدم مرته!
ـ وِه! وما أخدم مرتي يا ست إنتِ؟
هو أنا بخدم حد غريب؟
تمتم بجدية زادت من توترها، ثم ما لبث أن أردف مطمئنًا:
ـ أولًا… أمي مرا مخّها مفتّح، وملهاش في نِغَج الحريم العَكَّاكة عشان تعيب عليا لو خدمت مرتي التعبانة.
وثانيًا… حتى لو كانت منهم… أنا شخصيتي هتسيبها تقول وتعيد؟
سيدنا الرسول قال: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي".
يعني أنا أحسن من الحبيب المصطفى؟
ـ لا طبعًا… صلى الله عليه وسلم.
تمتم هو الآخر بالصلاة علي الرسول، وواصل إقناعها:
ـ وبعدين تعالي هنا… اشمعنى يعني لو الواحد خدم أخته مثلا وهي في نفس الظروف يقولوا فيه شعر؟
لكن عند مرته تبقى كُخّة؟
سيبك منهم… دي حريم فاضية… ويمكن غَيرانة.
قال الأخيرة بأسلوب جعلها تقهقه ضاحكة حتى برزت أسنانها البيضاء.
فهَلّل بانتشاء، يقبّل وجنتيها:
ـ أيوة كده يا ست… خلي السنان الحلوة تبان!
هي دي صباح الخير اللي مستنيها منك… مش الكلام الفاضي اللي بتخربَطي بيه.
بامتنان شديد، وبعد أن وضع الراحة بقلبها، اقتربت تقبّل وجنته:
ـ صباح الفل.
تفاجأ نتيجة فعلتها وبرقت عيناه ليزمجر بخشونة بكلمات ذات مغزي:
ـ وِه عاد! أنا كان كل غرضي "صباح الخير".
عايزاها تتطور يبجى مترجعيش بعد كده تشتكي وتقولي رجلي ولا ضهري!
رفعت كفيها أمامه كحاجز:
ـ لا يا عم… هي زينة جوي "صباح الخير".
أنا أصلًا ميتة من الجوع مش تعب وبس.
عايزة آكل يا حمزة… مش إنت عامل الفطار عشاني برضك؟ ولا أقوم لوحدي؟
زمجر مرة أخرى ونهض ينفض جلبابه بحنق مرددًا:
ـ خليكي مكانك… أنا قايم أجيبلك الصينية لحد عندك.
✯✯✯ ـــــــــــــ بنت الجنوب ـــــــــــــــ✯✯✯
داخل قسم الشرطة كان اللقاء الذي يتم بينها وبين والد بناتها، أو من كان زوجها فيما سبق. بادَرته بسؤالها فور أن تفاجأت بحضوره:
ـ أخيرًا افتكرت أم بناتك عشان تزورها يا خليفة؟ طب راعي حتى إني بت عمّك، ومن واجبك تطمن عليا. برضك في الآخر اسمي عارك.
تنهد بثقل، وقد باغتته بهجومها وتحفّزها ضده، رغم وضعها، ورغم أن الجريمة التي تُتَّهم بها... تخصّه. أخذ وقته حتى تمكّن من الرد عليها بطبيعته الهادئة:
ـ عاري يخصّك قبل ما يخصّني، يعني الأولى كان لازم تحافظي على سمعتك وسمعة بناتك قبل ما تيجي تلومي عليا إني رميتك ولا ما سألتش. كان لازم أهدى قبل ما أجيلِك يا هالة. أنا مش في وضع المتفرّج ولا اللي ما يعرفش حاجة... وافتكري أنا طلّقتِك ليه؟
ـ آه… أيوة، صح افتكرت.
رددت ضاحكة بسخرية، ثم غطّت بكفّها جانب فمها لتضيف بصوت خافت وغمزة بطرف عينيها:
ـ عشان أنت اللي مسكت عليا الدليل...
وكأنها تقصد أن تحيره، ليطالعها بتشتّت، شاعرًا بالغرابة من فعلها وطريقة حديثها، التي تبدّلت فجأة لتصدمه بقولها:
ـ طول عمرك بتحاول معايا بكل جهدك يا خليفة، لدرجة أن أحيانًا كتير كانت بتوصل معايا للرضا، وأنا كمان عمري ما كرهتك. بس إحنا الاتنين علاقتنا معدّتْش خطّ المودّة والرحمة، ودا اللي كان تاعبني...
سألها باستهجان:
ـ وهي المودّة والرحمة عفشة؟
أجابته بصراحة دون تردد:
ـ في حالة الناس العادية أكيد مفيش أحسن منها… لكن في حالتي أنا؟ لاه يا خليفة. اعتبرني طمّاعة ولا مغرورة، عشان في كل الحالات أنا شايفة إن معايا الحق. زي ما أنت خدت بالك إني ما شِلتش حمزة من دماغي، أنا كمان كنت واخدة بالي إن كل اللي بتعمله معايا محاولات… لكن اللهفة؟ ولا الحب الحقيقي؟ لاه يا خليفة، عمر قلبك ما كان معايا، ولا أنا شفت نفسي في عنيك.
لم يُنكر ارتباكه من صراحتها، ولم يستطع أن يُكذّب تحليلها رغم قسوة وقع كلماتها عليه. فمن الواضح أنه لم يكن وحده من يعاني. لكن هذا لا ينفي جريمتها. اشتدّت لهجته وهو يوجّه خطابه لها:
ـ ماشي يا هالة، اعتبرينا إحنا الاتنين ظلمنا بعض، أو أهلينا هما اللي جنّوا علينا. لكن برضك دا ما يديكيش الحق تعملي جريمتك.
ـ شوفتني بعينك؟
همّ أن يرد، لكنها سبقته قائلة في إشارة إلى الدليل الذي يدينها:
ـ حتى برغم اللي مسكته في يدك… برضك ما يأكّدش إني جانية.
ضيّق عينيه يحدّق بها بتفكير، قبل أن يخرج رده في سؤال لها:
ـ هالة… إنتِ في حاجة مخبّياها؟
صمتت دون أن تحيد ببصرها عنه. انتظر ردّها فلم يجد ما يُخمد حيرته. بها شيء غير مفهوم؛ لو لم يكن قد أمسك بالدليل بيده لصدقها… ولكنها…! لماذا لا تتكلم؟
ـ هالة، لو عندِك حاجة قوليها. السكوت دا غريب منك، وفي نفس الوقت يبرجل العقل.
تجاهلت إلحاحه وسألته بدلًا منه:
ـ البنات عاملين إيه صحيح؟ جنى رجعلها الدور تاني؟
تنهد بيأس من مراوغتها، لكنه لا يملك إلا أن يجيب:
ـ لاه، الحمد لله. جنى خفّت وما تعبتش تاني. اطمني عليهم، وما تقلقيش. أنا مراعيهم لحد ما تطلعي لهم بالسلامة إن شاء الله.
ـ اعتماد بترعاهم معاك، صح؟
قالتها بابتسامة أثارت استفزازه، قبل أن تتابع:
ـ على العموم… الله يهنّي سعيد بسعيدة. هي كانت بيعة خسرانة من الأول.
✯✯✯ ـــــــــــــ بنت الجنوب ـــــــــــــــ✯✯✯
دخلت زنزانتها الموحشة التي تضم عددًا من النساء التي لا تطيق النظر إليهن، لكنها مُجبرة على معاشرتهن بفضل هذا الوضع المفروض عليها.
ولسوء حظّها وجدت تلك المرأة تجلس بين مجموعة منهن بعد قضاء ليلتها في الحبس الانفرادي. توقفت المرأة عن الحديث، وطالعتها بحقد شديد نتيجة ما أصابها بسببها. فردّت لها نظرتها بتعالٍ، رغم الخوف الذي تسلّل إليها من ناحيتها؛ فما تراه من غضب لا يُبشّر بالخير.
— تعالي هنا يا هالة.
كان هذا صوت "الريّسة" كما تناديها؛ المرأة التي تجد عندها الحماية منذ دخولها هنا. أشارت لها إلى الجزء الفارغ على المصطبة الأسمنتية بجوارها، فاتّجهت هالة نحوها تُهرول لتجلس في منطقة الأمان بقربها. فقالت لها:
— هي البت دي طلعت من الانفرادي ليه؟ حقّهم كانوا يقعدوها أسبوعين.
ألقت المرأة نظرة بطرف عينها نحو "نوسة" المتحفّزة، الجالسة وسط الفتيات، ثم عادت تحدّث هالة بحذر:
— خدي بالك… وطّي صوتك وإنتِ بتتكلمي. نوسة بتبُصّ عليكي وعينيها بتطق شرار. يعني تلاقيها مستنيّة الفرصة عشان تفشّ غليلها فيكي.
ـ طب تقدر تعملها بس؟ دا أنا كنت أودّيها ورا الشمس وما أخليهاش تشوف الضي تاني.
ردت الريّسة بنبرة تحذيرية شديدة:
ـ ما تهدي يا بت… وبطّلي عنجهيتك الفارغة دي.
تفاجأت هالة من حدّتها ثم فهمت مقصدها حين تابعت:
ـ افهمي بقى… مش كل الناس هتتقبّل أسلوبك دا ولا هتكبّر دماغها منه. اللي زي نوسة، تقريبًا ربنا حارمها من كل حاجة إلا الصحة اللي تهِدّ بيها جبال. دي اتربّت في ملجأ، ونص حياتها الباقية في الشارع. أكل عيشها ييجي من أي حاجة… برضاها أو من غير رضاها.
يعني لا عيلة زي اللي بتشوفي نفسك على حِسّهم، ولا أصل ولا فصل، ولا حتى جمال ييجي ربع اللي عندك. اللي زي دي يتخاف منها… عشان مش بَاكية على حاجة تخاف عليها.
تطلعت هالة نحو نوسة التي انشغلت عنها للحظات. تفحّصتها من الخف البلاستيكي المتّسخ الذي انحشرت به قدميها من فرط القذارة التي التصقت به، ثم إلى الملابس الباهتة التي ترتديها من أول يوم رأتها فيه، إلى وجهها المليء بالحفر وآثار المعارك القديمة، وشعرها الواقف وكأنه لم يُغسل منذ أسابيع. تخيّلت رائحته، فانكمشت ملامحها باشمئزاز.
انتبهت نوسة لنظراتها وحدجتها بنظرة نارية جعلتها تلتفّ سريعًا، عائدة إلى المرآة. برّرت وهي تبتلع ريقها الذي جف من الخوف:
ـ وأنا أعملها إيه؟ هي اللي بترازيني وتجرّ شكلي على الفاضي والمليان. خليها تقعد في حالها وأنا في حالي… وتخلَص على كده!
ردت خلفها المرأة:
ـ لأ… مش هتخلَص يا هالة. عشان نوسة حطّتك في دماغها. خلي بالك من نفسك، أنا مش طول الوقت هتلاقيني معاكي.
سألتها هالة بريبة، وقد أصاب البرد أطرافها من الزعر:
ـ ليه؟ هي ممكن تعمل فيّا إيه؟
أجابت المرأة بحكمة لا تملّ من تكرارها:
ـ الله أعلم… بس أنا مش عايزاكي تديها الأمان. اتجنّبيها على كد ما تقدري. حتى لو جرّت شكلك… ما تردّيش. على ما ربنا يفكّها عليكي وتخرجي. سايسي أمورِك، واتعاملِي بالحسنى مع باقي البنات. أكيد هتلاقي فيهم الزينة اللي ترتاحي معاها، يمكن تبقى صاحبتك أو رفيقتك علي الأقل… وتنفعك أكتر مني. متعتمديش عليّا… أنا في أي وقت ممكن أطلع وأسيبك.
وانتي بنت ناس يا بتي… يعني ملكيش في البهدلة. إيه اللي جابك هنا بس؟
تمتمت هالة ردا عليها وقد وصلها جيدًا ما ترمي إليه المرأة:
ـ حظي الأسود… أو يمكن غضب من ربنا عليّا.
قالت الأخيرة وهي تشيح بوجهها إلى الناحية الأخرى، بصوت بالكاد يُسمع، وكأنها تحدث نفسها:
✯✯✯ ـــــــــــــ بنت الجنوب ـــــــــــــــ✯✯✯
عودة إلى المنزل الكبير
جلست مزيونة مع اعتماد، التي جاءت اليوم لتهنئتها على الحمل والاطمئنان على صحتها. كان في داخل اعتماد شيء من الحرج، تتخطّاه بصعوبة لدخولها هذا البيت، والأخرى تفهمها، فتشاكسها على هذا الأساس:
ـ ارسي على حيلك يا اعتماد، اللي انتِ مكسوفة منه مش قاعد خالص. اهدي بجى.
ـ شوفي الولية اللي اتعلمت المكر دي كمان!
غمغمت بها اعتماد، متابعة:
ـ يا ست يا لئيمة، يعني ده جزاتي إني ما أقدرش أتأخر عنك؟ طب ما أقصدش خالص اللي بالك راح فيه عاد! دخلة البيت نفسها تقيلة.
ردّت مزيونة متظاهرة بعدم الفهم:
ـ واه تقيلة ليه عاد؟ ده حتى الرجالة كلهم مش قاعدين. حمزة راح يشوف صاحبه في قنا، ومعاذ راح مع المزغودة بتي يجيبوا حاجة النونو قبل ما ينشغلوا في النتيجة والتقديم. فاضل مين؟... آه… خليفة… هو كمان راح قنا...
دفعتها اعتماد بالوسادة ردًا على تلاعبها:
ـ ده انتِ مرا! اتعلمتي المكر واللعب على كِبَر يا مزيونة بعد ما كنتِ قطة مغمّضة.
ردت مزيونة ضاحكة:
ـ يا أختي، بكرة تتعلمي زيّي. هي اللي تتجوز من عيلة القناوي تفضّل خالص على حالها! ده قليل إن ما طيّر برج من عقلك سيّ خلفاوي.
غلبت الابتسامة على اعتماد رغم اضطرابها، ثم ما لبثت أن أوضحت بجدية:
ـ أهو الكلام ده هو اللي بيخوّفني أكتر. ما أكدبش، أنا دخلت البيت وأنا في نص هدومي من حسنية؛ الست الله يباركلها استقبلتني بالأحضان و...
ـ و… إيه؟ كمّلي.
حثّتها مزيونة علي الأستكمال بفضول.
تابعت اعتماد بتوتر:
ـ وقالتلي إنهم مستنيين الدنيا تهدى شوية وييجوا عندنا بربطة المعلم، نتفق على كل حاجة في جوازي أنا وخليفة…
صاحت مزيونة بلهفة معقبة علي قولها:
ـ يا أختي يا ألف نهار مبروك! لو…
قاطعتها اعتماد سريعًا، واضعة كفها على فمها:
ـ بس اقفلي خشمك الله يرضى عنك! مش ناقصة فضايح.
تراجعت مزيونة عن الزغروطة، ثم احتضنتها بفرح الشقيقة لشقيقتها:
ـ والله فرحتلك يا اعتماد من قلبي. خليفة راجل وهيعرف زين يهنيكي؛ عشان بيحبك. انتوا الاتنين تستاهلوا بعض يا حبيبتي.
تأثرت اعتماد بفرحتها، فغازلت دمعة عزيزة مقلتيها، وسارعت في مسحها بإبهامها قائلة:
― حبيبتي يا مزيونة، ربنا يباركلي فيكي يا رب. ده انتِ أختي، وأكتر من أختي كمان. بس بصراحة، ومتقوليش عليّا هبلة… أنا بتمنى هالة تطلع من حبسها. ساعتها بس هحس بالراحة.
ـ ليه؟
سألتها مزيونة، ثم تابعت:
ـ هو انتِ حاسة إنها بريئة؟
مطّت اعتماد شفتيها ورفعت كتفيها للأعلى ثم أسقطتهما، تجيب بعدم معرفة:
ـ بصراحة ما أعرفش… وما يهمّنيش أعرف. بس في حاجة جوايا مخلّيانِي أدعيلها في كل وقت. هتقولي ليه تاني؟ هقولك برضك ما أعرفش.
✯✯✯ ـــــــــــــ بنت الجنوب ـــــــــــــــ✯✯✯
داخل المنطقة المعمّرة حديثًا في المحافظة، حيث الشقق الفاخرة لأصحاب المراكز المرموقة، اتخذ هو مسكنه. وكانت هذه أول مرة يزوره حمزة داخل منزله، فاستقرّا بجلستهما داخل الشرفة.
اختار حمزة الشرفة عندما جذبه المشهد الخارجي، معبّرًا عن إعجابه:
ـ والله حاجة تفرّح فعلًا! منظر الخضرة وتنظيم الڤلل والعمارات… حاجة آخر عظمة. بفكّر آخد لي فيها شقة ولا عمارة… أهي حاجة تنفع للزمن، للواد ريان وإخواته…
عقّب كمال علي الأخيرة بدهشة:
ـ خلاص خليتهم إخواته؟! ده أنت لسه سامع بالخبر إمبارح؟
شدّد حمزة متخذًا الأمر بجدية:
ـ إمبارح ولا أول، إن شاء الله هيبقوا قُرطة كمان! هو في حاجة بعيدة على ربنا؟
رد كمال ضاحكًا:
ـ لا يا سيدي، مفيش طبعًا. ونعم بالله. ربنا يكرمك بالعدد اللي تتمناه.
ـ وأنت كمان يا رب. الّا صحيح… ما قولتليش: أنت خلّفت؟ من جوازاتك؟
نفى بتحريك رأسه، ثم تناول عبوة المياه الغازية من أمامه ليرتشف قليلًا، قبل أن يرد باستفاضة:
ـ شوف بقى… أنا خطبت تلت مرات، واتجوزت مرتين. عشان أعمّر مع واحدة فيهم؟ ما حصلش. إني أوصل مع واحدة منهم لمرحلة الخلفة؟… مفيش. مش فاهم ليه بيقولوا عليّا عصبي؟
قال الأخيرة بمزاح، فضحك حمزة، وعلّق:
ـ ده عشان بس كلهم كانوا من بحري وفرافير! أنت عايز واحدة شديدة ياصاحبي تتحمّلك… وتتحمّل عصبيتك.
أومأ كمال بيأس:
ـ بحري بقى ولا قبلي… كل حاجة نصيب. وأنا سلّمت أمري لله. صحيح… كنت عايز أسألك…
قُطع استرساله فجأة حين دوّى هاتفه برقم يعرفه جيدًا. ليستأذن حمزة بإنتظاره دقيقة، وما إن أجاب حتى انتفض لأهمية الأمر:
ـ تمام أوي… ما تشلّش عينك من عليه لحد ما أجيلك. إياك يغيب عنك.
ـ في حاجة يا كمال؟
سأله حمزة ما إن أنهى المكالمة.
أجاب كمال سريعًا، وهو يتصل برقم آخر:
ـ عرفنا مكان الواد… ابن أخت هالة بنت عمّك. ونزلين نجيبُه دلوقتي…
ثم قال في الهاتف:
ـ أيوة يا بني… جهّز القوة، أنا جايلك حالًا.
✯✯✯ ـــــــــــــ بنت الجنوب ـــــــــــــــ✯✯✯
هبطت اعتماد الدرج وكانت في طريقها إلى المغادرة بعد أن انتهت من جلستها مع مزيونة وأفراد عائلة القناوي التي كانت ترحّب بها اليوم بحفاوة، أدخلت في قلبها السرور والبهجة، فلم ينقصها إلا حضوره وقد غاب اليوم.
ليظهر فجأة أمامها الآن وهي في الجزء الفاصل بين الطابقين، حتى كادت أن تصطدم به، وكأن المشهد القديم يُعاد معها ثانية، إلا أنها هذه المرة تداركت سريعًا لتعود إلى الخلف مرتدّة عنه بحرج، فعلّق هو ضاحكًا:
ـ المرة اللي فاتت راح فيها التلفون بتاعك، المرة دي قلبي اللي كان هيروح فيها.
ـ بعد الشر على قلبك.
صدرت منها بتلقائية جعلته يتوقف عن الضحك مستمتعًا بخجلها، يـُشاكسها:
ـ الأبلة اعتماد بحالها النهاردة مشرّفانا بحضورها بعد غياب! ده باينه يوم سعدي.
ردّت بامتنان على مجاملته، تتصنّع الاتزان رغم الصخب الدائر داخلها كأجواء المهرجان ابتهاجًا بكلماته:
ـ تشكر يا سيدي على ذوقك، بس أنا جيت النهاردة أزور مزيونة وبالمَرّة أباركلها على الحمل.
ذهبت عيناه نحو الطابق المذكور ليعود إليها قائلًا:
ـ عقبالنا.
نظرت إليه باستفسار، فتابع يوضح بالمزيد:
ـ أنا كمان متلهّف قوي على أي عيل منك، وأتمنى اليوم ده يبقى النهاردة مش بكرة.
برقت عيناها بذهول أمام جرأة الحديث الذي تسمعه لأول مرة منه، تستوعب فحواه، فانتفضت تهرول من أمامه بارتباك:
ـ طب… طب أنا ماشية بقى عن إذنك.
تصدّر أمامها يوقفها:
ـ استني يا اعتماد.
ـ نعم؟
تأمل بها يُشبع عينيه من رقّتها التي كانت متخفية خلف قناع الشراسة وسلاطة اللسان، ليراها الآن على حقيقتها؛ كالزهرة التي تفتحت حديثًا، تأسر عينيه للنظر إليها، والراحة تتغلغل داخله، لا يريد أن يتركها أبدًا.
إلا أنها تذمّرت تطالعه بتساؤل، جعله يعود لمشاكستها:
― ياريت لما أتصل النهاردة المسا تردّي عليّا. حاولي تتخلي عن عادة المدرسين في النوم بدري، ممكن؟ اتعلمي السهر شوية يا اعتماد.
لم تجد صوتها، وقد لفّها الخجل بشدة، لتومئ إليه بارتباك، ثم تكمل طريقها سريعًا في النزول مهرولة حتى خشي عليها من الوقوع:
ـ بالراحة لا توقعي.
لتغمغم هي داخلها:
ـ على أساس إني لسه ما وقعتش؟ يخرب مطنك يا خليفة، كنك مش ساهل واصل.
✯✯✯ ـــــــــــــ بنت الجنوب ـــــــــــــــ✯✯✯
مساءً
وقد غفت كل السجينات في ذلك الوقت المتأخر من الليل، خرجت هي من زنزانتها متجهة إلى المرحاض العام في المبنى، بصحبة زكية التي تنفّذ كل رغباتها مقابل المال، بعيدًا عن ذلك المرحاض "القذر" كما تسميه، الخاص بغرفة الحجز، والذي تَقرف حتى أن تمر بجواره.
دلفت داخل إحدى الكبائن النظيفة لتقضي حاجتها، وما إن انتهت حتى خرجت كي تعود، لتتفاجأ بآخر شخص تودّ لقاءه في تلك اللحظة، وكأنها كانت في انتظارها؛ واقفة أمام صف المرايا، تستند إلى أحد أحواض الغسيل، تطالعها بتحفّز جمّد الدماء في عروقها.
فذهبت عيناها تلقائيًا نحو باب الخروج وزكية التي تنتظرها في الخارج، لتتخذ طريقها مهرولة نحوه، إلا أن الأخرى تصدّرت أمامها، تقطع الطريق عليها:
ـ على فين يا حلوة؟
حاولت هالة استجماع شجاعتها، تجيب بنبرة جاهدت أن تجعلها عادية دون اهتزاز:
ـ شوفي يا نوسة، أنا بتجنبك على كد ما أقدر. خليكي في حالك يا بت الناس وأنا في حالي. ابعدي كده عن طريقي.
ضحكة سمجة لاحت بفم المذكورة، إلا أنها ذهبت سريعًا لِتتبدل ملامحها لأخرى مخيفة تخالفها:
ـ وإن قولتلك إني ماليش مزاج أعدّيكي… هتعملي إيه؟
.. يتبع
جماعة انا بحاول والله على قد ما اقدر مقصرش، بس طبعا مينفعش احكي ظروفي ع القاضي والمليان
وبرضة هطلب تفاعل وتشجيع عشان دا اللى بيجعلني استمر.....
ودعواتكم.....
الفصل الواحد والخمسون
وإن قولتلك إني ماليش مزاج أعدّيكي… هتعملي إيه؟
قالتها نوسة بنبرة يفوح منها الخطر والتوعد، لتجبر هالة أن تتراجع بخطوتين الى الخلف عنها، تتصنع القوة حتى لا تشعرها بخوفها:
ـ انا لا عايزة اعمل ولا اسوي يا نوسة، للمرة التانية بنبهك تبعدي عني، ما تخليكي في حالك وانا خليني في حالي يا بنت الناس .
رددت نوسة بسخرية مقيتة
ـ وانا للمرة التانية بقولك... لا والكلام دا فات وقته خلاص!
لم تفهم هالة على غموض الاخيرة حتى تفاجأت بفتح إحدى الكابينات وخروج واحدة من صديقات نوسة، متجهة إلى الخارج، تحدق بها بصمت غير مفهوم ثم تنقل الى نوسة بنظره واضحة وكأنها كانت كحديث صغير، ثم بعدها تغادر وكأنها لم تراهما من الاساس حتى اذا وطئت قدميها الارض خارج المرحاض، دوى صوت صرختها:
ـ اااه، اللحقيني يا صول زكية،, باين جمبتي قايمة عليا، ولا الحصواية فيها اتحركت، هموت يا ناس، حد يجبلي دكتور .
شيء تعجبت له هالة، ولكنها لم تجد الوقت حتى للتفكير أو التساؤول، وقد تفاجأت بكف كبيرة وضعت على فمها تكتمه، في نفس الوقت التفت ذراع قوية حولها تكبلها كقيود من حديد، لترفعها من خصرها عن الارض ، ثم تركض، كي تبتعد بها عن المدخل،
صارت هالة تزوم بفمها في محاولة بائسة لأن يصل صوتها إلى الخارج ، ووبقدميها وذراعيها تطوح بها للمقاومة او أن تطولها بضربات، ولكن الأخرى كانت أقوى من ان تتأثر،
حتى دلفت بها الى اخر كابينة، لتدفعها بظهرها على الحائط الرخامي بعنف تألمت له هاله، لتخرج صوت تأوه تحت كف الاخرى، والتي بدلت من وضعها لتصبح مقابلا لها، تبث في قلبها الرعب، بعد ان احتجزتها بين الحائط وبينها، تتحدث بفحيح:
ـ عاجبني قوي شكلك كدة وانتي مرعوبة مني ومستنية اخلص عليكي، كنتي فاكراني هفوتلك، يا بت دا انا ما اكرهش في عمري كد اللي من طينتك، الحلوين اللي لابسين هدوم نضيفة وبيقرفوا حتى يبصوا عليا في الشارع، كأنكم انتو بس اللي بني ادمين واحنا حيوانات.
طب اللي برا وبنعديلهم عشان مفيش في ايدنا حيلة، لكن تيجي هنا ومسجونة زيك وزي، وتتشطري عليا بالباشا اللي حن عشان عيونك الحلوة، يخليني اشيل العقاب لوحدي...
ماذا تفعل وهي بين يدي امراة تعميها رغبة الانتقام منها؟ تسيطر عليها بقوتها، تقيد حركتها ، تسلبها حتى حق الصراخ، سالت دموعها تترجاها بعينيها أن تعفو عنها، فتبسمت نوسة بتشفي:
ـ لا لا بلاش منهم الشويتين دول، عشان انا خدت القرار ، ودلوقتي جه وقت الحساب، هطلع عليكي غل السنين كلها.... ومحدش هيقدر ينجدك من يدي
انهت الاخيرة تكشر عن أنيابها بتوحش، ثم باغتتها بلكمة قوية جاءت ف وسط البطن، تأوهت على اثرها هاله بوجع اسفل كفها، وكان هذا هو الصوت الوحيد الذي خرج منها، فلم تعطيها الفرصة بعد ذلك حتى للتنفس، فصارت تدفع بجسدها الضخم عليها، كصخرة ضخمة تدهسها مرارا وتكرار، وهي عاجزة عن صدها او وقفها، تشعر فقط بسحق عظامها في كل مرة.
تركتها فجأة لتسقط على الارض، تظن أن العذاب انتهى ، إلا أن الاخرى أحبطت املها، حين غرزت أظافرها على لحم ذراعيها لترفعها متمتمة:
ـ قومي يا حلوة افوقك فوقة عمرك كلها متنسيهاش، فوفة هتفضل لازقة فيكي مهما استحميتي ولا بقيتي نضيفة.
في هذا الوقت كانت هالة مستسلمة لها تماما، وهي على وشك أن تفقد الوعي كليا، لكنها انتفضت فجأة حين رأت الوعاء الداخلي لقاعدة المرحاض ورأسها المحني عليه بفضل تلك المجرمة التي تمسكها شعرها من الخلف،، فعرفت ما هي مقدمه عليه وكأن صاعق كهربائي أنعش روحها من الموت، ابت أن تعطيها غرضها، لتتمسك ذراعها السليمة بحافة القاعدة تمنع رأسها عن النزول انشا واحدا اخر بعزيمة هبت داخلها رغم الألم الشديد بالذراع الاخر وباقي أعضاء الجسد.
لتزداد نوسة جنونا:
ـ الروح دبت فيكي دلوقتى لما وصلت للقرف، طب انا هخليكي تشربي منها المية دي.
عند تلك النقطة تذكرت هالة صوتها الذي كان قد هرب منها أثناء تلك اللحظات الرهيبة التي مرت بها لتستجمع قوتها المتواضعة التي لا تناسب قوة نوسة الغاشمة، فتشحذها كلها في صرخة عالية وصلت إلى كامل المبنى ، بل والى خارج القسم ايضا في ذلك السكون من الليل.
ليرتد ذلك بالزعر على نوسة التي شعرت بالخطر وقرب كشفها مع الصراخ المستمر من هالة، لياتي ردها الفوري، تدفع راسها عنها بعنف لتصطدم بالحائط الرخامي فتسقط على الارض غارقة في دمائها.
.............................
صباح اليوم التالي
وضياء الشمس الوليدة تطل على الجدران باستحياء، "بداية ليوم جديد"
استيقظت مزيونة لتحاول النهوض عن الفراش بحرص شديد، حتى لا تزعج زوجها ويستيقظ هو ايضا.
اخيرا تمكنت أن تستقيم جسدها، لتتحامل على القدم السليمة حتى استعانت بالعصا التي جاء بها إليها حمزة, ثم تسير بها حتى وصلت إلى شرفة الغرفة تجلس على أحد المقعدين بها ، تتأمل السكون نسبيا حولها، مع الحركة الخفيفة للبشر الذاهبة الى اعمالها، او صهيل الخيل في الاسفل، تلك اللحظات التي تنفرد بها بنفسها، لتتخلى عن القناع الذي ترتديه طوال اليوم .
قناع المرح والسعادة والا مبالاة بالخطوة الخطيرة التي أقدمت عليها بتلك التجربة التي تمر بها الآن ، كيف توقف عقلها عن التفكير والصور البغيضة بذهنها تتوالي في كل لحظة ودون رحمة، حتى وقد تغيرت الظروف بشكل جذري عن الماضي، لكنها ورغم ذلك كيف تنسى قسوة تلك الأيام وقد احتلت جزء كامل من عمرها؟
ـ اممم، تاني برضو بتتسحبي وتقومي من جمبي، طب هنا في كروان كمان؟
ما كان هذا سوى صوت زوجها الحبيب الذي تفاجأت به أمامها، مستندا بوقفته على إطار الشرفة بملامحه الناعسة وشعر رأسه المبعثر في جاذبية تنعش روحها كلما نظرت إليه،
فردت تجيب عن سؤاله:
ـ لا يا سيدي مفيش كروان، بس فيه صوت الخيل والهدوء اللي يصفي العقل، لكن انت ايه اللي صحاك يا حمزة وأنا اتسحبت بهدوء من جنبك؟
تقدم ليدنو نحوها، يستند بكفيه على ذراعي المقعد الذي كانت جالسة عليه، يقول:
ـ مجرد بس ما يختفي نفسك من جاري بحس، روحي بتدب فيا تصحيني من عز نومتي، عشان اجري ادور عليكي، بالظبط زي العيل الصغير اللي بيدور على امه.
لا يفشل ابدا في وضع الابتسامة على فمها رغم رقة الوصف الذي أدلى به, فياتي ردها بمنكافة كالعادة:
ـ وه عاد على كلامك المزوق، صاحي وبالك رايق.
تلاعب حاجبيه في رد متوقع:
ـ واهين تلاتة أربعة، خمسين حتى.
هذه المرة ضحكت من قلبها حتى مالت رأسها للخلف ، ليميل هو طابعا فوق جبهتها قبلة عميقة، بعد ان أسعدت روحه على بداية الصباح بضحكتها الجميلة، ثم اعتدل جالسا على الكرسي المجاور لها، قائلا بمرح:
ـ صباحك فل
لترد تحيته هي ايضا:
ـ صباحك ورد وريحان يا ابو ريان.
سمع منها ليرتفع حاجبه بدهشة لجملتها:
ـ وه.... ما تكتبيها شعر بالمرة، دا انا بايني هتفاجأ بمواهبك على يوم من الايام.
ـ ياللا بقى خليك مستعد عشان يمكن تلاقيني فجأة بقيت زي الابنودي ولا هشام الجخ، ما هي مواهب متخفية عاد
رد يلاحق تفاصيلها بتمعن، وكأنه شاعرا باختلافها:
ـ يا ستي ربنا يكرمك، في كل الأحوال انا معاكي وفي ضهرك، المهم بس انتي تفتحيلي قلبك، ما تحبيس حاجة جواكي بعيد عني.
توقفت عن عبثها تستفسر عن مغزى عبارته:
ـ قصدك ايه يا حمزة؟ حد قالك اني مخبية حاجة عنك؟
أجابها بثقة:
ـ انا مش مستني حد يقولي عشان عارفك وحافظك، تضحكي وتبيني انك فرحانة وانا حاسس ان في حاجة ناقصة..... انتي مازالتي خايفة من موضوع حملك صح؟
ـ غصب عني يا حمزة..
قالتها ردا عليه، لتتابع موضحة:
ـ ربنا العالم اني كنت بترجاه، بس بصراحة عشانك، مش عشاني، فرحتك عندي بالدنيا، لكن لو على رغبتي انا نفسي، بصراحة حساها مخفية.... يمكن تلاقيها حاجة غريبة أو غباء مني، بس انا بقولك على اللي حساه.
سيكون قاسيا ان عاتب أو لامها على صراحتها، فهو
لا ينكر صدمته بكلماتها، ولكنه يتفهم جيدا على الحالة التي تمر بها، وعليه أن يتحلى بالصبر كالعادة معها, ايظنها سوف تنسى ما مرت به من مأساة وبتلك السهولة!
ليتنهد بقوة ناظرا اليها بتصميم يعقب على ما اردفت به:
ـ مش هشوفها حاجة غريبة ولا اقول عليكي غبية، عشان عارف كل اللي بتقوليه ده دلوك، بكرة هيتنسي ويبقى مجرد أوهام وراحت، الذكريات اللي واقفة حاجز يمنع عنك الفرحة بكرة تنمحي من عقلك وتتبخر، عشان لا يمكن اخلي اللحظات الصعبة دي تتكرر معاكي،..... وحطيها حلقه في ودانك، حمزة لما يوعد لازم يوفي.
وكان ردها ابتسامة ممتنة، تستعين بثقتها به لتخمد مخاوفها، تتبادل معه حديث النظرات ووعودا لا تحتاج النطق بها, ولكن قطع اللحظة دوي الهاتف بصوت اتصال وارد،.
ليضطر لتركها عائدا إلى الغرفة يجيب المتحدث:
ـ الوو صباح الخير يا كمال...... مين؟ مالها هالة؟
...........................
يَعْدو بخطواته السريعة، داخل الرواق الطويل، بقلق يعصف به. كم يتمنى ان يملك القدرة على امتلاك أجنحة كي يطير بها حتى يصل إليها في أقل من الثواني، لكان فعلها منذ أن استيقظ من غفوته وسَمِع بالخبر المشؤوم.
ليته ما خرج أمس في مهمته وقبض على ذلك التافه الصغير، ليته ما ترك مكانه في القسم، ليته ما تركها أصلاً داخل الحجز في غيابه مع تلك المجرمة... كان يظن أنه يكرهها، لكنه الآن تأكد من كذب إحساسه، وقد تبخّرت كل مشاعر الحقد التي يحملها بقلبه نحوها، وذهبت أدراج الرياح، فور أن سمع بما حدث لها، ليحل محلها الخوف الشديد لدرجة تخطّت الألم في قلبه.
ظهر فجأة رقم الغرفة أمامه، لتتحفز كل خلاياه قاطعاً الخطوة بخطوتين، حتى وصل إليها دافعاً الباب إلى الداخل بدون استئذان، ليُصعَق بما يراه أمامه!
ويتجمّد محله فور أن وقعت عيناه عليها، صدره يعلو ويهبط بتسارع غير طبيعي، لا يصدق ما تراه عيناه
ـ حَضْرة الظابط كمال، هي الحالة دي تخصك يا فندم؟
جاء السؤال من الطبيبة التي تتولى حالتها، واقفة بالقرب منها، وفي الناحية الأخرى جوار السّرير كانت الممرضة تُتأكد من وضع إبرة المحلول الملحي بيدها. أما هي فلم ترفع عينيها إليه إلا بعد لحظات، تطالعه بسكون وخواء غريب، حتى ضاعفت من جزعه. ليتمالك رباط جأشه بصعوبة، كي يُجيب الطبيبة وحمحمة خشنة تسبق كلماته:
ـ آه يا دكتورة تبعي. كنت عايز أعرف بقى تشخيصك للحالة.
تنهيدة أسى صدرت من المرأة في البداية ثم تحدثت بعملية:
ـ الحالة جاتلنا في حالة يُرثى لها، الحمد لله لحقنا نعملها الإسعافات سريعاً على الإصابات الظاهرة زي الفتحة اللي في الرأس. طبعاً بعد ما عملنا الأشعة الكاملة عليها واتأكدنا إنه مَحصَلش ارتجاج في المخ، هو بس كسرين في الدراع، والباقي رضوض وسحجات على معظم أعضاء الجسم.
هتف بغضب:
ـ على معظم أعضاء الجسم! ليه هي داسها قطر؟
مطّت الطبيبة شفتيها تلملم أدواتها الطبية:
ـ والله يا فندم دا شغلكم وانتو حرين اكيد، بس اللي حصل ده مع الحالة مخليني انا نفسي دمي محروق، زي ما انت شايف قدامك اهو، الإصابات المنتشرة في كل حتة، بالإضافة لحالة الصدمة اللي جاتلنا بيها، دي حتى ماكانتش قادرة تتكلم.
سألها برعب:
ـ طيب ودلوقتي، قادرة تتكلم ولا لأ؟
ـ لأ الحمد لله دلوقتي اتحسنت. عن إذنك بقى أروح أشوف شغلي، يالا يا هناء.
أشارت بها الطبيبة على الفتاة الممرضة التي عدّلت من وضع الوسادة، لتصير هالة بنصف بنومه، لتُريح رأسها المتألم إلى الخلف، حتى اذا انهت عملها غادرت معها الغرفة. فلم يتبقّ إلا هو مع الحالة
ليتقدم نحوها بخطوات وئيدة حتى جلس على الكرسي المقابل لها يتأملها عن قرب.
ملامحها الجميلة التي ما زالت محفورة في قلبه قبل عقله، تقريباً لا يظهر منها إلا القليل، بفضل تلك الأربطة التي التفت حول الرأس، والجبهة كاملة, اللعنة، وكأنها كانت تريد قتلها دون تردد
زمجر بغضب يحاول السيطرة عليه بصعوبة، حتى يتمكن من إزاحة العاطفة والتصرف معها بعملية بحتة :
ـ هالة انا عايز اعرف منك ايه اللي حصل بالظبط عشان احاسب اي واحد له يد، بس لو مش قادرة ممكن اقدر جط انا ممكن أجل.
اومأت بعيناها تجيبه بصوتها الضعيف:
ـ حقدر ان شاء الله
تنهد يسألها:
ـ تمام، طب انا عايز اسأل
ـ ذلتني بقوتها عليا، وقلة حيلتي معاها..
صدرت منها بصوت تجلى فيه الضعف والهوان ، هذه الحالة التي يراها عليها ولاول مرة، لا تدري بحجم وقعها عليه، انه حتى لم يقوى على التعقيب ، واكتفي فقط أن يحثها بعيناه، لتستحضر تلك اللحظات القاسية التي مرت عليها منذ ساعات، تتحدث دون مقاطعة، وان توقفت انتظرها حتى تعود وتكمل:
.............................
في مكان آخر
وقد استيقظت تلك الجميلة بعد غفوة طويلة تحت تأثير الحمى والتعب الشديد، لتجد نفسها على سريرها في المنزل الذي تركته في لحظة غضب وقهر من ذلك الأحمق، أعمى البصر والبصيرة.
إذن ما الذي عاد بها إليه مرة أخرى؟ أيُعقل أن يكون حلمًا ذلك الذي مرت به؟!
ولكن..... اللعنة.... من هذا الرجل الذي يشاهد التلفاز في غرفتها بملابس ال....
ـ إنت مين؟
صرخت بها نورا، لينتفض ذلك الجالس بأريحية على الأرض، فيلتف نحوها، كي تتبين ملامحه، قائلًا يطمئنها:
ـ حمد الله على السلامة، أنا عطوة يا نورا اطمني.
وعلى عكس ما توقع، فقد استبد بها الغضب بعد أن تحققت من هويته، لتنهره بصيحتها:
ـ عطوة ولا عفريت أزرق حتى، واخد راحتك وقاعد في أوضتي، بتشرب دخان بالـ"كالسون"
نظر لما يرتديه، فاستدرك صدق قولها، لينهض سريعًا يلتقط جلبابه المعلق على المشجب، ثم يسرع خطاه نحوها مبررًا:
ـ ما هو غصبن عني، أعمل إيه في غيبتك اللي طولت؟ ليلتين وأنا قاعد جنبك، لما زهقت وما عدتش حامل الجلابية اللي عليّا..... المهم، أنتِ زينة دلوق؟
حدجته بضيق شديد وبنظرة أدخلت في قلبه الندم، ليزفر مقتربًا منها قائلًا:
ـ أنا عارف إنك شايلة مني بسبب اللي قلته، ودور الحمى الواعر أكيد برضه بسببي....... بس يا نورا، انتي متعرفيش حالتي كانت كيف في اليومين اللي عدوا عليّا وأنا شايفك كده؟ قلبي كان معصور عليكي، مش عارف أهو تأنيب ضمير ولا حاجة تانية، لكن في كل الأحوال، دلوك حاسس إن الروح ردت لي بشوفتك وأنتِ بتكلميني وتزعقي فيّا، حمد الله على سلامتك.
ـ الله يسلمك
قالتها بضيق تشيح بصرها عنه، لتجول بعينيها داخل الغرفة التي أصبحت كمقلب قمامة؛ أطباق الطعام على صينية فضية على آخر التخت، عبوات الأدوية المتناثرة في كل ركن، الأرجيلة التي كان يدخن منها، وبعض قطع الفحم على الأرض. غلت الدماء برأسها حتى كادت أن تجأر به وتشتم بأفظع الألفاظ، ولكن لفت انتباهها تلك القماشة والإناء الممتلئ نصفه بالماء على الكمود المجاور لها، لتسأله باستدراك:
ـ هي وصلت للكمادات كمان!
تبسم يردد بتأكيد:
ـ ما أنتِ كنتِ موهوجة يا بنت الناس، حتى العلاج ما كانش جايب فايدة معاكي، الكمادات بس اللي كانت بتهدي. ياللا بقى، عمر الشقي بقي، أنا هروح أجهز لقمة نأكلها مع بعض، أكيد هلكانة جوع، وأنا كمان زيك.
أومأت بصمت لتتركه يخرج، فتتنفس هي ببعض الراحة، وتغمرها الحيرة بشأن ذلك الأحمق؛ به كل الخصال السيئة ومع ذلك يملك من الصفات الحسنة أجملها، وهي الطيبة.....
..............................
تمام أوي يا هالة، أنا عرفت منك كل اللي محتاجه أعرفه دلوقتي، تأكدي أن البنت المجرمة دي هتنال جزاء عملتها بأقسى ما تتصور، أنا هعرف أربّيها كويس أوي.
ـ هتعمل إيه؟ هتضربها مثلًا؟ أنا أعرف إن عمرك ما بتمد يدك على نسوان."
تلك العبارة التي نطقت بها أثناء تحقيقه معها، ولا تزال تتكرر في ذهنه حتى بعد أن تركها، ليأخذ جلسته خلف غرفتها الآن على إحدى مقاعد الانتظار، شاردًا في كل كلمة نطقت بها.
بجملة عابرة تمكنت من العودة به إلى تلك الذكرى الفاصلة، قبل سنوات يذكر عددها جيدًا، حين كان هائمًا بغرامه بها وبعد أن اتخذ قراره وفاتح حمزة كي يمهد الأمر مع والدها. فأتى بعدها بيومين متوقعًا الرد من حمزة، مُحمّلًا بأحلامه الوردية معها، ليمر على منزلهم قبل أن يذهب إلى منزل حمزة، يمنّي نفسه بنظرة منها، في تلك الشرفة التي تقف بها دائمًا، ولكنه في تلك المرة وجدها خالية، فغمره اليأس لعدم رؤيتها، ليتابع طريقه حتى وصل إلى خلف منزلهم، وكانت المفاجأة حين وجدها أمامه، واقفة مكتفة ذراعيها حول صدرها بتحفز وكأنها كانت في انتظاره، بتلك النظرة المُحدّقة نحوه، حتى جعلته يلقي التحية عليها بحرج لا يخلو من دهشة، فهو أبدًا لم يتحدث إليها مباشرة قبل ذلك لعلمه الجيد بالأعراف والتقاليد وتقديرًا لصديقه أيضًا:
ـ مساء الخير
ـ مساء النور. أنت بقى اللي طالب إيدي من حمزة؟
باغتته بسؤالها لتجبره أن يتراجع عن مواصلة طريقه، ليلتف إليها بذهول لجُرأتها:
ـ آه، أنا كمال يا آنسة هالة، صديق حمزة وفعلاً طلبت إيدك منه.
ـ كده مرة واحدة! جاتك الجرأة تبص عليّا وتطلب إيدي من خطيبي! دا إيه البجاحة دي يا أخي!
هكذا بصقت كلماتها مرة واحدة غير مبالية بصدمته ولا مُراعية لأصول الأدب في مخاطبة الآخرين:
ـ أنتِ بتقولي إيه؟ حمزة مين اللي خطيبك؟ حمزة صاحبي اللي كلمته عنك يبقى خطيبك؟ إزاي يعني؟ وهو ما قالش ليه قبل كده قدامي؟
ـ وهيقولك ليه وإحنا ما فيش حاجة ما بينا تمت رسمي؟ أنا بنت عمه وهو مكتوب على اسمي وأنا مكتوبة على اسمه. أنت بقى كان لازم تفهم من نفسك ولا تسأل زين قبل ما تفاتحه، مش تطلبني منه عشان تعمل فتنة بيني وما بينه.
كانت قاسية بدرجة لم يكن يتخيلها، هشّمت قلبه بمنتهى البساطة. ربما كان لديها الحق وأصابت في أنه لم يسأل جيدًا قبل أن يتقدم بخطوته، ولكن أن تدهس قلبه بتلك الصورة الغاشمة، هذا الذي لم يكن يتقبله على الإطلاق.
ـ هو أكيد العيب مني في إني ما سألتش كويس، على الأقل كنت عرفت بطبيعة الإنسانة اللي واقفة قدامي بمنتهى البجاحة جاية تشتمني عشان بس اتقدمت وطلبتها، لكن العيب مش عليكي، العيب على الأهل اللي ما علّموش بنتهم تعرف تتكلم بالأدب.
ـ أنا مؤدبة أحسن منك!
هتفت بها وارتفعت يدها نحوه، إلا أنه أمسكها على الفور، حاجزًا رسغها داخل كفه القوية هادرًا بفحيح:
ـ لولا إنك واحدة ست، أنا كنت مسحت بيكي الأرض دلوقتي، بس حظك إنك اتقابلتي مع إنسان محترم، ما يقبلش أبدًا يمد أيده على النسوان..... حتى ولو كانت هي تستاهل بالفعل!
كمال.
جاءه النداء ليستفيق من شروده، فينتبه إلى قدوم حمزة وكان معه خليفة، زوجها السابق ووالدها كما يتذكر، والمرأة تبدو والدتها.
ـ إيه اللي حصل لبنتي؟.... مالها هالة يا كمال؟..... عايزة أشوف بنتي يا سعادة الظابط.
لوّح بكفّيه أمامهم كي يوقف سيل التساؤلات منهم بكلمتين:
ـ معلش يا جماعة أرجوكم بس الهدوء، انتوا هتدخلوا تشوفوها دلوقتي، معلش مش عايزين بس نزود عليها، وأنا أضمن لكم برقبتي إن حقها هيرجع....
ـ هي وصلت لحقها؟ هالة حصل لها إيه؟
صدر السؤال من خليفة بارتياع أزعجه، ولكن استطاع الرد بصورة عادية:
ـ بتحصل كتير يا خليفة، بس أنت اطمن، أم ولادك هتكون بخير إن شاء الله، وتقدروا تشوفوها بنفسكم دلوقتي، بس أرجوكم الهدوء.
كان في الختام قد أشار لهم على الغرفة، ليتجهوا نحوها جميعهم، فلم يتبقَّ إلا حمزة الذي وقف كي يسأله على انفراد:
ـ طمني يا كمال، عايز أعرف منك قبل ما أدخل لها.
لم يكد يكمل سؤاله حتى وصله صوت بكاء والدتها، وعويلها، ليعود إليه بتساؤل أجاب عنه كمال دون تردد، وهو يعود للجلوس على كرسيه بتعب:
ـ كسرين في دراعها ورضوض في الجسم كله، دا غير إن كان فيه اشتباه في ارتجاج في المخ، بس ربنا ستر ورسيت على إصابة كبيرة في الراس.
ـ وه!
تمتم بها حمزة يسقط جواره على الكرسي المجاور له، متمتمًا بقهر:
ـ ليه كده؟ هما كانوا كام نفر بالظبط اللي اتسلطوا عليها؟
ـ هي واحدة يا حمزة، بس قوتها بعشرة ستات.
ـ ولما هي قوتها بعشرة، مخلينها مع الحريم ليه؟ وكيف تسيبوها تتمكن منها لحد ما توصل للحالة دي؟
لم يلومه كمال على عصبيته، بل كان مُقدّرًا ومُتفهمًا، ليوضح بهدوء كي يمتص غضبه:
ـ أولًا هي مش راجل عشان نعزلها، وثانيًا بقى هي هتاخد جزاءها بالقانون، هي والبنات اللي ساعدوها عشان تستفرد بها. ثالثًا بقى وهو الأهم، لازم أفكرك إني كنت في مأمورية إمبارح للقبض على الولد ده المتهم إنه شريكها، إجراءات بقى وتحقيقات. أنا روحت بيتنا وما نمتش غير ساعتين بس وجاني الخبر، فاتصلت بيك قبل ما أوصل هنا.
سأله حمزة بتوجس:
ـ طب وعلى كده لما حققتوا معاه قالولكم إيه؟ اعترف على حاجة؟
رد يجيب بما أذهله:
ـ أنكر كل حاجة، بس المهم بقى لما زنقت عليه في موضوع البصمات ومقارنتها مع البصمات الموجودة على العبوة، نفى نفي تام إن خالته ليها صلة.
سأله حمزة بحيرة وقد تشتت عقله:
ـ كيف يعني؟ أمال هيكون مين اللي وزّه؟
زفر كمال يجيبه بتعب:
ـ والله إحنا لسة في بداية التحقيقات معاه، والإنكار ده شيء طبيعي منه. على العموم بكرة هنشوف القضية رايحة بينا على فين.
....................................
كانت تأكل طعامها بِنَهَم بعد أن عادت لها شهيتها، غير قادرة على التمهل أو حتى الانتباه لذلك الذي توقف ليتابعها فقط. في البداية، خطفه رؤيتها بتلك الحالة، ثم تحوَّل تفكيره إلى شيء آخر، شيء أزعجه على مدار اليومين الفائتين، فلم يقاوم فضوله حتى يسألها:
ـ عدنان ده يقرب لك إيه يا نورا؟
سعلت فجأة حتى تناثر الطعام من فمها، ليسارع بإعطائها كوب الماء:
ـ خدي اشربي وابْلَعي... شَرقة خير.
أومأت بصمت ثم رفعت عينيها إليه لترد بسؤال:
ـ إشمعنى الاسم ده؟ إيه اللي جابه على بالك؟
أجابها دون تردد:
ـ عرفته منك، وأنتي بتخرفي باسمه طول ما الحمى ماسْكَاكِي. أي نعم كنتي بتقولي اسمي كمان، وفي كل مرة عليه شتيمة، إنما عدنان ده إيه حكايته؟
توقفت عن تناول الطعام، لتطالعه بقوة وتصارحه دون مواربة:
ـ عدنان ده وَلَد عَمّي اللي اتربيت معاه، كان مكتوب لي وأنا مكتوبة له، بس الموت خطفه مني قبل جوازنا بشهر. عربية صاحبها شارب شالته شيل من فوق الإسفلت ورزعته على الارض محطش منطق بعدها، وراح عند ربه، عشان يسيبني أنا الدنيا تلطش فيَّ.
ـ كان شبهي صح؟
سألها باستدراك، لتُؤكِّد له:
ـ فعلاً، وما أنكرش إن سبب تعلُّقي بيك من أول مرة شوفتك هو الشبه العزيز على قلبي. عرفت بقى إن مش أنت بس اللي محتفظ بصورة جنب قلبك، كلنا مجروحين، بس المهم إن إحنا نعيش ونتكيف مع الظروف والدنيا.
ختمت كلماتها ونهضت تتركه في تخبُّطه.
.................................
كانت جالسة أمامه حول الطاولة التي كانت تضمهما في ركنٍ لهما وحدهما في ذلك المحل الذي يُطلّ على النيل، بناءً على طلبه، فقد كان في حالة من الحُزن لا يصح معها الجدال، همٌّ يُثقل ظهره، حتى الكلمات كانت تخرج منه بصعوبة.
ـ لدرجة دي زعلان عليها يا خليفة؟
ذلك السؤال الذي وجهته إليه وهو لم يتأخر عن الإجابة باستفاضة:
ـ مش أم ولادي قبل ما تبقى بنت عمي؟ أنا قلبي ماكانش مطمن، عشان عارف طبعها كويس، هالة لو قعدت أكتر من كده في السجن، اللي حصل النهاردة هيتكرر تاني وتالت ورابع، ومش بعيد تروح فيها. طبعها عنيد، متعرفش تطاطي ولا تتكيف مع الظروف، أعمل إيه بس وهي مْشَيَّلاني الهم حتى بعد ما سيبتها؟ ده أنا بْحايل في البنات وبطلوع الروح بَسَكَّتهُم.
ربَّتت بيدها على كف يده المستندة على الطاولة تُهَوِّن عليه:
ـ سيبها لله وربنا يدبرها. أكيد إن شاء الله نلاقي لها مخرج. هما مش بيقولوا إنهم قبضوا على ابن أختها؟ يا رب يجي من ناحيته الفرج.
أومأ رأسه بتفكير يُعقِّب على قولها:
ـ يا ريت! إحنا نِكره يعني؟ على العموم هو النهاردة أنكر خالص إنه عمل الْعَملة دي. كده يبقى الموضوع واقف على تحليل البصمات، آه يا سلام لو كمان دي تطلع سليمة، يبقى كده خِلصِتْ، يا ساتر، إمتى أخلص من الكابوس ده؟
ـ يا رب تخلص منه قريب إن شاء الله. ساعتها ترجعها لعصمتك يا خليفة، حتى عشان البنات....
سمع منها، ليحدق نحوها بدهشة، سرعان ما تحولت لغضب واشتدت تعابير وجهه، ليباغتها بالقبض على يدها بِغَيْظ مرددًا:
ـ أنتي مجنونة يا اعتماد؟ وإيه دخل ده بده؟ مَتْخَلّينيش أتعصَّب عليكي قدام الناس عاد. هالة بنت عمي وأم ولادي يعني عمري ما هَجْطَع منها ولا أعكَّر اللي ما بينا عشان صلة الدم اللي رابطانا، إنما حكاية جواز ورجعة فَده موضوع خِلص من ناحيتي وناحيتها، عرفتي بقى؟
أومأت بحرج تحاول نزع يدها منه:
ـ حاضر يا خليفة، فهمت. سيب يدي بقى الناس بتبص علينا.
قالت الأخيرة وعيناها ذهبت نحو طاولة مجموعة من الفتيات قريبة منهما، كن يخطفن النظرات نحوهما بفضول. فضاعف هو بتحدٍ يباغتها وعلى حين غِرَّة، مُخرجًا شيئًا ما من جيب جلبابه:
ـ ماشي يا اعتماد، وادي اللي هَربطِك بيها العمر كله عشان تِخْرَسي خالص بعد كده عن الكلام الماسخ ده.
تطلعت بذهول إلى ما وضعه في إصبعها تسأله بعدم استيعاب:
ـ إيه ده يا خليفة؟
بابتسامة ماكرة لاحت على محياه:
ـ والله لو مش عارفة أقولك. دي دبلتك يا اعتماد، شاريها بقالي فترة طويلة ونفسي ألبسها لك، بس الظروف بقى كل مرة تمنعني، لكن مدام راسك الناشفة لسه مَنْعَاكي ما تِقْتِنعي بخطوبتنا، يبقى ينعل أبو الظروف.
وكأنها فقدت النطق، صارت تنقل بعينيها منه وإلى المحبس الذهبي الرائع الذي زيَّن إصبعها، بانبهار شديد، لا تدري كيف فعلها بتلك السرعة؟ لم تكن مفاجأة سعيدة وحسب، بل هي شيء أقوى وأعمق في معناها، لقد ربطها به كما أوضح وبكل جرأة.
رقَّ قلبه لها، ليخفف من جنونه سائلًا لها:
ـ مَا قُولتِيش بقى، إيه رأيك فيه؟ حلو ولا نغيره؟
ردت بيأس وتعب من أفعاله غير المتوقعة على الإطلاق:
ـ رأي مين يا خليفة؟ هو أنت خليت فيها رأي؟ ولا أنا إزاي أصلاً كنت مخدوعة فيك وفاكراك هادي وعاقل؟
ـ والله وأنا نفسي ما كنتش أعرف. شكلي بأكتشف جناني على ايديكي يا أبلة اعتماد، بركاتك.
قالها ودوَّت ضحكته الرجولية الرائعة تلفت أبصار الفتيات نحوهما مرة أخرى، فيزيد من خجلها وهي لا تملك القدرة على إفلات يدها منه، وقد أطبق عليها بقوة، يُخمِد فرصتها حتى في التفكير أو التراجع.
.......................
عاد مساء وقد انتهى ذلك اليوم الثقيل، ليجد الهدوء قد عمَّ الأجواء داخل محيط المنزل بمغادرة الجميع من أبناء إخوته، ونوم البقية من أهل المنزل أو اختلائهم في غرفهم. إلا أنه تفاجأ بزوجته العزيزة جالسة على الأرجوحة الوحيدة في الحديقة، ترسم بالعصا التي تساعدها في السير، خطوطاً في الأرض.
ليقترب حتى يجاورها، إلا أن الأرجوحة اهتزت تاثرا بثقله واهتزت هي معها حتى كادت أن تقع، لتناديه بِجَزَع:
ـ وِه! حاسب لا أقع يا حمزة.
قبل أن تنهي جملتها كانت ذراعه حول خصرها يسندها مردداً:
ـ عيب عليكي يا مَرَة، تقعي وأنا جنبك!
تبسمت له بامتنان تساير غروره:
ـ لا طبعاً، ودي تيجي كيف يعني؟ ده أنا معايا الأسد.
ـ أيوه كده حلاوتك وأنتي فهماني.
قالها بمزاح استجابت تشاركه الضحك، ليتوقف الاثنان بعدها بلحظات، وكأن الضحكة قد فقدت معناها وعاد الهم يعتلي الوجوه، لتسأله مزيونة:
ـ شكلك تعبان ومش بطبيعتك، هي هالة حالتها صعبة؟
أومأ يوضح لها:
ـ مش حكاية صعبة ولا سهلة، الحكاية إن الموضوع أكبر من تحملنا، فكرة إنها تنضرب في السجن ومن مَرَة زيها، يعني حتى ما تقدريش تاخدي حقها، حاجة وَاعِرَة وتقيلة قوي على النفس.
عقَّبت مزيونة بتفهُّم:
ـ طبعاً معاك حق، بس إنتوا ما تشوفوا ولد أختها ده اللي اتقبض عليه،وأكيد المحامي يعرف يلاقي معاه سكة عشان يطلعوها من الموضوع.
رد بابتسامة لم تصل لعيناه:
ـ وأنتي فاكرة يعني إن دي حاجة تفوت عليا؟ ده أنا دخلت له بنفسي والولد قعد يحور معايا، بس أكَّد لي إن خالته ما لهاش دعوة.
ـ وِه! أومال إيه طيب؟
قالتها مزيونة بتساؤل ليرد بحيرة:
ـ والله ما أنا عارف أقولك إيه؟ فاضل تقارير المعمل الجنائي وربنا يجمِّلها بستره.
ـ آمين يا رب، إن شاء الله خير، أنت بس سيب تِكَّالك على الله وقول يا رب.
قالتها مزيونة تلف يداها الاثنتان حول ذراعه، تحتويه بنظرتها الدافئة، تنقل إليه الدعم دون جهد، وهو يتلقى محاولاتها برضاء تام، ليستريح بظهره أكثر إلى الخلف، ويضمها إليه مقبِّلاً أعلى رأسها، ثم بدأ يضغط بقدمه على الأرض حتى تهتز الأرجوحة بهما بخفة، فضحكت ساخرة:
ـ طب افرض حد طلع دلوقت، ولا طَبّ فجأة من برَّه، يقول علينا إيه؟
رد بعدم اكتراث:
ـ اللي يعرف أبونا يروح يقول له، ولا يعمل زيينا! صحيح المرجيحة دي حلوة قوي، فكّريني نعمل واحدة في بيتنا هناك.
سألته عاقدة حاجبيها:
ـ لريان ولا للنونو الجديد؟
رد يفاجئها بإجابته:
ـ لا ده ولا ده، لينا إحنا، كفاية عليهم باقي اللعب يا وِلاد الفرطوس.
وكان ردها ضحكة عالية، داعبت وجدانه، ليواصل المزاح، مستمتعاً بضحكاتها والجو الشاعري اللطيف على الأرجوحة.
.....يتبع
بدأناها بالشد والجذب قولنا نختمها بشوية لكافة
رأيكم يا حلويات
#لأجلها
تكملة الرواية من هناااااااا
لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كامله من هناااااااااا
مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا

تعليقات
إرسال تعليق
فضلا اترك تعليق من هنا