رواية زبن الهواري الفصل الأول 1حصريه بقلم ميادةيوسف الذغندى
رواية زبن الهواري
بقلم ميادةيوسف الذغندى
الفصل الأول
من داخل جدران المخابرات
في صمت الحياة، وبين ممرات الوجدان، هناك عوالم كاملة لا نراها، وأسرار تُدفن خلف أبواب لا تُفتح إلا لمن أقسم أن يحملها حتى النهاية.
وفي عقولٍ ضجّت بالخبايا والأسرار، وبالمواجهات الصعبة، وتحمل المسؤولية، والدفاع عن حقوق الوطن، ومحاربة الفساد والأعداء... وُجد رجال اختاروا أن يعيشوا بعيدًا عن الأضواء.
رجال لا تُذكر أسماؤهم في الصحف، ولا يعرف الناس وجوههم، ولا ينتظرون تصفيقًا أو تكريمًا.
يعملون في صمت... يتحركون بهدوء... ويواجهون أخطر المواقف دون أن يعرف أحد أنهم كانوا هناك.
قد يمر أحدهم بجوارك في الشارع، فتراه رجلًا عاديًا لا يلفت انتباهك، بينما يحمل في داخله عالمًا كاملًا من الأسرار والمهام التي لا يستطيع حتى أقرب الناس إليه معرفتها.
وفي هذا العالم، لا توجد مساحة للخطأ... ولا مكان للتردد.
هناك قرارات قد تُتخذ في ثوانٍ، لكنها قد تغيّر مصير أشخاص، وربما مصير وطن بأكمله.
أما البطولات... فغالبًا لا يعرفها أحد.
تظل حبيسة الملفات المغلقة، والأدراج السرية، وذاكرة رجالٍ أقسموا ألا يتحدثوا.
وأحيانًا...
لا نعرف الحقيقة إلا بعد رحيل أصحابها.
عندها فقط نكتشف أن ذلك الرجل الذي عاش بعيدًا عن الأضواء، كان يومًا يقف في الصفوف الأولى دفاعًا عن وطنه، وأن صمته لم يكن ضعفًا... بل كان ثمنًا يدفعه كل يوم.
ومن بين هؤلاء الرجال...
كان زين الهواري.
رجلٌ لم يكن يعرف أحد أين تنتهي حدود حياته الشخصية، وأين تبدأ مهمته.
رجلٌ حمل أسراره خلف ملامح هادئة، وعاش سنواتٍ كاملة وهو يعلم أن هناك أشياء لا يمكنه البوح بها، حتى لمن يحب.
لكن ما لم يكن يعرفه زين...
أن المهمة القادمة لن تكون مج
رد مهمة عابرة.
بل ستكون بداية لحكاية ستضع قلبه، ومبادئه، وحياته كلها أمام أصعب اختبار.
وهنا تبدأ الحكاية... من داخل جدران المخابرات.
العرق يملأ وجهه وهو يصرخ:
— سيف! هات إيدك... قولت هات إيدك! هات يا سييييييف!
يد تمتد إليه:
— فوق، فوق يا زين... ده كابوس!
زين...
فتح عينيه:
— إنتِ مين؟ إنتِ مين؟
سمر...
— أنا مين؟ سلامة النظر يا بيه. أنا أبقى...
وقربت منه، وهي بتبص في عيونه:
— أنا أبقى الفرس الجامح، نسيت ولا كلام الليل مدهون بزبدة؟
زين...
ضيّق عيونه:
— آه، إنتِ لسه هنا؟
وقام من السرير، تناول قطعة من ملابسه، واتجه للكرسي. مد يده وتناول علبة السجاير والولاعة، وبدأ يشعل سيجارة.
نظر إليها وقال:
— البسي هدومك ويلا امشي.
سمر...
نزلت من السرير بسرعة وركعت قدام رجله:
— ما تسيبنيش هنا. خدني معاك، هخدمك وهريحك، وبلاش ترجعني تاني هناك. والله يا زين باشا مش هتسمع صوتي، وهكون هادية قوي.
زين...
هز رأسه، وابتسم ابتسامة خفيفة:
— هادية؟ إنتِ هادية؟
ثم قال بصرامة:
— قومي البسي هدومك وامشي، بدل ما أخلي الدبان الأزرق ما يعرفش ليكي مكان.
ساعة.....
صوت الإمام:
— السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد الانتهاء، لفَّ ليخرج من المسجد، فوجده جالسًا وهو ينظر إليه.
وأول ما تقابلت عيونهما، قام وجري عليه وارتمى في حضنه. أغلق حضنه عليه جامد، وقال:
— وحشتني قوي يا عمي... قوي.
الشيخ مصطفى...
— إنت أكتر يا زين. فينك يا واد؟ مختفي عني إيه؟ نسيت عمك ولا إيه؟
زين...
— وأنا أقدر أنسى برضه؟ الشغل بس... مش أكتر.
الشيخ مصطفى...
— طب يلا، هنروح السرايا. أكيد معتز والكل هيفرح بيك.
زين...
— معتز باشا سايبك كده تصلي بالناس؟ إيه، مش بيقولك البلد والأمن واللي بالي بالك؟ إنت عارف بعد الثورة الوضع اختلف كتير.
الشيخ مصطفى...
— أنا بصلي من وأنا في إعدادي بالناس، على فكرة، وماليّش علاقة بالسياسة نهائي. ومش تربط الدين بالسياسة عندي، أنا بعامل ربنا.بقلم ميادةيوسف الذغندى
زين البيت بصحبة عمه مصطفى، وما إن أغلق الباب خلفهما حتى شعر بشيء غريب يضغط على صدره.
كان المكان كما هو تقريبًا...
نفس الجدران، نفس رائحة البيت، ونفس الهدوء الذي لم يتغير رغم مرور السنوات.
الشيخ مصطفى...
— اقعد يا زين وارتاح، وأنا هطلع أجهز نفسي علشان أروح الشركة. عندي شوية حاجات لازم أخلصها.
هز زين رأسه دون أن يرد.
صعد عمه إلى الطابق العلوي، وبقي زين وحده في الصالة.
وقف مكانه للحظات، ثم بدأ يلف بعينيه في كل ركن.
ثلاث سنوات وأكثر...
أكثر من ثلاث سنوات لم تطأ قدماه هذا البيت.
مد يده إلى ظهر أحد المقاعد، وكأنه يتأكد أن كل شيء حقيقي وليس مجرد ذكرى.
مرّت أمام عينيه صور قديمة...
ضحكات كانت تملأ المكان.
أصوات أشخاص أحبهم.
أيام كان يظن أنها ستظل معه إلى الأبد.
ابتلع غصته، وحاول أن يمنع دموعه، لكنه لم يستطع.
تحرك ببطء بين أرجاء الصالة، حتى وقعت عيناه على صورة معلقة على الحائط.
توقف.
ظل ينظر إليها من بعيد لثوانٍ، ثم اقترب منها بخطوات مترددة.
وقف أمامها مباشرة.
ثبت عينيه عليها، وكأن الصورة فتحت بابًا ظل مغلقًا داخله لسنوات.
ارتعشت شفتاه، وقال بصوت خافت:
— وحشتوني...
سقطت أول دمعة على خده.
ثم تبعتها أخرى.
رفع يده ومسح وجهه سريعًا، لكنه لم يستطع السيطرة على نفسه هذه المرة.
أخذ نفسًا عميقًا، وظل واقفًا أمام الصورة يبكي في صمت.
ثلاث سنوات كاملة قضاها بعيدًا...
ثلاث سنوات حاول خلالها أن يقنع نفسه بأنه نسي.
لكنه اكتشف الآن، وهو واقف أمام تلك الصورة، أن الإنسان يستطيع أن يهرب من المكان...
لكن لا يستطيع أن يهرب من ذكرياته.
صوت من خلفه، يحمل عتابًا وغضبًا تراكم لسنوات:
مروة...
— إيه اللي جابك تاني؟! إنت لسه عندك دم؟ لسه عندك مشاعر؟ لا... وبدموع كمان!
ظل زين مطأطئ الرأس، ولم يلتفت إليها.
زين...
— اسكتي يا مروة... اسكتي. إنتِ مش عارفة حاجة.
مروة...
— مش عارفة إيه؟! إنك كان ممكن تنقذ جوزي، أخوك، من الموت... وإنت سبته واتخليت عنه؟
رفع زين رأسه ببطء، وكانت عيناه ممتلئتين بالدموع.
زين...
— مروة، إنتِ مش فاهمة. قولتلك... ولا عارفة. إنتِ متخيلة إني ممكن أقتل أخويا؟ أو أسيبه يموت وأنا قادر أنقذه؟
ساد الصمت بينهما للحظات.
كانت مروة تنظر إليه بغضب، بينما ظل زين واقفًا أمام الصورة، وكأنها وحدها تحمل كل الإجابات التي عجز عن قولها.
مروة...
— أمال الحقيقة إيه يا زين؟
ارتبك للحظة، ثم أشاح بوجهه بعيدًا.
زين...
— الحقيقة... مش كل حاجة ينفع تتقال يا مروة.
ثم عاد بنظره إلى الصورة، وقال بصوت مكسور:
— وفي حاجات... لو اتقالت، ناس كتير ممكن تدفع تمنها.
جاء صوت من أعلى السلم...
والده...
— زين؟ يعني كلام عمك مصطفى صح؟ إنت جيت؟
ما إن سمع زين صوته، حتى تجمد للحظة، وكأن السنوات الثلاث الماضية اختفت في ثانية واحدة.
رفع عينيه إلى أعلى السلم، فوجد والده واقفًا هناك.
لم يفكر...
لم يتردد...
جرى عليه، وصعد السلم في خطوتين، ثم ارتمى في حضنه وهو يبكي.
ضمّه والده إليه بقوة، وظل صامتًا للحظات، وكأنه لا يصدق أن ابنه عاد أخيرًا.
زين...
— وحشتني يا بابا... وحشتني قوي.
شد والده عليه أكثر، وقال بصوت اختنق بالدموع:
— وإنت كمان وحشتني يا ابني... وحشتني يا زين.......يتبع
تكملة الرواية من هناااااااا

تعليقات
إرسال تعليق
فضلا اترك تعليق من هنا