القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية غرام الذئاب الفصل الخامس والثلاثون35 بقلم ولاء رفعت (حصريه وجديده في مدونة قصر الروايات )

 رواية غرام الذئاب الفصل الخامس والثلاثون35 بقلم ولاء رفعت (حصريه وجديده في مدونة قصر الروايات )



رواية غرام الذئاب الفصل الخامس والثلاثون35 بقلم ولاء رفعت (حصريه وجديده في مدونة قصر الروايات )



#الفصل_الخامس_والثلاثون_الجزء_الأول

#غرام_الذئاب

#الجزء_الرابع_من_سلسلة_صراع_الذئاب

#ولاء_رفعت_علي


أنا لم أطلب المستحيل، كل ما أردته رجلًا صادق يشبه كلماته، ويحترم قلب أحبه بصدق.

سأمضي وأترك لك صورتي القديمة، تلك التي كانت تُحبك بلا حذر، بينما أنا الآن، فامرأة تعلمت أن لا تمنح قلبها لمن لا يعرف قيمته.

دنيا & كنان


انتهيا من تناول طعام الغداء، وعاصفة لم تهدأ داخل صدرها؛ كانت تحمل الصحون بين يديها، وقد ارتسم على محياها ضيق مكتوم، وامتعاض يتسلل إلى ملامحها، فتفضح عينيها ما تحاول جاهدة إخفاءه.


نهض زوجها عن مقعده في اللحظة ذاتها، ولاحظ وإن لم يُعلق ذلك العبوس العابر الذي مر على وجهها، فلحق بها حتى المطبخ، وخطواته هادئة ونبرته مشبعة بابتسامة أراد لها أن تكون مطمئنة فقال لها

"دنيا حبيبتي، بعد ما تخلصي اللي في إيدك، اعملي فنجان قهوة وتعالي… عايزك نتكلم مع بعض شوية"


أومأت له إيماءة مقتضبة، وذلك هرباً من الأسئلة التي تضج في داخلها، وحاولت بكل ما أوتيت من قوة ألا تُسقط عنها ستار الهدوء الذي ترتديه قسراً، فأجابت

"حاضر"


وما إن غادر المطبخ حتى اندفعت الذكرى إلى عقلها كطعنة مباغتة… صورة تلك المرأة التي رأتها على هاتفه، و ما سواها تلك الشقراء زوجته الروسية السابقة، التي كانت سبب سنوات طويلة من الجفاء والبرود والانكسار بينها و بين زوجها. 


لم تفهم حرفاً واحد من اللغة التي كُتبت بها الرسالة، لكنها لم تتردد؛ التقطت للشاشة صورة، وأرسلتها إلى هاتفها الشخصي، ثم مسحتها من هاتف زوجها بحذر شديد، تخشى أن يكشفها. 

غير أنها تركت رسالة البريد الإلكتروني كما هي، حتى لا يشك لحظة أنها وقعت عيناها عليها.


فتحت تطبيق الذكاء الاصطناعي الشهير، وأدخلت الصورة، وانتظرت ثوان بدت لها ثم ظهرت الترجمة أمامها، لتقرأ


«هاي كنان… كيف حالك يا صاح؟، أردت أن أخبرك بشيء هام لأنك كنت كلفتني بمهمة البحث عن زوجتك الروسية منذ سنوات… هي هنا في إيطاليا… تقضي كل ليلة لدي في الملهى… أليست هذه سيلينا؟»


وكانت هناك صورة مرفقة لتلك الشقراء نفسها.

في تلك اللحظة غلت القهوة وفارت من الركوة، كأنها تحاكي فوران صدرها فانتفضت، وأمسكت بالفنجان، سكبت القهوة فيه بيد مرتعشة، أخذته وسارت بخطوات متثاقلة نحو الشرفة.

وجدته يجلس هناك، ينتظرها مبتسماً، والنسيم يداعب ستائر المكان، بينما الهدوء يخيم على كل شيء… إلا قلبها.


وضعت الفنجان أمامه على الطاولة الصغيرة، فمد يده وأمسك به، وارتشف رشفة قصيرة، قال بنبرة راضية

"تسلم إيديكي"


أومأت له بصمت وأجابت بصوت منخفض، مقتضب كأنه يخرج من قاع بئر

"شكراً"


لاحظ وجوم ملامحها، ذلك السكون الثقيل الذي خيم على وجهها كالغيمة الملبدة، فانعقد حاجباه بقلق، وتسربت الريبة إلى نبرته وهو يسألها

"مالك يا دنيا؟، فيه حاجة يا حبيبتي؟"


فتصنعت ابتسامة واهنة، ابتسامة أشبه بقناع هش يتداعى تحت وطأة ما يشتعل في صدرها من نيران تأكل قلبها التهاماً، وتحرق روحها ببطء، ثم قالت محاولة صرف الدفة بعيداً عن نفسها

"مفيش… المهم، كنت عايزني في إيه؟"


أنهى رشف قهوته على مهل، يرتب كلماته في رأسه قبل أن ينطق بها، ثم ترك القدح جانباً، ومد يديه نحو يديها، فقبض عليهما بلمسة حانية، تحمل من الرقة بقدر ما تحمل من ثقل الخبر. 


"أنا مسافر في خلال يومين، ومش عارف هقعد قد إيه، فعايزك تاخدي بالك من نفسك ومن الولاد"


ارتجف قلبها عند سماع كلماته، وخفق خفقاً مضطرب؛ داهمها خاطر مفزع… هل رأى الرسالة؟، هل حقاً يسافر من أجل طليقته؟


خرج سؤالها من فمها قبل أن تتمكن من كبحه

"هتسافر فين؟"


تنهد بعمق، ثم أجاب بهدوء

"إيطاليا"


انسحبت يداها من بين كفيه فجأة، كأن لسعة نار أصابتها، واتسعت عيناها دهشة ووجع، رددت كلمته بذهول

"إيطاليا! ليه؟"


تملكته الحيرة من رد فعلها المفاجئ، لكنه حاول تبديد مخاوفها قائلاً

"مسافر طبعاً في شغل، وما تقلقيش هكون على تواصل معاكي، بس أهم حاجة خدي بالك من نفسك ومن الولاد"


ظلت تحدق فيه طويلاً، نظرة مثقلة بالأسئلة والشكوك، بينما كانت النيران تستعر في أعماقها بلا رحمة؛ لم تجرؤ على إخباره أنها رأت الرسالة، ولم تملك شجاعة مواجهة الحقيقة، وهو يخبرها الآن بكل أريحية عن سفره، كأن شيئاً لم يكن.


ابتلعت ريقها بصعوبة، وقالت ببرود ظاهري يناقض العاصفة المشتعلة داخلها

"تروح وترجعلنا بالسلامة… بس خد بالك من نفسك"


حاولت أن تواري ارتجافة صوتها، فنهضت سريعاً، وأمسكت بقدح القهوة الفارغ، ووضعته أعلى الصينية

"لما أروح أغسل الفنجان وأجيبلك الحلو"


أمسك يدها قبل أن تخطو خطوة واحدة مبتعدة، كأنما يخشى أن تنفلت منه إلى مسافة لا تطالها يد ولا يصل إليها صوت، وجذبها إليه برفق، وقد ارتسمت على ملامحه التعجب والقلق، سألها بصوت خفيض تنضح كلماته بالاهتمام

"مالك يا حبيبتي؟، من امبارح وانتي فيكي حاجة غريبة، في حد مضايقك؟، ولا أنا عملت حاجة مضايقاكي؟"


تجلت على شفتيها ابتسامة زائفة، باهتة  وأخفت خلفها ما يعتمل في صدرها من اضطراب، ثم قالت كاذبة بنبرة حاولت أن تبدو طبيعية

"مفيش حاجة مضايقاني، إنت عارف الحمل وهرموناته، اليومين دول مزاجي مش مظبوط… إنت بس ركز في سفريتك، هاروح أجيبلك الحلو، وبعدها هاروح أحضرلك شنطة السفر… إنت ناوي تقعد قد إيه هناك؟"


تعلق بتبريرها محاولاً أن يقنع نفسه بصدقها، ثم أجاب عن سؤالها الأخير

"مش عارف… على حسب الإجازة اللي هيقعدها قصي هو ومراته وولاده هناك"


انعقد حاجباها، وتقلصت ملامحها بدهشة لم تستطع إخفائها، فسألته

"قصي!؟ إنتوا اتصالحتم؟"


"روحت سلمت عليه واعتذرتله، ورجعني الشغل معاه لأنه ما بيثقش و لا بيرتاح لأي حراسة غيرى أنا ورجالتي"


هزت رأسها ببطء، ثم قالت بابتسامة مصطنعة

"تمام… كويس… تروحوا وتيجوا بالسلامة"


ترك يدها، ورد عليها بابتسامة دافئة

"الله يسلمك يا حبيبتي"


همت بالذهاب، لكنها توقفت فجأة، فهناك سؤال داهم عقلها، فالتفتت إليه وسألته

"هو ينفع نيجي معاك أنا والولاد؟"


حك ذقنه بحرج ثم أمسك كتفيها برفق واخبرها

"أنا يا حبيبتي مسافر في مهمة تأمين وحراسة، يعني هابقى أغلب الوقت مشغول عنك إنتي والأولاد… قصي بيه عرض عليا، قولتله مش هينفع، مش هاعرف أركز في شغلي وفي نفس الوقت معاكم… أنا كده كده في نيتي إن شاء الله آخدك إنتي والولاد نقضي أسبوع في الشاليه لما أرجع من السفر"


أومأت برأسها، بينما كانت النيران تستعر في أعماقها، فأخفتها خلف طيف ابتسامة.

وبعد أن تركت ما في يدها داخل المطبخ، أسرعت نحو غرفة النوم، بخطوات متلاحقة تحمل أثقال قلبها، وأغلقت الباب خلفها بإحكام، وحينها فقط انهارت قواها، فلم تعد قادرة على التماسك.

أطلقت لدموعها العنان، فانهمرت كالسيل، وراحت تهمس من بين شهقاتها بلوعة وألم

"طبعاً مش عايز ياخدنا عشان يخلي له الجو مع الهانم بعد ما عرف طريقها… كل الفيلم اللي بيعمله عليا عشان مسافرلها، يعني كان بيكدب عليا كل الفترة اللي فاتت، وأنا زي المغفلة صدقته"


وضعت يدها على موضع قلبها، كأنها تحاول تهدئة وجعه المتفجر، وقالت بصوت مكسور

"ليه كده يا كنان؟!، حرام عليك اللي عملته وبتعمله فيا… الله يسامحك"


وأخذت تردد الجملة الأخيرة مراراً، بقهر ينهش روحها، ووجع لا يجد طريق إلى الخلاص.

                        ❈-❈-❈

وهنا يجلس غارقًا في مرسمه غرق الناسك في محرابه، يتهادى صوت أم كلثوم من المذياع، متسللة كنسيم قديم يحمل رائحة الذكريات، تنسكب بصوتها العتيق، وتعيد ترتيب فوضى قلبه على إيقاع الشجن.


الفرشاة بين أنامله تلون لوحته التي ظل  يرسمها منذ ليالي سابقة. 


اهتز هاتفه فوق الطاولة المجاورة بتنبيه

رسالة واردة، رسالة صوتية من شقيقه ياسين.

توقف عن الرسم، ترك الفرشاة ببطء، ومسح يده في منشفة ملطخة بألوان متداخلة، التقط الهاتف ليستمع إلي الرسالة 

«يونس، مش هأكد عليك تاني… اطبع الدعوات زي ما قولتلك، بالله عليك ما تنساش، و وزعها و ابعتلي منها أوزعه علي معارفي واصحابي»


ارتسمت على شفتيه ابتسامة جانبية،  وسجل رده بنبرة واثقة

«ما تقلقش يا ياسو، ظبطلك كل حاجة، وعاملك شغل فاخر من الآخر، هتدعيلي عليه»


أرسل الرسالة، وقبل أن يعيد الهاتف إلى موضعه، التقطت أذناه صوت انفتاح الباب خلفه، رفع رأسه ببطء.


فوجد زوجته تقف عند العتبة، في أبهي حُلة و زينة، ترتدي مأزر حريري قصير ينساب فوق جسدها باغراء، يتهادى مع أدنى حركة، ويكشف أكثر مما يخفي، فيما شعرها ينسدل على كتفيها.

عيناها ملعقتان به بتردد ورجفة خفية ترتعش في وقفتها، جاءت لتخبره شيئًا… لكنها لا تعرف من أين تبدأ.

سألها بصوت دافئ 

"فيه حاجة يا حبيبتي؟"


اقتربت بخطوات مترددة حتى وقفت أمامه تمامًا، تتأمل ملامحه طويلًا، تتفحص وجهه ثم قالت بصوت خفيض 

"أنا حاسه إني اتعافيت الحمدلله"


كأن الكلمات ما إن خرجت من شفتيها حتى انفتح في صدره بريق أمل، وتفتح قلبه على اتساعه، ارتسمت على شفتيه ابتسامة مشبعة بفرح صاف لا تشوبه شائبة.


"ألف مبروك يا حبيبتي… ده أحلى خبر سمعته"

خفضت بصرها لحظة، ترتب شجاعتها في أعماقها، ثم رفعت عينيها إليه من جديد لتخبره

"الثيرابيست كانت بتقولي إن من ضمن العلاج إني لازم أواجه خوفي واتحداه… يعني بعد اللي حصل كنت بخاف أي حد يقرب مني… فأنا عايزة أتأكد الإحساس ده لسه موجود ولا لأ"


فهمها قبل أن تُكمل حرف آخر، فهمها بقلبه قبل عقله.

ترك ما في يده واقترب منها، لف ذراعيه حول خصرها برفق بالغ، شعر بأنفاسها تعلو، وبصدرها يهبط ويصعد. 


عانقها بهدوء ومال برأسه قليلاً وهمس قرب أذنها بصوت مشبع بالشوق


"واحشتيني أوي يا حبيبتي"

ثم أبعدها مسافة بسيطة، كأنه يريد أن يراها كاملة، وتأمل وجهها طويلًا.

كانت شاردة… حائرة… جميلة للغاية، 

رفع إبهامه ولمس طرف شفتيها السفلى بخفة. 

"عايزه تعرفي أنتي خفيتي و لا لاء؟ "


أومأت برأسها ببطء، وابتلعت ريقها، 

تنهد مبتسمًا وقبل جبهتها ثم قال لها 

"آه منك إنتي ومن شوقي ليكي… كنت هاتجنن عشان آخدك في حضني.،، تعرفي؟، لو هاكتفي بالحضن ده وبس، معنديش أي مشكلة، أهم حاجة تكوني بخير ومبسوطة"


ابتسمت بعينين لامعتين، امتلأتا بدفء يشبه الدموع، ردت بمشاعر نابعة من فؤادها 

"طول ما إنت جنبي ومعايا أنا بخير ومبسوطة… خليني جوه حضنك وحبني يا يونس"


 جذبها إليه حتى التصقت به كأنها تبحث عن موطنها الحقيقي.


"ده أنا هاحبك وأغرقك حب لحد ما تزهقي… بلا رسم، بلا ألوان، ويركن الواد ياسين على جنب… خليني مع كوكي حبيبة قلبي اللي وحشاني و كل ما فيها واحشني"


وبين ذراعيه لأول مرة، شعرت بعد مرور أصعب الفترات عليها أن الخوف صار كالسراب. 

فجأة وجدته يحملها من خصرها علي 

شهقت وتشبثت بعنقه 

"بتعمل إيه؟ نزلني"


لم يجبها بل اقترب بها من طاولة تعلوها لوحات ملفوفة ومتراصة، وضعها فوقها برفق بالغ، واخبرها بمكر تختبئ خلفه رغبة تندلع من قلب عاشق متيم 

"هحبك بطريقتي"


وانحنى ليقبل شفتيها قبلة طويلة، هادئة وعميقة، ممتلئة بالشوق أكثر مما هي ممتلئة بالرغبة.


قبلة تشبه وعد لا ينقض، تشبه امتنان صامت، أو اعتذار متأخر عن كل ألم مُر وكل وجع لم يستطع حمايتها منه.


 ابتعد قليلًا، ظل يتأملها كما يتأمل لوحة نادرة لا تتكرر، بعينين يلمع فيهما الانبهار والعشق معًا.

وهنا روح الفنان داخله قد استيقظت فجأة من سباتها الطويل.


رفع يده ببطء، ومرر أصابعه فوق وجنتها في تؤدة، ثم جبينها فعنقها.


بينما كارين مغمضة العينين، مستسلمة لإحساس تعشقه، قربها منه و لمساته الحانية، إحساس لا يحمل خوف بل طمأنينة ودفء. 

رفعت كفيها ووضعتهما فوق كتفيه، وهمست بصوت يرتجف بخفة

"أنا مش خايفة"


توقف عن لمسها، ونظر في عينيها، 

ابتسم بعاطفة جارفة، ابتسامة رجل مشتاق كشوق المغترب لموطنه. 


ألتقم شفتيها في قبلة حميمية، و يده تتسلل إلي رباط مأزرها، يفك عقدته ببطئ، ليزيح المأزر ذاته عن كتفيها، فاكتشف أنها لم ترتدي سواه، تعالت أنفاسه وكأنه يراها لأول مرة، يحدق بها بتأمل ليس بهدف رغبة أو شهوة بل نظرة عاشق فنان، يحب تأمل كل ما يسحره و يجذبه، وهذه ليست بأي شئ، فهي زوجته التي يعشق كل ما بها من تفاصيل مادية و معنوية. 


نظرت في عينيه ويديها تمتد إلي طرف قميصه ترفعه لأعلي، فرفع ذراعيه ليسهل عليها مهمة خلعه، وضع جبهته علي جبهتها، يشعر بأنفاسها التي تخالط أنفاسه، عانقها بهدوء ومال به علي الطاولة، حيث يسند ظهرها بكفيه حتي جعلها تمددت، دنا بشفتيه أعلي رأسها وقبلها، قبلة يتبعها أخرى من أعلي جبهتها هبوطاً علي كل إنش بوجهها، وعنقها الذي بمجرد أن لمسه انتفضت وحاوطت جذعه بذراعيها، انخرطت معه في تبادل الحب والمشاعر، لذة لا يشعر بها سوى العشاق. 


                        ❈-❈-❈ 

في مطار القاهرة وقف منتصب القامة، متشح بالصمت، صمت رجل يقف على عتبة حياة جديدة، كأنما يتهيأ لا لرحلة عمل، بل لانفصال بطيء عن فصل كامل من عمره قد مضى، عن نسخة قديمة من ذاته.


 ملامحه جامدة في ظاهرها، غير أن عينيه كانتا تضجان بحكايات انهكت فؤاده، بداية من تشبثه بأحبال آمال واهية حتي سقوطه في وادي من الخيبات، تركت آثار ستظل محفورة في ذاكرة قلبه وعقله. 


إلى جواره وقفت أمه، تأملته طويلًا،  تحفظ تفاصيله للمرة الأخيرة، لأنها تعلم تلك الرحلة ستكون طويلة كما اخبرها،   قالت بصوت حاولت أن تجعله ثابت، ترجوه للمرة الأخيرة

"فكر تاني يا رحيم وبلاش هروب، والله ببلدك اولى بيك يا حبيبي، علي الاقل هاتكون وسط ناسك وأهلك"


التفت إليها ببطء وفي عينيه اتقدت نار هادئة؛ نار رجل حسم أمره منذ زمن، فاخبرها بهدوء 

"يا أمي… أنا مش بهرب، ولا سايب بلدي عشان اللي حصل معايا، بس ده أنسب وقت للسفر، أنا محتاج أكرس حياتي لشغلي و مستقبلي، هو ده اللي هاينفعني و هايخليني اتعافي من اللي فات"


تنفست بعمق، كأنها تحاول ابتلاع غصة  ثم هزت رأسها ببطء، وقالت بصوت تغلفه الحسرة

"بس هنا كمان تقدر تتحقق كل ده… و أنا جنبك"


ارتسمت على شفتيه ابتسامة شاحبة، ابتسامة تولد من رحم الوجع

"الفرصة اللي جاتلي هناك مش سهلة، ولو سيبتها هافضل طول عمري ندمان، عشان خاطري يا ماما بلاش تضغطي عليا، لو بتحبيني سيبيني اعمل اللي أنا عايزه و مرتاح فيه" 

ساد بينهما الصمت، لكنه محمل بالكلمات التي لم تجد طريقها إلى الشفاه، وبالدموع التي آثرت أن تظل محتجزة خلف الجفون، خوفًا من لحظة انهيار لا يريدها أي منهما.


قطعت هذا الصمت، مدت يدها المرتعشة، ثم أمسكت يده بكلتا يديها، كأنها تخشى أن يفلت منها قبل الأوان،  وقالت بصوت  تحاول عبثًا أن تجعله ثابت

"طب أوعى تقطع اتصالك بيا… كل يوم كلمني، حتى لو دقيقتين، طمني عليك علي طول يا ضنايا"


ضغط على يدها برفق، كأنه يسكب فيها طمأنينة تعجز الكلمات عن حملها، وقال بحنان صادق ينبع من أعماقه

"وعد يا أمي، وأنا كمان هاطمن عليكي على طول… مش هاغيب عنك"


في تلك اللحظة، دوى صوت الميكروفون في أرجاء الصالة

"السادة ركاب الطائرة المتجهة إلى لندن، يُرجى التوجه الآن إلى بوابة الصعود"


ارتجف قلبه، وتلاقت عينيه بأعين والدته في نظرة واحدة ممتلئة بالوداع.

فتح ذراعيه دون كلمة، فاندفعت إلى صدره، ارتمت في حضنه، احتضنها بقوة،  يحاول أن يختزن في ذاكرته رائحتها، دفء عناقها، نبرة صوتها، وأمانها الأبدي، قبل أن تسرقهم منه المسافة.


قالت بصوت متهدج وهي غارقة في حضن 

"هتوحشني يا رحيم"


ابتلع ريقه بصعوبة، وشعر بعقدة حادة تخنق حلقه، ثم أجاب بصوت مبحوح

"وانتي كمان هتوحشيني أوي… أوي"


تشبثت به لحظة إضافية، كأنها تحاول سرقة ثوان من الزمن لا تعوض، ثوان قد تكون آخر ما تملكه منه قبل الغياب.

ثم انسحب ببطء من حضنها، أدار وجهه بعيدًا في الحال، كاتمًا دموعه، قاب على قلبه بقبضة من حديد، وسار بخطوات ثابتة في ظاهرها، مهزوزة في باطنها، صلبة في شكلها، منكسرة في حقيقتها.

لم يلتفت، لم يسمح لنفسه بنظرة أخيرة.

 يعلم أن نظرة واحدة قد تهدم جدار قراره، وقد تعيده طفلًا صغير متعلق بثوب أمه، لا رجل ماضيًا إلى مصيره.


                        ❈-❈-❈

ترجل من سيارته أمام شركة عائلته بخطوات واثقة، تحمل في ظاهرها صلابة رجل أعمال عاد إلى ميدانه، وفي باطنها  قرارات مؤجلة بسبب غرقه في مؤامرات والدته ضد زوجته. 


اليوم قرر أن يعود، أن يسترد زمام الأمور بيده، يباشر الأعمال بنفسه،  ما إن دلف من البوابة الرئيسية حتى تسابقت إليه الوجوه، وارتفعت الأصوات مرحبة، مفعمة بالترحاب والاحترام

"حمدالله على السلامة يا أحمد بيه، حضرتك نورت الشركة"


تكررت العبارة على ألسنة كل من صادفه في طريقه، حتى بلغ المصعد، ثم صعد إلى الطابق الخاص بمكتبه، حيث وجد مساعدته في انتظاره، تقف باعتدال واحترام.


"حمدالله على سلامتك يا أحمد بيه، الشركة نورت بعودة حضرتك"


دلف إلى غرفته الواسعة، وتقدم حتى وقف خلف مكتبه، ذلك المكتب الذي طالما شهد قراراته الحاسمة وتقلبات مزاجه، فابتسم إليها ابتسامة مقتضبة قائلاً

"الله يسلمك"


ثم أدار نظره في أرجاء المكان، يتفحص كل زاوية وأردف بنبرة تجمع بين المزاح والدهشة

"واضح بقالي كتير ماجتش"


ابتسمت المساعدة ابتسامة عملية، وأجابته

"أيوه يا فندم، بس ما تقلقش، حضرتك الشغل ماشي زي الساعة، البركة في مدام شيري متابعة كل حاجة، ومستر طارق مدير قسم الماركتينج كان بيباشر كل حاجة بنفسه، وبيبعت لمدام شيري كل التقارير"


همس بصوت خافت، وقد تسللت السخرية إلى نبرته

"أخيرًا شيري هانم لاقت حاجة مفيدة تعملها"


رفعت المساعدة حاجبيها قليلًا، وسألته باستفهام

"بتقول حاجة حضرتك؟"


انتبه لسؤالها، فهز رأسه نافيًا وقال بسرعة

"ما تاخديش في بالك… حضرتيلي الملفات اللي قولتلك عليها في التليفون عشان أراجعها؟"


أجابت بثقة

"الملفات جاهزة يا فندم، بس قبل المراجعة، مستر طارق جهز لاجتماع مع الموظفين الجدد"


عقد ما بين حاجبيه، وسألها باستغراب

"إنتوا عينتوا ناس جديدة إزاي من غير ما تبلغوني؟"


وارتفعت نبرة صوته حدة دون أن يشعر، فتبدلت ملامحها إلى شيء من الحرج، وسارعت توضح

"مستر طارق كان محتاج أربع موظفين جداد في قسم الماركتينج عنده، كلم حضرتك ومكنتش بترد عليه، فبلغ مدام شيري ونزل إعلان، واتقدم لينا حوالي عشرين بنت وشاب، الـ HR عمل معاهم إنترڤيو، وقبل أربعة منهم هم اللي هاينفعوا"


رفعت ملف ورقي كانت تحمله بيدها، وقالت وهي تقدمه إليه

"وده الفايل اللي فيه السيفيه الخاص بكل واحد فيهم، وده فايل تاني جابه واحد الصبح وقالي أسلمه لحضرتك ضروري"


مد يده والتقط الملف منها بلهفة لم يستطع إخفاءها، وكأنه يدرك مسبقًا ما الذي ينتظره في داخله، ثم قال بنبرة حاسمة

"اتفضلي إنتي دلوقتي، وبعد شوية ابعتيلي الموظفين الجداد واحد واحد… عايز أقعد معاهم الأول قبل الميتينج"


أومأت باحترام

"تمام يا فندم، عن إذنك"


ثم استدارت وغادرت الغرفة، وأغلقت الباب خلفها بهدوء، بينما هو يفتح الملف ببطء…لتقابله في الصفحة الأولى صورة رهف.


صورة تكاد تكون طبق الأصل من توأمها روح، وفي تلك اللحظة، شعر وكأن الزمن عاد به إلي الوراء.

 

فلاش باك...


على متن مركب يشق ممياهالنيل في هدوء مهيب، وقف جوارها، كتف بمحاذاة كتف، يتبادلان الضحكات والأحاديث العابرة، كلمات بسيطة تحمل في جوفها دفء وطمأنينة. 


استدار ببطء، وأخذ يحدق في وجهها، 

توردت وجنتاها، وتسرب الخجل إلى ملامحها، فسألته بصوت خافت

"هاتفضل باصص لي كده كتير؟"


ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة، مفعمة بالصدق، وأجابها

"بحب أتأمل في ملامحك أوي… إنتي جميلة أوي يا روح"


أسقطت بصرها نحو الأرض بخجل، فمد يده وأمسك بطرف ذقنها برفق، رافعًا وجهها إليه. 

تراقصت خصلات غُرتها مع نسمات الهواء، 

قال بنبرة دافئة

 "أنا مش بعاكس ولا بجامل… إنتي جميلة فعلًا، شايفك أحلى بنت في العالم"


ازداد خجلها، وراوغته بنظرات شاردة، ثم قالت محاولة التخفيف

 "بس فيه أحلى مني على فكرة… أختي، بس هي سافرت مع بابا تركيا بعد ما انفصل عن ماما وإحنا صغيرين، عاشت هي معاه هناك وأنا فضلت هنا في مصر مع ماما، عمرهم ما نزلوا إجازة ولا مرة، وآخر حاجة بتواصل معاها فيديو كول"


لم تخف عنه الغصة التي نضحت من نظرات عينيها، ولا ذلك الشوق المكسور الذي تسلل إلى نبرتها، فمال قليلًا نحوها وقال بحنان صادق

 "لما نتجوز إن شاء الله، هاخدك ونسافر لها، تقابليها وتقعدي معاها براحتك"


اتسعت عيناها بفرح طفولي، فتلك أمنية بعيدة اقتربت فجأة من التحقق

"بجد يا أحمد؟"


ابتسم بثقة وأجابها

"وأنا عمري قولتلك أو وعدتك بحاجة وكنت بهزر؟"


هزت رأسها نفيًا

 "لأ"


فأكمل بنبرة حاسمة مليئة بالوعد

 "هخليكي أول حاجة تسافري لأختك وتشوفيها وتشوفي باباكي، وبعدها نلف في كل حتة في العالم"


تهللت أساريرها، وتفجر الفرح من ملامحها، وصاحت دون وعي

"بحبك أوي أوي يا أحمد"


وباندفاع عفوي، ألقت بنفسها بين ذراعيه تعانقه، ثم ما لبثت أن أدركت ما فعلته، فابتعدت سريعًا وقد اشتعل وجهها خجلًا.


ضحك بخفة على رد فعلها، بينما ظلت هي تبتسم بتوتر وقلبها يخفق بسعادة. 


                      ❈-❈-❈

في ساحة مركز التأهيل، وقفت  تنتظر صغيرها، وعينها لا تفارق المعلمة التي تمسك يده.

ما أن لمحها ركض نحوها، حتى ارتجف قلبها بالسرور، صاح بلهفة طفولية

"ماما!"


فتحت ذراعيها على مصراعيهما، وألقت بنفسها نحوه، فارتطم صغيرها  في حضنها، وضمته بحنان غامر 

"حبيب قلب ماما يا حموزي"


ابتسم الصغير ببراءة، وعينيه تتلألأ بالفضول،  سألها مباشرة

"حبيبتي ماما… فين بابا أحمد؟"


رمقت والدته عينيه بدهشة، على ترديده كلمة "بابا" لعمه، وشعرت بدفء غريب يتسلل إلى قلبها، فابتسمت وأخبرته بهدوء

 "بابا أحمد راح الشركة عشان يشوف شغله"


ارتفع حاجباه، ولم يستسغ الفكرة، فصرخ بعناد

 "حمزة عايز يشوف بابا أحمد"


تمسكت الأم بالصبر، وهدأت قلبه بعاطفة رقيقة

 "إحنا هانروح ونستناه في البيت لحد ما يخلص شغل ويرجع"


هز رأسه بعناد،

 "لأ، حمزة عايز يروحله الشغل"


ابتسمت محاولة الموازنة بين حماسه وواقع الأمور، فاخبرته

 "طب يا حموزي… أنا معرفش عنوان الشركة، ولو اتصلنا عليه، بالتأكيد هنلاقيه مشغول"


ترك حضن والدته بثقة طفولية، ونطق بعزم كآلة مبرمجة، مفاجئًا إياها بذاكرته القوية

 "القاهرة، مدينة نصر، شارع… شركة الشريف"


ارتسمت الابتسامة على وجهها، وقد انبهرت بذكاء صغيرها وموهبة الحفظ الخارقة لديه، قالت بدهشة وحنان

 "ما شاء الله يا حبيبي… مين اللي قالك العنوان ده؟"


رفع كتفيه بفخر بسيط، وأجاب بجدية

 "بابا أحمد، قالي عنوان الشركة، عنوان الشقة، عنوان الفيلا… أنا حافظ كل العناوين"


ربتت على رأسه بحنان، وضمته إلى صدرها مجددًا، وقبلت جبهته بلطف، وكأنها تمنحه دفء العالم كله

"يلا بينا ناخد تاكسي ونروح نعمله مفاجأة… ماشي؟"


ابتسم الصغير، وعيناه تلمعان بالفرح، وأومأ بحماسة

 "ماشي"


                        ❈-❈-❈

بالعودة إلى أحمد، الذي عاد من ذكرياته، دوى طرق على باب مكتبه.

 "اتفضل"


دخلت المساعدة، صوته يحمل نبرة الرسمية المعتادة

 "الموظفين الأربعة قاعدين بره في انتظار مقابلة حضرتك"


أومأ لها وأمرها

 "دخلي أي حد فيهم"


أمسك بقلمه، وضغط على مكبسه عدة مرات بتركيز، حتى دخلت أول موظفة، فما أن رآها أمامه، توقف عن ضغطه فجأة، كأن الزمن تجمد.

ارتسمت على وجهه علامات الاستفهام، وسؤال يلح في رأسه، كيف؟ ومتى حدث ذلك؟


ظل يحدق بها كما فعل من قبل عندما رآها في الفيلا لدى والدته؛ كانت بالفعل توأم حبيبته السابقة روح، إلا أن نظرات عينيها لم تكن بنفس البراءة التي امتلكتها روح، وملامح وجهها، رغم التطابق الظاهر، حملت فارق دقيق في التعبير.


تقدمت بخطوات وئيدة نحو المقعد المقابل لمكتبه، فيما ظل هو ثابت في موضعه.

 بينما رمقته هي بنظرة فاحصة، لا تخلو من دهشة مكتومة، كأنها هي الأخرى فوجئت بوجهه، لكنها سرعان ما أخفت ارتباكها خلف قناع الثبات.


تنحنح أخيرًا محاولًا جمع شتات صوته

 "اتفضلي… اقعدي"


جلست بهدوء، وضمت حقيبتها الصغيرة إلى حجرها، وقالت بنبرة عملية

 "أنا رهف محمد رؤوف، متقدمة لوظيفة ماركتينج سبيشاليست"


ضغط على أسنانه قبل أن يسألها

 "إنتي… كنتي عايشة بره مصر مش كده؟"


رفعت إحدى حاجبيها وأجابت

 "أيوه… كنت في تركيا مع بابا، ونزلت من فترة"


سألها بجدية

 "إيه اللي جابك يا رهف؟"


ادركت مغزى السؤال، فتصنعت الغباء وقالت

 "مش الشركة محتاجة موظفين في الماركتينج؟، وأنا جيت قدمت وقالولي اتقبلتي"


ضيق عينيه، يقرأ ملامحها بدقة

"جاوبي على سؤالي من غير ما تلفي وتدوري في الكلام، أنا عارف إنك توأم روح الله يرحمها… هي كانت عايشة مع والدتها، وأنتي روحتي مع باباكي وعيشتوا في تركيا، أنتي بقي نازلة من تركيا مخصوص ليه؟، وياريت تقولي الصراحة وتجيبي من الآخر"


تحولت ملامحها فجأة إلى الحزن، وتجمعت دموعها في عينيها، لتخبره بحقيقة مرة

"بابا الله يرحمه مات واتحجز على كل أملاكه بسبب قرض كبير كان واخده عشان يطور في المصنع بتاعه، ولما تعب وعرف إنه خلاص بيموت قالي انزلي على مصر في شقة مامتك وأختك، رجعت لاقيت صاحب البيت استولى على الشقة من الباطن بعد وفاة ماما و روح الله يرحمهم، أنا ماليش حد هنا، معرفش أهل ماما ولا أهل بابا… فافتكرت أهل زوج روح و هي كانت  قايلالي على عنوان الفيلا، قابلت مدام شيريهان الله يبارك لها، ساعدتني ألاقي أوضة وصالة إيجار ووفرتلي الشغل"


انتهت من كلماتها، وتراقب رد فعله من طرف عينها. فسألها بحدة

 "بس كده؟"


 "هو حضرتك مش مصدقني ليه؟"


نهض من خلف المكتب وجلس أمامها، يرمقها بعينين ثاقبتين

 "لأنك مش عارفة تمثلي بضمير"


اتسعت عيناها بدهشة من فطنته وذكائه، وإذا به ينتفض، يضرب سطح المكتب فاهتز كل ما عليه، صاح بها

 "هاتي من الآخر يا رهف… أمي دفعتلك كام لليلة دي كلها؟"


لم يتبق لها سوى آخر سلاح لديها لكسب شفقته، وقفت وأجهشت بالبكاء

"أنا بجد… مش فاهمة حضرتك بتتكلم معايا كده ليه؟"


وكما توقعت، بدا على ملامحه اللين،  فأمسك بعلبة المحارم الورقية ومدها لها

 "خلاص… اهدي"


امسكت بيده وهي تأخذ المحارم، محدقة به من بين دموعها، تلك العيون الباكية ذكرته بمشهد طواه الزمان في خانة النسيان. 


فلاش باك…

وقف أمامها أحمد، قلبه يخفق بعنف،  قبل أن يفصح عن أعمق أمانيه، بينما هي تقف أمامه، تتطلع إليه بعينين متسائلتين

 "خير يا أحمد، إيه الأمر الضروري اللي كنت عايزني فيه؟"


ارتسمت السعادة على محياه، أخرج من جيب سترته علبة صغيرة مغلفة بالمخمل الأزرق، ففتحها ببطء، لتظهر خاتم ذو تصميم راق، يلمع بوهج خافت، سألها بلهفة مختلطة بالخوف

 "تتجوزيني يا روح؟"


حُبس الكلام في حلقها، وعمت الدهشة قلبه، إذ رأى وجوم يعتلي وجهها، ولم تصدر أي علامة فرح كما توقع.


 "ساكته ليه؟"

منعت دموعها عن الانهمار، لكن قلبها يصر على التعبير، فألح عليها 

 "اتكلمي… في إيه؟"


تنفست بعمق، وأجابت بعد صراع داخلي واضح

 "مش هاينفع… مش هاينفع نتجوز"


أغلق العلبة بإحكام، وأعادها إلى جيبه، وسألها بحدة

 "مش هاينفع نتجوز ليه؟، مخبية عني إيه؟"

ظلت صامتة، مما أشعل غضبه، فقبض على بعضديها وهزها بعنف

 "ما تنطقي!"


فأجابته ببرود قاتل

 "أسباب خاصة… مش هقدر أقولها"


ارتفع صوته قائلاً

 "أسباب إيه؟!، أنتي مش لاقية حاجة تقوليها؟!"


ترددت مجددًا

 "مش هقدر أقول…"

همت بالمغادرة، فقبض على ساعدها بقوة

 "أنتي رايحة فين؟! مش هاتمشي غير لما تتكلمي"


تلك اللحظة، ألقت عليه كلمات حاسمة، تجرحه أكثر

 "مش معني إن قولتلك بحبك يبقى نتجوز"


توتر وتلعثم

 "يعني إيه؟!، كنتي عايزانا نعيش مع بعض من غير جواز؟!، اللي فهمته ده صح ولا أنا فهمت غلط؟"

استجمعت قواها، وأظهرت له قوة مصطنعة، لتكذب عليه ببرود

 "اللي فهمته صح، وفيها إيه لما نعيش من غير جواز أو مسئولية؟"


حدق بها بازدراء، غير مصدق ما تسمعه

 "أكيد بتكدبي… أو عاملة فيا مقلب"


ردت بنبرة مختلطة بين الصراحة والدفاع عن نفسها

 "وهكدب ليه؟، المفروض أنت تفرح بحاجة زي كده"


صرخ بها، صوته يعلو بغضب ممزوج بالخذلان

 "أفرح؟!، ليه شايفاني مش راجل عشان أقبل وضع قذر زي ده؟!"


 "هو ده اللي عندي… آسفة"


رمقها من أسفل إلى أعلى، وقال باشمئزاز

"أنا اللي آسف… آسف لنفسي إن حبيت واحدة زيك"

ثم صمت قليلاً، وأضاف بوعيد حارق

 "بس أوعدك… زي ما عيشتك أجمل أيام حياتك، هخليكي تعيشي الباقي كله سواد"

وبعد هذا اللقاء الذي انتهى بكسر قلبه ابتعد عن الجميع، وسافر بعيدًا، وفي أول عودة له، أخبره شقيقه حازم أنه سيتزوج، ووالديهما غير موافقين على تلك الزيجة، لكنه قرر الاستقلال بحياته بعيدًا عن تسلط والديه، وخصوصًا والدته.


دعاه حازم إلى حفل صغير، وكانت المفاجأة الكبرى أن العروس كانت هي…

تمعن أحمد النظر فيها، تلاقت العيون، وخفق قلبها بشدة، تجمعت الدموع في عينيها التي تنضح بالأسف، الاعتذار، والتوسل بأن يسامحها، لكنه لم يستطع مواجهة المشهد، فغادر المكان مرة أخرى، عاقدًا العزم ألا يعود، يحمل في قلبه جرحًا لن يلتئم إلا بالزمن، ليعلم بعد ذلك أن والدته قد هددتها بأمن أفراد أسرتها إذا لم تبتعد عنه، و يشاء القدر أن يقع شقيقه الذي كان لا يعلم كل ما سبق أن يقع هو أيضاً في حبها، وعرض الزواج عليها ففوافقت و هذا بعد أن علمت حازم استقل عن حياة عائلته وخاصة ابتعد عن تسلط والدته، بينما سبب رضوخها لتهديد السيدة شيريهان في ابتعادها عنه لأن كانت عائلته حينذاك في المنزلة الأولى لديه لاسيما والدته. 


عودة إلى الوقت الحالي…

ما زالت رهف تمسك يده، فإذا بالباب يندفع على مصرعيه، ويطل ابن شقيقه بلهفة، مرددًا

 "بابا أحمد"

وخلفه دخلت علا لتطلع على ما يحدث.... 


يتبع.............................. 

#الفصل_الخامس_والثلاثون_الجزء_الثاني

#غرام_الذئاب

#الجزء_الرابع_من_سلسلة_صراع_الذئاب

#ولاء_رفعت_علي


ما زالت رهف تمسك يده، فإذا بالباب يندفع على مصرعيه، ويطل ابن شقيقه بلهفة، مرددًا

 "بابا أحمد"

وخلفه دخلت علا لتطلع على ما يحدث

، حينها سحب أحمد يده فورًا وقال بتوتر

 "طيب يا آنسة رهف، اتفضلي أنتي دلوقتي، والإدارة هايتواصلوا معاكي"


ثم التفت إلى الصغير، واحتضنه بابتسامة دافئة

 "حبيبي، نورت الشركة أنت وماما"


رمقت رهف علا من طرف عينيها، فوجدتها تقف صامتة، تراقب المشهد بهدوء، فمسحت دموعها الزائفة سريعًا وابتسمت.

 "يعني أنا كده خلاص هاشتغل في الشركة وحضرتك موافق؟"


أومأ برأسه

 "أه"

 "ميرسي يا أحمد بيه… مش عارفة أشكر حضرتك إزاي، روح أختي الله يرحمها كانت دايمًا بتحكيلي عنك، وعن شهامتك وقد إيه أنت جدع"


نظر إلى علا، فوجدها ما زالت على حالها، فاقترب منها مبتسمًا

"أهلاً وسهلاً يا حبيبتي… تعالي لما أعرفك بآنسة رهف"


وأمسك يد علا، وأضاف

 "الآنسة رهف تبقى…"


قاطعته زوجته قائلة

 "تبقى أخت روح، مرات أخوك حازم الله يرحمه"


نظرت إلى رهف بابتسامة باهتة

 "أهلاً يا رهف"


تبادلت علا النظرات معها، وتظاهرت بتجاهلها، فاخبر أحمد رهف وهو يضم زوجته تحت ذراعه

 "علا تبقى مراتي"


ابتسمت الأخرى إلى علا، ومدت يدها لتحيتها

 "أهلاً مدام علا"

لكن الاخرى تجاهلت يدها الممتدة، ووجهت حديثها إلى أحمد

 "تصور يا حبيبي، مكنتش عارفة عنوان الشركة، واللي قالي عليه حمزة… قولنا نيجي نعملك مفاجأة، بس شكلك مشغول"


ابتسم بحرج وقال

 "أحلى مفاجأة"


ثم نظر إلى رهف

 "اتفضلي يا آنسة رهف، وزي ما قولتلك…"

جزت على أسنانها، أخفت شدة غيظها، وقالت بمكر ودلال

 "تمام يا مستر أحمد، عن إذنك… باي"


نهضت وغادرت، فصفقت علا الباب خلفها، ووقفت تقلدها بصوت مضحك

 "تمام يا مستر أحمد، عن إذنك… باي"


نظرت رهف بامتعاض، وقالت

 "بت باردة"


انتبهت علا لضحكات أحمد، فالتفتت إليه رافعة إحدى حاجبيها

 "بتضحك على إيه؟، وإيه اللي جاب البت دي هنا؟"


اقترب منها، أمسك يدها بحنان

 "تعالي نقعد بس الأول، وهاقولك كل حاجة"


جلسا معًا على الأريكة الجلدية، فانسابت كلماتها بسخرية غيرة

 "ها، اتفضل قول… سمعاك، المرة دي مامتك قلبت في الدفاتر القديمة واكتشفت إن لحبيبتك القديمة أخت توأم، وجابتهالك الشركة عشان تشوفها وتحن للماضي!"


توقف لحظة يتأمل حدة كلماتها، ثم قال بنبرة يغلبها التفكير

"تصدقي ممكن جدًا… ما شاء الله بقيتي حافظة أمي أكتر مني"


ابتسمت ابتسامة جانبية هازئة

"من عاشر القوم يا حبيبي، ومامتك مش هيهدى لها بال غير لما تبعدك عني… فياريت البت دي تمشيها أحسنلك"


تنفس بعمق، محاولًا تهدئة نبرته

 "اهدي يا علا، مفيش حاجة هتحصل من اللي في دماغك، وبعدين أنا سألت عنها، طلعت ظروفها مش قد كده، ولجأت لأمي عشان تشتغل"


اتسعت عيناها بدهشة تهكمية 

"وأنت صدقت؟"


 "لو مش مصدقاني، هناك الملف على المكتب، واحد من رجالتي جابلي فيه كل حاجة عنها، غير إنها أصلًا اتعينت فعلاً، بس كنت هاعمل معاها مقابلة هي وباقي الموظفين اللي اتوافق عليهم عشان أمضي على عقودهم ويبدأوا الشغل"


 "يعني أنت وافقت خلاص إنها تشتغل هنا؟"


 "وفيها إيه؟ هي هتشتغل في قسم التسويق، يعني أخري هشوفها في الاجتماعات وبس"


 "طب ما تشوفلها شغل في مكان تاني أحسن"


نظر إليها بتفحص هادئ

 "مش معقول يا علا… إنتي غيرانة منها؟"


نهضت فجأة، وكأن شرارة اشتعلت في صدرها

 "هي مين دي اللي غيرانة منها؟، دي مجرد شكل، لكن سبحان الله مفيهاش ريحة القبول، بس مستغربة موقفك، لأن الأمر واضح زي الشمس قصاد عينك… البت دي جايباها مامتك كمحاولة من محاولاتها اللي ما بتخلصش"


زفر بضيق دفين

 "وأنا عارف من غير ما توضحيلي، بس المفروض تكوني فاهمة وعارفة اللي في دماغي"


 "فاهمة وعارفة… أنت هتمشي خطة مامتك وتحسسها إن الموضوع دخل عليك، لحد ما تجيب آخرها، طالما الموضوع مفيهوش أذى ليا ولا لابني، صح؟"


ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه إعجابًا بذكائها

 "ما انتي ما شاء الله ذكية وفاهمة كل حاجة أهو… ليه بقى عايزاني أمشي البنت من الشركة؟"


أشاحت بوجهها بعيدًا

 "مشيها وخلاص"


نهض، وألقى نظرة سريعة على الصغير، فوجده غارقًا في لعبه على اللوح الإلكتروني، فاتجه نحو زوجته وأدارها برفق لتواجهه

 "يعني كان عندي حق لما قولتلك غيرانة"


 "مش غيرانة… أنا…"


قاطعها بنبرة آمرة ناعمة


 "بصي لي"

رفعت عينيها إليه، فحدق بها وسألها

 "بتثقي فيا؟"


 "واثقة فيك طبعًا، بس معنديش ثقة في اللي حواليك، عشان خاطري ريحني ومشي البت دي من هنا"


 "عينيا… بس مش دلوقتي، هخليها هنا فترة مؤقتة، وما تقلقيش عليا، مفيش واحدة قدرت تخطفني غيرك، إنتي اللي خدتي قلبي من أول مرة شوفتك"


داعب شفتيها بإبهامه، ثم مال وهمس بالقرب من أذنها حتى لا يسمعه الصغير

 "إنتي وحشاني"


ابتسمت بخجل

 "وأنت كمان وحشني… عشان كده جيتلك أنا وحمزة"


ابتسم بمكر محبب

 "بس أنا اشتياقي ليكي مش إني عايز أشوفك وبس"


رمقته بابتسامة تحذيرية

 "بس بقى… حمزة معانا"


"ما تيجي نمشي ونروح نتغدى، وبعدها نكمل كلامنا في شقتنا"


 "طب وشغلك؟"


 "في داهية أي حاجة، المهم إنتي… اتفقنا؟"


 "اتفقنا"


 "يبقى يلا بينا"


اتجه نحو مكتبه والتقط متعلقاته

 "يلا يا حمزة، هات إيدك يا بطل"


أمسك الصغير يد عمه، بينما اثنى ذراعه الآخر لتتشبث زوجته بساعده. 

 "وإنتي يلا حطي إيدك"


فعلت ما أمرها به، وسارت إلى جواره، كأنها تسير في حمى أمان لا يخترقه شيء.

غادر الثلاثة المكان يسيرون جنبًا إلى جنب، متجاورين في هيئة أسرة متماسكة، تكسو وجوههم السعادة. 


مروا أمام الموظفين جميعًا، تتبعهم نظرات الفضول والإعجاب والدهشة، غير أن عين واحدة كانت ترصدهم من زاوية بعيدة، تلك التي وقفت في الظل مختبأه، رفعت هاتفها بيد ثابتة ظاهريًا، وضبطت الكاميرا، ثم التقطت لهم صورة. 

أرسلتها فورًا إلى السيدة شيريهان، وأرفقتها برسالة نصية مقتضبة تخبرها بما جرى. 


لم تمض ثوان حتى فُتحت الرسالة، 

وقعت عينا شيريهان على الصورة، فتبدلت ملامحها في لحظة؛ تصلبت عضلات وجهها، وانقبض فكها، وصرت على أسنانها بحنق مكبوت، قبل أن تنطق بصوت مشحون بالوعيد والسم

"لما نشوف مين اللي كلمته هاتمشي في الآخر… يا أنا يا الخدامة"


لم تُهدر الوقت، قامت بالاتصال بداليا وانتظرت حتى جاءها الصوت من الطرف الآخر.


"ألو… مدام شيري"


قالت ببرود يخفي تحته عاصفة

"الظاهر خطة توأم روح مش هاتجيب نتيجة، كده مقدمناش غير اللي انتي قولتي عليه، وياريت تنفذي في أقرب وقت… بس تديني خبر قبلها، وزي ما اتفقنا، ابني وحفيدي بعيد عن أي حاجة هاتحصل"


جاءها الرد سريعًا بقة خالية من التردد

"اطمني يا شيري، أحمد وحفيدك في عينيا"


تنفست الأخرى بعمق، وكأنها تستعيد شيئًا من سيطرتها، ثم قالت بحزم قاطع

"تمام… خدي بالك، وهاستني منك تليفون سلام"

                          ❈-❈-❈


وصلت الطائرة الخاصة من القاهرة إلى أرض مدينة روما الإيطالية، هبط كنان في المقدمة، وتبعه رجاله خلفه بخطوات منظمةوهادئة على أرض المهبط.  


أخرج هاتفه، واتصل بصديقه الإيطالي 

"ألو… مارك، اشتقت لك يا صديقي"


سمع صوت مارك بين موسيقي عالية تصدح من الملهى

"وأخيرًا كنان… لقد ظننت أنك قد نسيتني يا رجل، عندما لم أجد رداً منك على رسالتي"


لم يسمع الأخر الكلمات الأخيرة بصعوبة، إذ غطت الموسيقى الصاخبة على الصوت، فأعاد التكرار بعزم

"مارك… ماذا تقول؟، لا أسمعك جيدًا"


بحث مارك عن مكان هادئ قليلًا، حيث يخف ضجيج الأصوات 

"معك كنان، هل تسمعني الآن؟"


رد الأخر واخبره

"أنا الآن في المهبط الخاص بالطائرات، قد وصلت للتو أنا ورجالي"


سأل صديقه بدهشة وسعادة

"هل أنت في روما الآن؟"


"أجل"


"أنتم على مقربة من الملهى، سأرسل لكم سيارات خاصة تأتي بكم إلى هنا"


ابتسم كنان، وأجاب بثقة وحزم

"أنا قادم، لكن رجالي يحتاجون إلى الراحة، فلديهم عدة مهام غدًا"


رد الأخر بلا تردد، صوته يفيض بالاهتمام والصداقة

"حسناً يا صديقي، سأرسل لك سيارة لتقلك إليّ"


لبى الأخر دعوة صديقه الإيطالي إلى الملهى الليلي الخاص به، ذلك المكان الملئ بالأضواء الملونة والموسيقي الصاخبه. 

جلسا متقابلين يتبادلان أطراف الحديث، أحاديث حول عمل كل منهما، بينما كان كِنان منصت، توقف صديقه عن الحديث ثم مال نحوه وسأله بالإيطالية معاتباً إياه

"لماذا لم ترد على الرسالة التي بعثتها إليك منذ أيام؟" 


انعقد حاجبا الأخر بتعجب، وارتسمت الدهشة  على ملامحه، قبل أن يجيبه بصوت خافت

"عن أي رسالة تتحدث؟" 


تأمله الآخر لحظة، فاخبره

"لقد أرسلت إليك عبر بريدك الإلكتروني صورة لزوجتك الروسية؛ فهي تتردد منذ أيام على هذا الملهى، برفقة لوكاس ألبيرتو مدلل عائلة دي ستيفانو" 


تفاقم العجب في صدر كنان، وانساب القلق إلى داخله، يفكر كيف لم ير  الرسالة؟، فإذاً من الذي قام بفتحها غيره؟!، وأدرك للتو ربما تكون زوجته قد رآتها، اتسعت عينيه وانتبه إلي نداء الأخر

"كنان؟" 


 نظر إليه وأخفى اضطرابه خلف ابتسامة شاحبة، أجاب بهدوء بدا مصطنع

"معك، بالمناسبة لم تعد زوجتي، لقد انفصلت عنها" 


همّ أن يردف قولًا، غير أن بصره انجذب قسرًا إلى ساحة الرقص، فها هي هناك، 

ترقص في الوسط، متلاصقة مع هذا المدعو لوكاس، تتراقص بجرأة عارية من الحياء، تتلوى بجسدها كأفعى بارعة في فن الإغواء علي إيقاع الموسيقي، وتهبط الأضواء علي ملامحها.


بينما هو أفلت الكأس من بين يده، تركها على الطاولة دون وعي، ونهض واقفًا يحدق بها في ذهول وصدمة، كأن الزمن قد توقف الآن. 


و ما أن انتبهت إليه توقفت فجأة عن الرقص، التقت نظراتهما معاً، تسلل الخوف إلى ملامحها، شحب وجهها، واضطرب جسدها، وعندما هم بالتحرك نحوها بخطوة واحدة، لم تنتظر، استدارت على عجل واندفعت هاربة خارج الساحة، تشق طريقها بين الجموع قبل أن يدركها أو يلحق بها.


دلفت إلى حمام النساء بخطوات مترددة، فما إن تجاوزت العتبة حتى أبصرت رجلًا وامرأة يخرجان من أحد الأبواب المغلقة، وعلى وجهيهما ارتسم توتر فاضح، رمقتهما بارتياب وتنحت جانباً. 


أغلقت الباب خلفهما بيد مرتعشة، بينما صدرها يعلو ويهبط في اضطراب، ثم اتجهت نحو المرآة، تحدق في انعكاس وجهها الشاحب، تردد داخل رأسها، أحقًا رأته؟ أم أن الوهم قد تلاعب ببصرها؟!


تمتمت بصوت متهدج يتهادى بين الهذيان والهلع

"إنه هو، بل هو بالفعل… يا إلهي، ماذا أفعل؟ هذا ليس وقته على الإطلاق"


رددت الكلمات بجنون ، أخذت تلتقط أنفاسها رويدًا رويدًا حتى استكانت قليلًا، وقالت بحزم

"يجب أن أغادر الآن دون أن يراني"


خرجت بحذر شديد، تلتفت من حولها بخوف وكأنها تهرب من شبح، تعبر ممر يفضي إلى آخر، حتى بلغت رواق طويل يقود إلى باب الخروج، غير أن بالفعل الشبح الذي تخشاه، خرج أمامها بغتة كالعفريت المنبثق من العدم.


انتفضت بفزع هادر

"كنان؟!"


أجابها بالإنجليزية، وعلى ثغره ابتسامة ساخرة

"أجل أنا، لم أنتِ خائفة إلي هذا الحد؟"


ابتلعت ريقها بصعوبة، وتراجعت خطوة إلى الخلف وقد ارتجفت أطرافها

"أنا غير خائفة، ولكنني تعجبت لرؤيتك هنا… متى أتيت؟"


رمقها بازدراءٍ بارد

"هذا ليس من شأنك، كل ما أريده منك إجابة عن سؤال واحد، لماذا تركتني واختفيتِ منذ سنوات؟"


وبالطبع لم تُفصح عن الحقيقة خشية من ردة فعله؛ فحسبها ما تلقته على يديه من اعتداء عنيف قبل أن تهرب منه، لذا آثرت الاحتماء بتلك الحيل التي لا تكل ولا تمل من الالتجاء إليها.


فأجابته بحزن عميق، وعيناها تنضحان بشعور الظلم الموجع الزائف

"كنت خائفة… خائفة منك، كدت تقتلني عندما اعتديت عليَّ عنوة، هل تعلم أنني بسببك تلقيت علاج مكثف لأشهر حتى تماثلت للشفاء؟، عانيت من الكوابيس لسنوات، وكنت أراك في أحلامي وأنت تعذبني، فهل علمت الآن لِمَ هربت؟!"


وسرعان ما تجمعت الدموع في عينيها، ثم أطلقت لها العنان، فانهمرت على خديها ورسمت علي ملامحها مشاعر القهر والخذلان.

وقف يراقب ما تفعل بعينين ثابتتين، وقد انكشفت له حقيقتها؛ فلم يعد ذلك الأحمق الذي يبتلع أكاذيبها كما كان في السابق، ولم يعد ذلك الساذج الذي يُساق خلف دموعها الزائفة كعبد مسلوب الإرادة. 

 ومع ذلك، كان ثمة شعور دفين يكابده بصمت مرير؛ نزعة جامحة تدعوه إلى أن يجذبها بين ذراعيه ويطبق عليها بعناق قاس، غير أنه قهر تلك النزوة قبل أن تولد، حيث اعد الاستسلام لها خيانة فادحة لزوجته التي أحبها، تلك التي امتلكت فؤاده واستوطنت أعماقه بلا منازع.


لكن كيف لإنسان أن يقاوم كتلة الإغراء الماثلة أمامه، وهي التي كانت يومًا ما زوجته!، كيف له أن يطفئ شرارة الذاكرة وهي تتقد في صدره كجمر لا يخبو؟!، فاستنجد بالغضب واتخذه سلاحًا ليقتل به أي انجذاب قد يفضحه ويجعله خائن. 


مد يده فجذب خصلاتها التي انسابت بين أنامله كخيوط حرير ذهبية، فصاح من بين أسنانه بصوت محتقن

"كاذبة لعينة، سأخبرك بسبب هروبك الحقيقي؛ لأنك لم تستطعِ بلوغ هدفك الأساسي، هوسك وجنونك بقصي جعلاكِ مجرد عاهرة تتنقلين بين الرجال، وأنا كنت كالأحمق والأبله مثلهم يومًا ما"


أمسكت بذراعه تحاول إبعاد يده عن شعرها، وقد اشتعل الغضب في عينيها بالمثل، وقالت له بحدة لاذعة

"اترك شعري يا أحمق، لم أعد تلك المرأة القديمة، كانت مجرد مرحلة قذرة ولت من حياتي، وها أنا الآن حرة نفسي، لم أكن يومًا ملكًا لأي لعين من أمثالك، تبًا لك"


ثم بصقت في وجهه بكراهية صريحة، 

أطبق شفتيه في محاولةٍ واهية لكبح جماح غضبه الضاري، ومسح لعابها عن خده ببطء متعمد، بينما عيناه تقذفان ألسنة من لهب.


لكنها لم تكتفِ بذلك، بل دفعت به عمدًا إلى حافة الانفجار حين قالت بسخرية حادة، لا يحتملها أي رجل مهما بلغت قوة صبره

"أتدري؟، لم أرك يومًا رجلًا، بل كنت وما زلت مجرد تابع لسيدك، تنفذ الأوامر كجارية تسعى لإرضاء سيدها"


وختمت كلماتها بابتسامة تشف وانتصار، ظنت أنه سيتركها ويرحل، غير أنها فوجئت بصفعة مدوية هوت على خدها، فصرخت من فرط الألم وارتطم جسدها بالحائط. 

 لم يمهلها فرصة لالتقاط أنفاسها، إذ عاجل خدها الآخر بصفعة مماثلة، جعلتها تترنح ثم سقطت أمام قدميه على الأرض.


دنا منها، فهبط على عقبيه، قبض على خصلاتها مجددًا ورفع رأسها عنوة لينظر إلى وجهها. 

رأى الدم يسيل من جانبي شفتيها، فقال بسخرية قاتلة

"نعم، أنا بالفعل لم أكن رجلًا عندما تزوجتكِ، وقبلت بعاهرة رخيصة مثلك، ظننت بكِ الخير حينها، لكنكِ أشبه بمرحاض مخصص للرجال، يقضون فيه حاجتهم ،أتعلمين أيضًا؟، لقد طلقتكِ"


أخرج محفظته الجلدية، واستخرج منها ورقة مطوية، فتحها ثم ألقاها في وجهها بازدراء.

"هذه قسيمة طلاقكِ، أعلم أنها لا تعني لكِ شيئًا، فأنتِ تفعلين ما يحلو لكِ سواء كنتِ متزوجة أم لا، لكنني لا يليق بي أن أترككِ على ذمتي؛ فأنتِ عار على أي رجل"

ثم بصق عليها بازدراء بالغ، واستدار ليرحل من هذا المكان قبل أن يستولي وحش غضبه عليه بالكامل.


                            ❈-❈-❈

بعد مرور أيام…

استفاقت من نومها على فراغ بارد إلى جوارها، فمدت يدها تتحسس الوسادة المجاورة، فلم تجد دفء الجسد الذي اعتادت أن تطمئن به صباحاً. 

 انتفض قلبها في صدرها بخفقة قلقة، ونهضت على عَجل، تجوب أرجاء الغرفة بعينين ما زالتا مثقلتين بالنعاس والريبة معًا.


نادته بصوت خافت أول الأمر، ثم علا شيئًا فشيئًا

"ياسين… ياسين؟!"


لم يجبها أحد، خرجت من الغرفة بخطوات مترددة، واتجهت نحو غرفة ابنتها، فتحت الباب فلم تجد الصغيرة، ولا وجدت أثرًا لزوجها. 

  ازدادت دقات قلبها تسارعًا، وأمسكت هاتفها بيد ترتجف قليلًا، واتصلت به. 

 رن الهاتف طويلًا دون رد، أعادت المحاولة مرة ثانية وثالثة، فكان الصمت هو السيد.


تسلل القلق إلى صدرها وكادت تستسلم له، حين دوى جرس الباب فجأة، فانتفضت في مكانها.


التقطت حجابها على عجل، واتجهت نحو الباب، ونظرت من خلال فتحة الباب الزجاجية، فرأت ملك وخديجة تقفان في الخارج. 

  تنفست بارتياح نسبي، وفتحت الباب.


ابتسمت ملك وقالت بمشاكسة

"صباح الخير يا عروسة، لسه نايمة ولا إيه؟"


بادرتها خديجة بتوبيخ خفيف وهي تلكزها في جنبها

"يا بنتي الناس تدخل تقول السلام عليكم"


لوحت ملك بيدها بلا مبالاة، وقالت بسرعة

"مش وقت سلام ولا كلام، ادخلي يا ياسمين غيري هدومك بسرعة وتعالي يلا معانا"


حدقت الأخرى فيهما بتعجب واضح

"ألبس وأروح معاكم فين؟، أخوكي مش هنا ومش بيرد عليّا، وما ينفعش أخرج من غير ما أقوله… وبعدين أنا مش لاقية ياسمينا"


تبادلت ملك وخديجة نظرة خاطفة، ارتسمت على شفتي ملك بعدها ابتسامة مكتومة، ثم قالت

"ياسمينا زمانها بتلعب مع بناتي في القصر، ماتقلقيش، وبعدين ياسين عارف أصلًا إننا عندك، وهو اللي قالنا هاتوها وتعالوا على القصر"


عقدت ما بين حاجبيها في ريبة

"طيب ليه ما قاليش؟، هو فيه حاجة؟"


كادت ملك أن تنطق بكل ما تعرفه، فانفلت منها

"ده فيه حاجات و…"


لكن خديجة سارعت بوكزها بمرفقها في عضدها بقوة نسبية، فتأوهت

"آه دراعي، براحة شوية يا ديجا، حرام عليكي، وجعتيني أوي"


مالت الأخرى نحوها وهمست بصوتٍ منخفض لا يصل إلى مسامع ياسمين

"عشان تبطلي رغي، ياسين موصينا إنها مفاجأة، وانتي هتبوظي كل حاجة، اسكتي بقى"


ثم التفتت إلى ياسمين، ورسمت على وجهها ابتسامة هادئة وقالت

"روحي يا ياسمين غيري هدومك، وإحنا مستنيينك هنا"

خرجت بعد أن أبدلت ثيابها، وذهبت مع ملك وخديجة، فركب الثلاثة السيارة التي يقودها عم شكري السائق، وانطلقت بهم السيارة عبر بوابة القصر الواسعة، حيث سقطت عيناها على منظر نابض بالحياة؛ فتيات وشباب يكدون على ترتيب الطاولات والمقاعد بعناية ودقة، كل شيء معد بعناية فائقة لإبهار الحضور.


لم تتمالك نفسها فسألت بفضول

"هو النهارده بتحتفلوا بحاجه؟"


كادت ملك تنطق بالشرح، لكن خديجة سبقتها قائلة بابتسامة غامضة

"هاتعرفي كل حاجة، يلا ننزل"


ولم تمضِ لحظات حتى نزل الثلاثة من السيارة، فإذا بالخادمات يستقبلنهم بالتحية والترحاب، لا سيما ياسمين، إذ تقدمت نحوها أحدهن قائلة بفرح وتهنئة

"ألف مبروك يا مدام ياسمين"


حدقت الأخرى فيهما بتعجب، وصوتها يملؤه الحيرة

"ألف مبروك على إيه؟، حد يفهمني… هو إيه اللي بيحصل؟"


مسكت ملك وخديجة يد ياسمين، وقادتاها بخطوات ثابتة إلى غرفة واسعة خصصت لها هذا اليوم لتجهز نفسها.


ومجرد دخولها الغرفة، وجدت حماتها تستقبلها بابتسامة دافئة وترحاب صادق

"أهلاً وسهلاً يا عروسة"


تلعثمت ياسمين وقالت

"عروسة؟"


ابتسمت كارين وأكدت بفرح

"أه، عروسة… وأحلى عروسة كمان"


كانت كارين تخلع الحافظة عن ثوب الزفاف الأبيض الذي يخطف الأنظار من فرط جمال تصميمه العصري الأنيق، بمساعدة فتاتين شابتين، بينما تحيط بهن الألوان الزاهية والزهور الرقيقة.


ابتسمت جيهان وقالت بدلال

"أظن كده فهمتي قصدنا، وده نص المفاجأة"


غرت ياسمين شفتيها، وارتسمت على وجهها علامات الدهشة والسعادة، فقد أدركت أنهم يعدون لحفل زفافها على زوجها. 

 ومن فرط الفرح، ذرفت الدموع على خديها، فابتسمت كارين وقالت مازحة

"إحنا لحقنا؟!، النهاردة مفيش دموع خالص، يونس بقاله يومين ما بيجيش البيت، ده فرحنا معملش فيه كده"


ضحكت ملك وقالت بمزاح

"بدأنا غيرة السلايف بقي"


ثم عادت كارين لتؤكد بسعادة

"بالعكس، أنا فرحانة ليهم أوي، كأنه يوم فرحي، وكلنا هانفرح أوي لما الحفل يبدأ، تعالوا نسيب العروسة مع البنات عشان يجهزوها لعريسها"


وأشارت السيدة جيهان لياسمين بابتسامة

"أنا في الجناح اللي جنبك لو عايزة حاجة"


ابتسمت الأخرى بامتنان وقالت

"شكراً يا ماما جيهان، تسلمي"


                        ❈-❈-❈

دلفت إلى غرفتها مرتدية ثوب الحمام القطني، خطواتها مترددة فوجدته واقفًا أمام المرآة، يشذب ذقنه بماكينة الحلاقة الكهربائية، لا يرتدي سوى بنطال قطني منزلي. 

رفع عينيه إليها عبر انعكاسها في المرآة، فاضطربت نظراتها وتراجعت خطوة إلى الخلف، وكادت تستدير خارجة لتترك له الغرفة، لكنه استوقفها بصوت خفيض يحمل رجاء

"شيماء لو سمحتِ، ممكن تيجي تظبطيلي تحت دقني بالماكينة زي ما كنتي بتعملهالي علي طول؟"


علمت في قرارة نفسها أنه يتذرع بأي سبب ليفتح معها باب الحديث، هروبًا من صمتها الذي تعاقبه به، فتنهدت بعمق، ثم تقدمت نحوه وأخذت منه الماكينة، وشرعت تُشذب شعر ذقنه من الأسفل بحركات بطيئة دقيقة.


وفجأة، أمسك يدها برفق متناقض مع اضطرابه، وانتزع منها الماكينة، أغلقها ووضعها فوق طاولة الزينة، وعيناه لا تبرحان عينيها لحظة.


تنفست ببطء وقالت بهدوء متحفظ

"ممكن تسيب إيدي، ولما تخلص ياريت تخرج عشان عايزة ألبس"


لم يكترث لطلبها، بل جذبها دفعة واحدة إلى صدره العاري، واحتواها بين ذراعيه في عناق قوي صامت، كأنه يستجير بحضنها من نفسه.


ثم قال بصوت متهدج

"عشان خاطري كفاية خصام… أنا بحبك ومش قادر على بعدك عني حتى لو عايشين تحت سقف واحد، أنا ماليش غيرك، ندمان ندم عمري كله، وبعترف بذنبي وعايزك تسامحيني أو تديني فرصة أخيرة"


كانت تسمع كلماته وهي بين ذراعيه، لا بأذنيها فحسب، بل بكل خلية في جسدها، ورغم مقاومتها، تسللت عباراته إلى قلبها كالمطر فوق أرض عطشى.


شعر برجفة جسدها، فاسترسل بحزن

"مفيش في عمري قد اللي عيشته عشان يروح وإنتِ بعيدة عني"


رفع رأسها من على صدره، وحدق في وجهها، فوجد الدموع تنساب بصمت، فمسحها بإبهامه وقال برجاء

"بالله عليكي ماتعيطيش… لو قربي منك صعب قوي عليكي خلاص هابعد، وهنفذلك اللي انتي عايزاه، بس عايزك تعرفي إني هافضل أحبك مهما تاخدي أي قرار، وعايزك تاخدي بالك من نفسك ومن الولاد، دول حتة مني ومنك… حتى ريتاج عمري ما حسيت إنها بنت عبدالله، دي بنتي أنا، وكان نفسي أفضل عايش لحد ما أشوفها عروسة"


تسلل الخوف إلى قلبها من نبرة وصيته، فرفعت عينيها إليه بقلق وسألته

"إنت بتقول كده ليه؟، إنت هاتسيبنا وتمشي؟"


ابتسم ابتسامة واهنة وقال

"عمري ما هعملها حتى لو طلبتي مني كده… بس أنا بوصيكي، الواحد مش ضامن عمره"


هزت رأسها باعتراض، وصوتها مختنق بالدموع

"طيب ما تقولش كده تاني… ربنا يبارك في عمرك وتجوز ولادنا وأحفادهم كمان، أنا مش قادرة أسامحك، بس بتمنالك كل خير… لأن أنا كمان بحبك، بس زعلانة منك أوي"


وانفجرت باكية، فضمها إلى صدره وربت على ظهرها بحنان صادق، مرددًا بندم

"حقك عليا… حقك عليا يا حبيبتي"


دخل المشهد إلى أفق مشحون بالتوتر، حيث ارتفع وجهها متأملًا عينيه، مسح لها دموعها التي لم تهدأ بعد، وحدق في شفتيها كما لو كان يقرأ فيها أسرار قلبها.

 أغلقت عينيها على وقع خفقانها المتسارع، وتركته يقترب منها، فبدأ يقبلها 

 لكنها كانت مترددة، تسمح له بما يشاء، رغم الغصة المترسخة في صدرها، وفي الوقت ذاته تشتاق إليه كما يشتاق هو إليها.


ثم نزل ببطء إلى عنقها، فشعرت بالدفء المعتاد، لكنه سرعان ما لاحظ برودتها وعدم استجابتها، لم تبادله القبلات ولم تململ بين يديه كما اعتادت، ففهم أن قلبها لم يوافق، وأن ما يفعله معها لا يلقى قبولها الحقيقي. 

ألَم هذا الشعور كبرياءه، فأخذه على  محمل الجدية والكرامة، وابتعد عنها ببطء، يلتقط أنفاسه المتقطعة، ثم قال لها بنبرة صارمة لا تعرف المزاح

"أنا خلصت الحلاقة… خدي راحتك"


توجه بعدها إلى خزانته، التقط بعناية ما أعده من ثياب أنيقة سيرتديها في حفل الزفاف، وخرج من الغرفة تاركًا إياها في حالة يرثى لها، جالسة على كرسي الزينة، تبكي بصمت عميق، مع قلب مثقل بالألم، وعينين ممتلئتين بالندم والحنين. 


                      ❈-❈-❈


انحنت أمام المرآة، عيناها تتلألأ بالدهشة والإعجاب بما آل إليه مظهرها، ثوب الزفاف المحتشم والأنيق يجمع بين الرقي والبساطة، وحجابها الأبيض يزيدها إشراقة ونقاء، فيما القليل من مستحضرات التجميل أضفى على ملامحها بريقًا طبيعيًا وسحر فاتن يختصر جمالها الفريد.


قالت إحدى فتيات التزيين مبهورة، وقد ابتسمت بفخر

"زي القمر… اللهم بارك"


طرقت جيهان الباب برقة، فأجابتها ياسمين

"اتفضلي"


دخلت وقد أعدت نفسها بثوب أنيق يليق بوقار ملكة، وما إن وقفت أمام العروس حتى أومأت برأسها وأصغت بإعجاب

"واو… اللهم بارك يا حبيبتي، زي القمر وأحلى كمان"


ابتسمت بخجل وابتسامة امتنان

"شكراً يا ماما… أنتي اللي أجمل، ما شاء الله عليكي"


مدت حماتها يدها، وأومأت نحو الباب بسعادة

"طب يلا… عشان أسلمك لعريسك اللي مستنيكي تحت، وأنتم يا بنات يلا تعالوا شاركونا فرحتنا"


انتاب ياسمين التوتر قليلاً وهي تنظر حولها، حيث وصل إليها أصوات الضيوف التي تتعالى مع كل خطوة تهبط بها على درجات السلم ، فيما همساتهم تتخلل أصوات الطبول والمزامير التي ارتجت لها أرجاء المكان، تعلن بدء الاحتفال على أنغام أغنية من الفلكلور المصري القديم، معلنة قدوم العروس.


خرجت من باب القصر الرئيسي إلى الحديقة، فذهلت من منظر الأهل والضيوف، كل منهم يرتدي الجلباب الفلاحي التقليدي، والعباءات المفتوحة أعلاها للرجال والسيدات عباءات أيضاً،  أجواء الريف الأصيل، حاملة عبق الماضي وحلاوة التقاليد في آن واحد.


تقدم ياسين نحوها، وهو يعلو جلبابه الفلاحي عباءة أنيقة وأعلي رأسه عمامة بيضاء يتوسطها طاقية من الصوف، يزيده هذا المزيج من الجلال والهيبة، يحمل في يده باقة من الزهور البيضاء، مدها إليها لتمسك بها، و امسك يدها الأخرى فقبلها أمام الحاضرين كافة، مال نحو أذنها قائلاً

"إحنا كده خلصنا من فترة الخطوبة زي ما اتفقنا، و كده وصلنا لمرحلة الفرح، وحبيت أعمله لك مفاجأة، الليلة ليلتك يا عروسة"


ابتسمت ياسمين بخجل خافت، فانفجر ياسين ضاحكًا على خجلها، همس لها مرة أخرى

"بطلي كسوف، بدل ما أشيلك ونطلع فوق نكمل الفرح أنا وإنتي"


وضع يده على ساعدها وسار بها في الممر، يتقدمها إخوة ياسين وزوجاتهم، يهللون ويصفقون، بينما يشارك الحضور جميعًا بهجة الاحتفال، والحديقة تغص بالألوان والفرح.


اقترب منهما رجل يحمل حزام متصل بسروج حصان مزين بألوان زاهية، همست بقلق وخوف

"أوعي تقولي إننا هانركب الحصان… أنا بخاف منه"


ابتسم لها ليطمئنها

"اسمحيلي هانركب أنا وإنتي، متخافيش طول ما أنا معاكي"


تشبثت بذراعه خائفة، قالت بتوسل

"بالله عليك يا ياسين… لأ، بلاش"


نظر إليها بحزم وحنان في آن واحد

"طول ما أنا جنبك، مش عايزك تخافي من حاجة أبداً"


وصعد على الحصان، مد يده إليها، فأمسكت بذراعه، فجذبها ليجلسها أمامه، وأعطاها حزامين لتتمسك بهما بإحكام، وقال

"امسكي بالحزام كويس"


أمسكت بالحزامين، بينما هو ممسك بالحزام الأكبر بثبات، وصدح صوت الرجال بالأغنية

"بسم الله الرحمن الرحيم وهنبدأ الليلة.. آه.. آه

دة عريسنا الزين كحيل العين وعروسته حلوة وجميلة

حنقول يا ليل، ونقول ياعين.. حصوة في عينك ياللى ياللى ما تصلى.. ما تصلى على النبي صلي.. صلي.. علي النبي صلي

واللي ما يصلي أبوه أرملي.. صلي

اتدحرج واجري يا رمان وتعالى على حجري يا رمان... اسمع موالي يا رمان وابكي على حالي يا رمان... ولا اضحك حتى يا رمان يالا اشمعنا انت يا رمان" 


ارتجف قلبها طربًا من هيبة ما يحدث، وهي تشعر بنبض الفرح ينساب في عروقها، والحصان يتراقص برشاقة كأنه يشاركهما بهجة اللحظة، فيما كان ياسين، كالصقر الحارس، يجلس شامخًا وراءها، يحميها ويحطيها بين ذراعيه كما يحمي الصقر أنثاه. 


وبمجرد أن خبت أصوات الطبول والمزامير، نزل عن الحصان  وحملها بين ذراعيه من خصرها برفق، وكأنها أثمن ما في حياته، بينما صدحت الموسيقى المبهجة من مكبرات الصوت، معلنة بدء رقصة الفرح الحقيقية.


وقف في منتصف الحديقة، أمسك بيدها وأخذها إليه، همس لها قائلاً

"ارقصي من غير ما تهزي أي حاجة فيكي… بدل ما أشعلقك"


رمقته بعينين تجمعان الحنق والخجل معًا، وقالت

"أنا أصلاً ما بعرفش أرقص… ومكسوفة أوي"


ضحك ببهجة

"أحسن برضه… هارقص أنا و أنتي صقفي"


رفع ذراعيه ورقص بخفة ورشاقة على إيقاع الموسيقى، وتقدم منه أشقاؤه يونس ويوسف، كذلك انضم آدم إليهم، فتنحت ياسمين جانبًا مع السيدات، بينما انطلقت كارين ممسكة يدها، تقول لها

"ارقصي يلا… هو مش واخد باله، الفرح فرحك يا عروسة"


نظرت ياسمين إلى ياسين، فرغم انشغاله في الرقص مع إخوته، لم تغادر عينيه عنها، رمقها بنظرة تجمع بين التحذير والملاعبة، فقالت لها

"عجبك كده… ده عينه عليا زي الصقر"


ردت كارين مبتسمة

"ده بيهزر معاكي"


وفي تلك اللحظة، انتبهت إلى قدوم شخصين، فقالت بلهفة واندفاع

"قصي وصبا وصلوا"

تقدم شقيقهم الأكبر مع زوجته، مرتديًا الجلباب الرجالي الفلاحي الذي يعلوه عباءة وعمامة ملفوفة بشكل أنيق. 


ضحك ياسين وهو يرمق أخاه قائلاً

"يخربيت عقلك يا يونس، خليت قصي كمان يلبس العباية!"


رد الأخر مبتسمًا وبفخر

"يا بني، أنا خليت حوار اللبس شرط أساسي في الدعوات، وأكدت على إخواتك، مالها الجلابية ده حتى مخلية قصي شبه رفيع بيه العزايزي في الضوء الشارد"


صافح قصي شقيقه بحرارة وعانقه

"ألف مبروك يا عريس"


أجابه ياسينض بابتسامة

"الله يبارك فيك يا كبيرنا، عقبالك أنت وصبا تعملوها زينا"


ضحك وأضاف بمزاح

"يا حبيبي إحنا ليالينا كلها أفراح، مش محتاجين ما شاء الله"


فصاح يونس بمرح

"أيوه بقي يا كينج، يا رافع راس عيلة البحيري"


ثم التفت إلى ياسين وقال وهو يبتسم بنبرة ساخرة

"أنا عارف أنت مش محتاج نصايح، بس خد كورسات عند أخوك الكبير واتعلم منه"


ضحك قصي وقال مازحًا

"أهو أنا مش خايف غير من قرك أنت بالذات يا يونس"


تبادل الأشقاء الضحك، وعاد الجميع إلى الرقص معًا، عدا قصي الذي تنحى جانبًا عن الميدان، جلس مع مصعب وطه حول منضدة.

بينما السيدات والفتيات التفوا حول العروس، التي كانت تمسك بيد صغيرتها، يرقصان معًا في مشهد يفيض دفء وجمال، صورة من سحر البهجة العائلية المتكاملة.


وفجأة، ارتفعت أصوات مكبرات الصوت معلنة بداية أغنية شهيرة لعمرو دياب

"رمش خطاف والسحر أصناف وأنا قلبي يتخاف عليه يا بابا... ورد يتشال ولونه قتال شغلني وأزال ما فات يا بابا

رسمة العين ده ربنا يعين كل اللي والعين منهم يا بابا... ماس على ياقوت هموت عليها موت من رقة الصوت آهين يا بابا....." 


"ألحقي يا ياسمين، جوزك ويونس بيعملوا إيه"

قالتها ملك، فألتفتت الأخرى نحو ما أشارت الأولى، فإذا ياسين و يونس يرقصان بطريقة مضحكة، متمايلين على إيقاع الأغنية، فانخرطت في الضحك رغماً عنها، وتمايلت ابتسامتها بين الدهشة والمرح.


نظر يونس إلى ياسين وقال بمزاح

"إيه رأيك في تنظيم الفرح؟"


رد ياسين وهو يضحك

"بصراحة دماغك جامدة، بس تسلم إيدك، نردهالك في فرح جوليانا و رسلان"


ابتسم الآخر وأضاف بدهشة مازحة

"خد بالك لسه محضرلك مفاجأة جامدة، جيبتلك صاروخ أوكراني بينور في الضلمة"

لم تمضِ لحظات حتى أدرك ياسين ما يقصده شقيقه، فإذا موسيقى رقص شرقي تعلو المكان، وظهرت امرأة ترتدي رداء أسود حريري، وغطاء يخفي ملامح وجهها، واقفة في منتصف الساحة أمام الحضور.

همست صبا لكارين

"أوعي يكون جوزك عمل اللي في بالي"


ضحكت الأخرى وقالت

"مع يونس توقعوا كل حاجة"

بينما خديجة وشيماء، فكانتا جالستين معاً، فقالت الأولى باندهاش

"لا حول ولاقوة إلا بالله، إزاي يجيبوا حاجة زي دي"


لكن شيماء كانت في واد آخر، ترمق طه بين الفينة والأخرى، فهو لم يشارك أبناء عمه الرقص، اكتفى بالجلوس مع مصعب وقصي، متأملاً المشهد ببرود شبه ساخر.


صدحت الموسيقي أكثر فخلعت المرأة ذات الرداء الأسود عباءتها، لتعلو صيحات التهليل، وخصوصاً تهليل الرجال، حيث بدت بثياب رقص تكشف معظم جسدها.

شهقت خديجة

"استغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم"


قالت ملك مازحة ومتوعدة

"كل واحدة فينا تروح تغمي عين جوزها"


وعقبت كارين بابتسامة ساخرة

"يخربيت جنانك يا يونس، أنا متوقعتش إنه هايجيب الرقاصة دي والله لوريك"

فتقدمت كل امرأة نحو زوجها، وضعت كفها على عينيه، فيما كان ياسين يرمق ياسمين يتحدث إليها بتعابير وجهه بأنه لا ذنب له، وأشار إليها نحو شقيقه يونس أنه من أتي بالراقصة. 

وفجأة تقدمت الراقصة بثقة نحوه، تتمايل و ترقص بجرأة، فاندفعت ياسمين إليه، تجذبه من يده وتهمس في أذنه بغضب وغيرة

"لو خليتها تقرب منك تاني، هقلب الفرح ده كله على دماغك أنت وأخوك، زي ما جابها قوله يمشيها"


ابتسم ياسين لما رأى غيرتها، وهمس لها بمودة

"أنت تؤمر يا جميل"

تحركت الراقصة نحو طاولة قصي ومصعب وطه، فشهقت ملك بدهشة

"يا نهار أزرق"


نظرت إلى شيماء وأشارت لها بعينيها، وتعاونت نساء عائلة البحيري ليتكالبن على الراقصة، قاموا بدفعها نحو داخل القصر أمام الجميع، فعمت الضحكات بين الرجال.

عقب مصعب وهو يضحك، وأخذه قصي على محمل المزاح

"اه يا مجانين، حد يطرد النعمة"


مال نحوه الآخر وقال مازحاً

"أختي لو سمعتك هتخليك تبات على السلم"


قام طه من مقعده، يحمل كأس عصير، واقترب بهدوء من زوجته، فوضع الكأس أمامها على الطاولة، فقالت له

"ما تروح تقعد مع ولاد عمك وهيص معاهم" 


رمقها بعينين ثاقبتين، صمت لبرهة قبل أن يقول بنبرة صادقة واثقة

"عشان مش شايف غيرك"


اضطربت من كلماته وابتلعت ريقها مترددة، ثم سألته بسخرية

"أنت بتثبتني عشان أرضي عنك؟"


رفع جانب فمه بسأم، وكأن الحقيقة التي قالها تملأ قلبه بالصدق والوقار، فأجابها بهدوء

"أظن أنتي أدري واحدة بيا لما بقول الحقيقة أو بجامل"


ارتسمت على وجهها ابتسامة قصيرة، ممزوجة بتحفظ، فقالت بحزم

"ما أنا لو اديتلك فرصة مش هسامحك بسهولة، طريقك طويل وهتزهق مني"

اقترب منها أكثر، ولم يتراجع عن وقوفه بجانبها، فمال بوجهه نحوها وقال بنبرة دافئة، تحمل الحزم والمودة في آن واحد

"انتي تستاهلي أمشيلك أميال لحد ما تسامحيني، بس عايز أقولك حاجة، خديها نصيحة مني… الدنيا مش مستهلة، وماتعرفيش القدر مخبي لنا إيه، النهاردة أنا معاكي يا عالم بكرة هاكون فين؟"


حاولت شيماء فهم ما وراء كلماته، لكن داهم قلبها القلق، فارتعشت شفتاها وهي تسأله بتوتر

"أنت تقصد إيه بكلامك؟"

ربت برفق على يدها، ونظر إليها بعينين هادئتين، ثم ابتسم بخفة وأخبرها

"ما تاخديش في بالك… روحي شوفي أختي وسلايفها زمانهم خلصوا على الرقاصة"


وفي الداخل، كان الصخب يعلو كالزوبعة، حين ركض يونس مسرعًا، يحاول إنقاذ الراقصة قبل أن يفتكن بها، صاح بصوت جهوري يجلجل في أرجاء البهو

"إنتو بتهببوا إيه؟! سيبوها… ده أنا ماضي عليها تعهد"


التفتت إليه كارين بعينين متسعتين وملامح متحفزة، وصاحت باستنكار

"ماضي إيه يا حبيبي؟!"

حك يونس مؤخرة رأسه في توتر ثم قال محاولًا التبرير

"أقصد… ماضي إنها زي ما جاتلنا ترجع من غير أي إصابات"

وبحركةٍ مفاجئة، نزعت الراقصة ذراعيها من بين أيديهن، وصرخت بانفعال هستيري باللهجة المصرية التي تتقنها

"أوعي إنتي وهي، أنا هوديكم في داهية… هاروح للسفارة بتاعي وأقدم فيكم بلاغ"


ضحك يونس محاولًا تلطيف الأجواء التي أوشكت على الاشتعال

"ليه كده يا ديانا؟! هم ما يقصدوش حاجة… كانوا بيهزروا معاكي"


فأشارت إليه بعصبية نحو ملك، ثم أشارت إلى فخذها العاري، وهي تصيح

"الست دي عضت أنا هنا… حتي بص"


حدق يونس في أثر أسنان شقيقته، فوكزته كارين في ذراعه فتأوه وقال لشقيقته 

"ليه كده يا ملك؟! معلشي يا ديانا… مكنتش تقصد"


فصرخت ملك بحدة ونبرة لا تقبل جدالًا

"لا أقصد! ويلا يا بت روحي البسي هدومك وامشي من هنا، بدل ما أخلي العضة الجاية في رقبتك واطلع روحك" 


وأضافت صبا بلهجة تحذيرية

"خلي بالك دي ما بتهزرش… اسمعي الكلام"


وتدخلت خديجة وهي تلوح بيدها قائلة

"اسمعي كلامهم… ربنا يهديكي ويتوب عليكي"

رمقتهن بنظرة متحدية، ورفعت ذقنها بكبرياء زائف، ثم قالت بإصرار

"إنتوا فاكريني خايفة منكم؟!، طب إيه رأيكم هاروح أكمل فقرة بتاعي أنا، وهارقص مع كل جوز واحدة فيكم، وأولهم يونس حبيبي العسل"


شهقت كارين كأن صاعقة هوت فوق رأسها، ثم صاحت بانفعال

"لااا!، حبيبك العسل!، لا إنتي زودتيها أوي… بنات البت دي لازم تتربي، يلا بينا عليها"

وفي لحظة خاطفة، تكالبن عليها كعاصفة هوجاء وأمسكن بها من كل جانب، وانهلن عليها بالضرب، بينما ارتفع الصراخ. 

اندفع يونس بينهن محاولًا تخليصها من قبضتهن، وهو يصرخ بذعر

"أوعوا! سيبوها… هتموتوها يا مجانين"


لكن ملك باغتته بحركة سريعة، وانحنت لتعض يده بقوة، فتأوه بألم وهو يقفز في مكانه صارخًا

"آآآه… يا شيخة حرام عليكي"


                        ❈-❈-❈

دلفت علياء من البوابة برفقة صغيرها عز الدين ولوجي، وهم يمسكون بأيدي بعضهم البعض، ووجههم يتلألأ بالفرحة والبهجة.

توجه الثلاثة أولًا نحو جيهان وعابد، وتبادلوا التحية والمصافحة، وعانقتها  جيهان بحرارة قائلة

"كنت هزعل منك لو ماجتيش"


ابتسمت علياء وردت بلطف

"أنا جاية عشان خاطرك وخاطر ياسين، جالي بنفسه في العيادة وادالي الدعوة، أنتم أهل ولادي، وأهلي برضه بعيد عن أي خلاف بيني وبين ابنك"


انتبه يوسف إلى علياء وطفليه، فاندفع مسرعًا نحوهما، فاضطربت لوجي ووقف جوار جدتها، بينما تجاهلت علياء تحركه، ونظرت إلى جيهان وقالت

"عن إذنك يا جيجي، هاروح أبارك لياسمين وياسين"


ولدى العروسين... وقف ياسين إلى جانب زوجته والنور الذهبي لغروب الشمس يلامس ملامحه الوسيمة، وقال لها بابتسامة 

"أنا محضرلك مفاجأة… يارب تعجبك"


رمقته بعينين ممتلئتين بالمزاح الساخر، وهي تضحك بخفة

"محضرلي إيه غير الرقاصة؟!"


ابتسم ابتسامة هادئة، تحمل طمأنينة وثقة، وقال وهو يغمز لها

"هاتشوفي وتسمعي بنفسك دلوقتي"

أشار إلى مسؤول تشغيل الأغاني، الذي كان يقف عند لوحة التحكم، فقام الأخير بتشغيل موسيقى رومانسية هادئة، تعانق أجواء المساء وتملأ المكان بسحرها. 


اقترب ياسين من أحد الرجال الذي كان يحمل ميكروفون صغير، قابل للثبيت في الثياب، فأخذه وركبه بحافة تلابيب جلبابه، ثم التفت إلى ياسمين وملأ صوته المكان بعبق المشاعر، صوت عذب نقي، يختلف كل الاختلاف عن نبرة صوته عندما يثور أو يغضب.

اقترب أكثر، أمسك بيد زوجته برفق، رفعها إلى أعلى كتفه، وأحاط خصرها بين ذراعيه، وبدأ يغني.... 

"كنت بمشي في الدنيا لوحدي

والليل كان أطول من صبري

قلبي تعباان من الغيبة

وبيسألني... فين عمري؟


كنت بنام وأصحى على صورتك

أحضنك في خيالي وأسيبك

ولا يوم قدرت أنسى اسمك

ولا قلبي عرف يحب غيرك


ولما رجعتي حضنك ناداني

قال لي تعالى ليا اتولد من تاني

ده يوم ميلادي مش يوم عادي

ده يوم ما رجعتلي حياتي


أنا بحبك حب مالوش آخر

ولا يوم في قلبي هيقل أو يخون

وأوعدك أعيش العمر كله

عشانك إنتي وبس أكون


تعبت قوي وأنا بستنى

خطوة منك تطمني

كنت بخاف أفضل مستني

والعمر يسبقني ويعدي


رجوعك كان طبطبة سما

على قلب عاش مكسور كتير

رجوعك قالي لسه في أمل

ولسه في حب كبير


ولما رجعتي حضنك ناداني

قال لي تعالى ليا اتولد من تاني

ده يوم ميلادي مش يوم عادي

ده يوم ما رجعتلي حياتي


أنا بحبك حب مالوش آخر

ولا يوم في قلبي هيقل أو يخون

وأوعدك أعيش العمر كله

عشانك إنتي وبس أكون


إنتي مراتي وحبيبتي

وأجمل اختيار في حياتي

لو يخيروني بين الدنيا

أختارك إنتي واختار ذاتي


وأوعدك مهما العمر يطول

أفضل على حبك ثابت

ده قلبي اتكتب باسمك

واللي جاي كله ليكي ثابت


أنا بحبك... وهفضل أحبك

طول ما في قلبي نفس يدق

إنتي البداية والنهاية

وكل عمري ليكي وبس" 


وضع جبهته فوق جبهتها وردد 

"إنتي البداية والنهاية وكل عمري ليكي وبس... بحبك" 


خلع العباءة التي كان يرتديها فوق جلبابه، فغطى بها رأسه ورأس ياسمين عن أعين الحاضرين، ففهم الجميع في تلك اللحظة أنه يقبلها بسرية، لا يريد لأحد أن يشاهد المشهد الحميمي بينهما.

صفق أشقاؤه بحرارة، ودمعت عينا والدته دموع فرحة، ربت على كتفها عابد مبتسمًا، وهمس بجوار أذنها بنبرة حانية

"طول عمري كنت بقول ياسين أكتر واحد طالع رومانسي ليكي"


ابتسمت هي بامتنان وبسعادة من بين دموع الفرح

"حبيب قلبي، ربنا يهنيه ويسعده هو وأخواته" 

وبالعودة إلي ياسين بعدما انتهي من تقبيل زوجته ازاح العباءة وحملها من خصرها وأخذ يدور بها في مشهد رومانسي حالم تحت ارتفاع تصفيق الحضور وعائلته. 


يتبع................................... 




 ✨✨



جاري كتابة الفصل الجديد للروايه حصريا لقصر الروايات اترك تعليق ليصلك كل جديد أو عاود زيارتنا الليله

لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كامله من هناااااااااا

مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا

مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا


تعليقات

التنقل السريع