القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية لإجلها الفصل التاسع وخمسون والستون والحادي وستون والثاني والستون ج1الجزء الثاني بقلم أمل نصر حصريه في مدونة قصر الروايات

 

رواية لإجلها الفصل  التاسع وخمسون والستون والحادي وستون والثاني والستون ج1الجزء الثاني بقلم أمل نصر حصريه في مدونة قصر الروايات





رواية لإجلها الفصل  التاسع وخمسون والستون والحادي وستون والثاني والستون ج1الجزء الثاني بقلم أمل نصر حصريه في مدونة قصر الروايات





المنزل الذي امتلأ بضجيج وصخب الأصوات الصادرة من الكبار والصغار تجعله ساحة من الدفء الأسرِيّ والمشاكسات اللذيذة بين جميع الحاضرين، مهما حدث من مناوشات أو مشاحنات لا تفسد روعة اللحظة الجميلة لذلك اليوم الرائع؛ اليوم السابع للمولود الجديد أو "السبوع" كما يطلق عليه.

وقد استقر "صغير العائلة" في الغربال، وسط دائرة من الصغار المتلهفين، وكأنه ملك متوج على عرش من الخوص، بينما كانت حسنية تمسك بـ "يد الهون" وتدق بقوة محسوبة، مطلقة وصاياها الشهيرة: "اسمع كلام أبوك، متسمعش كلام أمك.. متسمعش كلام أم أبوك، متسمعش كلام أم أمك".

ـ طب بالمرة كمان عمه حمزة، إشمعنى هو يعني؟

هتفت بها مزيونة الجالسة بجوارها في الوسط توزع على الأطفال الهدايا المغلفة والمخصصة لتلك المناسبة، لتقارعها منى وتزيد من المرح:

ـ ولما ميسمعش كلام عمه حمزة، هيسمع كلام مين يا بت؟ ولا أنتي عندك اعتراض على كبير ناسه؟

ـ وه.. عايزة تدخليني في أشكال مع أخوكي يا منى؟ لا يا عم هو انا قده؟ طب عنه الواد ما سمع كلمتي.

قالتها مزيونة لتضج الصالة بالضحك من شقيقات منى وحسنية التي تابعت في دق الهون، تُسمع الصغير الوصايا ولا تنسى أن تشاكس البقية أيضاً.

وفي زاوية قريبة وسط ضجيج الأطفال وترديدهم للأغاني التراثية، كانت ليلى غارقة في فرحة طفولية لم تستطع إخفاءها، وهي تشاهد ما يحدث مع صغيرها، وتصفق بحماس كأنها واحدة من الصغار، تتشارك لحظاتها النادرة.

بينما منى لا تكف عن إطلاق التعليقات الساخرة، وهي تراقب المشهد بعين ناقدة لا تخلو من المحبة، وهي تمازح شقيقها معاذ والد الطفل، الذي كان يدور مع الأطفال ويغني غير آبهٍ بصورته أمام نساء العائلة التي كانت تضحك من أفعاله.

حتى إذا توقفت والدته، انتهز الفرصة ليخطفه من يدها وهي تخرجه من الغربال، قائلاً بلهفة:

ـ ولدي حبيبي.. ألحق أشبع منه، قبل ما يجي خطاف العيال!

قصد بالأخير شقيقه حمزة الذي كان غائباً في ذلك الوقت لأمر هام، فعلقت اعتماد التي كانت تعطي ابنة شقيقتها هديتها:

ـ أيوه يا معاذ، دا ممكن في أي وقت يجي ويستولي عليه.

ـ حبيب أبوه... والله ما يحصل إيه؟ ما هيقدر ياخده مني النهاردة.

قالها معاذ بتملك، في مشهد يثير الضحك، وقد خدمه الحظ اليوم لانشغال حمزة في منزل عمه بالمناسبة الضرورية المقامة به اليوم، والتي تستلزم حضوره، ليترك له الساحة الخالية فيستمتع بدفء صغيره.

......................


وفي الجهة الأخرى؛

وقد حضر اليوم ليس بصفته كبير العائلة أو الصداقة فقط، بل هو الواجب الذي يفرض على الإنسان أن يتحمل مسؤوليته في تلك المناسبات، رغم كل الخلافات الأزلية بينها وبينه، إلا أنه لا يملك إلا أن يقف بجوارها حتى ولو على حساب صديقه الذي لم يعد يضمن رد فعله بعد أن تحول الأمر برأسه للانتقام منها.

لم يكن احتفالاً بمعنى الاحتفال، فقد حضر اليوم مع العريس لعقد قرانه من "هالة" عدد قليل من أصدقائه في الشرطة وزوج من أعمامه فقط، حتى النساء لم يأتِ منهن إلا خالة واحدة مع اثنتين من زوجات الأعمام؛ فهم المتبقون من عائلته وقد توفي والداه منذ وقت طويل.

الاجتماع كان بداخل "المندرة" ليتم عقد القران بها، يحضره من جانب العروس والدها وابن عمها حمزة وعدد من رجال العائلة. الصورة تبدو طبيعية والفرحة برزانة، فقط تخترق الأجواء أصوات الزغاريد التي تطلقها النساء.

ـ مبروك يا كمال.... ربنا يجعلها جوازة العمر إن شاء الله.

تلك الكلمات التي تفوه بها حمزة، كانت تخرج بصعوبة الموقف الذي وُضع به؛ لا يدري إن كان عليه أن يفرح لصديقه الذي سوف يتزوج من ابنة عمه وحب عمره وزوجة شقيقه سابقاً...، أو يحذر منه... مشاعر مختلفة تموج بداخله، ومع ذلك كان واقفاً وصامداً، يؤدي واجبه على أكمل وجه.

أما كمال والذي بدا أنه متفهم لحالته، فقد تلقى تهنئته بحرارة يطمئنه أنه مهما كانت صعوبة الحياة مع تلك المتمردة التي أصبحت رسمياً على اسمه منذ لحظات، فهو كفيل بترويضها... أو الإغداق عليها بالسعادة إن هي اختارت الطريق السليم معه.

.............................

أما في داخل غرفتها التي التزمت فيها ولم تخرج للنساء الحاضرات من أجل تهنئتها وإبداء المباركة لها سوى عدة دقائق، لتعود إليها سريعاً.

تتأمل نفسها الآن في المرآة، بتلك الزينة التي وضعت على وجهها من فتاة محترفة في ذلك المجال، أتت من أجل تلك المناسبة التي لم ترتدِ لها الأبيض، بل اكتفت بفستان حريري يصلح للسهرات، لونه زيتي قاتم بغرض ألا يكون معبراً عن فرح داخلها، ومع ذلك كان رائعاً على بشرتها البيضاء التي انعكس عليها ليزيدها بهاءً.

تغمرها حالة من التشتت لا يمكن وصفها؛ لا هي بقادرة على إخراج ما في قلبها ورفض الاستمرار في تلك المهزلة، ولا هي بقادرة على إزاحة أفكار وهواجس تقتلها. يمنعها كبرياء ذاتها التي وجدت فرصتها بزواجها من رجل له وضعه وهيبته أمام عائلتها وأبناء عمومتها، بعد أن اهتزت صورتها بسبب القضية والسجن الذي لم تشعر حتى الآن أنها خرجت منه، وكيف يحدث وسجانها قد أصبح زوجها وهو من بيده مفتاح حريتها؟

فُتح باب الغرفة فجأة لتطل منه شقيقتها "إسراء" تخاطبها بمرح:

ـ إيه يا جميل، أنتي لسة برضو متنشنة ومتوترة؟ خبر إيه يا هالة، دي مش أول جوازة ليكي يا خيتي؟

تبسمت الأخيرة ضاحكة بخجل أوصل ما تقصده بوضوح، لتناظرها الأخرى دون أن تستجيب لمزحتها، ثم تحدثت:

ـ لو على المعنى اللي تقصديه فبالنسبالي العكس هو الصحيح، أنا في جوازتي الأولى مكنتش خايفة نهائي، كنت داخلة بقلب قوي وخجل البنات دا مكنتش أعرفه نهائي، أما في الجوازة دي.....

توقفت تتنهد بثقل ثم استطردت:

ـ اللي جوايا معرفاش أفسر له اسم، إن كان خوف ولا تردد ولا رغبة جوايا أن أهرب ومكملش، أنا أصلاً ندمانة إني وافقت.

تمتمت شقيقتها برعب وهي تقترب منها، لتجذبها من ذراعها وتجلسها:

ـ وه وه وه، إيه الكلام اللي يودي في داهية ده؟ الظاهر أن الحريم اللي برا نشوكي عين، طبيعي والله، أنا قلبي حدثني..... تعالي بقى أنا لازم أقرالك.

لم تعارضها، وتركت نفسها بين يديها، تحوطها بقراءة القرآن والأدعية الحافظة، لعلها تخفف عنها قليلاً، أو تريح رأسها المتعب بازدحام الأفكار داخله. حتى إذا انتهت سألتها:

ـ أمال البنات فين؟

أجابتها إسراء وهي تعتدل عن الفراش:

ـ ما أنتي عارفة، البنات مكنش ينفع يحضروا النهاردة، حمد لله عندهم أسبوع ابن عمهم ينشغلوا فيه.

ـ بس أنا وحشوني ونفسي أشوفهم دلوك.

تفوهت بها بلهجة متصلبة أصابت شقيقتها بالتوتر، لتسارع بتهدئتها:

ـ هالة يا حبيبتي، افتكري أن البنات مش مع حد غريب، واد عمك مفيش أحن منه، دا كفاية إنه طول الفترة اللي فاتت سايبهم معاكي تشبعي منهم رغم تعلقه الشديد بيهم، دا غير أن مرته بت حلال وأنت أكتر واحدة عارفة كدة، يعني مش محتاجة أطمنك عليهم.

بنظرة مشتتة صارت تناظرها بعجز، داخلها حديث كثير ولا تعرف التعبير عنه، تتمنى الخروج إليهما، نافضة عن رأسها فكرة الارتباط بأحد آخر غير أبيهما، ها هي تدفع أكبر ثمن لأخطائها بفراقها عنهما.

صوت طرق قوي على الباب جعل الاثنتين تلتفتان نحو مدخل الغرفة، يطل منه والدها بغبطة تعتلي قسمات وجهه:

ـ ياللا يا هالة عشان تروحي مع جوزك سيادة الظابط.

أغمضت عينيها بإرهاق ويأس، لقد حُسم أمرها وقُضي الأمر ولا مفر أو رجوع.

..............................


وعودة إلى المنزل الكبير؛

وقد كان خليفة منشغلاً بنفخ البلالين الملونة، يوزعها على ابنتيه بالتساوي، كل واحدة تمسك بيدها أكثر من واحدة ولا تكتفي، تركضان حوله بضحكات صاخبة، وهو يشاركهما المرح بمداعبته لكل واحدة تقترب منه لتتناول بالونتها، رغم انشغال عقله بالقادم وما قد يؤثر على شخصية كل منهما بزواج والدتهما، ولكنه أمر لابد منه وشرعه الخالق، إذن لابد من بذل المزيد من الجهد في رعايتهما.

لمسة دافئة على فخذه تلقاها من زوجته الحنون تقطع حبل شروده، ليلتف بعينيه إليها، فتبادله بنظرة تحمل مزيجاً من العطف والوعد، قائلة بصوت خفيض:

ـ ماتشيلش هم يا خليفة.. البنات دول في عينيا، أمهم ربنا ما يحرمهم منها، لكن أوعدك أنا عمري ما أقصر معاهم، اطمن عليهم طول ما أنا موجودة.

لم يظهر القلق الذي كانت تتوقعه، بل رسم على وجهه ابتسامة هادئة، وبنبرة واثقة يملؤها العزم رد عليها:

ـ مش محتاج وعد منك يا اعتماد عشان أنا عارف ومتأكد منك، زي ما أنا كمان عارف نفسي، أكيد ربنا هيعيني ويساعدني عليهم وأنتي معايا،..... وأمهم.... إن شاء الله هي كمان يصلح لها حالها، عشان متزودش الحمل عليا لو استمرت في جنانها.....

قال الأخيرة بتنهيدة خرجت من عمق صدره، بتضرع إلى الخالق أن يحدث ما يتمناه.

.......................

داخل شرفة غرفته، وقد كان يتلقى المكالمة الهاتفية الهامة، يستمع إلى محدثته من الجهة الأخرى بصبر لا يخلو من غيظ وضجر وهو يناقشها:

ـ فاهمك طبعاً يا آنسة مريم وعارف إن معاكي حق، بس حضرتك أنا مكنش ينفع أرجع ومراتي لسة....

ـ لسة إيه يا معاذ؟ مراتك دلوقتي عدى عليها أسبوع، دا غير أيام الغياب اللي سبقت ولادتها، ولا أنا لازم أفكرك إن إحنا شركة خاصة يا معاذ؟

ـ يا ستي عارف إنها خاصة بس كمان أنا مغلطتش، لا كان ينفع أسيب مرتي على وش ولادة، ولا ينفع أمشي من غير ما أحضر سبوعه.

كان حاداً في كلماته، حتى شعر هو بخطئه حين جاء ردها بصمت دام لحظات، قبل أن تقطعه بنبرة هادئة تمتص غضبه:

ـ والسبوع خلص يا معاذ، بعد ما اطمنت على مراتك، عندك سبب تاني يخليك تأجل؟

زفر أنفاسه يمسح بكفه على صفحة وجهه، يستعيد هدوءه، وقد شعر بالذنب حين انفعل عليها ولم تبادله الرد بغضب رغم خطئه، وهذا ما يستغربه.

ـ ماشي يا آنسة مريم، إن شاء الله أكون بكرة في الشركة.

أتى ردها برقة تفاجئه:

ـ أوكيه يا معاذ، على العموم أنا برضو مقدرة لهفتك وفرحتك بالبيبي، ألف مبروك يا سيدي.

اضطر أمام لطفها إلا أن يرد باعتذار:

ـ الله يبارك فيكي وأنا آسف لو انفعلت في ردي.

........................

أنهى المكالمة واتجه إلى زوجته التي كانت تشاهد التلفاز، ينظر إلى "التخت" الفارغ من الطفل يبحث عنه بعينيه سائلاً:

ـ مؤيد فين؟ وديتي الواد فين يا ليلى؟

ضحكت الأخيرة تسخر من لهفته:

ـ سربته يلعب مع العيال، مش في الأوضة معانا يبقى خدته أمي يا معاذ....

ـ وحمزة!

صاح يضيف عليها بانفعال:

ـ أمك وحمزة يا ليلى! يعني هيشبط فيه وهيقعد معاهم بالساعات.

قالها بانفعال أثار انتباه ليلى لتلطف معه:

ـ صلي على النبي يا معاذ، هي أمي ولا حمزة إيه؟ ما الاتنين واحد وفرحانين بيه.

تمتم بإرهاق يسقط على التخت بجوارها:

ـ أيوه بس أنا عاوز ألحق أشبع منه، وحمزة مش مديني فرصة.

ـ تاني برضو هيقولي حمزة!

غمغمت بها ثم اقتربت تلتصق به وتشاكسه:

ـ بقيتوا زي الديوك وبتتخانقوا على الواد، طب خليك أنت العاقل وصبر نفسك، هو أصلاً كلها كام شهر ويجي "النونو" بتاعهم يا معاذ، وساعتها كل واحد يلعب بالنونو بتاعه...

تحولت ملامحه من العبوس إلى المرح، يستوعب كلماتها وتبسيطها الأمر بطرافة جعلته يضمها إليه بذراعه، يقبل رأسها قائلاً بابتسامة:

ـ أنتي كمان يا أم النونو عايز أشبع منك ومش هاين عليا أسيبك، طقت في دماغي أفضها من الشغل الزفت ده، بلا سفر بلا هم.

رفعت رأسها إليه تردد بدهشة:

ـ تسيب شغلك في الشركة يا معاذ وأنت بتحقق ذاتك وممكن تبقى حاجة مهمة عشان صعبان عليك تفوت النونو ومرتك؟ دا أنت بنفسك ياما حكيت لي عن حلمك اللي اتحقق بالشغل في الشركة الكبيرة والفرصة العظيمة، ولا هتنسى وعدك ليا إننا هنحقق طموحنا مع بعض، أنا في جامعتي وأنت في شغلك كمهندس؟

أومأ موافقاً ورأسه تعج بالأفكار، لا يعرف كيف يعبر عما يشعر به من عدم ارتياح أصبح يلازمه في ذلك العمل؛ المرأة التي ترأسه، بالإضافة إلى ظهور "روان" تلك الحية التي كانت تخدع الجميع بصورتها اللامعة.

ليطرد من صدره تنهيدة مشبعة بحيرته، ويعود إلى ضمها مرة أخرى يلتمس منها الدفء والاحتواء، حتى صرخت بين ذراعيه:

ـ آه، براحة يا معاذ بلاش تضغط بدراعك كدة، أنا عضمي كله واجعني ومش مستحملة أصلاً.

ردد خلفها بسخرية:

ـ عضمك كله! وأنتي فيكي عضم أصلاً؟

اشتعلت عينا القطط خاصتها خلف تلميحه، لتهجم عليه بقبضتيها:

ـ أمال يعني كائن رخو قدامك؟ أنا ست نفسة دلوك يا بني آدم، خلي عندك دم ومتعصبنيش..... آه أديك وجعت لي إيدي كمان.

ضحك يقبل قبضتيها التي كانت تضربه ثم قبّل وجنتيها:

ـ سلامة يدك وعضمك يا حلوة، بهزر معاكي يا لولة، متبقيش حمقية، باه عليكي.

.........................

وفي جناح حمزة الذي عاد بعد انتهاء الاحتفال الصغير وذهاب ابنة عمه مع زوجها كمال إلى منزل الزوجية بالمحافظة، توجه مباشرة نحو غرفة نومه، وما إن شرع بفتح بابها حتى أتاه صوت مزيونة بتحذير:

ـ اقفل على طول يا حمزة، لا الواد ياخد برد.

انتبه الآخر أنها تبدل ملابس الطفل، ليسارع في غلق الباب مباشرة متوجهاً إليهما:

ـ نقفل بالضبة والمفتاح كمان، أهم حاجة مؤيد باشا.

وصل إلى التخت ليجلس من الناحية الأخرى بجوار الطفل، يتابعها وهي تلبسه باقي الملابس برقة متناهية لم تؤثر في الطفل وهو نائم أو توقظه، فتابع هامساً:

ـ تبارك الرحمن، الواد شكله كل يوم بيتغير عن اليوم اللي قبله.

تبسمت تحمله إلى كتفها، لتحكم "اللفة" التي تلفه بها بعد الانتهاء، فتضمه إليها بحنو شديد قائلة:

ـ عندك حق، بس هو برضه واخد من مواصفات أمه كتير قوي، أولها العيون الملونة اللي هي وراثاها من أبوها، أخيراً لقينا حاجة حلوة من عرفان!

ابتسامة مزيونة تحولت لضحكة واسعة حين رأت العبوس يعتلي ملامح وجه زوجها الذي لا يخفي غيرته حتى من فرد كريه إليها مثل عرفان.

ـ إيه يا حمزة؟ قلبت وشك ليه؟ ليكون مش عاجبك كمان الكلام عن مؤيد باشا؟

امتدت يده إليها يتناول الطفل منها قائلاً بامتعاض:

ـ والله أنتي عارفة زين سبب قلبة وشي وقرفي كمان، قال خدنا منه حاجة حلوة قال! هو الدب ده فيه من الحِلى أصلاً؟

توقف ونزل بعينيه نحو الصغير بحجره يتأمله بانبهار:

ـ دا اسمه مؤيد معاذ حمادة القناوي، يعني مرجلة أبوه وهيبة عمه، ومأصل عن جده حمادة القناوي. يمكن خد من بوز الإخص لون العينين، مع إن دي مش مضمونة لأنها جايز جداً تتغير، أما بقى عن باقي الصفات والجينات فكلها واخدها من عيلته، عيلة الرجالة...

وما إن أنهى كلماته حتى صدح صراخ الصغير بحجره، ليرفعه بين ذراعيه يهدهده ويسخر:

ـ وه وه، وأنا اللي بقول عليك راجل؟ أخص عليك يا واض تكسفني!

ضحكت مزيونة لتفتح كفيها إليه، فتجبره على إعادته إليها، وما إن سكن بحضنها حتى هدأ وتوقف، ليصيح به حمزة:

ـ يا ابن الكلب بتنصرها عليا؟ حجري أنا فيه شوك ياض؟

همست مزيونة تنهره بعتب:

ـ أخص عليك يا حمزة، متشتمهوش، ولا تشتم أبوه لا يزعل.

ـ وه يا ست الحنينة!

تمتم منصباً أبصاره عليها بدهشة، فتابعت برقة غير آبهة بسخريته:

ـ أيوه يا حمزة أنا مبهزرش، دا غالي عليا يمكن أكتر من ليلى كمان، طب هتصدقني لما أقولك إني بجرب معاه إحساس الأمومة من أول وجديد؟

توقفت ثم أردفت بصدق عما تشعر به:

ـ والله زي ما بقولك، ليلى لما اتولدت زمان أنا كنت صغيرة قوي ودايماً كنت تعبانة في رعايتها، أمي الله يرحمها تقريباً هي اللي كانت قايمة برعايتها بشكل كامل؛ هي تشيلها وهي اللي تسبحها وهي تهشكها، أنا يدوب كنت برضعها ولو شلتها "هبابة" يبقى زين قوي.

تأثر حمزة وتركها تتحدث دون أن يقاطعها، فقد تأكد لديه أن زوجته قد تعافت بالفعل من عقدها القديمة، لتتذكر ما فاتها من لحظات جميلة مع طفلتها لم تتمتع بها بسبب ما تعرضت له، وقد آن الأوان أن تستعيد تلك اللحظات....

ـ أنا معرفتش ليلى غير بعد ما ماتت أمي، وبرغم إن ربنا قدرني وعرفت أشيل مسؤوليتها زين، إلا إني بعد ما شلت ولدها حبيب ستّه الباشا اللي في حضني ده، بقيت حاسة إن أنا اللي أمه، وليلى أكنها كانت أختي الصغيرة و.... أوعى تقول عليا مجنونة يا حمزة!

سمع منها وصدحت منه ضحكة عالية جلجلت في أرجاء الغرفة حتى أثارت استياءها، إلا أنه أوضح لها أخيراً:

ـ المشكلة إنك لسة مفهمتيش إن الكلام ده بالعكس يفرحني مش يجعلني أستغربك. افتكري يا مزيونة إنك كنتِ رافضة مبدأ الجواز بيا من أصله، ثم عدم اقتناعك إن يبقى في ما بينا خلفة، قبل ما ربنا يريد من عنده ويتفضل علينا. معنى كدة إن قلبك انفتح للخلفة والعيال، لما إحساسك وصل لكدة مع واد بنتك، أشحال بقى اللي هينزل من بطنك؟ دا هتعملي معاه إيه بس؟

صمتت تستوعب كلماته، يبدو أن بها شيئاً من الحقيقة، أو الحقيقة نفسها؛ لقد انفتح قلبها على مصراعيه لمؤيد. تستنشق رائحته كالمسك يتغلغل في رئتيها، والطفل الذي يسكن أحشاءها الآن تستشعر كل نبضة منه بإحساس لا تجد له وصفاً.

...............................

وصلنا.

تلك كانت الكلمة التي تفوه بها بعد أن توقف بالسيارة أمام بناية راقية في المدينة التي أُسست حديثاً في المحافظة، لتناسب فئة معينة من الأشخاص ممن لديهم القدرة المالية لذلك.

حي هادئ، أمام كل بناية مساحة واسعة وأشجار تميزها، نظافة ورقي يناسبان وضعه؛ وضع الرائد كمال، رجل الأمن والنظام.

ـ إيه يا هالة مش ناوية تنزلي؟

ها هو للمرة الثانية يتحدث معها بلطف تستعجبه، يعاملها بصورة طبيعية كأنها بالفعل عروس، وهي لم تعد تميز الآن إن كان ما تمر به حقيقة أو كابوساً تترجى نهايته، أو هروباً ليتها تجد الفرصة إليه.

ـ تحبي أشيلك يا هالة؟

ـ لا أنا نازلة أهوه.

هتفت بها فور أن فاجأها باقترابه منها، لتنتفض مترجلة أمام عينيه المتصيدتين، فضحك بخفوت يتبعها هو الآخر، ليتلقاه حارس العقار ويحمل عنه الأشياء التي أخرجها من حقيبة السيارة؛ أطعمة وحلوى ومشروبات أتى بها من منزل أهل العروس سيراً على العادات والتقاليد.

ثم صار الرجل يسبقهما وهو خلفه يسير بخطوات متأنية، فباغتها بالقبض على كف يدها يسحبها معه بدون أي كلمة حتى، لم تملك إلا الاستجابة لسحبه، يخمد ارتجاف يدها داخل براح كفه الكبيرة بضغطة واحدة.

حتى إذا وصلا إلى منزل الزوجية في الطابق الثاني، دعاها بعد خروج حارس العقار الذي وضع الأشياء في المطبخ بإشارة من يده أن تلج قبله.

تحركت آلياً تخطو خطوتها الأولى داخل الشقة، استقبلتها رائحة النظافة المبالغ فيها، أثاث جديد لم يُستخدم بعد كما ترى أمامها. جالت بنظراتها في أرجاء الصالة؛ كل شيء في مكانه الصحيح، اللوحات معلقة بزوايا هندسية دقيقة، والسجاد مفروش بمحاذاة الأثاث بشكل يثير الرهبة لا الراحة. كل قطعة موضوعة في مكانها المضبوط ومرتبة بعناية تثير الاستفزاز، ليس ما اعتادت عليه، هذا منزل غريب عنها.... ورجل غريب عنها لا تحمل له وداً ولا محبة سوى أنه رد لها كرامتها وكبرياء ذاتها. ما هذا الذي فعلته بنفسها؟ كم تتمنى إطلاق العنان لقدميها والهروب!

من خلفها وقف هو يراقب ظلها المرتجف بتركيز تام، لا يتحرك ولا يصدر ثمة صوت، فقط يراقبها. مشاعره في تلك اللحظة كانت تحمل مزيجاً ساماً ما بين الرغبة العنيفة التي لم تخمد يوماً منذ أن رآها للمرة الأولى قبل سنوات، ولذة الانتصار؛ إنها في الأخير أصبحت ملكه. هنا في مملكته، تحت اسمه، بعد أن أهدرت كبرياءه قديماً برفضها القاطع، دارت بها الأيام لتأتي إليه خاضعة، وليس حباً كما تمنى وحلم كثيراً. ربما هو لا يعجبه ذلك، ولكنه أيضاً لا ينكر نشوة ذلك الإحساس الذي يكتنفه الآن بالحصول عليها...

أغلق الباب الذي ظل واقفاً خلفه لحظات كثيرة منذ دخوله ومراقبته إياها، ليصدر صوتاً قوياً جعلها تجفل ملتفتة نحوه، فالتقت عيناها بعينيه المشتعلتين بالنظر إليها وهو يقول:

ـ نورتي بيتك يا عروسة!

حاولت أن تتماسك أمامه ولا تظهر تأثراً، لكن عينيها كانتا تفضحان شعورها بالضياع والخوف. هو عمل طوال الأيام الفائتة على تغذية ذلك الشعور داخلها نحوه، لا ينكر، لأنه يعلم جيداً أنها لا يصلح معها غير ذلك؛ الطريق معها طويل وهو عزم على النجاح مهما كان الثمن.

تقدم بخطوات بطيئة رتيبة حتى أصبح أمامها، مقابلاً لها تماماً، واضعاً عينيه صوب خاصتيها، لتمر بينهما لحظة من الصمت قبل أن يتحدث بصوت خرج متحشرجاً:

ـ بقولك نورتي بيتك يا عروسة، ولا أنتي مش حاسة إنه بيتك يا هالة؟

وكأن سؤاله اختبار بسيط منه إليها ليحكم على أساس الإجابة، وكالعادة ردت بصلابة تفاجئه رغم خوفها منه:

ـ بصراحة..... لأ.

ماذا كان يتوقع؟ هذه هي هالة التي يعرفها جيداً. ضاقت حدقتاه بغضب مكتوم في تأمل تلك العنيدة برأسها اليابس الذي يحتاج كسراً ليعيد تأهيله من البداية، ثم ومن دون كلمة، طوقها من خصرها بذراعه القوي يلصقها بجسده الصلب، ثم خرج صوته منخفضاً رخيماً ومحملاً بذبذبات قوية تجعل الجدران تهتز:

ـ وماله يا هالة، أنا بقى مهمتي أعرفك كويس إن البيت دا بيتك وملكيش غيره، وعمرك ما هترجعي منه على بيت أهلك غير زيارة....... وأنا....... أنا جوزك وقدرك اللي مفيش منه مهرب..... سمعاااني؟

هتف بالأخيرة يهز جسدها حتى دافعت بصوت مهتز تبرر:

ـ أنا قصدي إن جوازنا متمش بصورة طبيعية، ولا أنت ناسي الاتفاق؟ فعادي يعني لازم آخد وقتي.

بأنفاس ساخنة تلفح بشرتها، رد يجيبها عملياً:

ـ لا مش ناسي يا هالة، ومفيش وقت لسة هتاخديه، لأن أنا هجعله دلوقتي على طول، هخليكي تصدقي إنه جواز بحق وحقيقي وعلى يد مأذون، مش ورقة اتقطعت أصلاً من أول يوم وقعتي عليها.

وقبل أن تستوعب مغزى جملته الأخيرة، باغتها يفصل عنها الإدراك التام بقبلة عاصفة كادت أن تزهق روحها؛ عالم جديد عنها لأول مرة تخطو داخله، عالم يختلط فيه الشغف بالانتقام.

حين تركها أخيراً بالكاد تلتقط أنفاسها، واجهت ظلام عينيه الذي كان يحدق بها بنظرات لم تفهمها، ثم لم يعطها فرصة أخرى للتساؤل، فحملها بين ذراعيه متوجهاً بها إلى غرفته، ليؤكد على ما تفوه به منذ قليل بالأفعال، غير آبهٍ بفزعها الذي تخفيه دائماً بحماقة أقوالها.

..... يتب


الفصل الستون 


مع تباشير الفجر الأولى، نزلت "ليلى" درجات السلم متوجهة مباشرة نحو الجناح الذي تسكن به والدتها مع حمزة، لتطرق الباب متوقعة استيقاظ أحدهما على الأقل لصلاة الفجر.

وبالفعل لم تنتظر سوى لحظات حتى فتحت لها والدتها تحدثها بجزع:

ـ وه يا ليلى، إيه منزلك دلوك من شقتك يا حزينة؟ مش خايفة لا تاخدي برد؟ وولدك كيف سبتيه لوحده فوق؟

ـ يا أمة أنا.....

لم تكمل العبارة حتى خرج إليها حمزة هو الآخر فزعاً بعدما انتبه على صوت زوجته:

ـ ده أنا كدّبت وداني لما سمعت، نازلة في الفجر ليه يا ليلى؟

جاء الرد هذه المرة، ولكن من جهة أخرى:

ـ أنا اللي منزلها يا بوي، وواقف بالعيل قدامكم أها.

التفت الجميع نحو السلم، وعلى إحدى عتباته، حيث يقف معاذ حاملاً طفله، وما إن وقعت عيناه عليه حمزة حتى انتفض نحوه بانفعال:

ـ يخرب بطنك، إحنا خايفين على الكبيرة وأنت نازل بالصغير، ثم....... أنت لابس هدومك الخروج ليه؟ أنت طالع دلوك يا واد؟

تكلفت ليلى بالرد عنه:

ـ ما إحنا نازلينكم عشان كدة، معاذ طلبوه في الشغل، ودلوك هو مسافر، وعشان ميتعبش في المواصلات، جيت أطلب مفتاح العربية منك يا عم حمزة.

ـ وهيسوق هو لوحده كمان؟

خرج التساؤل من خليفة الذي سمع بالصدفة أثناء صعوده الدرج بعد عودته من صلاة الفجر، ليردف موجهاً حديثه إلى معاذ:

ـ ادي الواد لأمه وتعالى هطلع أنا بيك، في شنط تانية غير اللي جنبك دي؟

أشار خليفة في الأخيرة نحو الحقيبة التي كانت موضوعة بجواره على إحدى العتبات، فنفى معاذ بهزة بسيطة من رأسه، يقول بصوت خرج كالهمس:

ـ لأ هي دي وحدها....

أثار مشهده اهتمام الأربعة، وقد انصب تركيزه فقط على طفله الذي كان يحتضنه، يغرس قُبلاته على جبينه الصغير وكأنه يستمد منه زاداً يصبره على الابتعاد عنه.

الأمر الذي دفع حمزة لمشاكسته:

ـ ما خلاص يا أخوي، داير بوس في العيل الصغير لما هتنكده، سيب الواد ينام، ولا أقولك هات أخده أنا.

قالها حمزة وقد اقترب ليتناوله منه إلا أن معاذاً ابتعد بالطفل عنه:

ـ سيبه في يدي شوية كمان يا حمزة، عايز أشبع منه.

ـ وه عاد.. شغل الأبهات المستجدين، هو وكلة هتاكلها يا واد؟!

هتف بها حمزة ليثير ضحكات الثلاثة؛ ليلى ووالدتها وخليفة الذي أشار له بيده، وهو يحاول الاتصال بالهاتف في اليد الأخرى:

ـ براحة يا عم الخبرة، اصبر عليه شوية ده أول فرحته برضه، حتى على ما أخلص أنا مكالمتي مع اعتماد وأديها خبر.

ـ واعتماد أهي بحالها قدامك.

جاء قول المذكورة وهي تنزل من طابقها والهاتف يدوي بيدها بصوت النغمة المخصصة لها، حتى توقفت بضغطة من خليفة صاحب الاتصال، منتبهاً لها وهي تتابع:

ـ أنا طلعت على صوتكم، خير إن شاء الله، تروح على شغلك وتيجي بألف سلامة يا معاذ، أمي تحت زمانها سمعت هي كمان، عشان تسلم عليها بالمرة.

أومأ لها معاذ ليرد بصوت ثقيل، ثم يعطي طفله إلى حمزة، يهم بالذهاب مع شقيقه الأوسط، يجبر قدميه على التحرك وترك زوجته وطفله من أجل العمل.

..........................


في الفيوم، وتحديداً داخل إحدى المستشفيات العامة للمحافظة..

هناك، فوق أحد مقاعد الانتظار المعدنية القاسية، انحنى جسد "عطوة" الذي غلبه النعاس بعد سهر طال ليالٍ، كان يغفو ورأسه مائل نحو صدره، بثيابه التي لم يغيرها منذ يومين.

يخيم السكون على ممر المستشفى البارد في ذلك الوقت المبكر من الصباح، إلا من طنين رتيب لأجهزة المراقبة المنبعث من خلف الأبواب الزجاجية لغرفة العناية المركزة.

تسللت هي بخطوات وئيدة، تحمل في يدها كيساً صغيراً تفوح منه رائحة الخبز الطازج حتى وصلت إليه، ثم وقفت تتأمله للحظات، ومزيج من الشعور بالذنب والامتنان يعتصر قلبها؛ فهذا الرجل الذي دخل حياتها منذ فترة قصيرة، بات يحمل أثقالها كأنها قدره المحتوم. ألا يكفي تحمله مخاطرة مساعدته لها في الهروب من براثن "عرفان"، لتأتي به إلى هنا كي يتحمل معها مرض والدها الذي ألمّ به بعد فترة لم تتجاوز الشهر بعد زواجهم، حتى أيقنت داخلها أنها "نحس" عليه.

ـ عطوة..

هتفت منادية، تضع يدها على كتفه برفق، كأنها تخشى إيقاظ تعبه، تعيد الكرة بهمس حنون:

ـ عطوة.. يا عطوة.. قوم يا حبيبي، الصبح شقشق، وأنت ضهرك أكيد مش حاسس بيه من التعب، عطوووة!

فزع عند الأخيرة، مستيقظاً بتيه:

ـ إيه؟ فيه إيه؟ الحاج جراله حاجة؟ الدكتور خرج ولا لسه؟

بلمسة رقيقة بيدها على عظام صدره صارت نورا تطمئنه:

ـ اهدا يا حبيبي، مفيش حاجة والله.. الحالة مستقرة والحمد لله، الدكتور من شوية طمني، أنا بس قلت أجيبلك لقمة تقويك، أكيد هلكان جوع بعد شندلة امبارح.

تنفس "عطوة" الصعداء، ومسح وجهه بكفيه كأنه يطرد ما تبقى من نوم، ثم نظر إلى الممر الخالي وعاد ببصره إليها:

ـ لا أنا الحمد لله مش جعان.. المهم طمنيني على أمك لساها تعبانة برضه؟

ـ وكمان هتشيل هم أمي!

غمغمت بها نورا تغالب دموعها وهي تفتح كيس الطعام مردفة:

ـ أمي كل اللي عندها دور إنفلونزا تقيل شوية لكن أكيد هتخف منه إن شاء الله، المهم أنت.... مش عارفة ليه حظك جاي معايا كدة؟ ده إحنا لسه يا دوب بنقول يا هادي في جوازنا، بدل ما نخرج ونتهنى، بقيت مرمي في المستشفيات وشايل همي وهم أبويا.. وأمي اللي واخدة دور برد تقيل، ده غير مصيبتي القديمة اللي أنت عارفها بهروبي من عرفان....... أنت شيلت شيلة تقيلة قوي يا عطوة، وتعبت معانا تعب محدش يعمله غير الأصيل.

ـ أصيل!

رددها عطوة، يبتسم ابتسامة باهتة، يردف بسخرية:

ـ طب خليها في سرك، لو سمعك حد من بلدنا هيستلمك تريقة، وبصراحة هيبقى عنده حق، عشان أنا عمري ما كنت أصيل مع حد، من يوم ما اتولدت وأنا واخد الندالة منهج!

ـ طب ومستندلتش معايا ليه؟ اشمعنى أنا وأهلي تعمل معانا كدة؟

اعتدل بجذعه متوجهاً بجلسته نحوها يجيب بصراحة تامة:

ـ عشان أنتِ وأهلك شفتوني زين رغم كل عيوبي، وأنتِ بالذات يا نورا حسستيني إني بني آدم وليّ حق إني أحِب وأتحب. يمكن شايفة وقفتي معاكي في تعب أبوكي جميلة، لكنك عمرك ما هتعرفي حجم جميلك عليّ، خلتيني أحس إني إنسان حقيقي.. وزي ما شفت الهنا والسعد معاكي في أيام العسل، حق عليّ كمان أشيل عنك همك.

لا تعرف أتفرح بكلماته أو تبتئس على حال رجل مثله، ولد من أصل طيب ورجل غني لكن طلاق والدته "الغريبة" جعلته ينشأ منبوذاً بين عائلته، حتى حينما ورث الأموال لم يجد الاحترام نظراً لتاريخه السيئ بسبب تربيته غير السوية.... عجباً!

ـ خد يا عطوة كل السندوتشات ولا خد من العيش المسكر اللي جيباه من الفرن، سخن ويستاهل تحلي بيه خشمك اللي بيقول كلام حلو زيك، يا حلو أنت.

قالتها بفكاهة جعلته يضحك ويتناول منها دون تردد، فمن هذا الذي يستطيع رفض تلك الدعوة الجميلة من امرأة رائعة الجمال مثلها، وتزيد عليه بالتدليل الذي لم يجده إلا من والدته وهو صغير؟

ـ وكمان خلتيني حلو يا نورا! والله أنتِ تستاهلي عمري كله فداكي.

.........................


دخل خليفة إلى جناحه بخطوات هادئة بعدما اطمأن على إيصال شقيقه، لفت نظره الهدوء السائد في المكان، والحركة الوحيدة تأتي من غرفة صغيراته، رغم أن هذا وقت حضورهن الدراسي.

إذن لا يتبقى إلا زوجته العزيزة، أيعقل أنها لم تذهب إلى عملها أيضاً؟

جاءته الإجابة سريعاً حين وجدها ترتب أسرّتهما، معطية ظهرها له وهي تتحرك ببطء ويبدو عليها التعب الواضح، حتى أنها لم تنتبه إليه حين دلف إليها، وتسلل بهدوء حين وصل ليطوقها من خصرها بذراعيه، فانتفضت شاهقة بوجل، ليسارع بطمأنتها:

ـ اهدي يا قلب خليفة، أنا هو مش حد غيره.

وضعت يدها على موضع قلبها تلتقط أنفاسها بابتسامة، إلا أن شعور الدوار الذي لازمها منذ الصباح بسبب الحمل -والذي جعلها تفضل البقاء في المنزل اليوم- عاد ليداهمها فجأة فاهتزت في وقفتها، ليتلقفها بين ذراعيه ثم يجلسها على التخت خلفها قائلاً بحنو:

ـ إيه الحكاية؟ أنتِ هتخوفيني عليكي ولا إيه؟

عادت تهديه ابتسامة مطمئنة:

ـ يا عم وتخاف ليه بس؟ ما دي أعراض حمل ومعروفة يعني على الحريم، ولا أنت أول مرة تشوف؟

أسند رأسها فوق كتفه يجيبها:

ـ لاه، مش تايه عن الحاجات اللي بتحصل للحريم في الشهور دي، بس أنتِ تختلفي عنهم كلهم، أنا أتحمل على الدنيا كلها إلا أنتِ.

بامتنان يغمرها، رفعت كف يده إلى فمها تقبلها في تعبير واضح عن اعتزازها بقوله:

ـ ربنا ما يحرمني منك يا خليفة يا نصيبي الحلو.

ضمها أكثر يشدد بكلماته:

ـ ويخليكي ليا يا قلب خليفة، بس أنا حاسك متغيرة يا اعتماد، وكأن اللي بيكي مش بس تعب، حد مزعلك؟

لم ترد، فعاد يكرر السؤال بصيغة أخرى:

ـ حد خربط معاكي بخصوص أمهم؟

ـ لا يا خليفة، دول ملايكة ربنا يخليهم، بكلمتين بيتراضوا، والبركة فيك قايم بالواجب في إنك بتتفاهم معاهم بطريقتك، الموضوع ميخصهمش أساساً.

ـ أومال إيه طيب؟ قولي على اللي تاعبك يا اعتماد؟

أخرجت من صدرها تنهيدة مثقلة لتخيم لحظة من الصمت قبل أن تتشجع وتخبره:

ـ أختي رغد يا خليفة، حساها غريبة ولا مخبية عني حاجة.

ـ حاجة إيه بالظبط؟

ردد بها متسائلاً باهتمام، لتعود إلى حيرتها وتخبره:

ـ ما هو ده اللي شاغلني يا خليفة، دي أختي اللي ربيتها على يدي، البت فيها حاجة مش مريحاني، ولما بسألها بتنكر وتقول إنها تمام، ودي مش عوايدها.

قطب جبينه قليلاً بتفكير قبل أن يحسم الأمر:

ـ خلاص سيبي الموضوع ده عليّ وأنا هعرف مالها، بس أنتِ متشليش هم.

تبسمت تضم خصره، ليشدد هو بضمتها ويقبل أعلى رأسها:

ـ أنا عمري ما أخاف ولا أشيل هم طول ما أنت معايا يا خليفة، ربنا يخليك ليا.

..........................

أمام مرآتها، وقفت تتأمل نفسها والآثار التي خلفتها المعركة الضارية مع ذلك "البربري" على عنقها وبعض الأجزاء المكشوفة من المنامة التي ترتديها.

نعم، بربري.. هذا هو الوصف الحقيقي له!

لقد جعلها تشعر وكأنها تتزوج لأول مرة، فرض عليها مشاعر لم تخضها رغم سنين زواجها السابق. أيعقل أنه كان بمثل هذه الهمجية مع زوجاته السابقات؟ إذن لا عجب من أنه لم يُعمّر مع أيٍّ منهما.

ـ حلوووة!

دوت الكلمة تجفلها من شرودها لتلتفت نحو مصدر الصوت عند مدخل الباب، لتجده متكئاً على إطاره بكتفه، واقفاً بميل وعلى شفتيه ابتسامة عابثة، يضيف بغمزة بطرف عينه:

ـ وجامدددة!

أنهى جملته ضاحكاً ليزيد من استفزازها، حتى ودت أن تلقي عليه بزجاجة العطر التي كانت أمامها لتهشم وجهه الجميل هذا الذي يفتخر به، ولكنها للأسف لا تضمن العواقب مع مجنون مثله.

زفرت بقلة حيلة تلتفت عنه، كاتمة غضبها داخلها، لتتناول علبة كريم الترطيب وتدهن منها على ذراعيها ووجهها، لتلهي نفسها عنه، ولكنها تفاجأت حين رأت انعكاس وجهه خلفها، فخرجت منها شهقة قطعتها فجأة حتى لا تعطيه فرصة السخرية منها، إلا أنها لم تكن تعرف أنها أثارت تسليته أكثر.

ـ إيه يا هالة؟ مش واخدة بالك إني بتكلم معاكي!

التقت عيناها بخاصتيه عبر المرآة لتهديه ابتسامة صفراء قائلة بضيق مكشوف:

ـ معلش، أصل مشغولة زي ما أنت شايف.

ـ آه، ما هو واضح.

تمتم بها وجلجلت ضحكته من جديد، فلم تحتمل المزيد منه، لتحرك شارعة في الذهاب إلا أنه أوقفها ممسكاً بمرفقها:

ـ استني عندك.....

ناظرته بغيظ صامتة، ليستطرد هو:

ـ عايز أقولك إني انبسطت أوي امبارح، وتقريباً دي أحلى ليلة عدت عليّ من سنين كتير.

ـ أما أنا بقى فدي أسوأ ليلـ..... آه!

تأوهت قاطعة جملتها مجبرة، وقد حطت كفه تقبض على وجنتيها بضغطة قوية، يهدر محذراً بخفوت:

ـ بلاش قلة أدبك كدة من أول يوم عشان مقلبش عليكي..... وحكاية الليالي دي بالذات إياكي تجيبي سيرتها، عشان أنا مش هقبل مقارنة ولا حتى تلميح إنك كنتِ متجوزة واحد غيري من أصله!

طالعته بذهول وعدم تصديق، حتى إذا تركها عقبت على ما تفوه به:

ـ على أساس إن ده بقى هينفي إني كنت متجوزة؟ طب ده أنا كمان مخلفة بدل العيل اتنين!

رد بلهجة أخف بعض الشيء:

ـ وأنا عمري ما هنكر واقع، أنا بس بحذرك تجيبي سيرة الليالي، ولا حتى تفكري في اللي فات ولا تقارني..... أنتِ دلوقتي مالكيش غيري، أنا وبس اللي جوزك ودنيتك كلها، لازم تدخلي ده في عقلك كويس أوي.

بماذا ستجادله وهو يتحدث بإصرار وكأنه مجنون ومطلوب منها أن تطيعه على جنونه؟ وهي لا ينقصها.

قلبت عينيها بضجر تهم مرة أخرى بالذهاب، إلا أنه منع تحركها ليجذبها أكثر ويدفعها إليه قائلاً بنبرة غير بريئة:

ـ أنا كنت بقولك إني انبسطت، ودي بصراحة أول مرة تحصل مع واحدة أتجوزها.. صباحية مباركة يا عروسة.

ختم قوله بقبلة ناعمة على ثغرها، فزمت هي شفتيها بعجز، تمنع بصعوبة لسانها أن يتفوه بما يضرها، فتابع هو:

ـ أنا قايم مبسوط يبقى أنتِ كمان لازم تكوني مبسوطة، ولذلك أنا ممكن آجي على نفسي وأخرجك.

ـ تيجي على نفسك وتخرجني؟ لا يا سيدي كتر خيرك!

خرجت منها سريعاً وبدون تفكير، ليصعقها هو برده:

ـ خلاص أنتِ حرة، أنا كمان مش عايز أخرج من البيت عشان أشبع منك.

همس بالأخيرة ثم أفلتها من قبضته يأمرها:

ـ يلا بقى بسرعة حضري فطار ولا غدا، أي حاجة من اللي ماليين التلاجة من عمايل حماتي ربنا يخليهالي، أنا راجل عريس ولازم أبرّ نفسي.

وكأنها بدأت تستوعب متأخراً، سألته باستفسار:

ـ هو أنت فعلاً كنت هتخرجني؟

ضحك بتسلية يقرصها على وجنتها بطرفي إصبعيه:

ـ كنت ناوي فعلاً عشان أخرجك تغيري جو، بس أنتِ رفضتي يعني ضيعتِ فرصتك بإيدك، وأنا بصراحة بتلكك عشان أشبع منك يا "لولة".

نزعت يده عن وجنتها منفعلة:

ـ طب وشغلك؟ مش وراك شغل؟

أجابها مبتسماً بخبث وبنظرة ذات مغزى تشملها من أعلى لأسفل:

ـ شغل وأنا النهاردة صباحيتي يا لولة؟ ومع واحدة زيك؟ ده أنا أبقى راجل معنديش نظر...... ناخدلنا كام يوم نشبع من بعض، هو الشغل هيطير يعني؟ ولا القسم مفهوش حد غيري مثلاً يقوم بالواجب؟

اكتنفها الغيظ ممتزجاً بتشتت يطيح بها، لتتراجع عن الرفض:

ـ طب كدة يبقى موافقة نخرج نتفسح.

أمال رأسه بمرح نحوها قائلاً:

ـ وأنا قلتلك إنك ضيعتِ فرصتك يا قلبي، عشان تاخدي بالك المرة الجاية لما لساني يفلت تستغلي وتوافقي فوراً، ولو عايزة الدلع فعلاً يبقى ترضيني.. استوعبتِ بقى يا لولة؟ بسرعة أنا جعت أوي ونفسي آكل عشان أشبع....

قال الأخيرة بغمزة بطرف عينه يرافقها نظرة وقحة جعلتها تنتفض من شرودها، لتحرك وتذهب سريعاً من أمامه تغمرها الحسرة.. ليتها أمسكت لسانها قبل أن تخبره برفضها!

...................


داخل مقر الشركة التي يعمل بها في القاهرة، وقد أتى اليوم ليباشر عمله بعدما قطع إجازته تلبية لطلب استدعائه من قبل الإدارة، ليحضر من بداية اليوم ويعمل باجتهاد وتفانٍ من أجل الإنجاز والسرعة في تحقيق الهدف الذي يصبو إليه.

حتى قطع عليه أحد السعاة عمله يطالبه بالحضور داخل حجرة الاجتماعات لشيء هام. ارتاب معاذ من ذلك الطلب المفاجئ، بالإضافة إلى عدة عوامل أخرى كان يلاحظها منذ قدومه؛ مثل اختفاء زملاء المكتب واحداً تلو الآخر من أمامه، وأحياناً الهمس الذي كان يلاحظه من قبل بعضهم ويتوقف بمجرد انتباههم إليه.

حتى عندما قام بسؤال الرجل "الساعي" عن سبب استدعائه لغرفة الاجتماعات، أخبره الرجل أنه لا يعلم شيئاً، ليضطر في الأخير أن يستجيب للطلب ذاهباً ليستكشف الأمر.

وصل إلى غرفة الاجتماعات الكبيرة، ليفاجأ بعدد كبير من أفراد القسم الذي يعمل به، إن لم يكن أجمعهم، واقفين ورؤوسهم ملتفة نحو مدخل الباب الذي يدلف منه بصمت وترقب يثير الدهشة، حتى إذا تقدم إلى وسط الغرفة بذهوله، تفاجأ بمديرة العمل -أو ابنة مالك الشركة- تخرج له من بين الجمع هاتفة:

ـ حمد لله على السلامة يا معاذ، وألف مبروك على البيبي، متستغربش النهاردة يوم استثنائي عشانك.

تعقد حاجباه بغرابة وعدم استيعاب:

ـ يوم استثنائي عشاني!

تساءل بغمغمة داخل نفسه، قبل أن يباغته هجوم الموظفين بالتهاني والمباركات، واثنتان من الموظفات يقمن بتوزيع قطع الشوكولاتة، حتى هو قد نال نصيبه مثلهم، قبل أن يصدح صوت الآنسة مريم المديرة مرة أخرى:

ـ ده كدة يبقى احتفال البيبي الجديد، أما بقى احتفالنا الثاني والأهم، هو احتفالنا بيك أنت يا معاذ وباللي عملته في الصفقة الأخيرة، واللي بسببها إن شاء الله هتحصل نقلة نوعية للشركة. أينعم أنت مكملتش الاحتفال بالتوقيع عشان السبب اللي كلنا عارفينه دلوقتي، لكن احنا مبننساش مكافأة المجتهد...

أكملت تنادي على مساعدتها، لتأتي إليهما الفتاة حاملة كيس هدايا تبدو عليه الفخامة، لتتناوله منها، وتخرج ساعة راقية عليها علامة تجارية لماركة عالمية.

صعق معاذ أمام هذه المفاجأة غير المتوقعة، الهدية مميزة بالفعل ولكن تلك العلامة التجارية المدونة عليها تثبت -بنظرة واحدة إليها- أنها باهظة الثمن جداً.

تجمد معاذ ولم يعرف كيف يتصرف أمام نظرات زملائه الموظفين نحوه، وكف تلك المرأة ممتدة نحوه بالساعة؛ ماذا عليه أن يفعل؟

ـ معاذ أنت سرحت ولا إيه؟ اتفضل يا بني خد ساعتك.

لم يتحمل فكرة إحراجها بالرفض، فهي امرأة قبل أن تكون مديرة ولا يصح معها فعل شنيع كهذا، ليضطر أن يتقبلها منها وتصدح أصوات التهاني مرة أخرى من باقي الموظفين أمام فرحة مريم وروان التي كانت في زاوية بعيدة إلى حد ما عن معاذ، تشاهد ما يحدث بابتسامة متوسعة والهاتف في يدها تلتقط به الصور.

.........................


"مؤيد باشا يا بلاش، واحد غيره ما ينفعناش.. مؤيد باشا يا بلاش، واحد غيره ما ينفعناش"

تلك الكلمات التي تشبه الأغنية في لحنها، كانت تهمس بها مرددة بسعادة وهي تهبط الدرج بخطوات متزنة، تحمل بين ذراعيها "مؤيد" الصغير ابن ليلى، ملامحها تشع حناناً وكأن الطفل قطعة منها. دخلت الجناح لتجد زوجها غارقاً في تدريس "ريان"، وما إن وقع نظره عليها حتى أشرقت أساريره، وفتح ذراعيه ليستقبل "الباشا الصغير" كما يحلو له تسميته.

ـ البرنس حبيب عمه، هاتي يا أم الغايب هاتي.

ضحكت مزيونة تعطيه له، كي يأخذ دوره في مداعبته هو الآخر، وجلست بجوار ريان الذي كان يتابع بارتياح وقد التهى والده عنه في تلك اللحظات، لتباغته مزيونة:

ـ شكلي قطعت عليكم، هاته يا حمزة وخلص مذاكرة لريان....

قاطعها الأخير بلهفة:

ـ لا يا ماما مزيونة إحنا تقريباً خلصنا، خليه يلاعب مؤيد، حبيبي يا مؤيد...

ضحكت مزيونة تأثراً بأسلوبه، فعقب حمزة متوعداً:

ـ آه يا ابن الـ..... طبعاً ما صدقت وجاتلك على الطبطاب عشان تكبّر من المذاكرة وتريح مخك.

أشار ريان بسبابته نحو صدره بمظلومية:

ـ أنا يا بوي؟ ده أنا بس صعبان عليّ تعبك معايا، على العموم هذاكر مع نفسي لحد ما تخلص مع مؤيد.

قالها ريان وانكفأ على الكتاب أمامه، يدّعي المذاكرة في حركة شقية منه فهمت عليها مزيونة، لتزيد من إعجابها بهذا الذكي.

وجه حمزة إليها السؤال:

ـ منزلتش ليلى ليه معاكي تتعشى معانا؟

أجابته مزيونة:

ـ لا ما أنا سبتها تنام وتلحق تريح ساعتين، الواد بيسهرها الليل كله، وهي بنيتي بتهلك منه.

تبسم حمزة مخاطباً الصغير:

ـ طالع واعر زي أبوه وعمامه، فرع القناوي عاد.... يلا خلينا نشبع منه إحنا اللحظة دي.

عقبت مزيونة على قوله:

ـ آه والله ده أنا اتعلقت بيه قوي، مش عارفة بعد ما البت ما "تربعن"، هيجيني قلب إزاي أسيبهم؟ خلينا نقعد هنا يا حمزة بلاها رجعة على بيتنا.

ناظرها حمزة بابتسامة خبيثة وبكلمات تفهم عليها وحدها:

ـ ويعني إحنا بنبني البيت عشان نسيبه! إن كان على ليلى متنسيش إنها هتروح الجامعة يعني الواد هيفضل طول الوقت معاكي، كل واحد أولى بيه بيته يا مزيونة.

صمتت ولم تزد بحديثها حتى لا يخجلها بجرأته أمام ريان الصغير، لأنها تعرف طبعه جيداً في الوقاحة.

في تلك اللحظة، قطع عليها شرودها حين هتف يخطف انتباهها بزهو طفولي:

ـ شوفي يا ماما مزيونة الرسمة لأسرتنا السعيدة.. أنا وأنتِ وبابا والنونو اللي في بطنك.

تطلعت مزيونة نحو الورقة التي سحبها من بين مجموعة الكتب أمامه، لتلتقطها منه وتتأمل بها بانبهار:

ـ الله يا ريان، ده أنت صح.. وأنا ببطني المنفوخة وأبوك بس ده.....

قطعت ضاحكة تعلق على صورة والده:

ـ وه يا ريان، حمزة مطلعه ليه كدة يا ولدي؟ ده أبوك ده ولا "أبو دراع"؟

وقطعت ضاحكة مرة أخرى حتى أثارت غيظ حمزة وهو يطالع الصورة بيدها يوبخ ابنه:

ـ يا ابن الفرطوس، خليتها تضحك على أبوك! أنا مشلفط كدة يا واض؟

دافع ريان بعفويته عن مجهوده في الرسم:

ـ يا بوي ما الميس "تولين" هي اللي قالتلي حاول ترسم تفاصيل والدك.. وسيم وعضلات...

ـ ميس مين؟!

صاحت بها مزيونة وقد تبدلت ملامحها من العبث إلى شيء آخر، وقد اشتعلت رأسها بذكر المذكورة ووصفها لحمزة، الذي وضع همه في مداعبة الصغير يتقي غضب زوجته.. والتي أردفت موجهة تعليماتها لريان:

ـ اسمع يا حبيبي، أنت أبوك أدرى بيه، ارسمه راجل عادي، خربط وشه ولا ارسمه تخين، ولو اتكلمت الميس زفت قولها أمي مزيونة هي اللي قالتلي أرسمه كدة، ولو اعترضت بلغني وأنا اللي هتصرف معاها.. قال وسيم وعضلات قال! هي مالها بشكله أصلاً؟!

سمع منها ريان واتجه ببصره نحو والده الذي أومأ له كي يطيعها ويتجنب غضب تلك "النمرة":

ـ اسمع منها يا ولدي، واعمل زي ما بتقول.... متبقاش مقفل وتودينا في داهية!

............................

جالساً على طاولة السفرة يأكل من الطعام الذي قامت بتسخينه، يردد مع كل قطعة يتناولها بتلذذ واستمتاع:

ـ اممم يا عيني على صينية البشاميل ولا الرقاق ولا الحمام.. يا حبيبي على الحمام! الست والدتك دي بتفهم أوي يا "لولة"، أكثر حاجة متوصية بيها الحمام، ست بتفهم صحيح.

أما عنها فكانت تشاهده بغيظ مكتوم، تطالع مبالغته في الإطراء على الطعام وكلماته الموحية دون تعليق منها، حتى هتف مخاطباً لها:

ـ ما بتاكليش ليه يا هالة؟ أكل والدتك مش عاجبك؟ أخص...

نفت تردد خلفه بانفعال:

ـ مش معنى إن ماليش نفس يبقى أكل أمي مش عاجبني، وأنا هقعد معاك ليه صحيح؟ أنا قايمة وسيبهالك.

ـ إياكِ تتحركي من مكانك!

خرجت منه بقوة أوقفتها فور أن همت بالتحرك، لتضطر إلى الجلوس مرة أخرى على غير إرادتها، ليردف بعدها بأمر:

ـ إياكِ تعمليها تاني مرة وتقومي وتسبيني على طرابيزة الأكل لوحدي.

ـ حتى لو شبعت أو ماليش نفس؟

ـ حتى لو شبعتِ أو مالكيش نفس يا هالة.. سامعاني؟

وهل تملك إلا الطاعة؟ أغلقت فمها بحنق إذعاناً لأمره حتى تذكرت، فقالت:

ـ صحيح أنا كنت عايزة أسألك.

ـ اسألي يا روحي براحتك.

قالها بطريقته واضعاً قطعة من اللحم داخل فمه حتى استنفرها، ليباغته بسؤالها:

ـ هو أنت فعلاً قطعت الورقة العرفي قبل ما تكتب عليّ؟

رد يجيبها ببساطة:

ـ ومن أول يوم كمان، ما أنا قلتلك امبارح يا قلبي.

عقبت بصدمة:

ـ يعني طول الوقت ده كنت بتهددني بشيء مش موجود؟ طب كنت قولي لما أنت جامد ومش هامك كدة.....

ـ صوتك ميعلاش يا هالة!

قاطعها بحدة لتبتلع اعتراضها وكل الشتائم التي تود أن تمطره بها، ولكن هذا لم يمنعها أن تطالعه بحقد دفين يراه جيداً في عينيها، ليزيد من تسليته:

ـ حاولي تمسكي لسانك ده قبل ما يوديكي في داهية معايا.. أنا لذيذ وجميل يا هالة معاكي لما تبقي أمورة ومطيعة، إنما تنفشي ريشك ولا تتعدي بكلمة واحدة عليّ هتبقي أنتِ اللي جانية على روحك.

توقف فجأة يبدل لهجة الحديث معها:

ـ شفتي؟ أديكي خليتيني أتعصب عليكي حتى في يوم صباحيتنا.. أنا كنت قايم مبسوط يا قلبي، عشان تعرفي إن أنتِ اللي بتجيبيه لنفسك، ده أنا كنت ناوي أخرجك النهاردة.

ـ خلاص اعملها عشان افك عن نفسي !

صرخت بها بقهر لم يعره اهتماماً، ليعود ويذكرها:

ـ ما أنا قلتلك ضيعتِ فرصتك، حاولي بقى الأيام الجاية تصلحي عشان أرضى عنك وأرجع في كلامي.

وختم ضاحكاً ليعود إلى طعامه ممسكاً بفرد حمام يأكل منه وبنظرات ذات مغزى:

ـ اممم ربنا يخليكي ليا يا حماتي يا فاهماني، ده أحلى حمام ده ولا إيه؟


....يتبع 

الفصل الواحد والستون


خرجت من بوابة الكلية تتنفس الصعداء بعد يوم دراسي حافل، لكن أنفاسها انقبضت فجأة حين تجمدت عيناها على ذلك الطيف المألوف والمنبوذ، يتقدم نحوها في نية واضحة للحديث معها كما يفعل منذ فترة، لقد كان ينتظرها في البداية خارج أسوار الجامعة أما الآن فقد بلغت به الجرأة أن ينتظرها خارج محيط كليتها! يبدو أن هذا الاحمق مُصِرّ أن يتسبب لها في فضيحة لعنة الله عليه.


ـ رغد يا رغد.....

في تلك اللحظة، اضطرت رغد أن تقف وتلتف إليه ، يجتاحها الغضب والاشمئزاز وهي تطالع طلته البهية امامها، تراه يرتدي ملابس لا تناسب سنه وسلوكه "المتصابي" أن يوهم المارة بشبابٍ ولى وانتحر على أعتاب أفعاله، كم تود الصراخ ومسح كرامته أمام الجميع ولكن ثقل الكلمات على لسانها سوف تجعلها بالتأكيد هي الأضحوكة امام زملائها التي بالكاد تتحدث معهما كي تخفي حرجها من ذلك العيب الخطير.


خاطبها بابتسامة لزجة فور ان وصل اليها، يعيد خصلتين من شعيرات رأسه الخفيفة من الأساس إلى الخلف:


- لازم كل مرة كدة تولي وشك مني وتمشي اول ما تشوفيني، فأضطر انده عليكي عشان اوقفك؟ مش ناوية بقى تبطلي كسوف وتديني فرصة اكلمك واشرحلك انا عايز إيه؟


ردت بحدة وباحتقار واضح له ولمحاولاته البائسة للظهور امامها بمظهر "الدنجوان" وهو رجل كبير  عنها بسنوات عديدة ويُفترض أن يوقر فرق الضعف على الاقل بينه وبينها في العمر،.


ـ مش كسووف دا اسمه ققررف، قرف من ببرودك ووومن تناحتك، انت يا عم انت ششيلت الاحساس ومعدتتش عندك دم، بلللغت بييك الجرأة تتدخل تستنناني داخل حرم الكلية كمممان


وكأنه لم يسمع السبة والشتم عليه, بل استمر في بروده :

ـ براحة شوية يا رغد متتعصبيش وانت بتزعقي ، عشان معلش يعني، أعرف بس لو بتشميني انتي بتقولي إيه؟


وختم بضحكة ما أثقلها زادت من قهرها، هذا الوقح يذكرها بالنقص الذي كان يلجم لسانها طوال فترة ارتباطه بشقيقتها، النظرات الغير مريحة واللمسات الخبيثة بحرص، ولكن وقبل أن تتطور لتقارب التحرش كان شقيقتها يقظة لتنتبه إليه وتضحي بزواجها منه وتنقذها.


ـ انننت راجل مش محترم.

نعتته بها، وقد اعتلت ملامحها قسوة لم تعهدها في نفسها قبل ذلك؛ واحتقن وجهها بغضب عارم لتبصقها فى وجهه، فتوقعت أن تأخذه كرامته ويلملمها على الاقل بذهابه او حتى رد الشتيمة ولكن وكأنه قد أغلق على أذنيه ليرد بتساهل مستفز:

ـ الله يسامحك يا رغد، بس انا مقدر اكيد سوء ظنك فيا  بعد الكلام اللي اختك ملت بيه مخك، مع انك شوفتي اني  سكنت معاكم كذا شهر في بيت واحد عمري ما مديت يدي ولا بصيت لك نظرة مش هية لكن القلب وما يريد، انا حبيبتك واختك لما حست كدة بهدلت الدنيا ووصلتها بالطلاق ومع ذلك أنا برضو رغبت ان ارجعها من تاني لكن هي شافت نصيبها يبقى من حقنا احنا كمان نشوف نصيبنا ، وافقي يا رغد وانا اعيشك برنسيسة وكل اللي ترغبيه مجاب.......


ـ اسكتتتت

همست بها بصوت يرتجف حنقاً، وهي تتلفت حولها بخوف قاتل، ليس منه كشخص، بل خوفًا على سمعتها، او أن تسمعهُ إحدى الزميلات ، فتنطلق الهمسات عليها والإشاعات  كالنار في الهشيم عنها وعن هذا المتصابي الذي يلاحقها من بعد زواج شقيقتها، والتي أعطاها الله عوضها ونالت السعادة التي تستحقها أخيرًا، هل يعقل  أن تذهب إليها وتخبرها فيتعكر صفو زواجها للمرة الثانية بسببها، إذن لمن تشكوه؟ او تجد من يوقفه؟ وهي لا تملك حتى اللسان الفصيح الذي يتحدث عن قضيتها !


ـ الراجل ده واقف هنا ليه؟

وكأن الله قد سمع النداء ليستجيب عاجل وفورا، فيأتي إليها بالنجدة من حيث لا تدري، حيث تفاجأت بخليفة امامها، يهدر بها مباغتا عليوة بالقبض على تلابيب قميصه القطني الملون، والذي انتفض بدوره يحاول نزع يده:

ـ ايه ده ايه ده؟ بعد يا جدع انت، انت حد مس طرفك بكلمة والمصحف اطلبلك الأمن.


لم يعيره خليفة اهتمامًا، بل انصب تركيزه مع تلك المسكينة التي اغرقت عينيها الدموع برؤيته كالغريق الذي أتاه طوق النجاة:

ـ الراجل ده واقف هنا ليه يا رغد؟


ـ ده ده ده اصله  اصل...

هكذا صارت تلجلج كلماتها وقد تضاربت مشاعرها ما بين فرح بظهوره وخوف من قتل هذا الاحمق وهي بالفعل تريد الانتقام منه ولكن لا تستطيع البوح، لتضاعف من مأساتها، حتى شعرت بالعجز عن التعبير بكلمة وافية، إلا أن هناك من كان يتابع الموقف من أوله، ويتحين الفرصة ليتكفل بالرد:


ـ معلش لو هتدخل بس الراجل ده بيعاكس الآنسة بقاله مدة وهي شكلها بتعاني منه، سامحيني يا رغد .

التفت الأخيرة نحو مصدر الصوت لهذا الشاب الذي بدأ وكأنه جاء لينضم معهما, ليجبر خليفة على التساؤل أيضا:

ـ انت مين يا ولدي؟

ـ انا أيمن ولد الحج حسانين ، زميل رغد في الكلية ومن نفس البلد، وانا آسف مرة تانية، بس بصراحة كل مرة بشوف الكائن ده بيعترض الطريق على رغد، بيبقى نفسي اشق رأسه نصين عشان يحل عنها  

جاءت الأخيرة من الشاب بعصبية حتى كاد أن يتبسم له خليفة لولا صياح عليوة الذي صار يشعر بالحصار


ـ تشق راس مين؟ ياض يا عيل انت والنعمة لاخلص عليك وانت واقف، اوعي سيبني انت كمان 

كان يقصد خليفة بالاخيرة وهو يقاوم أن ينزع نفسه من ذراعيه، إلا أن الاخير إبى أن يتركه قبل ان يضع بصمته:

ـ يعني بتعاكس البت وبتتعرضلها بقالك ايام.... طلبتها ونولتها يا عليوة، خد دي؟


رافقت الاخيرة ضربة قوية بقبضته فك عليوة طيرت بها عدد من صف أسنانه الامامية ليصرخ هو :

ـ سناني، الطقم اللي مكلفني بالالفات طيرتهولي من تاني، الحقوني يا نااس

.............................


أثناء سيره بين أروقة مكاتب الشركة في اتجاه مكتب المديرة لعرض الاوراق المطلوب الحسم فيها في المشروع الجديد، ينعاد نفس السيناريو الذي اصبح يواجهه يوميا.


ليس غبيا هو حتى يغفل عن حدة النظرات الموجهة نحوه، من موظفين وزملاء كانوا له كالاخوة في البداية, ثم تحولت مشاعرهم الى حقد واضح رأي العين امامه، همهمات ووسوسة بعضها تصل الى اسماعه وتخترق أذنه من شرها.


هو لم يفعل شيء سوى أنه ينجح بخطوات تفوق الجميع، ربما العذر الوحيد هنا هو الفرص التي تقدم له وتميزه عنهم!

وصل إلى غرفة المديرة التي يقصدها، ليطرق بقبضته طرقة بسيطة وتوقف بعدها ليفتح الباب بعد سماعه الاذن بالدخول، وجدها مشغول. كالعادة منكفئة على بعض الأوراق ، امراة يجد منها دائما التحفيز وفرص التقدم التي تميزه بها، تستحق التقدير منه، رغم انه  كثيرا ما يشعر بالاختناق في حضورها ولا يعرف السبب.


ـ اتفضل يا معاذ، انت هتفضل واقف كدة كتير

تفوهت بها تعتدل بجلستها لتريح ظهرها على كرسيها تطالعه بجرأة وعملية, ليضطر ان يستجيب ويجلس امامها قائلا:

ـ انا جبت لك الملفات اللي طلبتها يا فندم ،

زمت فمها تتناولهم منه, تلقي نظرة خاطفة عليهم، قبل ان تلقيهم في جانب قريب منها على سطح المكتب ، ثم توجه اهتمامها الكامل نحوه:

ـ تمام اوي انا هبقى اشوفهم بعدين,؟ المهم انت عامل ايه النهارده؟


اجابها بعملية لا تخلو من ضيق

ـ تمام يا فندم، كنت عايزك بس تبصي على الملفات وتقولي لو عندك ملاحظات.


ردت بحزم:

ما انا قولتلك هبص عليهم بعدين يا معاذ ولو في ملحوظات هقولها يا سيدي، المهم انت مالك مقلوب كدة؟ حصل حاجه وحشة في المشروع؟


نفى سريعا بهز رأسه، ثم أطرق صامتا لبعد اللحظات حتى تشجع يفصح عما بداخله:

ـ معلش يا فندم انا بس.... كنت عايز استفسر، ليه مخلتيش زميلي عثمان في المكتب،  يمسك المشروع الجديد وهو أفضل مني وأكثر خبرة مني؟


ـ افضل ولا اكثر خبرة، انا اللى احكم مين يمسك الشغل ومين يترقي، محدش يعدل عليا، هو انت عثمان اشتكالك؟

ـ لا يا فندم بس انا شايفة متغير معايا وبصراحة حقه.

ـ مفيش حد عنده حق عندي يا معتز، بلاش نظرتك الساذجة دي للأمور، انت بشمهندس مجتهد وانا واثقة فيك, دا غير. ان  مفيش مرة خذلتني، دوس ومهمكش من أحقاد اللي حواليك، دي ياما هتقابلك في شغلك.


، رغم أن كلماتها بها شيء من المنطق إلا انه لا يمكنه تغافل ذلك الشعور بالذنب، لا يدري أن كانت هذه المرأة تملك قلبا أم لا؟ ولكن لما العجب؟ فهذه بالتاكيد رؤية أصحاب الأموال والشركات التي تبحث عن التقدم والنجاح غير مبالية شيء اسمه العواطف 


ـ متنساش النهاردة عندنا اجتماع غدا مع مسؤولي المشروع الجديد .

ها هي تعيد لتؤكد على ما ظنه مجرد مزحه:

ـ انا اسف يا فندم بس انا مالي باجتماع الغدا والاتفاقات، انا مجرد مهندس يعني دور تنفيذي.


ردت بإصرار لا يقبل النقاش:

ـ للمرة التانية انبه عليك يا معاذ انا اللي يحدد حدود الدور المطلوب منك في العمل، يعني مش هقعدك صورة وسط المجموعة،  ياريت تحضر وبلاش جدال.


اومأ صامتا ليستأذن دون أن يعطيها إجابة واضحة، ثم استأذن ذاهبا وما ان قام بفتح الباب للخروج حتى كاد أن يصطدم بإحداهم، والتي تبين هويتها من الوهلة الاولى، ليتراجع مرتدا للخلف سريعا يفسح لها حتى تدلف، يتلقى تحيتها بابتسامة فاترة:

ـ ايه ده معاذ؟ ازيك عامل إيه؟

اومأ بعجالة وبرد روتيني:

ـ حمد لله كويس، عن اذنكم 


وغادر سريعا لتتجه هي نحو تلك التي تتابعهم، متسائلة:

ـ هو ماله؟ خارج كدة ولا اكنه متخانق.

ردت مريم بشرود وهي تتلاعب بقلمها:

ـ هامه كلام اللي في الشركة وقال جاي يطلب مني اوزع الفرص على زميله مغاه، الغبي ؛ لحد دلوقتى مش فاهم ولا حاسس بيا.  

تبسمت روان بمكر لتجلس امامها وتسألها بفضول:

ـ وانتي ناوية تعملي إيه؟ هتفضلي كدة محلك سر تنتظري على ما يفهم ولا يحس؟


بنظرة لاح فيها التحدي وتصميم حازم ردت مريم :

ـ انا خلاص قررت، النهاردة لازم تبقى كل حاجة على نور ما بينا 

........................


عاد من عمله يلج إلى المنزل بملامح مجهدة، يخلع سلاحه وجاكيته بهدوء، وعيناه تبحث عنها تلاقئيا، حتى تلقتا أذنيه الشئ العجيب وهو ضحكتها التى ولأول مرة يسمعها بهذه الدرجة من الوضوح ، فكاد أن يكذب اسماعه، ظنا انها واحدة غيرها، حتى تأكد من نبرة الحديث بعد ذلك


ليتجه نحو الجهة التي يأتي منها الصوت داخل غرفة المعيشة ، ليجدها متكئة بارتياح على ذراع الأريكة، تترتدي بيجاما قطنيه ملتصقة بها وبدون اكمام، وبنطالها الصغير حتى الركبة المكشوفة، تطوح ساقها في الهواء، والهاتف امام عينيها تتحدث عبر خاصية الفيديو كول باندماج مع صغيرتيها التي تسمع منهما باهتمام.


رؤيتها فقط تحرك الشغف داخله نحوها وبقوة، وقد كان يظن أن افتنانه بها سوف يذهب بمجرد الحصول عليها نظرا لتاريخهما السابق ولكن ما يحدث معه هو العكس ، كيف يجتمع الكره مع الافتنان؟ بالفعل لا يعرف.


انتبهت اليه فبدا عليها الارتباك حتى كادت ان تنهي المكالمة, الا أنه لم يعطي لها فرصة للتوتر، وقد اقترب بابتسامة "هادئة" يجلس بجوارها ويلتصق بها ليظهر وجهه إلى الصغيرتين يخاطبهما بمرح:

ـ هاي ازيكم يا بنات عاملين إيه ؟

كان رد فعلهما في البداية هو الاجفال، ثم رد التحية بخجل، ليباغت والدتهما بسحب الهاتف من يدها برفق لا يخلو من فرض سيطرة، ويضع وجهه أمام الكاميرا ليباشر الحديث بود وتباسط حتى خفت الرهبة بينهما وتحولت الردود منهما إلى ضحكات صاخبة، 


ـ  إيه الضحك الجميل ده؟ مش ناويين تيجوا تزورونا ولا إيه؟"

اتى ردهما بترحيب وحماس اشعل قلب والدتهما التي كانت تتابع باهتمام شديد، حتى اذا انهى ليعطيها الهاتف ويتركها تعود إلى الحديث مرة أخرى تواصل المكالمة بحرية وقد ترك لها المجال متوجها إلى غرفته، لتذهب 

اليه بعد انتهاء المكالمة 


وجدته يخلع عنه قميصه القطني فتقدمت تخاطبه بلهجة ممتنة وبعض الأدب:

ـ حمد لله على سلامتك.. معلش  مكنتش أعرف إنك جيت, بس  البنات كانوا فرحانين إنك كلمتهم.


اومأ يجلس على طرف الفراش ليخلع حذائه يتمتم بترحيب وهدوء مريب:

ـ وانا كمان كنت فرحان وانا بكلمهم، دول قمامير ربنا يبارك فيهم، لكن هما بيكلموكي منين، مش غلط التليفونات عليهم في السن ده؟


ردت بعدم انتباه وهي ترفع الملابس التي قام بخلعها لتعلق السترة اولا على المشجب قبل أن تلتقط الباقي استعداده لوضعه في سلة الغسيل:


ـ لا طبعا أبوهم عارف كدة كويس، آخرهم ياخدو تليفونوا ساعة ولا ساعتين يلعبوا فيه


ـ يعني هما اللي اتصلوا ولا انتي اللي اتصلتي؟

ـ انا طبعا اللي كلمت خليفة وخليته يعطهمولي.


هكذا أخبرته وبكل بساطة، فلم تنتبه إل ملامح وجهه التي تصلبت كالحجارة،، وعينيه اصبحت كالجمرتين ، فخرج صوته منخفضا لدرجة "فحيح الأفعى"، وهي الدرجة الأخطر في غضبه.


ـ يعتي انتي اتصلتي بخليفة وخدتي واديتي في الكلام معاه لحد ما عطاكي البنات؟


ابتلعت رمقها بتوتر شديد شاعرة بالخطر لتبرر بارتباك وغباء قد يوفضي إلى قتلها:

ـ وفيها إيه؟ خليفة واض عمي قبل ما يبقى جوزي..... قصدي طليقي، يعني شيء عادي...... اااه


صدر تأوهها الاخير بألم مفاجئ حين حطت كفتيه تقبضا على ساعديها بقوة يهزهزها بعنف هادرا بها  بغضب كالإعصار:

ـ عادي انك تكلمي طليقك وكمان تغلطي فى صفته دلوقتى قدامي، انتي لو قاصدة أن اخلص عليكي مش هتجبيها بسهولة كدة، أعمل فيكي ايه عشان تميزي وتفهمي؟


افزعها بوحشيته حتى تجمدت أوصالها تحاول بدفاعية واهية:

ـ وانا غلطت في ايه عشان تعمل معايا دا كله؟ انا بس كلمت بناتي وخليفة يبقى ابوهم وبرضك ابن عمي حتى لو انت مش عاجبك كدة


زمجر يجذبها إليه بعنف حتى صار وجهه لا يفرق عنها إلا أنشات قليلة يهمس كازا على اسنانه، بانفاس كالنيران تحرق بشرتها، وتبث المزيد من الرعب داخلها:

ـ ميت مرة اقولك أن مينفعش اغير من الواقع، لكن الأكيد هو ان اغير منك انت يا هالة وغصب عنك لازم تنفذي اللي أقوله، استهتارك وغرورك في الغلط دا يدفن وينتسى، بناتك عايزة تكلميهم فيه الف طريقة غير والدهم، انما لو مصرة يبقى بلاها احسن 


دفعها في الاخيرة يلقيها بقوة على الفراش القريب منها، لتصرخ بتوجع قبل ان تلتف إليه مستفسرة بعدم استيعاب:

ـ'قصدك ايه يا كمال؟ انت ممكن تحرمني منهم؟


رد يؤكد لها بتجبر وتهديد لا يقبل الجدال:

ـ لو عوزت هعملها بضمير راضي جدا عشان ساعتها هيبقى بسببك وانتي عارفه كدة كويس، وبرضو محدش هيقدر يقف قصادي


بصق كلماته وتحرك مغادرا الغرفة صافقا الباب خلفه بعنف، يتركها بحالة من الصدمة والانهيار، تدرك أن الخطأ الصغير مع مجنون مثله قد يكلفها عمرها أو الحرمان الاكيد من صغيريتيها، ما هذا الحظ الذي اوقعها في يد مختل مثله؟ يملك السطوة والقوة والغيرة العمياء.

.............................


وصل حمزة إلى بهو مبنى الإدارة، تتبعه اعتماد التي كانت تسبق خطواتها دقات قلبها المتسارعة، القلق ينهش قلبها على شقيقتها وزوجها الذي سمعت بما فعله مع ذلك البائس، ذيل الكلب الذي لا يعتدل ابدا، تخشى أن تكون إصابته خطيرة ويتأذى بسببه  زوجها .


ما إن لاحت لها أختها تخرج من باب مكتب عميد الجامعة، حتى انطلقت نحوها كالسهم، غير آبهة بنظرات الموظفين أو هيبة المكان.

ارتمت في حضنها بلهفة طاغية، وتشبثت بها وكأنها تستمد منها الأمان أو تمنحه لها، في مشهد عاطفي صامت لم يقطعه سوى خروج زوجها، ومن خلفه عليوة الذي كان يفيض حنقاً و"يرطرط" بكلمات تملأ الطرقة ضجيجاً.


ـ ربنا هو اللي هجيلي حقي، منك ومن كل عمايلك معايا، وبرضو مش هسكت، هوصل الامر لقضايا كتير مش قضية واحدة، طقم سناني اللي طيرتهولي للمرة التانية ولا الإهانة، انا لا يمكن اسكت 


هتف به حمزة  ينهره:

ـ اقفل خشمك دا بدل ما اجي واخلص عليك انا كمان 

كاد عليوة أن يجادل ولكن أفزعه حمزة بنظرة حادة الجمته ليغادر مواصلا الغمغمة وادعاء المظلوميه.


ليقترب حمزة من شقيقه كي يستفسر منه، ولكن لفت انتباهه هذا الشاب الغريب الذي كان واقفا بينهما وعيناه منصبة على رغد  بلهفة واضحة حتى انتفض على لمسة من خليفة الذي ربت بدعم على كتف ذراعه:


ـ بارك الله فيك يا بطل، كلامك هو اللي حسم الدنيا جوا قدام العميد 

كاد حمزة أن يسأل ولكن خليفة سبقه مردفا:

ـ دا ايمن ولد الحج حسانين يا حمزة، هو اللي شهد باللي يعرفه قدام العميد قوا موقفنا وخلاه ياخد جزاته من الطرد والتهزيق، هو راجل مهزق ويستاهل 


نظر حمزة إلى الشاب بإعجاب يشد على يده:

ـ ربنا يبارك فيك يا ولدي، ونعم الرجال.

قدمت اليه اعتماد الشكر ايضا قبل ان تعاتب شقيقتها التي بالكاد أصبحت تتمالك نفسها بعد تلك اللحظات العصيبة:

ـ بس انتي يا رغد غلطانة، كان لازم يا حبيبتي تتكلمي وتقولي عن النجس ده، واحنا كنا قطعنا رجله من بدايته ووفرنا عليكي الهم والمرارة دا كله.


لاح التردد والعجز على ملامح رغد، وكان الكلمات انحشرت بحلقها ولا تملك القدرة على البوح، فأتى الرد من أحد آخر :


ـ  انسة رغد حساسة، اكيد خافت لا يحصل مشاكل، او  الصدام مع واحد عديم الدم زيه.


ختم بنظرة دافئة نحوها حتى أصاب الباقين بالدهشة ، يشاهدون الامر بصمت، وقد خرج صوتها اليه بخجل:

ـ ممتشكرة، مممتشكرة جدا ياااا ايمن، 


تلقى كلماتها بلهفة واضحة وكأن سماع اسمه منها جائزة له:

ـ متشكرنيش يا رغد ، انا اصلا ما صدقت افش غليلي فيه العفش ده، كل مرة ببقى حاضر ومتابع وشايف زعيقك معاه بس مش سامع ولا عارف دا صفته ايه عندك عشان ادخل أو اللم نفسي ، لكن والله ما يعملها تاني ليبقى هو الجاني على روحه.....


ـ يا سيدي ولا احنا كمان هنسمح له يكررها، ع العموم برضو كتر خيرك وتشكر يا سبع

خاطبه بها حمزة بمرح ليضيف عليه خليفة بابتسامة :

ـ ويشكر ابوه اللي طلعلنا راجل، والله لو اشوفه لا اشكره بنفسي.....


ـ هخليه يجيلكم البيت عشان تتعرفوا عليه ينفع ؟

قاطعه متسائلا ليجفل الجميع بسرعته، ويضطر حمزة الرد عليه بابتسامة متسعة ؛

ـ ينفع يا ايمن، وان ما شلتوش الارض نشيله في عنينا، يا سلام..... يا مرحب بيكم يا سيدي.


. ............... 

داخل. مشفى القرية 


خرجت مزيونة من غرفة التحاليل التي قامت بالعديد منها  بناء على طلب الطبيبة منها، بإجراء روتيني وفحصوات تقوم بها طوال فترة الحمل للإطمئنان على الجنين 


كانت قد أتت برفقة ليلى التي تركتها وطفلها على مقاعد الانتظار التي تطلعت عليها فور خروجها ولكن للاسف لم تجدها ، لتدور على باقي الانحاء حتى صعقت برؤية الصغير بصحبة اخر من دون ابنتها 


عرفان!

غمغمت اسمه وقلبها سقط بين اضلعها من الرعب تهرول بخطواتها البطيئة نحوه ، وقد كان واقفا حاملا الصغير أسفل إحدى الأشجار المرتصة في حديقة المشفى


انتبه على قدومها فتهللت اساريره بابتسامة لزجة يستقبلها :

ـ يا مرحب يا مرحب، جدتك الحبلة وصلت يا مؤيد 


بوجه محتقن عاجلته مزيونة بغضبها:

ـ الواد معاك ليه يا عرفان؟ وأمه راحت فين وسابتهولك؟


تحدث ببروده المعتاد:

ـ باه باه، بالراحة كدة يا ست، الواد مش جاعد مع حد غريب، دا قاعد مع جده، لو ناسية تفكرك عيونه اللي طالعة شبهي.....


وختم بضحكة سمجة زادت من استفزازها، وهو يواصل:

ـ على العموم انا مش خاطفه يعني، دا امه سابته معايا على ما تروح الحمام وتأجي تاخده، حبيبة ابوها متأمنش على حد غريب، عطته لابوها، 


ـ ياريتها عطته الغريب احسن، المخبلة الهبلة

غمغمت بها مزيونه تلتف نحو الجهة التي بها غرفة المراحيض، تضرب كفا بالآخر بقلة حيلة، تتوعد لابنتها المتسببة في تلك المفاجأة الغير سارة 


غرقت في حديث نفسها حتى صارت غافلة عن شرار النظرات  التي كانت تنطلق من عيني عرفان الممتلئة بالحقد والحسرة، على تلك الفرسة التي ذهبت من تحت يده، إلى غيره ليستمتع بها وينجب منها 


عند خاطره الأخير، استدرك يوجه اللوم لها:

ـ ضحكتي عليا وفهمتيني انك قطعتي خلف عشان تخلصي مني واتجوز عليكي 

التفت إليه بعدم تركيز تسأله:

ـ انت بتقول إيه؟

رد عرفان بنبرة ذهب عنها العبث، تغص بمرارة:

ـ بقول على اللعبة اللي لعبتيها عليا زمان عشان ابعد عنك وملمسكيش، ادعيتي انك بقيتي شجرة ناشفة مفيش منها رجا، لكن مع غيري الشجرة زهزهت ونورت، وزرعت كمان.....


أشار في الاخير على حملها، فانتفضت بحركة لا ارادية تضع كفها على بطنها، وكأنها تحمي جنينها من سهام النظرات الموجهة نحوه، لترد على كلماته:


ـ احسنلك ان مفتحش يا عرفان، ولا اجيب سيرة الايام السودة والظلم اللي عيشت فيه انا وبتي في بيتك، دي صفحة وقفلتها، انت عيشت حياتك واتجوزت وخلفت بدل العيل تلاتة وانا على زمتك، جه الدور بقى ان ربنا يعوضني، بلاش كمان تستكرها دي عليا


لم يرد وتجمدت عيناه في النظر إليها، رافضا الواقع وما آل إليه بسبب غباءه


ـ انا جيت يا بوي، امي انتي طلعتي؟


جاءت الكلمات من ليلى التي حضرت عائدة من المرحاض لتتنفس والدتها الصعداء، ثم تتوجه إلى أحد مقاعد الانتظار وتنتظر ابنتها حتى تنتهي من لقاء والدها وتأتي بالصغير بعد عدة دقائق 


فتلقفته مزيونة منها بنظرة عاتبة توجهها نحوها، لتجعل ليلى تنتبه على خطأها:

ـ انتي زعلتي يا امي عشان عطيت مؤيد لجده عرفان...


- جده؛

دوت الكلمة تدور في رأسها، صدقت ابنتها في الوصف وكذلك هو، وليس من حقها هي أن تعترض على صلة الدم تلك ولا عن علاقة ابنتها التي تحسنت مع والدها من وقت زواجها، 

قطع شرودها حين عادت ليلى بالسؤال:


ـ مالك يا امي ساكتة؟ اناا كنت بسألك لو زعلتي عشان عطيت مؤيد لوالدي، بصراحة كنت هموت وادخل الحمام، وابويا لما اطوع يمسكه اتكسفت أحرجه وارفض


اومأت مزيونة اليها بنفي واستسلام للأمر الواقع:

ـ لا يا بنتي مزعلتش ولا حاجة، دا برضو في النهاية ابوكي وجده زي ما قولتي، بس شيء طبيعي اتنكد انا لما اشوفه يعني!


قالت الاخيرة بمرح خفف عن ليلى، لتضيف عليها بالمزاح وتضحكها حتى ظهر فجأة حمزة من العدم يباردهم بحديثه:


ـ مسار الخير، الراجل العفش اللي اسمه عرفان شايفة وانا جاي طالع من الوحدة؟ هو كان هنا بيعمل ايه؟


همت مزيونة بالرد، ولكن سبقتها ليلى:

ـ ابويا جه سلم عليا انا ومؤيد يا عم حمزة مقعدتش كتير، هما خمس دقائق ومشي .


ـ اممم

زم حمزة بفمه يصدر هذا الصوت، ليتدراك ويغالب حنقه نحو هذا الرجل من اجلها:

ـ ماشي يا بنتي، على العموم حقه برضو.

ياللا بقى، انا كمان  خلصت مشواري في المحافظة وقولت اجي اطمن عليكم، هو انتو دخلتو للدكتورة ولا لسة ؟


إجابته مزيونة وهي تداعب الصغير بحجرها:

ـ لا ما هي على وصول,  اصلها عند واحدة بتولد قريب من هنا، أدينا مستنين، المهم عملت ايه في موضوع خليفة ورغد مع عليوة الهم 


ضحك حمزة متذكرا ما حدث يخبرها:

ـ كل خير ان شاء الله، رغد بت حلال، وشكلها كدة ربنا بيحبها، عشان كدة بيوقف معاها ولاد الحلال .


ـ سألته ليلى:

ـ ليه يا عم حمزة؟ هو ايه اللي حصل بالضبط؟

هم أن يجيبها ولكن منعه حضور الطبيبة التي تبسمت لهما جميعا وحمزة الذي تهللت اساريره في انتظارها، غافلا عن ملامح زوجته التي تحولت في لحظة، تباغته بلكزة قوية من مرفقها على خصره، فتأوه متوجعا:

ـ اااه، ايه الغباوة دي يا مزيونة؟؟ دي عملة تعمليها 

صاحت بهمس تكز على اسنانه:

ـ عشان تقفل خشمك ده ومتضحكش لواحدة تاني غيري، انا منبهه عليك من الاول متهزرش ولا تضحك معاها,  طب عقابا ليك مش داخل معايا يا حمزة 


نفض رأسه بعدم استيعاب:

ـ هو مين اللي مش داخل معاكم! انا جاي عشان اطمن على ولدي يا مزيونة، ميبقاش عقلك صغير 


استفزتها أكثر كلماته حتى انقلبت معها لعند، ترفع مؤيد وتضعه بين يديه مقررة:

ـ ماشي يا حمزة انا فعلا عقلي صغير، اقعد استنانا انا وليلى على ما نخلص كشف الدكتورة 


ـ وه وه

صار يردد بها حمزة بعدم تصديق وهو يضم الصغير جيدا بين ذراعيه، مخاطبا لها:

ـ اعقلي يا مزيونة، انا الراجل الكبير اقعد استناكم بالعيل برضو؟

تبسمت بمكر تلف ذراعها على ساعد ابنتها التي تعجبها مناكفتهما، مستسلمة لسحبها لها:

ـ ليه يا كبير؟ هي شيلة العيل بقت عيبة مثلا ؟ طب كنت قدم حبة وانت تشوف عرفان اللي بتعيب عليه وهو واقف بواد بته من غير كسوف، ولا هو اجدع منك يعني؟


تجمد حمزة محله بصدمة، يتابعها تنصرف من امامه بعد أن ورطته برعاية الصغير، ليغمغم نحو الاسم الذي يستفزه :

ـ هو نهار باين من اوله، بقى اللي يشوف بوز الاخص عرفان يشوف خير تاني واصل على باقي اليوم، بومة بومة

.................


في احدى غرف المنزل وقد اتخذ مكانا له داخلها فى ركن منعزل، جسده ممدد بتراخي على أريكة عصرية رائعة، لكن عينيه لا تعكس أي راحة، الغرفة يملؤها ضباب كثيف من سجائره التي يشعلها الواحدة تلو الأخرى، وكأنه يحاول بناء جدار من الدخان بينه وبين العالم, 

هذه المرأة التي تهلك روحه بأفعالها، حتى وهو المسيطر ويملك زمان أمرها بيده، إلا انها وبسهولة شديدة تخرجه عن طوره وتجعله انسان اخر لا يعرفه، يعلم أنه مهما حاول ترويضها بشتى الطرق لن ينجح معها الا العنف والقسوة ليتها تفهم من البداية وتوفر عليه خوض الطريق الصعب 


ـ كمال ...  ممكن ادخل؟

دوى صوتها برقة وادب غريب عنها، لتجبره على الالتفاف اليها برأسه ، يتابعها تخطو إلى داخل الغرفة ببطء، ترتدي قناع براءة لا يليق بها، تقترب بخطوات هادئة, عيناها تلتمع برجاء مُصطنع وهي تنظر إليه 


يبدو أن التهديد الذي خرج منه في لحظة غضب قد أتى بنتيجته معاها:

ـ انا عارفة ان ليك حق في غضبك، بس انا لسة مخدتش على الوضع الجديد، اكيد مع الوقت هتعلم، وهراعي الحاجات اللي متعجبكش عشان مكررهاش.


يحدق بها مضيفا عينيه بصمت مريب، يعرف بها أكثر من نفسها، و لا يصدق ندمها أو نيتها في الإصلاح من الأساس، فهو على يقين تام أن محاولاتها مجرد اتقاء لشره، وهذا ما بدا له جليا من نظرتها المرتبكة 


ليقطع  حبل أفكارها وهو ينفث دخانه بعيداً، ثم قال بصوت رخيم وهادئ يحمل نبرة أمر:

ـ تعالي اقعدي هنا يا هالة.

سمعت منه تطالع الأريكة التي كان متسطحا عليها. بالكاد تتسع لشخص واحد بوضعية مريحة، فقالت بصوت خفيض ونبرة تحمل الدهشة والاستنكار:


"أقعد فين والكنبة عرضها رفيع زي ما أنت شايف! ولا عايزني اقعد على الارض....... زي الجارية!


لم يبتسم، ولم يرفع عينه عنها، بل تحدث يفحمها

ـ انا مش ضعيف عشان اعوض نقصي بذل واحدة ست حتى لو كانت الست دي تبقى مراتي....


ختم عبارته وبحركة بطيئة وحاسمة، اعتدل في جلسته، مفسحاً لها مساحة ضيقة جداً بجانبه، مساحة تجبرها أن تكون ملتصقة به تماماً، لا مجال فيها لأي مسافة جسدية، وأشار بيده للفرق الصغير الذي تركه، فقال بلهجة لا تقبل الجدل:


ـ اقعدي هنا.

سمعت تنصاع منفذه أمره، لتجلس في هذا الجزء الصغير، تنفيذا لرغبته، القرب هو الوسيلة الوحيدة التي يجد فيها سلوته, ليزداد تأكيدا انها أصبحت ملكه، حتى وقلبها لم يصل إليه بعد ، وعقلها الغبي يقف حاجزا له، لكنه ابدا لن يتركها تبتعد عنه:


ـ جيتي عشان تصالحيني يا هالة؟

اومأت تهز رأسها بموافقة انما عينيها المتهربة منه هي الوحيدة التي تكشفها،وتفضح كذبها :

- انا بس مش عايزك تزعل ولا تقلب على البنات، دا انا ما صدقت أنهم فرحوا بيك ، ودي حاجة كبيرة قوي عندي.


لم يصدر منه أي رد فعل، بل بدأ وكأنه تمثال امامها، لا يفرقه عن الأحياء سوى زوج العيون التي تخترقها من تلك المسافة القريبة جدا، غير مباليا بتوترها ولا قلقها، 

حتى خرج صوته قائلا:

ـ قربي يا هالة وبوسيني

تعقد حاجبيها تقترب بوجهها منه بعدم تركيز، تكذب اسماعها:

ـ مش فاهمة، بتقول ايه؟

رفع جذعه قليلا ليقابل وجهها تماما حتى أصبح لا يفرق عن وجهها سوى انشات بسيطة يقول:

ـ بقولك تبوسيني يا هالة، ولا انا حد غريب عنك وهتتكسفي مني؟ 


بالفعل شعرت بحصاره لها، حتى وإن كانت غير قابلة بتلك الخطوة إلا أنه لا يترك لها فرصة للتملص او الهروب، لتضطر مجبرة إلى طاعته، وتقرب وجهها في نية لتنفيذ الامر، ولكن وقبل أن تفعل فاجأها بقوله:


ـ عايزها بنفس يا هالة، مش حاجة والسلام .

عضت على باطن خدها بغيظ شديد، ولكنها استطاعت أن تخفي ذلك، واقتربت تعطيه القبلة التي أمرها بها برقة كنعومة الفراشات، ولكن تلقاها هو كشرارة اشتعلت في غابات قلبه الجافة, ليتشبث مثبتا رأسها بكفه من الخلف، يمنعها أن تبتعد عنه، بلهفة الغريق إلى التمسك بالحياة، وعنفوان الأمواج التي تضرب الصخور, بشوق كاسح لا يتوقف ولا يتأثر حتى برفضها، وتمثيلها المكشوف انها استسلمت اليه، أو رفعت راية الاستسلام لعشقه المريض بها، نعم هي مرضه الذي لا يريد أن يشفى منه ابدا 


..............

في العاصمة 


توقفت مريم بسيارتها  تغلق بابها بعنف والغضب يأكلها أثناء حديثها عبر الهاتف مع احدهما:


ـ بقولك معبرنيش ولا حضر العزومة من اصله، ساعة كاملة وانا ملطوعة في انتظاره ، طب حتى يفتكرو العملاء اللي وعدته بيهم ولا ملصحة العمل ......... بلاش تلفي وتدوري في الكلام يا روان، دي اسمها جليطة وقلة زوق وإنا لا يمكن اعديهاله.......... هو انا لسة هفكر اعمل ايه؟ انا سيبت كل حاجة وجاية لحد عنده، وخليها جنان في جنان......... بطلي ولوله يا روان انا وصلت اصلا، بعدين ابقى اكلمك 


انهت المكالمة وتوجهت إلى حارس العمارة الذي انتقض واقفا برؤيتها:

ـ افندم يا هانم، طالعة لحد هنا في العمارة؟

ردت تلقي نظرة سريعة على المبني، قبل ان تحسم وتخبره:


ـ طالعة لواحد من سكان العمارة هنا اسمه معاذ، عايزة اعرف هو في اي دور بالظبط وشقته رقم كام!


تفتكروا المنيلة دي هتعمل ايه؟


الفصل الثاني والستون ج١


داخل منزله، وقد قرر اليوم أن ينهي الخلاف وسوء الظن بينه وبين زميل المكتب في عمله، عثمان الشاب المكافح المتفوق، الذي كان كالأخ الكبير له في بداية توليه الوظيفة، في تقديم الدعم والمشورة والمساعدة أحياناً كثيرة. وتوترت العلاقة بينهما في الأيام الأخيرة بسبب تقدمه عليه، لا ينكر أن معه الحق، رغم أن الذنب ليس ذنبه، هو شاب تأتي إليه الفرصة فيجاهد ليثبت نفسه، ولا شيء غير ذلك. والدليل على صدق نواياه هو رفضه الذهاب لعشاء العمل في تلك الليلة، مفضلاً الإتيان بصديقه كي يتصافى معه، بدعوة على الطعام تقبلها الآخر بصعوبة وبعد إلحاح من معاذ، وقد بذل الجهد اليوم أن يرضيه وهذا ما أكده الآخر بالفعل بعد الانتهاء من الطعام.

ـ اللهم لك الحمد ولك الشكر، تسلم إيدك يا معاذ، الحمام طعمه يجنن، إنت جايبه من أي محل؟

ضحك المذكور وهو يقوم برفع الأطباق والمتبقي عليها من الطعام، يجيبه بتفاخر وهو يتحرك نحو المطبخ:

ـ أنا مجبش من محلات يا غالي، هي الست الوالدة ربنا يخليها لي، بتجهز وتجمد لي في كل سفرية آخدهم معايا وأنا مسافر، أخزنهم في الثلاجة عندي هنا وأطلع أسويهم وأحمرهم بس كدة.

ـ يا سيدي ربنا يخليها لك يا رب، الستات الكبيرة دي كنز كبير للي يعرف قيمتهم.

ـ اللهم آمين يا رب.

تمتم معاذ وهو يقترب ليرفع باقي الأطباق، ليضيف بصدق وجدية:

ـ ومعرفة الصاحب الجدع كمان كنز، أنا لا يمكن أنسى جدعنتك يا عثمان ويعز عليا قوي إنك تبقى شايل مني.

أومأ الأخير ببعض اللين:

ـ إنت زي أخويا الصغير يا معاذ، وعمري ما أشيل منك بس...

توقف عثمان ليحثه الآخر:

ـ بس إيه يا عثمان؟... كمل يا صاحبي، أنا عارف بالكلام الداير ورا ضهري إني ليا واسطة في الإدارة أو إن ليا علاقات، وربنا وحده اللي عالم إنه مجرد كلام.

قاطعه بها، ليردف بعدها بصدق ما يشعر به:

ـ أنا سايبهم يقطعوا في فروتي براحتهم، ويألفوا في إشاعات، محدش فيهم يستاهل إني أوضح له غيرك إنت يا عثمان، لأن إنت بس اللي تهمني...

زمّ عثمان شفتيه بما يشبه الابتسام، يظهر بعض الاقتناع إليه، رغم ما يدور في رأسه من أفكار وهواجس بسبب الأحاديث المتواترة عن معاذ وتلك الفتاة ابنة مالك الشركة التي تفضحها حتى النظرات:

ـ ربنا ينجيك يا معاذ من أي كلام أو رغي، على العموم أنا عمري ما أشيل منك وأتمنى لك الخير.

رد معاذ بنبرة يتخللها بعض الارتياح شاعراً بتقدمه خطوة نحو استعادة صديقه:

ـ ما هو دا برضه عشمي فيك يا صاحبي، وبكرة تتأكد أكتر، هروح أعلق الكاتل نسويلنا كوبايتين شاي وبعدها نتفرج على الماتش، أنا عندي الدوري الإسباني كله هنا على الشاشة، حتى قلب مع نفسك وشوف على ما أجيلك.

عقب عثمان بمرح وهو يتجه نحو الشاشة التي تحتل نصف الحائط في الردهة المتواضعة للشقة:

ـ أهي دي ميزة إنك تعيش لوحدك من غير ست تعملها مناحة لو قلبت من الفيلم ولا المسلسل اللي بتحبه.

ضحك معاذ من داخل المطبخ صائحاً:

ـ ودا بيت أخوك، عيش يا صاحبي مع نفسك، دا إحنا هنخليها سهرة النهاردة على الماتش والبلاي ستيشن.

رحب عثمان ليتناول الريموت يبدل في القنوات باستمتاع حتى دوى صوت جرس المنزل، همّ أن ينادي معاذ ولكن تراجع في الأخير ليتجه نحو الباب ويفتحه بنفسه كي يرى من الطارق، وكانت المفاجأة التي تمثلت أمامه بتلك الفتاة... مديرة العمل:

ـ آنسة مريم!

طالعته المذكورة بدهشة لا تقل عنه:

ـ إنت إيه اللي جايبك هنا يا عثمان؟ مش دي شقة معاذ؟

أومأ المذكور بصدمة محركاً رأسه وكأنه فاقد للنطق، حتى حينما هتف عليه معاذ سائلاً عمن يقف معه عند الباب، لم يتمكن من الرد وظل مسبهلاً إلى أن أتى معاذ بنفسه ليصعق برؤيتها.

ـ هاي يا معاذ، إنت كمان هتسيبني زي صاحبك من غير ما تقولي اتفضلي؟

وجدها أمامه، تقف بكامل أناقتها المتعالية وتنظر بملامح غير مبالية وكأنه شيء عادي، أن تزوره في منزله شيء عادي بالنسبة لها! عصف به الذهول، بل كاد أن يكذب عينيه لولا وجود الطرف الثالث، صديقه عثمان الذي رأى نظرات التساؤل والشك في عينيه، فخرج صوته متسائلاً بحدة:

ـ حضرتك... في حاجة؟ أصل يعني دي أول مرة... تيجي هنا...

قصد التفوه بالأخيرة حتى يسمعها عثمان الذي كان متجمداً مثل التمثال، فجاء رد الأخرى بما يثبت العكس:

ـ جيت أشوف حجتك يا معاذ، بعد ما اتأخرت على عزومة العشا اللي كلمتك عنها الصبح.

برقت عيناه بهلع لا يصدق تساهلها في لومه بتلك الصورة التي تثير الشك، ليوجه أبصاره نحو عثمان يردد موضحاً إليه:

ـ عشاء عمل، اسمه عشاء عمل حضرتك وأنا كنت تعبان ومقدرتش أحضر.

ـ مقدرتش تحضر ولا قعدتك مع عثمان اللي خلتك نسيت اللي وراك وخدك الوقت معاه؟

قالتها بشيء من سخرية لم يعجب الأخير، فانكمشت ملامحه بشيء من الازدراء، ليرمق معاذ بمقت وكأنه قد أمسك به متلبساً بالجرم، ومن دون انتظار لتفسير آخر تحرك مفضلاً أن ينسحب من بينهما:

ـ آسف يا مريم هانم، على العموم أنا دلوقتي ماشي حضرتك، عن إذنكم.

ـ استنى يا عثمان!

هتف بها معاذ منادياً، وقد تحرك خلفه إلى خارج المنزل بخطوتين، ولكن الآخر لم يلتفت وتوجه مباشرة نحو المصعد ليتركه في مصيبته مع تلك المتبجحة التي دلفت إلى داخل المنزل دون استئذان غير مبالية بذلك المصدوم، وقد تيبست أقدامه في الأرض لحظات، يهدئ من وتيرة أنفاسه المتصاعدة قليلاً حتى يستوعب ما تفعله تلك الخرقاء، ولكن الغضب المشحون بذهوله لم يعطه فرصة للانتظار، ليعود إلى المنزل بملامح مظلمة ازدادت قتامة وهو يطالعها تجول بعينيها داخل أرجاء منزله:

ـ شقتك حلوة قوي يا معاذ، رغم بساطتها تجمع بين الذوق العصري والكلاسيكي، معقول يكون ذوقك!

لم يجبها وقد ظل على وضعه يرميها بشر النظرات، في انتظار الفرصة فقط للانفجار.

ـ أنا بكلمك يا معاذ مبتردش ليه؟

توجهت بها إليه حين استفزها سكونه، ليقطع صمته بملامح تعتليها القسوة قائلاً:

ـ مبردش عشان مينفعش آخد ولا أدّي في الحديث أصلاً في بيتي وأنا لوحدي معاكي، حضرتك أنا سايب الباب مفتوح، عشان قعدتك هنا متنفعش.

باغتها بقوله لترفرف أهدابها بعدم تصديق تسأله:

ـ إيه ده يا معاذ، معقول تكون بتطردني؟ إنت واعي للتصرف اللي بتعمله؟

صرخ بها:

ـ وانتي اللي بتسألي كمان! حضرتك جاية بيت واحد عازب، وحداني، لا يصح قعدتك ولا جيتك من أساسه.

قارعته بمنطقها الغريب، لتضاعف من غضبه:

ـ أمال يصح إنك تسيبني ملطوعة مستنياك، واحدة بنت ناس زيي تقعد بالساعتين على طرابيزة لوحدها في انتظارك، وإنت قاعد هنا بتتساير مع عثمان زميلك في المكتب؟

شعر بالسخونة تغزو خلايا رأسه، ما هذا الذي تتفوه به تلك المعتوهة؟

ـ إنتي بتقولي إييييه؟ أقعد مع صاحبي ولا مقعدش، إنتي إيه دخلك؟ ولا إيه اللي يقعدك لوحدك في المطعم من أساسه؟ والعملاء والزفت الربراب اللي قولتي عليهم، غاروا فين وسابوكي؟ ولا هي يعني وقفت عليا؟ أنا مجرد مهندس في بداياتي، حتى لو شيلت مسؤولية برضه فيه اللي يسد عني وزيادة.

ـ لا يا معاذ مفيش حد يشيل غيرك.

هتفت بها في رد سريع، ثم تابعت تفصح عما تريده بصراحة فجة:

ـ أيوه مفيش حد يشيل وأنا أصلاً مكنتش عازمة حد غيرك، أنا كنت عايزة أتكلم النهاردة معاك براحتي وأقول اللي في قلبي، أنا بحبك يا معاذ وإنت لازم تعرف كدة.

صمت ثقيل خيم على الاثنين في تلك اللحظة، لا يقطعه سوى صوت معلق المباراة عبر شاشة التلفاز، هي في انتظار رد عاطفي منه، وهو قد تصلب في مكانه يحدق في وجهها لثوانٍ دون أن يرمش، وكأن عقله توقف عن العمل.

فانفرجت شفتاه قليلاً، دون أن يخرج منه ولو صوت صغير، وكأنه يبحث عن الهواء أو يحاول النطق رداً على وقاحتها، ثم ومن دون كلمة واحدة، جرّ أقدامه خطوات قليلة ليسقط جالساً على الأريكة التي وجدها أمامه، يمسح بكفه على ملامح وجهه بعنف، وكأنه يلجم وحشاً من الانفلات. اقتربت هي تجلس على الكرسي المقابل له، تردف بمزيد من التوضيح:

ـ ممكن تقول عليا مجنونة، بس أنا متعودتش أخبي حاجة في قلبي، من أول مرة شوفتك فيها يا معاذ وأنا أعجبت بيك، واللي كان غايظني منك هو التجاهل، تجاهل مشاعري اللي أكيد وصلالك، أو يمكن يعني عشان بسبب...

ـ سبب إيه؟

خرج منه السؤال يتبعه حمحمة من حلقه، محاولاً بصعوبة السيطرة على انفعاله، ليأتي ردها بما يصب عليه المزيد.

ـ إنك تكون متردد بسبب موضوع جوازك أو إنجابك لطفل مثلاً وشايفه عقبة ما بينا، بس أنا عايزة أفهمك كويس قوي إنه ميفرقش معايا، سواء تخليها على ذمتك أو تطلقها حتى، في كل الأحوال إنت هتبقى ليا، أنا إنسانة عندي ضمير يعني لا يمكن أبعدك عن طفلك.

هكذا كانت تتحدث بسهولة، غير منتبهة لانقباض عضلات فكه بشكل لا إرادي، وداخله بركان يغلي بعدما تمادت إلى حد الاستهانة بعلاقته بزوجته التي يعشقها.

ـ لولا إنك واحدة ست وفي بيتي أنا كنت عرفت أرد عليكي كويس.

في استنكار منها قطبت حاجبيها باستفسار لرفض لا تتقبله:

ـ يعني إيه؟ مش فاهمة يا معاذ.

انتفض بحسم لا يقبل النقاش، فارداً ذراعه نحو باب الخروج:

ـ يعني مدام حضرتك وصلتيها لكدة، يبقى بجاحة ببجاحة، الباب لساته مفتوح لسعادتك يا سيادة المديرة، وإن كان على الشغل فأنا من بكرة هقدم استقالتي.

انتفضت تقابله بعدم تصديق:

ـ يا نهارك أسود، دا إنت فعلاً بتطردني يا معاذ؟

رد بابتسامة باهتة لا تحمل مرحاً على الإطلاق:

ـ والله أنا لحد الآن مراعي الذوق والأدب، إنما حضرتك لو تحبي أقولها بالمفتشر فدا أبسط ما عندي.

اعتلى الغضب تعابيرها، لا تستوعب رد فعله، وبإنكار منها لرفضه لها ردت:

ـ أنا هعتبر نفسي مسمعتش حاجة، لو خدت طردك ليا على محمل الجد، صدقني دي هتبقى إهانة كبيرة قوي إنت مش قدها، أنا خارجة يا معاذ أسيبك تستوعب مع نفسك، جايز جداً يكون دا تأثير المفاجأة... عن إذنك.

وخرجت تجر أذيال خيبتها دون اعتراف بهزيمتها، تتركه يعود للسقوط على أريكته بتعب واضح، يحاوط بكفيه على جانبي رأسه، من تلك المصيبة التي وجد نفسه واقعاً بها.

........................

أما في البلدة

داخل منزل حماد القناوي، كان الصغير لا يتوقف عن البكاء حتى يأست والدته، لتخرج من شقتها تنزل به الدرج دون أن تعرف لها وجهة، تفضل ألا تزعج أحداً في ذلك الوقت المتأخر من الليل والجميع تقريباً نيام.

قاصدة أن تخرج به إلى الحديقة حتى اصطدمت أبصارها بجدته حسنية، تسير في ردهة المنزل الواسعة، وما إن رأتها الأخرى حتى فتحت ذراعيها بفعل عفوي، لتحمله عنها، تهدهده متسائلة نحوها:

ـ بسم الله الحفيظ، بسم الله عليك يا حبيبي، ماله بس يا بنيتي؟

ردت ليلى تخبرها بملامح متعبة، تفرد في ذراعيها وتحركهما:

ـ والله ما أعرف، هو كل يوم كدة في نص الليل يصحى ياخد رضعته ينام، أو يقعد شوية ويسهرني معاه، حتى لو صحي كذا مرة برضه بيرجع ينام، إلا النهاردة، بقاله ساعتين مطلع عيني، صراخ من غير سبب، لما ختل دراعي، قلت أطلع بيه الجنينة، يمكن يطسه الهوا يسكره ينام عشان أريح أنا كمان وأخطف لي ساعتين، ورايا جامعة بكرة.

طالعتها حسنية بإشفاق وقد لان الصغير معها قليلاً وخف صراخه يستجيب لمداعباتها له ولمساتها الخبيرة كجدة لأحفادها وأم لأبنائها قبلهم:

ـ متشليش هم يا بنيتي وروحي نامي، أنا هاخده معايا أوضتي، يمكن عنده مغص ولا متنكد من لعبكم معاه، إنتي وأمك وعمك حمزة اللي هيتجنن بيه دا كمان...

ضحكت ليلى لتضيف حسنية بسجيتها:

ـ طالعة معايا أنده عليه أصحيه، خليه يتشندل بيه شوية...

ـ لا يا أبوي دا ما هيصدق، مش بعيد ياخده في العربية ويسوق بيه في البلد، زي ما عملها قبل سابق.

تفوهت بها ليلى تسارع لمنعها برجائها حتى لو كان مجرد اقتراح، لتوافقها حسنية وكأنها عادت لرشدها:

ـ أيوة صح دا أنا كنت ناسياها، الجزين ده رغم إنه أكبر عيالي، لكن في العقل أصغرهم في الحتة دي، ما يعرفش يخبئ فرحته أبداً.

شردت ليلى بابتسامة تطالع صغيرها وقد غفى في حضن جدته لتعلق:

ـ وأهو صاحبنا دا كمان نام على سيرة عمه حبيبه، أروح أنيمه في سريره بقى.

تمسكت حسنية بالصغير تمنعها:

ـ لاه روحي الساعتين دول، وأنا هاخده على سريري، أصلي ركعتين التهجد على ما يأذن الفجر، أبقى أبعتهولك مع حد من الولد خليفة ولا حمزة.

حاولت ليلى الاعتراض حتى لا ترهقها إلا أن إصرار حسنية جعلها تنصاع لرغبتها وتصعد هي كي تستريح قليلاً. وما إن شرعت بصعود الدرج بخطوتين حتى دوى هاتفها بصوت اتصال زوجها حبيبها، لتجيبه على الفور باستغراب:

ـ ألو يا معاذ، إنت سهران لحد دلوك، ولا يكونش جايلك قلق زي حالاتنا أنا وولدك؟

قالتها بنبرة ضاحكة، فأتى رده بصوت مثقل باحتياجه لها:

ـ ليلى أنا بحبك قوي، وعايز أسمعها منك، إن إنتي كمان بتحبيني؟

سارعت بتنفيذ رغبته رغم ارتيابها والقلق الذي تسرب إليها من نبرته:

ـ بحبك وبعشقك كمان، يا قلب ليلى وعينها اللي بتشوف بيها، بس إنت مالك؟ في حاجة تعباك؟

جاءها الرد بنبرة يتخللها الارتياح:

ـ ولا أي حاجة، أنا كفاية بس عليا كلمتينك دول أنام وأصحى عليهم وأنا بالي مطمن، منحرمش منك يا أم مؤيد.

.........................

داخل ملهى ليلي فاخر

المكان غارق في أضواء النيون البنفسجية والحمراء، الموسيقى الإلكترونية الصاخبة تهز الأرض. وفي ركن لهما وحدهما، تحدثت روان بنبرة استنكار مبالغ فيها نحو الأخرى التي كانت تدخن السجائر بشراهة وعيناها تقدحان شرراً، بعدما قصت عليها ما حدث:

ـ هو قالك كدة؟ طردك من بيته يا مريم معقول؟ دا اتجنن ده! طب حتى يكون ذوق في رفضه، مش بالعجرفة دي يعني؟ حقيقة أنا اتفاجأت.

جاء رد مريم بصوت حاد ومنخفض من فرط الغضب:

ـ وحياتك لندمه ندم عمره على إهانته ليا، هو مين أصلاً عشان يشوف نفسه عليا ويرفضني؟ هو أنا أي حد؟ كون إني فكرت فيه وفاتحته بنفسي دا بحد ذاته تكريم ليه.

اهتز رأس روان تدعي الطيبة في النصح:

ـ ما أنا عشان كدة كنت بحذرك يا مريم، معاذ دا عنيد زي إخواته، اسأليني أنا عارفاهم ومعاشراهم، كنت عايزة أوفر عليكي التعب وأقولك اكتمي في قلبك وخلاص، باينه كدة بيحب مراته...

ـ ويعني هي مراته دي هتكون أحلى مثلاً عشان يفضلها عليا؟ جرالك إيه يا روان؟

هتفت بها مريم نحوها وكأنها جرحت كرامتها، فتصنعت الأخرى الحزن قائلة:

ـ أنا بفكر معاكي بصوت عالي يا مريم، إنتي دلوقتي حاسة بإهانة الرفض ومعاذ زي ما ذكرتي كدة بيقول إنه هيقدم استقالته، هتعملي إيه بقى؟... هتسيبيه؟

تفوهت بسؤالها الأخير بنبرة في ظاهرها تبدو عادية، عكس ما تضمره داخلها من شوق كاسح لمعرفة المرتقب من تلك المغرورة، والتي التفتت إليها بابتسامة غامضة خالية من أي مشاعر:

ـ ولا حاجة يا قلبي، هروح بيتنا دلوقتي أنام وبكرة بقى أشوف رد فعله الأول، وبعدها أحكم هعمل إيه معاه.

.....................


في اليوم التالي صباحاً

الطاولة التي كانت عامرة بما لذ وطاب، لتضم حولها الأشقاء وزوجاتهما والأطفال. "خليفة" يتناول طعامه باسترخاء، يراقب ردود أفعال ابنتيه وهن يضحكن ويمرحن مع "اعتماد"، التي تتعامل معهن بحنان يفيض رقة، ولا تتوقف عن رعايتهما وكأنها والدتهما الحقيقية.

وعلى رأس الطاولة، يجلس "حمزة" وبجانبه من الناحية اليسرى يجلس ابنه "ريان"، الذي يتحدث دون توقف في كل شيء من أجل أن يلفت انتباه زوجة أبيه "مزيونة"، التي تستمع إليه باهتمام وتشاركه الاستفسار أحياناً حتى على أتفه الأحاديث.

عن قصد منها كي تشغل نفسها عن النظرات الحادة الموجهة إليها من ذلك الحانق، الذي تتهرب منه منذ الأمس وقد كان غائباً تماماً عن أجواء الألفة التي تسود المكان... وقد فاض به من تلك المتلاعبة التي تعلمت الشقاوة على يديه كي تحرقه بنارها.

كلما دوت ضحكتها أثناء تحدثها مع أحدهما، ازداد بداخله احتراقاً، يغمغم بصوت لا يصل لأحد غيره:

ـ ماشي يا مزيونة العبي على كيفك واعملي اللي إنتي عايزاه، برضه هتقعي تحت يدي...

في تلك الأثناء قدمت إليهم ليلى بملابس الجامعة، تقبل رأس والدتها في البداية قبل أن تضع طفلها بين يديها، لتردد الأخيرة بسعادة:

ـ يا صباح الهنا والسرور، مؤيد باشا هلّ يا ناس وملا الدنيا نور.

أثارت كلماتها اللطيفه الابتسامة على الأفواه لتعلق اعتماد:

ـ يا سلام على السجع يا ست مزيونة، إنتي ناقص تألفي شعر!

ضحكت الأخيرة لترد بمرح وبطرف عينيها تراقب ذلك المشتعل:

ـ وماله يا حبيبتي الله أعلم، يمكن ربنا ينفخ في صورتي صح وأعملها، بس ينزل ال...

توقفت تراقب بطرف عينيها ذلك المشتعل وهي تتابع:

ـ ينزل النونو وساعتها تفضى للتعليم والمدرسة اللي قدمنا عليها منازل.

ـ يا حبيبتي ربنا يكرمك وتحققي كل اللي بتحلمي بيه، وأنا معاكي وإن شاء الله أخليكي تطلعي البريمو على الكل.

قالتها اعتماد بدعم أثنى عليه زوجها بمرح لا يخلو من الغيرة:

ـ الله عليكي يا أبلة اعتماد يا اللي مراعية الكل بشطارتك وحنيتك، ياما نفسي أنا كمان يبقى لي نصيب من الاهتمام ده، أرجع أكمل دراسات عليا وأبقى البريمو على مزيونة اللي عايزة تبقى شاعرة.

أثارت كلماته ضحكات الجميع إلا حمزة الذي كان مع الوقت يزداد غيظاً، يراقبها وعروق جبهته تكاد تنطق. عيناه لا تكف عن ملاحقتها وهي تداعب الصغير مؤيد، بعد مغادرة ليلى كي تذهب إلى جامعتها، تارة يراقب يدها وتارة يراقب نظرتها.

حتى انتبه خليفة ليشاكسه:

ـ مالك يا واد أبوي؟ سرحان ولا مش عاجبك إن مرتك تبقى شاعرة؟ لاه عاد، كله إلا حرية المرأة وكبت إبداعها.

ضيق حمزة عينيه نحوه وشيطان نفسه يدعوه أن ينقض عليه ويفسد خريطة ذلك الوجه الجميل المبتسم، على الأقل يجد من يشفي به غيظه، فهمس له كازاً على أسنانه كي يتقي شره:

ـ اتلم يا خليفة، أنا قايم من الصبح والعفاريت بتنطط في وشي، ربي عيالك يا واد أبوي، ربي عيالك.

كبت خليفة ضحكته بصعوبة؛ فشقيقه الهادئ المسيطر دائماً، لا شيء يجعله يصل إلى تلك الدرجة من الحنق إلا واحدة فقط، تلك التي تداعب الصغير بوجه بعدم اكتراث تتعمد تجاهله ببرود لتزيد من اشتعاله.

كم ودّ أن يتسلى عليه قليلاً، ولكنه أعقل من أن يؤذي نفسه على يديه، ليتراجع بكرسيه للخلف قائلاً باستسلام:

ـ لا وعلى إيه يا واد أبوي، هو العمر بعزقة؟ ياللا بينا يا اعتماد أنا وإنتي والبنات نلحق وننجى بعمرنا... قبل البيت ما يولع!

خرجت الأخيرة منه بهمس لم يسمعه إلا اعتماد التي فهمت تشاركته المرح:

ـ وأنا برضه بقول كدة، حمد لله عمتي حسنية طلعت من الصبح عند منى تطل عليها، ياللا بينا يا ولاد على مدارسنا بسرعة اسبقونا على العربية.

أذعن الأطفال راكضين نحو السيارة التي كانت مصطفة في انتظارهم في الخارج، ليتبعهم خليفة بخطوات بطيئة مقصودة وزوجته التي تتأبط ذراعه يدندن لها ببعض الأغاني المرحة.

حتى إذا خرجوا أخيراً وخلت الأجواء عليهما، ساد نوع من الصمت المشحون لا يقطعه سوى صوت همهمات الطفل في يدها. ترك هو الطعام وما زال فمه يلوك إحدى اللقيمات وعيناه انصبتا بتركيز تام عليها، يطالعها بتحفز كذئب يراقب فريسته، حتى قطعت هي الصمت تخاطبه ببراءة:

ـ وه يا حمزة! اللي يشوفك كدة يقول بتحرجم على إنك تخلص عليا، ليه يا بوي القلبة دي بس؟

مالت رقبته نحوها بسخرية مردداً:

ـ ياااا شيخة! وكمان مكلفة نفسك تسألي؟ طب وليه تتعبي نفسك من أصله؟ لا يتأثر ساعتها كمان الجنين اللي معرفش نوعه.

كبتت بصعوبة ابتسامة ملحة على شفتيها تعاتبه بدلال:

ـ أخص عليك يا حمزة، لساك برضه شايل مني من إمبارح عشان مدخلتش معايا ولا عرفت نوع الجنين؟ إشحال إني ما كنت قايلة لك من الأول يا واد الناس، دي رغبتي من الأول، مش عايزة أعرف غير إنه صحي وسليم، أما عن نوعه فدي حاجة في إيد الخالق وأنا سيباها لوقتها.

ـ مزيونةةة!

هتف منادياً نحوها بحزم أوقفها، لينهض عن كرسيه نحوها يلوح بقبضته وبصوت منخفض بفحيح يشبه الأفعى:

ـ بت الأحرار يا اللي اتعلمتي اللوع على يدي، أنا اللي معلمك يا بت، وحافظك أكتر من اسمك، مفكراني غبي وهنسى الخازوق اللي عملتيه فيا إمبارح؟ لا ومن جبروتك تسيبيني نايم على كنبة الصالة زي اللوح وأنا اللي مستنيكي تصالحيني، مستاهلش أنا تصالحيني؟!

كانت تشعر بأنفاسه الغاضبة تلفح بشرتها، وهي لا تملك إلا سلاح البرود في التعامل معه حتى تمتص غضبه:

ـ حمزة إنت عارف إن نومك تقيل، وأنا حاولت أصالحك كتير إمبارح عشان تقوم وتيجي معايا على أوضتك، بس إنت مرديتش تقوم.

ـ كدابة في أصل وشك يا مزيونة، ببلاش شغل اللوع عليّ.

صمتت هذه المرة، وهو في لحظة انتظار القادم منها، تبسمت إليه فجأة تقبل كف يده القريبة من وجهها قائلة بنعومة أربكته:

ـ طب آدي يدك أهي، لو عايزني أبوس رأسك كمان هعملها، هو أنا قد زعلك برضه يا أبو ريان؟

وكأنها ألقت عليه دلواً من الماء المثلج لتطفئ اشتعال رأسه الملتهب بأفكار الأمس وطرق الانتقام، وأشياء أخرى كثيرة أخمدت بفضل حركتها الصغيرة تلك، حتى نسي سبب زعله من الأساس، لتضيع الهيبة في حضرتها وهو يجاهد في الرد عليه بخشونة مصطنعة:

ـ متفتكريش إني هتصالح بحركة هبلة زي دي، أنا زعلي منك كبير قوي يا مزيونة.

تبسمت غير آبهة بتهديده، لتميل بجسدها نحوه بدلال:

ـ وماله يا كبير ناسك، أصالحك بالكبيرة وباللي تحبه كمان، دا حتى البيت فضي علينا، قول وأؤمر وأنا تحت أمرك.

حسناً، لقد ذهب غضبه أدراج الرياح، بل لعنة الله عليه إن استمر في غبائه وترك الفرصة الذهبية. التمعت عيناه فجأة يطالع الأجواء الفارغة حوله ليبتعد عنها قليلاً ويجلس على الكرسي المقابل لها قائلاً:

ـ ماشي يا مزيونة، أنا برضه عقلي كبير، وهحاول أبلع وأتقبل الصلح، مش عشانك، لا دا عشان مؤيد باشا اللي جاعد في حضنك دلوك، أنا برضه عامله خاطر.

ضحكت في الأخيرة حينما أشار بسبابته على الصغير بجدية تثير المرح داخلها، لتنهض فجأة قائلة:

ـ قلب ستّه ده، ربنا يخليه ويحرسه، شالله يجبر بخاطره يا رب، أروح أحطه على فرشته مادام نام وشبع نوم.

قالتها تشرع بالذهاب أمام عينيه المتصيدة، وقد استرخى بجسده بسعادة في انتظارها، ناسياً الخصام من أوله، لكن وما هي سوى خطوتين منها حتى دوى هاتفه بورود مكالمة لرقم لا يعرفه، ما إن استجاب ليرد عليه حتى هتف يفزعها بصوته:

ـ بتقول مين يا واد؟ ماله أخويا معاذ عمل إيه؟

.... يتبع بالجزء الثاني

عايزين تعرفوا حصل ايه لمعاذ ؟ طب وحشتكوا هالة وكيمو السايكوو

انتوا اللي هتحددو بتفاعلكم انزل الجزء الثاني من الفصل بكرة ولا بعده ولا بعد بعده🤔🫣

#لأجله



تكملة الرواية بعد قليل 

لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كامله من هناااااااااا

مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا

مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا


أنت الان في اول موضوع

تعليقات

التنقل السريع