القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية غرام الذئاب الفصل الثالث والثلاثون33 بقلم ولاء رفعت (حصريه وجديده في مدونة قصر الروايات )

 

رواية غرام الذئاب الفصل الثالث والثلاثون33 بقلم ولاء رفعت (حصريه وجديده في مدونة قصر الروايات )




رواية غرام الذئاب الفصل الثالث والثلاثون33 بقلم ولاء رفعت (حصريه وجديده في مدونة قصر الروايات )


#الفصل_الثالث_والثلاثون

#غرام_الذئاب

#الجزء_الرابع_من_سلسلة_صراع_الذئاب

#ولاء_رفعت_علي


أقف الآن وحيدًا أمام نفسي، عاريًا من كل عذر، كم كنت غبيًا أظن أن إهمالها ذنبي، وراحتي في خيانة قلبي.

لقد خانتني الدنيا أمور كثيرة، لكني أنا خنتها أولًا، خنت زوجتي، خنت بيتي، وخنت نفسي.

آهٍ من الندم الذي يلتهم الروح، كل لحظة أتذكر فيها نظرتها الصامتة، شعرت أنني ارتكبت جريمة بلا دماء، سقطت في الاختبار لأن قلبي كان أضعف من أن يصون ما أحب.

وكل ما أملكه الآن، هو التوبة والاعتراف، والصبر على استعادة قلبها، لعل الله يمنحني فرصة لأصلح، قبل أن تُصبح الخيانة قدرً لا يُغفر.


طه البحيري

ــــــــــــــــ

في مستشفي البحيري... 

على أحد الأسرة المعدنية، تمدد ياسين وجرحه في كتفه يزرف الدماء، رغم إنه مضمد ضماد مؤقت ريثما يتفحصه شقيقه. 


جلست ياسمين إلى جواره، تمسك يده بكلتا يديها، دموعها تنهمر بلا انقطاع، تتكسر على وجنتيها وتغرق كلماتها وهي تقول، بصوت مبحوح يخرج من بين شهقاتها

"فضلت أقولك بلاش توقف يا ياسين… بلاش توقف… عاجبك اللي حصلك؟" 


التفت إليها بعينين مشتعلتين بالألم والغضب معًا، وشدّ على فكيه حتى برزت عروقه، وردّ من بين أسنانه، كأن كل حرف يُنتزع من صدره

"ما قولتلك خلاص… وبطلي عياط بقى" 


سكن صوتها، واكتفت بالنظر إليه بامتعاض تختلط فيه المرارة بالحب، وفي تلك اللحظة دُفع باب الغرفة بعجلة، ودخل يوسف يلهث بخوف ولهفة، وقد سبق جسده قلبه إلى الداخل. 

ورغم ما كان بينه وبين شقيقه من خلافات لم تندمل، فإن رابطة الدم حضرت الآن أقوى من كل شيء.


"إيه اللي حصل يا ياسين؟" 

سألها يوسف بقلق صريح، فتحت ياسمين فمها لتجيبه، وكأنها كانت تنتظر السؤال لتفرغ ما في صدرها

"كنا راجعين في طريق ضلمة و…" 


لكن ياسين قاطعها بحنق حاد كالسوط

"مش وقته حكايات" 


في التو دخلت الممرضة، تدفع أمامها طاولة معدنية تعلوها أدوات الجراحة والخيط الطبي، يصدر عنها رنين خافت يبعث على الرهبة. 

تنفس يوسف بعمق وهو يحدق في شقيقه، وأدرك من نظراته المتحفظة أنه ما زال لا يطيقه منذ خلافهما الأخير. حول نظره إلى ياسمين واخبرها بنبرة حاول أن يجعلها مطمئنة

"معلش يا ياسمين، اتفضلي بره… عشان مش هتستحملي المنظر" 


لكنها تشبثت بيد زوجها أكثر، كأنها تحاول أن تقتسم عنه الألم، وقالت بعزم وإصرار 

"أنا مش هسيبه" 


ثم نظرت إلى ياسين بعينين متوسلتين، فبادلها نظرة سريعة ثم نظر إلى شقيقه كإشارة صامتة أن يتركها، زفر الأخر مستسلمًا

"تمام" 


اقترب من أخيه وبدأ يفتح أزرار قميصه ، يزيحه بحذر عن كتفه المصاب، وما إن انكشف الجرح حتى تأوه ياسين تأوه خشن، بينما شهقت ياسمين وقد اتسعت عيناها لهول المشهد، حين رأت اللحم المشقوق والدم النازف. 

انحنى يوسف يتفحص الجرح بعين الطبيب الخبيرة 

"الحمد لله، الجرح مش في مكان خطير، بس للأسف هياخد غرز من جوه وبره، فأنا هديك حقنة بنج في منطقة الجرح، لأنه مش مستاهل تاخد بنج كلي" 


قال شقيقه وصوته مثقل بالألم ونفاذ الصبر

"أي حاجة يا يوسف… بس انجز بالله عليك" 


أومأ الأخر ثم التفت إلى الممرضة التي قدمت له القطن والمطهر. 

وما إن لامس المطهر الجرح حتى تأوه ياسين مجددًا وشد بقوة على يد زوجته، حتى شعرت كأن أناملها تتحطم في قبضته. 

ومع ذلك لم يكن ألمها الجسدي شيئًا يُذكر أمام وجع قلبها وهي ترى زوجها يتلوى من الوجع. 


ناولت الممرضة يوسف إبرة المخدر، فقال لشقيقه بنبرة هادئة، يحاول أن يخفف عنه

"معلش، استحمل… ثواني ومش هتحس بحاجة" 


ثم نظر إلى زوجة أخيه، وقد قرأ في شحوب وجهها وانطفاء لونها ما هو آت لا محالة. 

حاولت ياسمين أن تغمض عينيها، لكن خوفها علي زوجها كان أقوى من إرادتها، فأبقتها مفتوحتين رغماً عنها. 

وما إن غرز يوسف الإبرة في موضع الجرح ليخدره، لم تشعر ياسمين بنفسها… ترنحجسدها وفقدت وعيها دفعة واحدة، وسقطت في غياهب الإغماء. 


                         ❈-❈-❈


جلست  في عزلتها القاسية، بعد أن أُسدلت ستائر العزاء وانفض الجمع، وبقي الحزن وحيدًا جليسها. 

فبدت الغرفة ككهف موحش يحتضن وجعها، لا يواسيه سوى همسات القرآن التي كانت تتلوها بصوت مرتجف، يختلط فيه الخشوع بالانكسار.

راحت تتلو آيات الذكر الحكيم، فيما عيناها الغارقتان في الدموع تفضحان ما تعجز الشفاه عن البوح به؛ حزن ثقيل على رحيل زوجها، وفقد لا يُجبر وفراغ يتسع في صدرها كهاوية بلا قرار.


توقفت عن التلاوة فجأة، وكأن أنفاسها خانتها، ورفعت بصرها ببطء نحو الصورة المعلقة على الحائط المقابل. 

هناك كان وجهه يبتسم في إطار صامت، يقف جوارها ويمسكان معًا ابنتهما حين كانت صغيرة، ضحكتها المجمدة في الصورة تُوجع القلب، وذكريات الماضي تنقض عليها بضراوة. 

لم تنطق بكلمة، لكن عينيها وارتعاشة شفتيها وانهمار دموعها، كانوا ينطقون بالكثير، بالكثير الذي لا تحتمله الكلمات.


وفي ذروة تلك اللحظات الموجعة، جاء طرق خافت على باب الغرفة، تبعته نبرة مترددة من خلف الباب

"شاهيناز هانم، حضرتك صاحية؟"


أغمضت عينيها للحظة، ثم همست بصوت متهدج

"صدق الله العظيم"


سكتت برهة  واستجمعت ما تبقى من ثباتها، قائلة بصوت أوضح

"ادخلي"


انفتح الباب ببطء، ودلفت الخادمة بخطوات مترددة، وملامحها مشدودة بتوتر واضح، كأن الكلمات تثقل لسانها. وقفت أمام شاهيناز تتردد، ثم قالت باعتذار يسبق الكلام

"آسفة يا هانم… بس لازم أبلغ حضرتك"


رفعت الأخرى رأسها ببطء، ونظرت إليها بعينين مثقلتين بالسؤال

"فيه إيه؟"


تلعثمت الخادمة، ونظرت إلي أسفل ثم عادت تنظر إليها، قبل أن تقول أخيرًا وقد غلبها التوتر 

"أنا كنت بنضف أوضة مكتب مهاب بيه الله يرحمه، لاقيت درج المكتب المقفول… القفل بتاعه مكسور، والصندوق اللي فيه المسدس بتاعه مفتوح، والمسـدس نفسه مش موجود"

توقفت لحظة تلتقط أنفاسها، ثم أضافت مسرعة

"جيت أجري أقولك، لاقيت الست رودينا خارجة بتجري… لأنها كانت قبلها بتسألني عن مفاتيح الدرج"


ما إن أنهت كلماتها، حتى انتفضت شاهيناز من مجلسها كمن لُسع بصدمة كهربائية. 

امتدت يدها إلى هاتفها وهي ترتجف بشكل واضح، وضغطت على رقم ابنتها مرارًا، لكن الهاتف كان مغلق. 


زفرت بأنفاس متلاحقة، وتسلل القلق إلى صدرها فبادرت بالاتصال بابن شقيقتها، بينما كانت خطواتها المسرعة تقودها نحو غرفة ابنتها.


ما إن فتحت الباب، حتى اصطدمت عيناها بالفوضى تعم كل ركن؛ ملابس مبعثرة، أدراج مفتوحة، وبينما كانت نظراتها تجوب المكان بقلق متصاعد، انتبهت إلى ورقة ملقاة بإهمال على الأرض.

انحنت، التقطتها بيد مرتجفة، وراحت تقرأ سطورها، حتى شحب وجهها فجأة، كانت قسيمة الطلاق.


في تلك اللحظة، انكشف لها كل شيء، 

أدركت أن ابنتها قد فقدت صوابها، وأن نار الغضب التي أشعلها ياسين البحيري في قلبها قد دفعتها إلى الجنون، وأنها قررت دون عقل أن تنتقم منه، مهما كان الثمن.


سقطت على أقرب مقعد، وقلبها وهي تهمس في داخلها

"يا رب… استر"


                        ❈-❈-❈

توارى الطبيب في غرفته منذ عودته من الخارج، كأنما احتمى بالجدران من عالم يضج بما لا يحتمله قلبه. 

جلس في الشرفة بجسد منهك وملامح شاحبة، يتكئ على مقعد بارد، فيما عيناه معلقتان بشاشة هاتفه، حيث كان يتابع تسجيل البث المباشر لياسين البحيري، ذاك البث الذي اجتاح وسائل التواصل الاجتماعي انتشار النار في الهشيم، 

وفي الخلفية يصدح صوت القيصر كاظم الساهر وأغنية «لو لم نكن نفترق»، تنساب كلماتها كأنين خافت في فؤاده، تتسلل إلى أعماقه، وتنبش وجع دفين وجرح لم يندمل...

«لو أننا لم نفترق .. لبقيت بين يديكِ طفلا عابثـًا

و تركت عمري .. في لهيبك يحترق

لا تسألي العين الحزينة .. كيف أدمتها المقل

لا تسألي الطير الشريد .. لأي أسباب رحـل

رغم الرحيل .. ورغم ما فعلت بنا الأيام

قلبي لم يزل .. يحيا وحيـدًا بالأمل

أنا يا حبيبة كل أيامـي .. قتيـلـك فـي الهــوى

كنا نعانق في الظلام دموعنـا

والقلب منكسر من العبـراتِ

هذي النهاية لم تكن أبدًا لنـا

هذي النهاية قمة المأساة

ما كنت أعرف و الرحيل يشدنـا

إني أودع مهجتـي و حيـاتي» 

كلمات: فاروق جويدة


أمسك بيده جواز سفره، كأنه طوق نجاة أخير، أو صك هروب من كل ما يثقله، بينما انحدرت الدموع على خديه في صمت يؤلم الفؤاد.

بدأ دخان سيجارته يتلوى في الهواء، يرسم دوائر باهتة ثم يتلاشى، وهو يعلم في قرارة نفسه أنه ليس بمدخن، لكنه لا يلجأ إلى التدخين إلا في أحلك لحظاته، حين يضيق به الألم، فيتشبث بأي شيء يشتت حزنه، ولو كان ضرر إضافيًّا، فمهما بلغ أذاه، فلن يوازي الضرر الذي نُكِب به قلبه.


في تلك اللحظة، دخلت والدته الغرفة، فوقعت عيناها عليه في حالته تلك. 

انتبه لوجودها، فأغلق البث على الفور، وأطفأ شاشة الهاتف، ثم نهض مسرعًا، وولى ظهره إليها، فمسح دموعه بكفه على عجل كأنه يخشى أن تفضحه أمام والدته التي قالت بصوت يحمل سخرية مُرة تخفي قلقها حياله

"حمدالله على السلامة… أخيرًا افتكرت ليك أم وبيت؟!"


التفت إليها ببطء، ورمقها بنظرة ممتعضة، ثم ألقى كلماته ببرود قاس

"أحسنلك تتعودي تعيشي من غيري"


وقبل أن تثور عليه وترد، وقعت عيناها على جواز السفر في يده، اتسعت حدقتاها وشهقت، وضربت بكفها على صدرها في فزع

"يا نهار أزرق!، أنت هتسافر وتسيبني؟!"


تقدم نحو مكتبه، فتح درج من أدراجه، وألقى بالجواز داخله بإهمال متعمد،  اخبرها بصوت حاول أن يجعله ثابت

"قايلك من فترة أنا مسافر إنجلترا، بس كنت هسافر مؤتمر وراجع، إنما المرة دي هطول… هاقعد فترة كبيرة، وهابقى أنزل في الإجازات"


هزت رأسها بأسى، وارتجف صوتها 

"وأهون عليك يا ابني تسيبني لوحدي؟!، ده أنا مليش غيرك من بعد أبوك الله يرحمه"


تنفس بعمق، ثم قال محاولًا التخفيف

"معاكي الخدم هنا، وهاطمن عليكي كل يوم… يا إما تيجي معايا"


رفعت رأسها في إباء، وأجابت بحزم يشوبه حنين جارح

"طبعًا لاء، عمري ما هاسيب الفيلا… دي اللي عيشت نص عمري فيها مع أبوك، وشوفت فيها أجمل سنين حياتي، أنا روحي هنا"

حدق أمامه في صمت كثيف، وعيناه غارقتان في شرود موحش، فيما كان الحزن الدفين يعشش في أعماقه كطائر جريح لا يقوى على الطيران ولا يملك الرحيل. 

ظل على حاله لحظات، إلى أن انتبه أخيرًا لاهتزاز هاتفه بين يديه، كأن الواقع يلح عليه أن يفيق. 

ألقى نظرة سريعة على الشاشة، فإذا بالمتصل خالته. 

سارع بإغلاق الأغنية، ثم لمس علامة الإجابة.

لم تمهله خالته فرصة للترحيب، إذ اندفع صوتها صارخًا، تتشابك فيه الفزع والعجلة

"ألحق رودينا يا رحيم، بسرعة قبل ما تأذي حد، الحيوان طليقها بدل ما يجي يعزيها، باعتلها ورقة طلاقها، راحت خدت مسدس أبوها من ورانا وشكلها بالتأكيد رايحة له تنتقم منه"


انتفض من مكانه كمن صُبّ عليه ماء بارد، واتسعت عيناه في هلع. 

وأول ما قفز إلى خاطره كشرارة خاطفة، أن ياسمين قد تكون في دائرة الخطر.

  مد يده بسرعة، تناول سترة بدلته، وارتداها وهو يقول بنبرة حاول أن يكسوها بالثبات

"ما تقلقيش، هلحقها إن شاء الله… وربنا يستر"


أنهى المكالمة على عجل، وما كاد يلتفت حتى وجد والدته ترمقه بنظرة متسائلة 

"مين اللي كان بيكلمك؟"


أجابها باقتضاب وهو يلتقط مفاتيح سيارته، وقد بدا الاستعجال واضح في حركاته

"أختك"


عقدت حاجبيها، وقالت بنبرة لا تخلو من الضيق والحنق

"عايزة منك إيه؟!، مش عملت معاهم الواجب خلاص؟!، ولا الموكوسة بنتها هببت إيه تاني؟!، منها لله مش بييجي من وراها غير المصايب، حتى أبوها مسلمش منها… الراجل ما استحملش عمايلها، فاخدها من قاصرها واتكل على الله"


حدق رحيم في والدته بسأم دون أن يعلق على كلماتها، فقد ضاق صدره عن الجدال، وضاق الوقت عن التبرير. 

استدار عنها مسرعًا، واندفع إلي الخارج، لا يشغله سوى اللحاق بابنة خالته، قبل أن ترتكب مصيبة أخرى لا تُحمد عقباها.


                       ❈-❈-❈

وصل إلى الشركة رغم أن ساعات العمل كانت قد انقضت، والهدوء قد بسط سلطانه على المكان، فخالها خالية من الموظفين والمديرين، لا يسكنها سوى الصمت وأصداء الخطوات. 

غير أنه ما إن دلف إلى الداخل حتى لمح نور خافت يتسلل من أسفل باب أحد المكاتب، فاقترب ليجد مصعب ما يزال جالس في مكتبه، منكبًّا أمام شاشة الحاسوب. 


طرق الباب طرقًا خفيف، فرفع مصعب رأسه وانتبه إليه على الفور، ارتسمت على شفتيه ابتسامة ترحيب ممزوجة بالدهشة

"طه!، اتفضل، إيه اللي جابك الشركة مش إنت واخد إجازة النهارده؟"


تقدم بخطوات متثاقلة، وجلس أمام المكتب، ثم أطلق زفرة طويلة خرجت كأنها تحمل ثقل صدره كله، قبل أن يسأله بصوت خافت مثقل

"هو أنا ينفع أبات هنا في الشركة؟"


رمقه مصعب بنظرة متفحصة، راقب فيها ملامحه المرهقة، ونبرته المنكسرة، ثم سأله مباشرة

"إنت متخانق مع مراتك؟"


ارتسمت على وجه الأخر ابتسامة ساخرة من حاله، و سأله وهو يهز رأسه بخفة

"هو أنا باين عليّا قوي كده؟"


ضحك الأخر ضحكة قصيرة، ثم اخبره بنبرة هادئة 

"أنا واخد بالي من فترة كبيرة، بس الأمور الشخصية ما بحبش أتدخل فيها، إنما لو محتاج أي مساعدة أنا زي أخوك"


هز طه رأسه موافقًا، وارتسمت على شفتيه شبه ابتسامة باهتة

"عارف يا مصعب من غير ما تقول، بس الموضوع صعب قوي، حتى مساعدتك مش هاتنفع، مش بعيد لما أقولك اللي حصل إنت كمان تقلب عليا"


اتسعت عينا الأخر بدهشة وفضول، و بنبرة تحمل بعض المزاح لتخفيف الجو 

"ياه للدرجة دي؟!، ده شكله حوار تقيل اديني دقيقتين، هاتصل أخليهم يعملولنا اتنين قهوة، وتقعد تحكيلي"


وبعد قليل…

كان يمسك فنجان القهوة بيد مرتجفة، وفي اليد الأخرى سيجار مشتعل، تتصاعد من طرفه خيوط دخان واهنة، كأنها أنفاس روحه المنهكة. 

حدق في الفراغ بعينين غارقتين في الحزن والندم، ثم قال بصوت خفيض مثقل، تتخلله غصة لا تخفى

"الموضوع بدأ من فترة كبيرة فعلًا، هي انشغلت في البيت والولاد، وبقيت أنا آخر اهتماماتها، أنا ما أنكرش إنها ست بيت شاطرة، وأحسن أم تخاف وتراعي ولادها… بس أنا فين من كل ده؟!"


تنهد، وأدار الفنجان بين أصابعه، قبل أن يتابع

"نبهتها مرة واتنين، عزلنا من شقة أبويا الله يرحمه وسيبنا الحارة، وروحنا شقة أوسع، في منطقة راقية، قولت نكسر الروتين ونغيّر المكان، نجدد من حياتنا، لكن اكتشفت إن كل ده ولا حاجة، والوضع زي ما هو، يمكن بقى أسوأ… خصوصًا لما اتحطيت قدام أصعب اختبار، وللأسف زي الغبي سقطت فيه"


ارتشف مصعب قليلًا من قهوته، ثم سأله وهو يحدق فيه بنظرة متفحصة، كأنه يتأكد مما يسمع

"خونتها؟!"


أنزل قدح القهوة وألقى ببقايا سيجاره على الطاولة، حدق إلى الأرض بندم فاضح. 

بدأ يسرد عليه كيف كانت بدايته مع جارته روميساء، وكيف تدرج الأمر خطوة بعد أخرى، حتى انتهى بهما المطاف في الغردقة، حيث كاد ينزلق إلى مستنقع الرذيلة معها لولا مقتلها على يد شقيقها، قبل أن يقع المحظور.


نهض مصعب من خلف مكتبه، واتجه ليجلس على الكرسي المقابل لذلك البائس.

  تنفس بعمق أولًا، ثم قال بنبرة هادئة لكنها صارمة

"أنا مش هلومك ولا هعاتبك، كفاية عليك اللي إنت فيه، بس إنت فعلًا غبي ومتسرع، مش معنى إن مراتك مهملة فيك زي ما بتقول، إنك تجري ورا الحرام وتاخده حجة، لو كل الرجالة عملت زيك الدنيا كانت خربت، ما أنكرش إن كلنا بنتعرض لفتن كل يوم، بس الراجل اللي بيحب أهل بيته وبيخاف عليهم، ما يهموش ولا ألف روميساء، يعني الأولى كان لازم تدي لمراتك فرصة والتانية، والتالتة، وكنت تقول لها بصراحة، عفيني عن إني أبص للحرام، ومش عيب تقولها كل حاجة بصراحة، دي مراتك"


رفع الأخر رأسه قليلًا، وقال بصوت مبحوح

"قولتلها… قولتلها بدل المرة اتنين وتلاتة، أنا عارف تفكيرها على قدّها وحاولت، هقولك ومش هخبي عليك، أنا ضعفت أول مرة أتعامل مع واحدة من نوع روميساء، انبهرت بالجمال المزيف، وبالحياة اللي كانت بتشدني ليها، للأسف الفترة دي ما كنتش بشوف مراتي غير أم ولادي وبس، أو يمكن شيطاني اللي كان مصورلي كده، يزينلي الحرام ويوحش في عينيا الحلال علشان أبعد عنه وأخرب بيتي بإيدي"


"أديك جيبت الخلاصة… وشكلك ندمان"


رمقه الأخر بنظرة تنضح بالحزن وتفيض ألمً واخبره

"ندمان ندم عمري كله يا مصعب، طلبت منها السماح واتأسفت لها، لو كانت قالتلي موت نفسك وأنا هسامحك كنت عملتها، بس هي مش قابلة لا أسف ولا اعتذار، ورمتهالي في وشي، تخيل بتقولي روح اتجوز، لأن أنا عايشة معاك ومعتبراك أبو عيالي وبس"


كتم الأخر ضحكته بصعوبة، فحمحم وقال

"قالتهالك من ورا قلبها، اسمع مني إنت بس، الستات رغم اختلاف طباعهم بس تقريبًا كلهم مشتركين في كذا حاجة، منها إنهم لما يقولوا كلام زي اللي قالته مراتك، بيبقوا قاصدين العكس، هي طبيعي مش هتسامحك من أول اعتذار، لأن اللي عملته مش سهل، دي يا راجل راحت وراك، يعني أكيد شافتك وإنت بتعطف وبتلطف مع المرحومة في اللانش، والأدهى لما قفشتك وإنت داخل الأوضة، ولولا إن المرحومة اتقتلت، مش بعيد كانت قفشتكم في وضع مخل"


تنفس طه بعمق و ردد

"والحمد لله إنه ما حصلش"


رد الآخر ساخراً

"بس كان هيحصل، وكان عندك النية، أومال كنت رايح أوضة الست تهبب إيه معاها؟، كنت ناوي تلعبوا كوتشينة ولا تصور معاها لايف على التيك توك؟!، ده إنت تحمد ربنا إن وجود مراتك أنقذك من تهمة القتل"


اعتدل في جلسته، ثم أردف بجدية بالغة

"بص يا طه، إنت عارف مكانتك عندي إيه، إنت أخويا واللي بينا مش صلة قرابة وشغل وبس، أنا هانصحك نصيحة لوجه الله، والكلام ده ليا قبل ما يكون ليك، محدش فينا معصوم من الغلط، وكلنا بنتحط في اختبارات؛ يا بننجح يا بنسقط، فبقولك خليك ورا مراتك لحد ما تسامحك، استحمل ردود أفعالها لحد ما تلين، هي لو كرهتك أو اعتبرتك أبو العيال وبس، ما كانتش قعدت معاك لحظة واحدة تحت سقف واحد، وده لو دل يدل إنها بنت أصول وجدعة، وبتحبك قوي ربنا يباركلك فيها، دي تحطها في عينك، إنت كمان بتحبها ومالكوش غير بعض، والموضوع كله حله في إيدك إنت، وزي ما جرحت قلبها داويه، هتاخد وقت، مش مشكلة استحمل، ما اللي إنت هببته مش سهل برضه، بس هي تستاهل ألف محاولة منك، وربنا يهدي سركم ويبعد عنكم الشيطان"


هز طه رأسه، وردد بعزم وإصرار لا يخلو من وجع

"هداويه… ومش هاسيبها غير لما تسامحني"

                      

                         ❈-❈-❈

اقترب يوسف بسيارته من بوابة القصر، خفف السرعة شيئ فشيئ، في المقعد الخلفي شقيقه يجلس متكئًا بحذر، يشي وضعه بما مر به من ألم، لكنه مال برأسه نحو زوجته، وهمس بصوت دافئ

"بقيتي أحسن دلوقتي؟"


رمقته بعينين غارقتين في حزن رقيق، وقالت بصوت صادق لا يعرف المراوغة

"أنا اللي المفروض أسألك كده… أنا بخير طول ما إنت بخير"


ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، ممزوجة بشيء من المزاح

"أنا كل ما أفتكر لما يوسف قالك اخرجي بره علشان مش هتستحملي تشوفيه وهو بيخيط لي الجرح، وإنتي تقوليله لأ مش هاسيبه… وأول ما حطلي حقنة البنج وقعتي من طولك، هموت وأضحك بس مش قادر"


وكزته بخفة في ذراعه، ونظرت إليه بحنق مصطنع تخفي به توترها 

"يعني أنا غلطانة؟!، أنا ما كنتش عايزة أسيبك وإنت في الحالة دي، واستحملت إيدك وهي بتعصر في صوابعي اللي اتكسروا "


نظر إليها بنظرات تخطف القلب قبل العقل، نظرات تحمل امتنان وعشق دفين، امسك يدها  وقبل أنامل يدها ثم سألها بصوت خفيض

"يعني انتي كنتي خايفة عليا للدرجة دي؟"


هزت رأسها دون تفكير، وقالت بصدق عفوي

"أنا قلبي كان هيقف لما شوفتهم طعنوك"


أمسك يدها برفق، وضغط عليها بحنان ممتلئ بالعشق

"بعد الشر عليكي… أنا لو كنت أعرف إني هصعب عليكي كده، وهشوف في عينيكي الخوف عليا، كنت خليتهم يغزوني من زمان"


اتسعت عيناها في فزع محب

"بعد الشر عليك، ما تقولش كده، وبعدين ما أنا قايلة لك قبل اللي حصل… أنا موافقة نرجع نعيش مع بعض، أنا وإنت وبنتنا"


اتسعت ابتسامته أكثر، وكأن الكلمات أعادت إليه بعض من عافيته، وقال بمكر واضح

"ايوه أنا فاكر، حتى بامارة لما قولتلك هنعيش مع بعض في شقة واحدة، وأوضة واحدة، وعلى سرير واحد"


غمز لها بعينه، ثم أردف بنبرة مازحة

"بس أنا مش عايز الإجابة نظري… عايزها عملي علشان أتأكد"


اشتد وهج الخجل على خديها، وانخفض صوتها إلى همسة مرتبكة

"يا قليل الأدب"


ضحك بخفة 

"أمك اسمها رجب"


صاحت بامتعاض ودهشة

"نعم؟!"


لوح بيده بلا مبالاة 

"ما تاخديش في بالك… دي قافية كنا بنقولها زمان أيام العبط الطفولي، المهم انتي تطلعي تاخدي ياسمينا وتنزلي على طول، وإياكي تقولي لماما حاجة، الست شافت كتير الأيام اللي فاتت"


ترددت لحظة ثم سألته

"طيب لو سألتني عنك؟"


أجابها بثبات

"قوليلها بشتري حاجات، وهعدي عليكم آخدكم من قدام البوابة، وأنا هكلمها في التليفون علشان ما تحسش بحاجة"


وفي تلك اللحظة، تدخل يوسف وهو يوقف السيارة تمامًا، وقال بنبرة عملية

"إحنا وصلنا"

رمقه ياسين بنظرة جادة يغلفها التحفظ 

"شكرًا يا دكتور يوسف… تعبتك معايا"


أدرك شقيقه ما يختبئ بين طيات كلماته  من مسافة متحفظة وحدود مرسومة بعناية، فقابل حديثه باقتضاب محسوب قائلاً

"حمد الله على السلامة، قبل ما أنسى ناوي تعمل إيه مع العصابة اللي عملوا فيك كده؟، المفروض نعمل فيهم محضر" 


أجاب الأخر وبدا وكأنه يفرغ آخر ما تبقى من توتره

"قبل ما نجيلك كان في دورية شرطة قبضت عليهم، طلعوا عصابة من اللي بيثبتوا الناس علي الطرق اللي ما بيبقاش فيها حركة كتير و مستغلين عدم وجود كاميرات، الظابط خد أقوالي أنا وياسمين، وبلغتهم إني رايح المستشفى عندك، واحتمال يعدي عليك حد من القسم ياخد منك تقرير بحالتي"


أومأ يوسف برأسه 

"تمام."


التفت ياسين إلى زوجته، وحدق فيها بنظرة تحمل وصايا غير منطوقة

"انزلي… وأنا هكلم عم شكري يوصلنا"


تدخل شقيقه على الفور 

"وتكلم عم شكري ليه؟ ما أنا هوصلكم"


ارتسمت على شفتي الأخر ابتسامة خفيفة لكنها لم تبلغ عينيه، وقال بنبرة حاسمة 

"كتر خيرك معانا لحد كده"


ترجلت ياسمين من السيارة، ولحق بها زوجها، لكن يوسف استوقفه بصوت خافت

"ياسين؟"


التفت إليه الآخر، وهز رأسه باستفهام، فتردد يوسف لحظة ثم اخبره

"آسف… على أي كلمة صدرت مني وزعلتك إنت وياسمين"


حدق فيه شقيقه برهة، ثم نظر إلى زوجته تارة وعاد بنظره إلى شقيقه تارة أخرى،ثم أجاب بهدوء علي نقيض ما يشعر به

"اعتذارك أولى بيه دكتورة علياء، إنت معاك كنز وضيعته، حاول ترجعه"


أنهى كلماته دون زيادة، وأمسك بيد زوجته بثبات وعزم، وسار كلاهما نحو بوابة القصر. 

وهناك على بُعد خطوات قليلة، خلف شجرة وارفة بجذع عريض، وقفت مترصدة لهما، تتخفى في ظلها كما يتخفى الشر في العتمة. 

رأت طليقها يسير جوار زوجته، يده متشابكة في يدها، ونظراته معلقة بها بعشق لا تخطئه العين. 

  التقط بصرها إصابته سريعًا؛ إذ كان يرتدي حامل يرفع ذراعه الواقعة في الجهة المصابة، غير أن ذلك لم يشفع له في ميزان قلبها، ولم يوقظ فيها ذرة شفقة. 

ففي ناظريها، كان هو السبب في موت جنينها، وفي موت والدها، وختم جرائمه في حقها بإرساله ورقة طلاقها في أحلك لحظاتها بدلًا من أن يمد لها يد المواساة أو يشاركها الفقد.


ولم تكن قد اعترفت بعد لا لنفسها ولا لغيرها أنها كانت المخطئة منذ البداية؛ أخطأت في حق ذاتها أولًا، ثم في حق الجميع.

ظلت تراقبهما عن كثب، وعيناها تنضحان بحقد أسود وغل دفين، كأن الكراهية صارت وقودها الوحيد. 

أدخلت يدها في حقيبة يدها، وثبتت أصابعها على ما بداخلها في وضع استعداد، تقدمت خطوة وكادت تتحرك نحوهما لتنفذ انتقامها، و إذا بيد قوية باغتتها، قبضت على عضدها فانتفضت بفزع. 


التفتت مذعورة، فإذا به ابن خالتها، يحدق فيها بغضب متأجج، وملامحه مشدودة بعزم لا يقبل المساومة. 

دفعها بقوة خفيفة لكنها آمرة نحو شارع جانبي، حيث كانت سيارته مصطفة، وقال بنبرة قاطعة لا تحتمل جدال

"امشي قدامي"


اتسعت عيناها بدهشة ممزوجة بالرعب، وصاحت بتوتر

"إنت؟!، إنت عرفت إزاي؟!"


                         ❈-❈-❈

وصل بها إلى سيارته كما يساق الأسير إلى قدره المحتوم؛ فتح الباب بعنف ودفعها إلى المقعد الأمامي دفعة غليظة، ثم صفق الباب بقوة جعلت جسدها يهتز في مكانه.

استدار هو إلى مقعد القيادة، جلس مشدود الأعصاب، وانطلق بالسيارة كالسهم المنفلت، يطوي الطريق بلا وعي، حتى توقف فجأة عند مكان نائي. 


التفت إليها بحدة وعيناه تقدحان شرر، قبض على حقيبتها المتشبثة بها كالغريق بخشبة النجاة، وصوته أجش قاس

"هاتي الشنطة"


جذبتها بقوة إلى صدرها في فزع، ورفضت بعناد يائس 

"مش هديهالك… أوعى سيبها!" 


لكن الغلبة كانت له؛ انتزعها منها بقوة فجة، وهو يصيح بغضب أفقده رشده

"سيبي" 


فتح السحاب بغلظة، فإذا بالسلاح الناري يطل عليه بوضوح جلى من كل إنكار، أجزاؤه مشدودة جاهز للإطلاق، اتسعت عيناه، ورمقها بنظرة نارية كادت تحرق ملامحها

"إنتي كنتي ناوية تقتليه؟!" 


بادلته النظرة بكل ما يعتمل في صدرها من ضغينة سوداء وكراهية متأججة تجاه طليقها وزوجته. 

رفعت إصبعيها أمامه، كأنها تعد موت لا أشخاص، وقالت بصوت مشبع بالحقد

"الاتنين… كنت هقتلهم، عشان وهو بيموت يحس بالموت مرتين؛ مرة وهو بيطلع في الروح، ومرة وهو شايف مراته بتموت قصاد عينيه" 


جز على أسنانه من فرط الغضب، حتى كادت فكيه يتصدعان.

  لم يشعر بنفسه، لكن مجرد تخيله لمقتل ياسمين اعتصر قلبه عصرً موجع، فكيف لو كان الأمر واقعًا لا خيال عابر! 


لحظات ثقيلة من الصمت المشحون، ثم هوى بكفه على وجهها صفعة مدوية، دوّى صداها في فضاء السيارة كطلق ناري مفاجئ.

  تلقتها دون أن يرف لها جفن، وسألته بسخرية جارحة

"بتضربني عشانها طبعًا… ولولا هي كانت جنبه، كنت سيبتني أقتله، عشان ترجع تبقى ليك تاني" 


"اخرسي!"

صاح بها، وهو يدفع حقيبتها بغضب خلفه، فسقط منها كتاب على أرض السيارة. 

نظرت إليه بتوتر وخوف فاضح، ومدت يدها سريعًا إلى الخلف لتلتقطه، لكن يده كانت أسرع؛ سبقها وأمسك بالكتاب.

فتح غلافه بقلق متصاعد، ليجده مفرغ من الداخل، وفي جوفه كيس من المسحوق الأبيض اللعين.

  أمسك به ورفعه أمام ناظريه، وعيناه تحدقان فيها بصدمة. 

"رجعتي تشمي تاني!" 


في لحظة خاطفة انقلبت ملامحها رأسًا على عقب؛ تهاوى الغضب وتبخر الحقد، ليحل محلهما خوف مرتجف، وتوسل مكسور، بل إنكار يائس. 

راحت تهز رأسها بالنفي، كأنها تحاول أن تطرد الحقيقة عن نفسها. 


قال لها وصوته مثقل بذكريات موجعة، وقد انبعث من صدره كأنفاس محروقة

"ده أنا لسه فاكر كل لحظة إنتي مريتي بيها في المصحة… ده إنتي خلتيني وقتها أكدب على أهلك وأمي، وأقول لهم إنك سافرتي، وقعدت أعمل حوارات عشان يصدقوا لحد ما تتعافي، وبعدها سافرتي على كندا، كان بينك وبين الموت خطوة… رجعتي للموت تاني؟!"


مد يده إلى النافذة جواره، فتحها على اتساعها، وأفرغ محتوى الكيس إلى الخارج غير عابئ بمحاولتها اليائسة لمنعه. 

صرخت وهي تهوي نحوه

"لاء يا رحيم… بالله عليك لاء" 


لكنها لم تستطع التظاهر بالقوة أكثر من ذلك؛ انهار سد التماسك، وأجهشت في البكاء، تخبره من بين دموع متلاحقة وصوت مخنوق

"وفرقت إيه؟!، أنا عايشة ميتة أصلًا، الإنسان اللي كنت فاكرة إني بحبه راح، ابني اللي ما شافش الدنيا راح، واتحرمت إني أكون أم تاني، بابا مات وهو غضبان عليّا، وماما مش طايقة تشوفني وبقت تكرهني، حتى إنت، إنت بقيت بتكرهني وخسرتك بسبب غبائي، اللي في إيدك ده هو الحاجة الوحيدة اللي هتخليني أنسى اللي أنا فيه، حتى لو كان التمن موتي" 


وانخرطت في البكاء مجددًا، كطفلة ضائعة في مهب الطرق، فقدت الأمل في الرجوع، وتعلقت بالحزن كأنه وطنها الأخير.

وبرغم نفوره منها، ومن أفعالها التي فاقت في الشر والكراهية كل تصور، إلا أن قلبه خفق شفقة عليها، خفقة باغتته دون إذن. جذبها إلى صدره، واحتواها بين ذراعيه، يربت على ظهرها برفق متعب، حتى هدأت أنفاسها، وتسربت إلى روحها طمأنينة واهنة. 

انسحبت من بين ذراعيه، وعيناها تنضحان ببصيص أمل خجول، قالت له بصوت منكسر

"سامحني يا رحيم… أنا آسفة" 


تلقى كلماتها بطيف ابتسامة عابرة لم تبلغ عينيه ثم رد بجمود قاطع

"إنتي تروحي وتجهزي شنطة هدومك، وتجهزي نفسك، عشان هترجعي على كندا، يا كده يا هقول لخالتي إن بنتك كانت مدمنة زمان ورجعت للشم تاني، ومش بس كده، المرة دي هسلمك للمصحة بإيدي، وهخليكي تقضي باقي عمرك فيها؛ لأنك إنتي شر على نفسك وعلى اللي حواليكي، ها؟، اختارتي إيه؟" 


غرت فاها بصدمة، ولم تصدق تحوله المفاجئ؛ كانت تظنه ما يزال رحيم، ذاك الرجل ذو القلب الطيب الساذج القديم، الذي كان يصدق دموعها الزائفة في الماضي. 

هزت رأسها بالموافقة، وقد أدركت أخيرًا أن زمن اللعب على الأوتار المنكسرة قد انتهى.

                         ❈-❈-❈


في اليوم التالي...

جلس قصي خلف مكتبه بهيبته المعتادة،  يلقي أوامره على مساعدته بصوت متين وحاسم

"وبعد ما تخلصي اللي قولتلك عليه، تتصلي على كابتن أيمن، وتأكدي معاه ميعاد السفر" 


دونت كل ما قاله على اللوح الإلكتروني بعناية وانتباه، ثم التفتت إليه وسألته بحذر محترم

"تمام يا قصي بيه… في أي أوامر تانية؟" 


أجابها بتردد 

"عايزك تتصلي على كنان العمري، وتبلغيه إني عايزه ضروري" 


في تلك اللحظة، ارتجت أجواء الغرفة بصوت طرق على الباب، فانبرى الاثنان إلى الالتفات. 

عند عتبة الباب وقف الطارق، فإذا به كنان نفسه، همس قصي بدهشة تنضح بالفرح

"كنان!" 


دخل ونظراته تنضح باشتياق صديق إلى صديقه، وابتسامة خفيفة تتخللها مشاعر الفرح بعد طول غياب

"قولت كفاية بعاد لحد كده، وخليني أجي أبدأ بالسلام" 


تحرك الأخر من خلف مكتبه، وأشار لمساعدته قائلاً

"اتفضلي أنتي دلوقتي"


فتح ذراعيه بترحاب عارم، فاندفع  نحوه وتبادل الاثنان عناقً قويًا، عناق أخوة لم تُفلح المسافات في أن تفرقتهما، ولا الخلافات في إضعاف ما بينهما، كأنهما يربطان ما فرقه الدهر بالحب والوفاء.


ربت قصي على ظهره، وملامحه تموج بالحنين

"واحشني يا صاحبي" 


رد الأخر وتجمعت الدموع في عينيه، تشبه لآلئ الشوق على بحر ساكن

"مش أكتر مني يا كينج" 


انسحب الاثنان من العناق برفق، ثم أشار قصي إلى مقاعد الجلد الفاخرة بجانب المكتب

"تعالي نقعد هنا" 


جلسا والجو حولهما يملؤه دفء الصداقة القديمة، ومع كل نظرة متبادلة، كان الماضي يذوب شيئ فشيئ، ويترك في قلبيهما فسحة من الأمان والطمأنينة.

أكمل قصي حديثه، وقد انفرج صوته عن مزيج من العتاب والحنين، كأن الكلمات خرجت من بين شقوق الذاكرة المثقلة

"لو كنت أعرف إن بمجرد ما أنطق اسمك ألاقيك قدامي، كنت نطقته من زمان… رغم إني كل ما أفتكر اللي حصل وأنا عندك، مابقتش طايقك" 


ابتسم الآخر بحرج صادق، وانحنى رأسه قليلًا، كمن يعترف بخطيئته دون مواربة، ثم قال بأسف

"آسف يا باشا… أنا فعلًا وقتها كنت غلطان، وغلط لسه بدفع تمنه لحد دلوقتي، بس الحمد لله في أمل إن الدنيا تستقر، يكفي إني اتعافيت من تعلقي بسيلينا… وبالمناسبة أنا طلقتها" 


ارتسمت علىشفتي الأخر ابتسامة رضا، وقال بسعادة خالصة

"لو اللي بتقوله حصل فعلًا، يبقى إنت كده كنان الجدع ابن الأصول اللي أنا أعرفه، المهم عامل إيه مع أم ولادك؟" 


أجابه بأريحية واضحة، وقد أشرق وجهه براحة لم يعرفها منذ زمن

«الحمد لله، بقينا أحسن، واكتشفت إني بحبها، ويمكن اللي حصل من فترة خلاني أعرف قيمتها، وبالمناسبة هي حامل"


غمر الفرح قلبه، فتهللت ملامحه، وقال بسرور صادق

"ألف ألف مبروك، ربنا يقومهالك بالسلامة هي والمولود" 


ابتسم كنان وأضاف بنبرة مازحة

"الله يبارك فيك… عقبالكم انتم كمان تعملوها مرة تالتة" 


قهقه قصي ضاحكًا، اخبره وهو يهز رأسه

"ما أنا كنت لسه هقولك… في أخ أو أخت جاي في السكة لمالك وزوزو" 


اتسعت ابتسامته وردد داعياً

"ما شاء الله، ربنا يقوم مدام صبا بالسلامة هي والنونو، ويباركلك فيهم"


تنحنح الأخر قليلًا، وعاد إلى نبرة الجد

"يارب، كنت هاتواصل معاك بخصوص الشغل" 


رد بلا تردد، وبولاء قديم

"عينيا ليك يا باشا، أنا وشركتي تحت أمرك، ولو محتاج رجالة حراسة غير اللي عندي اجيبلك" 


عقد حاجبيه قليلًا، وقال بنبرة حاسمة

"ده مش وضع مؤقت، إنت هترجع لشغلك معايا، أصلًا ما بأمنش على بيتي ومراتي والولاد غيرك، خصوصًا إننا مسافرين اليومين الجايين إيطاليا، محتاج طقم حراسة، وإنت عارف الوضع هناك من وقت ما سيبت شغلي مع المافيا، عمري ما هآمن لحراسة من هناك، إنت ورجالتك هتسافروا إيطاليا، بس هتسبقونا الأول، تأمنوا الفيلا كويس، مداخل ومخارج، وتعملوا اختبارات لكاميرات المراقبة والإنذار" 


مال كنان للأمام و بثقة اخبره

"طيب، ما أنا هسافر، وهناك هأمنلك رجالة يشتغلوا تحت إيدي، ناس كفاءة جدًا وأعرفهم من زمان"


رمقه بنظرة حادة، وقال بدهاء لا يخلو من تحذير

"ما تبقاش غشيم، هتجيب رجالتك اللي معاك بقالهم سنين، لشوية رجالة ممكن يبيعونا لو لقوا اللي يدفع أكتر؟!، عايزك تفوق يا كنان، أنا لولا وعدت المدام والولاد بالسفر، ما كنتش اتحركت، أسبوع بالكتير وراجعين، وما تقلقش رجالتك ملزومين مني قبض وأكل وشرب وكل حاجة، غير السكن، مش أول مرة نسافر" 


أومأ الأخر موافقًا واخبره بحزم

"تمام يا باشا، اعتبر كله حصل، مستنيين حضرتك والجماعة والأولاد، قولي بس السفر إمتى عشان أبلغ الرجالة يجهزوا" 


أجابه مباشرة

"إنت والرجالة هتسافروا بعد بكره" 


اتسعت عينا الأخر بدهشة

"بعد بكره؟!" 


ابتسم قصي ابتسامة واثقة 

"زي ما سمعت، بعدها بيومين إن شاء الله نكون عندكم، ولو حابب تجيب المدام والولاد ياريت، الفيلا واسعة، وبيتك أخوك هو بيتك" 


ابتسم الأخر وقال بتقدير

"تسلم يا كينج، خليها وقت تاني، عشان أعرف أركز في شغلي" 


أخرج محفظته الجلدية من جيب سترته الداخلي، وسحب بطاقة ائتمانية، ومدها إليه

"يبقى اتفقنا، خد الكريدت دي، و طلع باسبورات مستعجلة للرجالة، ولو حاجة وقفت قدامك إديني تليفون" 


نهض كنان وأعاد البطاقة إليه بهدوء، وقال بثقة وبعزة نفس

"عيب يا باشا، أنا الحمد لله ربنا كارمني من وسع، وكفيل برجالتي، ولولاك ما كانش بقى ليا شركة أمن وحراسة، يعني كله من خيرك" 


وقف الأخر وربت على كتف كنان بقوة الأخوة، وقال بابتسامة دافئة

"ما تقولش كده، إنت أخويا يا كنان، بس برضه حسابك وحساب رجالتك عندي… وخلي الواجب ده لوقت تاني يا صاحبي" 

                        ❈-❈-❈

«مشهد من الماضي» 

تهدجت أنفاسه وهو ينصت إليها، فأصبح منتبهاً معها بكامل حواسه. 

"قالي عايزك تقفي جمبي زي ما وقفت جمبك، و كان طلبه إن أحضر معاه عشا عمل أو بالمعني الأصح سهرة مع رجال أعمال بينه و بينهم صفقات و شغل، وعايز يعرفني عليهم، لاء و كمان اشترالي مخصوص اللبس اللي غصبني ألبسه و أنا رايحة معاه، فستان ما تلبسهوش غير واحدة لا مؤاخذة شمال، قولتله لاء مستحيل ألبسه و إزاي تقبل علي مراتك تلبس القرف ده و كمان هتخليني أقابل رجالة و في سهرة عمل و أنت عارف يعني إيه سهرة واللي بيحصل فيها، هنا كشفلي عن وشه الحقيقي"


ارتجف فمها وهي تسترجع الألم 

"مسكني من شعري و لوى دراعي ورا ضهري لدرجة كان هايكسره، وهددني إن لو مانفذتش كل اللي بيأمرني بيه هايفضحني في الشركة و عند أهلي، و مش هايكمل تسديد الفلوس بتاع الرهان، فعرفت إنه دفع نص الفلوس و النص التاني بيسدده علي دفعات، والعقد اللي جابهولي دي صورة مش الأصل، وعمل كده عشان يفضل ضامن وجودي معاه، و أنفذ أي حاجة يقولي عليها من غير ما اعترض، للأسف طاوعته ونفذت كل اللي قالي عليه بالحرف الواحد، روحت معاه سهراته اللي مكنتش ليها علاقة بشغل الشركة، وعرفت إن بينه و بين اللي بيقابلهم شغل في الباطن، و وجودي معاه مجرد عروسة لعبة بيتباهي بيها قدامهم ويخلص بيها صفقاته، و مفيش مانع ده يرقص معايا و ده يشربله كاسين برضه معايا"..... 

أفاق من شروده على صدى ما استقر في ذاكرته من حديث سابق، وهو يقود سيارته على غير هدى، كأن الطريق يمتد أمامه بلا ملامح. 

كان قلبه يئن وجعًا، يتقاسمه بين حاله وحالها؛ وجع الخديعة حين اكتشف أنها أخفت عنه ماضيها، وتركته يراها نقية كما تخيلها، لم تشُب صورتها في عينيه شائبة، ولم يخطر بباله أن خلف ابتسامتها تاريخ مطمور بالأخطاء والآلام.


ومع مرارة الغضب، تسلل إليه شعور آخر أكثر قسوة؛ شفقة موجعة عليها، كيف أوقعت نفسها في تلك الهاوية السحيقة، وكيف سمحت لتلك المصائب أن تتراكم فوق روحها حتى صارت أسيرة لها. 

ثم باغته خاطر مرعب، كصفعة على الوعي، ماذا لو أقدم ذلك المختل، رامي، على فضحها؟ ماذا لو نشر الفيديو على وسائل التواصل، وعراها أمام العالم بلا رحمة ولا شفقة؟!


انتفض من أفكاره حين ضغط على المكابح فجأة، وقد أدرك أنه وصل إلى العنوان الذي أعطته له منار، حيث يقطن رامي.

  توقف الزمن لوهلة، وساد صمت ثقيل، 

قبل أن يغادر سيارته، مد يده إلى الدرج الأمامي، فتحه ببطء، وأخرج سلاحه الناري. 

راقبه بعين ثابتة، وتأكد أن الخزنة ممتلئة، فالأمر لم يعد يحتمل التهاون؛ ذلك الرامي لا يجدي معه سوى لغة التهديد والترهيب، لغة الحديد والنار.


ترجل أدهم من سيارته على مهل، أعاد قراءة العنوان مرة أخرى من شاشة هاتفه،  رفع رأسه، واستوقف أحد الشباب المارين،  اخبره بنبرة هادئة تخفي ما وراءها

"لو سمحت، عايز منك خدمة" 


رمقه الشاب بنظرة مشوبة بالريبة والخوف، وتسرع في الرد كمن يبرئ ذمته قبل أن يُدان

"والله ما عملت حاجة يا باشا، ده الولا بيكا هو اللي ماسك الدولاب بتاع المعلم عاشور" 


في اللحظة ذاتها، أدرك أدهم أن الشاب حسبه ضابط مباحث، فارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة أراد بها طمأنته، وربت على كتفه في ود مصطنع

"متخافش، أنا مش مباحث ولا ظابط، أنا جاي أسأل عن واحد صاحبي هنا اسمه رامي، كان مسجون ولسه خارج من السجن، ماتعرفش ساكن فين؟" 


حك الشاب ذقنه بتوتر، وألقى على أدهم نظرة فاحصة من أسفل إلى أعلى، ثم قال بمكر متستر خلف المزاح

"آه… رامي، تمام يا بيه، هاعمل نفسي مصدقك، بس الهيبة فضاحة برضه، بس يا خسارة، أنا معرفش مين رامي أصلاً" 


فطن إلى كذبه سريعًا، وسأله بسخرية باردة

"متأكد؟" 


هز الشاب رأسه بثقة زائفة، وأجاب وهو يخطو مبتعدًا

"آه يا بيه متأكد، ممكن تروح القهوة اللي هناك على الناصية تسأل عنه، يمكن حد يعرفه عن إذنك" 


وأسرع في خطواته، بينما وقف أدهم يتابعه بعين ناقدة لا تخطئ المراوغة. وفي اللحظة ذاتها، أخرج الشاب هاتفه وسجل رسالة صوتية بصوت خافت متعجل

«ألحق يا عم رامي، كوت من عندك، عشان واحد شكله ظابط بيسأل عليك»


وفي الأعلى، داخل شقة خانقة تفوح منها رائحة الدخان والرذيلة، كان رامي ينفث دخان سيجارته بكسلٍ، ويتحدث في مكالمة فيديو مع إحدى بائعات الهوى، تضحك بدلال سافر، وهو يقول لها بلهجة ماجنة

"مش ناوية تيجي بقى؟، إحنا هنقضيها من ورا الكاميرا ولا إيه؟" 


قهقهت الفتاة وأجابته بتثاقل مصطنع

"لأ يا عينيا، ماليش في جو الشقق، آخري معاك فيديو كول، وخالتي وخالتك واتفرقوا الخالات" 


انتبه إلى الرسالة الصوتية الواردة من اسم «جودة»، فتمتم بقلق خافت

"ده الولا جودة… استر يا رب" 


ثم قال للفتاة بنفاذ صبر وازدراء

"بشوقك يا مزة، انتي اللي خسرانة، غوري في داهية… قال هانقضيها فيديو كول قال" 


وأغلق المكالمة على الفور ليستمع إلى الرسالة الصوتية، وما إن وصل صداها إلى أذنيه حتى انتفض من مكانه كملسوع، واتجه نحو النافذة المطلة على ناصية الشارع، وعيناه تجوبان المكان في فزع مترقب، حتى التقط رؤية أدهم واقفًا عند المقهى.


زمجر بغضب مسعور، وسب بألفاظ لاذعة

"يا بت الـ… يا منار!، بعتيني للبقف، يبقى انتي اللي جبتيه لنفسك، وخلي البيه يبقى يلحقك" 


                            ❈-❈-❈


وبالعودة إلى أدهم الذي توصل إلى رقم المبنى السكني تحديدًا من أحد الرجال الجالسين على المقهى، صعد السلم بخطوات سريعة مشحونة، حتى بلغ الشقة المقصودة. 

ضغط الجرس بعنف، وطرق الباب بقوة مرة بعد أخرى دون أن يأتيه رد، فصاح بغضب انفجر من صدره

"افتح يا رامي، أنا عارف إنك جوه يا و…، افتح لأكسر الباب فوق دماغك يا… يا ابن الـ…." 


فُتح باب الشقة المقابلة، وخرج رجل كبير، رمقه بضيق وقال مستنكرًا

"بتخبط على مين يا ابني؟، اللي بتنده عليه ده بقاله ليلتين ما بيجيش، داهية تاخده وما يعودش تاني، ده كان جار سوء و…" 


تنفس بعمق وهدأ قليلًا، ثم أخرج من محفظته بطاقة مدونًا عليها اسمه وأرقام هاتفه، وناولها للرجل قائلًا

"طيب يا حاج، لما يرجع ممكن تتصل عليّا، وليك ورقة زي دي كمان" 


وأخرج ورقة من فئة مئتي جنيه، دسها في يد الرجل، ابتسم الأخير ابتسامة عريضة

"عيوني يا بيه" 


غادر المكان على الفور، وعاد إلى سيارته وجلس خلف المقود ينتظر، بعينين لا تفارقان مدخل المبنى، لعله يراه يعود إلى وكره، فيسقط أخيرًا في الشَّرك الذي نصب له.

فتح رامي باب منزله على مهل حذر، بعد أن اطمأن حين لمح أدهم جالسًا في سيارته من خلال فتحات الخشب الضيقة بالنافذة، يراقب المكان في ترقب. 

أطبق الباب خلفه، ثم اتجه بخطوات واثقة نحو باب الشقة المقابلة، وطرق عليه طرقات خفيفة. 

لم يلبث أن فُتح الباب، وظهر الرجل وهو يبتسم ابتسامة عريضة، تختلط فيها الخبث بالرضا، قائلاً بلهجة ساخرة

"إيه رأيك؟، عرفت أثبتلك الراجل في دقيقة إزاي، يلا على إيدك ميتينايه" 


لكزه رامي في ذراعه بضيق متصنع، وهو يتمتم بانفعال ممزوج بالسباب

"ما تهدى عليا يا عم المنشار، ما أنا لسه مديلك من يومين ومتفق معاك، غير اللي لسه لهفه من الراجل، وبعدين تعال هنا… أنا داهية تاخدني و…!" 


وقبل أن يُتم جملته، باغت الرجل بصفعة خفيفة على جانب عنقه، ويردف بلهجة لا تخلو من التبجح

"إيدك تقيلة، ما إنت اللي قايلي ثبته وخليه يمشي قفاه يقمر عيش، فكان لازم أقوله كلمتين كده في الهوا عشان يقتنع، وأديك شوفت اقتنع ولا ما اقتنعش!" 


ارتسمت على شفتي الأخر ابتسامة ساخرة، وقال وهو يهز رأسه

"داهية تاخدك وتاخده في ساعة واحدة"


ثم استدار عائدًا إلى شقته، وأغلق الباب خلفه بإحكام. 

وما إن استند بظهره إلى الباب حتى أخرج هاتفه، وحدق في شاشته بترقب متلهف، يتأكد من أن الفيديو قد تم إرساله. 

لحظات ثم ظهر إشعار المشاهدة، وتلاه رد فوري من الطرف الآخر

«إنت مين يا ابن الـ…؟!، وجبت الفيديو ده منين؟»


اتسعت ابتسامته حتى غدت أقرب إلى ابتسامة نصر ملوث، فقال بهدوء ساخر

"كفايتك كده… أحلى بلوك، وبالشفا عليك إنت وأختك" 


ثم أغلق الهاتف وأسند رأسه إلى الحائط، وأخذ يضحك. 


                        ❈-❈-❈

ولدى منزل عائلة منار، كانت تغط في نوم ثقيل، بعد أرق طويل لازمها أيام متتابعة، حتى أنهك جسدها واستنزف روحها، فاستسلمت أخيرًا لسبات عميق، لعل النوم يكون مهرب مؤقتًا من واقع موجع أثقل كاهلها. 

غير أن الراحة كما يبدو لم تُكتب لها.


انفتح باب المنزل فجأة، على نحو فج وعنيف، دلف شقيقها وهو يصيح بصوت أجش متفجر

"هي فين؟!" 


خرجت والدته من المطبخ مذعورة، وقد ارتسم الفزع على ملامحها، وسألته وهي تضع يدها على صدرها

"في إيه يا ابني؟ مالك داخل بزعابيبك كده؟!" 


استدار إليها بعينين تقدحان شررًا، وصاح بانفعال أعمى

"إنتوا لسه شوفتوا زعابيب، بنتك الفاجرة كانت بتستغفلنا من زمان، وطلعت مقضياها مع أصحاب الشركات اللي بتشتغل فيها" 


شهقت والدته وارتدت خطوة إلى الخلف، صرخت فيه بحدة ممزوجة بالذهول

"إيه اللي إنت بتقوله ده؟!، اتلم واتكلم عن أختك الكبيرة عدل" 


قهقه بضحكة ساخره، خالية من أي تعقل، ثم زمجر بجنون

"أنا ماليش أخت و… و… زيها، والله لأقتلها وأخلص من عارها، أنا كنت ساكتلها عن لبسها اللي زي لبس الرقصات ومكياجها اللي شبه البنات الشمال، كنت بعدي عشان خاطرك، إنما لحد العرض والشرف لاء، مفيش سكوت، اتفضلي شوفي وساخة بنتك" 


ودس الهاتف في يدها بعنف، لتشاهد المقطع المصور.

في تلك اللحظة تجمدت الأم في مكانها، شُلت حواسها، واتسعت عيناها بصدمة قاتلة، وهي ترى محتوى الفيديو،  تمنت لو أن الأرض تنشق تحت قدميها وتبتلعها.


وفي غمرة ذهولها، كان هو قد توجه إلى المطبخ أولًا دون أن تنتبه إليه، التقط السكين، ثم اندفع نحو غرفة شقيقته بخطوات سريعة يملؤها الغضب والجنون.


اقتحم الغرفة دون تردد، فوجدها ما تزال غارقة في نومها، ملامحها ساكنة بريئة، كأنها لا تعلم أن العاصفة قد بلغت ذروتها.


قبض على خصلات شعرها بقسوة أيقظتها فزعًا، وهز رأسها صارخًا بوحشية

"قومي يا و…، حافظة الشهادة ولا أقولهالك؟!" 


فتحت عينيها على اتساعهما، يتدفق الرعب في نظراتها، لتجده أمامها يشهر السكين أمام عينيها، يلمع نصله تحت الضوء الخافت، فأدركت أن الكابوس الذي هربت منه بالنوم، قد جاءها في الواقع بضراوة. 


يتبع.... 


   


جاري كتابة الفصل الجديد للروايه حصريا لقصر الروايات اترك تعليق ليصلك كل جديد أو عاود زيارتنا الليله

لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كامله من هناااااااااا

مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا

مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا


تعليقات

التنقل السريع